المجتمع المتديّن القويّ والمتماسك حوار مع سماحة الشيخ هاني البنّاء

المجتمع المتديّن القويّ والمتماسك حوار مع سماحة الشيخ هاني البنّاء

حاوره: الشيخ عزيز حسن الخضران

السلام عليكم سماحة الشيخ الجليل.. ونشكركم مقدماً على قبول إجراء هذا الحوار النافع بإذن الله تعالى..
   

  •     سماحة الشيخ: ما هي الأسس الواضحة للمجتمع المتديِّن القوي؟ وبعبارة أخرى متى يصحُّ أن نصفَ مجتمعاً ما بأنَّه من المجتمعات المتديِّنة والقويَّة؟
    بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على محمد وآل محمد.
    القوَّة تأتي من عقيدةٍ صلبةٍ مبينةٍ على الحقِّ والفِطرة، ومن قِيَم حقَّة، ومن عملٍ بالأهداف، بالإضافة إلى تقنية مساعدة، وللمجتمع المسلم خصائصه التي تصنع القوَّة ومن ذلك:
    الاعتصام بحبل الله: يقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾(آل عمران:3)، وينهى عن التفرُّق، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾(الروم:31-32).
    طاعة أولى الأمر: وهم الأئمة الهداةi وفي مثل زماننا طاعة نائبهم العام، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾(النساء:59)، وذلك لأنَّ طاعتهم مظهرٌ من مظاهر القوَّة والمنعة التي يجب أن ينعم بها المجتمع المسلم في مواجهة التَّحديات المتنوِّعة التي تغزو بلادنا اليوم، وطاعةُ أولي الأمر كما جاء في الأحاديث أنَّ الإمامة أمانٌ من الفرقة، وهي أساس الإسلام، وأساس كلِّ خير، وهي تمامُ الدِّين، ونظام الأمَّة، وصلاحُ الدُّنيا، وعزُّ المؤمنين.
    فالأمَّة التي لا تجتمع على طاعة قائدها مصيرُها التَّشتُت، والتبعثر، والانقسام، وتغلغل العصبيات والمحسوبيات، وتعشعشُ فيها النَّزعات المتنوِّعة من القبلية والقومية والمذهبية وغيرها، وبالتالي فإنَّ عدم الطَّاعة أساساً يُخرجها عن كونها أمَّة واحدة إلى كيانات متناحرة ومتباغضة، تتحكَّم بها الأهواء والعصبيات، ويطمع بها القريب والبعيد، بل إنَّ الفارق الأساس بين الجاهلية والإسلام هو موضوع الإمامة، ولذلك جاء في مضامين الأحاديث أنَّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية.
    التعاون على البرِّ والتقوَى: يقول تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾(المائدة:2). فمن خصائص المجتمع الإسلامي أنَّه مجتمعٌ متعاونٌ، متعاطفٌ متآلفٌ كما ورد عن رسول اللهe: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى».
    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(آل‌عمران:104)، وما أحوجنا اليوم إلى هذه الفريضة لإصلاح المجتمع والنُّهوض به، بل ما أحوجنا اليوم إلى هذه الثَّقافة في صفوف أهلنا وعدم التواكل في أداء هذه الفريضة التي باتت اليوم تُحارب تحت شعارات الحرية الفردية والاختيار الخاصِّ وغيرها من العناوين التي تسمح للفساد أن يتغلغل في المجتمع كالنُّعاس، فيتسلَّل إلى بيوت الجميع ويفتك بلا هوادة، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾(آل عمران:110). وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾(التوبة:71)، وإذا تخلَّى المؤمنون عن القيام بهذه الفريضة المقدَّسة تسلَّط عليهم الأشرار، ففي الرواية عن الإمام الكاظمg: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ولَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ».
    الأخلاق الحسنة: فالأخلاق ثمرة من ثمرات التَّوحيد، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾(إبراهيم:24)، وبالأخلاق تتآلف القلوب، وتشتدُّ الأواصر، وتزول العداوات وما يفرِّق النَّاسَ ويشتِّتُ الكلمة.
