المعيّة الصّادقة

المعيّة الصّادقة

من منّا لا يتمنّى أن يكون مع الله ومع الرسول وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين!

لا أظنّ أحداً يطلب البُعد عنهم؛ إذ في البُعد عنهم بُعد عن الحق،وعمّا يدركه العقل، وعن الطهر والنّقاء والصفاء. البُعد عنهم يعني الالتصاق بالرذيلة والانحطاط والتراجع في غالب المستويات.

إذاً لا يسع أحدنا -مادام يصبوا للرفعة والعزّة في الدنيا والآخرة- إلا أنّ يكون معهم ملتصقاً بهم، مستمسّكاً بحبلهم، آخذاً عنهم، سائراً على نهجهم وطريقهم.

وعلى هذا فالكلّ يتمنّى أن يكون معهم لا مع غيرهم فإن تيسّرت المعيّة المكانية فهي نور على نور وإن لم تتيسّر فهناك معيّة أخرى لا بد من الالتفات إليها وهي تكمن على مستوى الطاعة والانتماء إليهم كمعيّة سلمان المحمّدي حيث شهد لذلك غير واحدٍ من المعصومين بقولهم: >سلمانٌ منّا أهل البيت<[1].

والمعيّة الأولى: قد لا تعطي الإنسان ميزة إذا انفصلت عن المعيّة الأخرى وسيكون كالخشب المسنّدة التي كان بعضها يزاحم الرسول| أو الفئة المنافقة التي ما برحت إلا وتطلب الفتك به| وبمن جاء من بعده من المعصومين^.

أما المعيّة الثانية: فهي تخرق الزمان والمكان، وتعطي الفرصة للجميع للانتماء إليهم صلوات الله عليهم وإن رأوا منه صدق الانتماء قبلوا معيّته فكانوا معه كما هو معهم.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ المعيّة متبادلة بيننا وبينهم؛ فمنهم -الله والرسول وأهل بيته- معيّة تجاهنا، ومنّا معيّة تجاههم.

أما معيّتهم تجاهنا فالشواهد عليها كثيرة نشير إلى بعضها:

معيّة الله:

أمّا معيّة الله فهي متحقّقة كما في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}[2]، وقوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}([3])، وغيرها مما يدلّ على كونه تعالى مشرف على جميع خلقه ولا يخفى عليه من أمرهم شيء.

وفي قبال هذه المعيّة توجد معيّة أخرى هي لأفرادٍ من خلقه قد اتصفوا بصفات أهّلتهم لنيل هذا المقام الرفيع عند الله كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ}[4]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[5] وغيرها، ولا شكّ أنّ في هذه المعيّة حالة التسديد لهؤلاء العباد.

  

معيّة الرسول| والأئمة^

أما معيّة الرسول| والأئمة من ولده على الخلق فلها شواهد عديدة تدلّل على إفاضة الله تعالى عليهم هذا الفضل لتكون عندهم المعيّة مع الخلق لا سيّما الأولياء منهم سواء:

-على مستوى الشهادة والاطلاع:

فمن هذه ما عن الإمام الباقر×: >أترون أن ليس لنا عليكم أعينٌ ناظرة، وأسماعٌ سامعة، لبئس ما رأيتم، والله لا يخفى علينا شيء من أعمالكم، فاحضرونا جميعاً، وعوّدوا أنفسكم الخير وكونوا من أهله تعرفوا فإنّي بهذا آمر ولدي وشيعتي<[6] وغيرها مما تدلل على إفاضة الله لهم هذا المقام العالي حيث تعرض عليهم أعمال الخلائق ولا يخفى عليهم شيء.

-أو على مستوى التأييد والتسديد:

كما عن يونس بن ظبيان قول الإمام الصادق× إليه فيحديثٍ: >يا يونس إذا كان ذلك -أيْ: الموت- أتاه محمد| وعلي وفاطمة والحسن والحسينوالملائكة المقربونفإذا قبضه الله عزّ وجلّ صيّر تلك الروح في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التيكانت في الدنيا<[7] ولا شكّ أنّ في شهادتهم لهذا المحتضر عون له على في هذه المرحلة التي يمرّ بها.