    العِفَّة والطَّهارة: فمن خصائص المجتمع الإسلاميّ أنَّه مجتمع العِفَّة والطَّهارة، لم يتمرَّغْ بأوحال الدَّنس والقذارة والإباحية، فالعفَّة كما نصَّت الأحاديث الشريفة رأس كلِّ خير، وأفضل الشيم، وزينة الفقر، وصون النَّفس ونزاهتها عن الدَّنايا، وزكاة الجمال، وهي أفضلُ ما يعين به المأموم إمامَه كما ورد عن أمير المؤمنينg: «ألا وإنّ لكلِّ مأموم إماماً،، يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد»، فليس من سمات المجتمع المسلم التهتُّك، والتَّظاهر بالفاحشة، والتَّجاهر بما يخدش الحياء والعِفَّة، ويكون سبباً لتحريك الشَّهوات والرَّغبات على خلاف الشَّريعة، وقد شرَّع اللهُ الحدودَ لتكون روادع وزواجر للحيلولة بين المجتمع وبين تلك الموبقات والفواحش، ليبقى المجتمع عفيفاً نظيفاً من كلِّ مظاهر الفاحشة، وهذا ما لم تنعم به المجتمعات التي أصبحت تفاخر بالفاحشة والشذوذ على مستوى العالم، فأينَ هذا الطُهر والسُموُّ والعفاف من المجتمعات الكافرة التي لا تدين بالإسلام؟!
    إنَّ خطورة هذه المسألة حدت بالشرع الحنيف إلى تحريم أبسط مصاديق عدم العِفَّة عندما حرَّم الأسباب التي تدنِّس المجتمع؛ كالنَّظر إلى النِّساء الأجنبيات الذي يعدُّ من الوسائل التي تؤدِّي إلى الفاحشة، ومن ذلك سماع الأغاني الماجنة، والسَّهرات اللهوية، وارتياد أماكن الشُّبهة، والاختلاط الفاضح، وغير ذلك من الأسباب التي تؤدِّي إلى سقوط المجتمعات وانهيارها.
    المحافظة على النَّظام العام: فالإسلام يدعو للتقيد بالقوانين العامَّة الموضوعة لصالح النَّاس، والحفاظ على النَّظافة، والحقوق، وموارد البيئة.
    إعداد القوة: قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾(الأنفال:60)، والآيةُ صريحةٌ في الأمر الإلهيّ بوجوب تضافر الجهود من كافَّة شرائح المجتمع ليكون مجتمعاً قوياً مُهاباً، والقوَّة هنا لا تعني القوَّة العسكرية فحسب، بل تمتدُّ إلى القوَّة الاقتصادية والسِّياسية والاجتماعية والثَّقافية، وغير ذلك من عناصر القوَّة التي يجب أن ينعم بها المجتمع الإسلامي ليكون حصناً منيعاً في وجه كافَّة المؤامرات والدسائس التي تُحاك في وجهه، والتي لم ولن يخلو زمان منها على الإطلاق؛ لأنَّ مسيرة الصِّراع بين الحقِّ والباطل مسيرةٌ بدأت مع الوجود البشري على الأرض وستبقى مستمرةً إلى يوم القيامة.
    الوعي والبصيرة: يعتبر التحلِّي بالوعي السياسيّ والدينيّ من أهمِّ الصِّفات التي يتَّصفُ بها أفرادُ المجتمع المسلم، فحالة الوعي بما يجري حولنا وتداعيات القضايا على مجتمعاتنا من الأمور التي لا تختصُّ بفئةٍ دون أخرى كما هو الحال في الكثير من البلدان التي لا تعرف شعوبها شيئاً عن الدِّين والسِّياسة، فالنَّاس في المجتمع المسلم تميِّز العدوَّ من الصَّديق، والمنافق من الحليف، والقويّ من غيره، وتشخِّص مصالحها بشكلٍ جيد، وتمتلك من الفقاهة الدينية ما يؤهِّلها للمعرفة الواعية والدقيقة بحقائق الأشياء، ودراسة الموضوعات دراسة شاملة وتفصيلية، ومقارنتها بالتجارب الأخرى، إضافة إلى التوفيق الإلهيّ الذي يمنحه الله أولاً وأخيراً لثلّة من عباده الذين ارتضى. وفي الرواية عن أمير المؤمنينg: «فإنّما البصير من سمع فتفكّر، ونظر فأبصر، وانتفع بالعبر، ثمّ سلك جدداً واضحاً يتجنّب فيه الصرعة في المهاوي».
           في ظلِّ التحدِّيات الكثيرة، ما هو السَّبيل والطَّريق العملي لنبني مجتمعاً قوياً متماسكاً من ناحية اجتماعية؟
    هناك عدَّة جهاتٍ تساهم في صياغة المجتمع والفرد، لذا لا بدَّ من خططٍ عمليةٍ تشمل كلَّ هذه الجِّهات لنساهم في صياغة صحيحة للفرد والأسرة والمجتمع فمن ذلك:
    الأسرة، فهي الجهة الأولى المساهمة في الصياغة، لذا لا بدَّ من السَّعي لنشر ثقافة علمية وعملية لخلق أسرٍ واعيةٍ تستشعر المسؤولية وتقوم بواجبها التربوي.
    المسجد والمأتم، فلا بدَّ من تفعيل الدور الثقافي والاجتماعي والعبادي بالدرجة التي تقاوم الهجمة الشَّرسة لأدوات الحرب الثقافية.
    إيجاد الشخصيات الواعية، ذات الهمِّ الديني في شتَّى المجالات والأعمال والأشغال؛ لتقوم بالمساهمة في نشر الوعي، فهي تخالط النَّاس في شتَّى تخصُّصاتِهم، وتنشر الوعي والمعرفة والتدين.
    إيجاد وسائل إعلامية تساهم في صياغة المجتمع وبأساليب جاذبة وبأهداف واضحة.
    على العلماء وطلاب العلم رصد أيِّ ثقافةٍ دخيلةٍ تضرُّ بالمجتمع، والقيام بما يمكنه صدَّها، ونشره بوسائل مختلفة تناسب جميع المستويات.
            هل للإسلام دور ٌ في بناء المجتمع المتماسك، أم أنَّ العرف والتقاليد هي الكفيلة لوحدها في ذلك؟
    الإسلام جاء للبناء والتزكية والتربية، فله الدور الرئيس، وإنَّما الأعراف تساعده فيما إذا تناغمت معه، لذا علينا أن نحارب كلَّ عرفٍ يتعارض مع الدِّين، وننشر كلَّ عرفٍ منسجم معه، فالأعراف إذا سادت وكانت مخالفة للدين صار المتديِّن كالقابض على الجمر، وإذا كانت منسجمة مع الدين صار التدين سهلاً كما هو واقعه، فهو دين الفِطرة والتَّكليف باليُسر.
         قد يقال بأنَّ هناك مجتمعات غير متدينة -كبعض المجتمعات الغربية- ولكنَّنا نرى أنَّها متميزة في بعض الصفات والأخلاق العامة (مثل احترام الوقت، والتقيد بالنظام العام وما شاكل) أكثر من المجتمعات المتدينة، ما رأيكم في صحة هذا القول، وأين الخلل عندنا لو صحَّ ذلك؟
    النَّبي الكريمe فيما يروى أعجبَ بأفعالٍ وخلقٍ كانت في شخصيات جاهلية لأنَّها من مكارم الأخلاق، فكلُّ حكمةٍ أو معرفةٍ أو سلوكٍ حسن نجده نسعى للاستفادة منه، وإن كانت من غير المسلمين، لكنَّنا في ما ذكر في السُّؤال لا نحتاج أن نأخذه من غيرنا، فالإسلام حثَّ على مراعاة النُّظم، وأمر بنظم الأمر، وتشدَّد في الحقوق، وإذا وجد مجتمعٌ مسلمٌ يتجاوز في ذلك فهو قد تجاوز تعاليم الدين، فالإسلام في الوقت الذي لا يمنع أن تأخذ الحكمة حتى من المنافق، لكنَّنا نقول: إنَّ هذه الحكمة موجودة في تعاليم الدين، ما علينا إلا التقيد بتلك التعاليم.