وغيرها من الروايات الدالة على تسديدهم -وإعانتهم في غير هذا الموضع- التي ليس الغرض عرضها هنا.

 معيّتنا إلى الله وإلى الرسول والأئمة

وهذه المعيّة لا بد من أن نعيشها ونترجمها في سلوكنا دائماً، وهي التي نلهج بها في كثير من الأدعية والزيارات ويعلّما أهل البيت^ ذلك ويدعوننا إلى أن نكون معهم ومن قبلهم الله تعالى كما في:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين}[8] والمصداق للصادقين هم النبي وآله الطاهرون^.

وفي الزيارة الجامعة: >معكم معكم لا مع غيركم<.

وفي زيارة عاشوراء: >فأسأل الله الذي أكرم مقامك وأكرمني بك أن يرزقني طلب ثأرك[ثأري] مع إمام منصور من أهل بيت محمد|<. وغيرها.

فهذا التوجيه والتلقين المتكرر للكون مع الله تعالى ومع المعصومين إنّما هو راجع للعبد نفسه وهو المحتاج إليهم لا العكس ليصل إلى رضوان الله تعالى فيكون ممن رضي الله عنه[9]، وأيّ مقام هذا الذي يتمنّاه كلّ الأولياء والصالحين، وأيّ فوز هذا!.

ولكي نحقق هذه المعيّة في سلوكنا لا بد من الالتفات إلى جملة من الأمور التي بها نكون معهم^ ولا نغفل عن كون المعيّة معهم تحقق المعيّة مع الله تعالى؛ لأنّ >من أراد الله بدأ بكم، ومن وحّده قبِل عنكم<[10] ولا معيّة صادقة مع الله تعالى إلا بمعيّة صادقة معهم^. ولتكون هذه المعيّة صادقة لا بد من ترجمتها بصدق من خلال جملة من الأمور:

الأول: اتّباعهم والأخذ عنهم، فما دام قد ثبت شيء عنهم فلابد من التسليم به لأنّهم هم الأبواب التي من خلالها نصل إلى الله تعالى، ألسنا نقول: >وقلبي لقلبكم سلم وأمري لأمركم متّبع<[11] فمقتضى هذا الاتباع هو القبول عنهم فما ثبت صدوره عنهم ليس لنا ردّه ولو بحجّة عدم قبول العقل لها مثلا.

الثاني: جعلهم القدوة في كلّ وجودنا وحياتنا، فكما أنّهم حريصون على رفع كلمة التوحيد فنحن لا بد أن نكون كذلك، وكما أنّهم يحملون همّ الإسلام وإعزازه فنحن لا بد أن نكون كذلك، فهم أئمّتنا وقداوتنا، {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِين}[12]، ولا بد أن يسعى الفردّ منّا ليمتزج بما يحمله هؤلاء القادة ولو على مستوى التألّم -إن لم يقدروا على المدافعة- لوجود الباطل وانتشاره وعلوّه على الحقّ وأهله وصيرورة المنكر ومرتكبه عزيزاً بدلاً من ذلّته.

الثالث: استحضار الكون في محضر الله والمعصومين كما أشار إليه الإمام في قوله: >فاحضرونا جميعاً< وهو ما ذكر في القرآن في قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون}[13] ولا شكّ أنّ في استحضار هذا الكوْن مانع عن التقصي في جنب الله  وعن ارتكاب المحظورات بل هو مانع حتى عن الكسل في أداء العبادات والكثير من الأعمال... وهذه نِعم المعيّة معهم حيث يعيش الإنسان في كلّ مكان وزمان مستشعراً اطلاع الله عليه واطلاع المعصومين عليه فإنّ هذا باعث -مضافاً لما أشرنا إليه- على التحلّي بالإخلاص وأنّه مادام الله تعالى والرسول والأئمّة مطّلعون على سرّي الذي هو طاعة لله ولهم فما الضير في أن يصلني ذمّي من جاهل بذلك بدلاً من أن يصلني ما فيه مدحي ورفع شأني لأنّ المهم عندي هو أن أرتفع شأناً عند الله وعندهم^.