         ما هي أهمُّ المشاكل الاجتماعية (حسب تجربتكم)، والتي تحتاج إلى علاجٍ عاجلٍ أكثر من غيرها؟ نرجو التفصيل في هذه النُّقطة.
    هناك عدَّة مشاكل ظهرت في الآونة الأخيرة قد تكون في بعضها لا ترتقي إلى حدِّ كونها ظاهرة، لكن إذا لم تعالج ستأخذ منحىً خطيراً، وبعضها مشكلة ثقافية لكنَّها تنعكسُ على الجانب الاجتماعي، منها:
    التَّأثر بثقافة الحقوق الغربية، والتي في بعضها تساهم في ذهاب العِفَّة، بل وهدم الأسرة.
    التَّراجع على مستوى أحكام العِفَّة، بل ونشر مقالات وثقافات تتعارض مع ثوابت دينية كوجوب الحجاب، كما أنَّ الاختلاط ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت فيما يسميه البعض بالخيانات الزوجية، وهي معاصي لها آثارها الاجتماعية الضَّارة.
    وسائل التَّواصل سهَّلت للجميع أن يتكلَّم في الشَّأن العام، وفي الأمور التخصصية بلا تخصص ممَّا أربك الحركة الثقافية، وقد يساهم في خلق تكتلات وتعصبات.
    عدم تأهيل الأسر لأولادهم وبناتهم لتحمُّل مسؤولية البيت الزَّوجي، فالكثير من الأسر تؤهِّل أولادَها للتَّوظف أكثر من أيِّ شيءٍ آخر.
    تراجع التَّواصل بين النَّاس، فقد تعيش سنيناً لا تعرف جارك، ولا تتواصل معه، وهنا يوجد تغييب للبعد الاجتماعي للمسجد.
    انبهار البعض بما يكتبه غيرُ المسلمين، وعدم التَّحصين العلمي الكافي.
           الأسرة جزء من المجتمع، بل المجتمع هو مجموع هذه الأسر، فكيف يمكن لربِّ الأسرة وأفرادها المساهمة في صناعة المجتمع المؤمن عن طريق الأسرة نفسها، وليس كعمل فردي؟
    نحتاج أن نرسم للنَّاس الأهداف الحقيقية لمشروع الزَّواج، ثمَّ نبيِّن لهم الطريق الموصل لتحقيق تلك الأهداف، ومن ذلك حسن الاختيار للزَّوج والزَّوجة، واستشعار مسؤولية التربية، ذلك الشعور الذي يدعو للاطلاع على ما يكتب في تربية الأبناء، والسَّعي لتطبيقه، وعلى الأسرة أن تتعرَّفَ على من يشاركها في تربية الأبناء من مؤسسات تعليمية، ومن وسائل التواصل، وأدوات الإعلام، والأصدقاء، لتقوم بدورٍ تحصينيٍ من التَّأثير السَّلبي لتلك الجهات، كما على أولياء الأمور التَّعاون مع بعضهم البعض لخلق أجواء تساعد الأولاد على التَّقيُد بالضوابط، كالقيام برحلات ومشاريع تصاغ بطريقة تساهم في تحقيق الهدف التربوي.
         من الأمور الصَّعبة التي تواجهها الأسرة هي التعامل مع الأولاد والبنات المراهقين حيث مرحلة الاستقلال، والخوف من انزلاقهم في طريق الشَّيطان، ما هي أهمُّ النَّصائح العملية التي توجِّهونها لأولياء الأمور في كيفية التصدِّي لهذه