الرابع: فعل الخيرات كما أشار إلى ذلك الإمام× في قوله:>وعوّدوا أنفسكم الخير وكونوا من أهله تعرفوا<، ولا شكّ أن تطبّع العبد على فعل الخير حتى يبلغ به الأمر إلى أن يُعرف بهوأنّه من أهل الخير والصلاح فإنّ هذا مما له انعكاس إيجابيٌّ على الفرد وعلى غيره، فالفرد بهذا التطبّع يكون خيراً محضاً يمجّ الشرّ ويرفضه بل يقف في وجهه، وغير الفرد يجد الأمن مع أهل الخير فيقبل عنهم ويميل إلى السبب الذي جعلهم أهل خير فإن لم يرتبط بهذا السبب فإنّه لن يكون عدوّاً له، وهذا مفاد >كونوا دعاة لأنفسكم بغير ألسنتكم<[14].

الخامس: ضرورة تعميق الارتباط مع الإمام المهدي# :>فأسأل الله الذي أكرم مقامك وأكرمني بك أن يرزقني طلب ثأرك[ثأري] مع إمام منصور من أهل بيت محمد<، وهذا يستلزم إعداد العدّة مع لحاظ ما تقدّم نقاط أربع كيما يكون الفرد منّا كواحد من أصحاب الرسول| الخلّص الذين لا يقدّمون إلا أمره وقوله| ولا يعترضون على فعله وقوله، وإليه يسلمون، وله متّبعون، فيبلغون الفتح والفوز العظيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1])لمزيد اطلاع على هذا يمكن مراجعةمقال بعنوان (سلمان منّا أهل البيت.. وِسام شرف)، مجلة رسالة القلم2011م، العدد28، ص75.

([2])الحديد: 4.

([3])المجادلة: 7.

([4])النّحل: 128.

([5])البقرة: 153.

([6])وصدر الخبر أنّه قال أبو بصير: سمعت الإمام الباقر يقول لرجل من أهل أفريقيه: ما حال راشد؟ قال: خلّفته حيّاً صالحاً يقرئك السلام، قال×: رحمه الله. قال: مات؟، قال: نعم، بعد خروجك بيومين... إلى أن قال أبو بصير بعد أن انصرف الرجل، من يكون راشد؟ قال: رجل لنا موالٍ ولنا محبّ. ثمّ قال×: أترون...<، منتهى الآمال، القمي، ج2، ص128.

([7])قال: كنت عند أبي عبد الله× فقال: >ما يقول الناسفي أرواح المؤمنين؟ فقلت: يقولون: تكون في حواصل طيور خضر في قناديل تحت العرش، فقال أبو عبد الله×: سبحان الله المؤمن أكرم على الله من أن يجعل روحه في حوصلةطير، يا يونس إذا كان ذلك..< الكافي، الكليني، ج3، ص245 باب في أرواح المؤمنين، ح6.

([8])التوبة: 119.

([9]){قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، المائدة: 119.

([10])عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق، ج2، ص308.

([11])من زيارة الإمام الحسينo المعروفة بزيارة وارث.

([12])آل عمران: 31-32.

([13])التوبة: 105.

([14]) عن أبي أسامة، قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: >عليكم بتقوى الله والورع، والاجتهاد، وصدق الحديث،وأداء الأمانة، وحسن الخلق، وحسن الجوار، وكونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكمبطول الركوع والسجود، فإنّ أحدكم إذا أطال الركوع والسجود هتف إبليس منخلفه وقال: يا ويلتاه أطاعوا وعصيت، وسجدوا وأبيت< المحاسن، البرقي، ج1، ص18، باب11 من كتاب الأشكال والقرائن، ح50..


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا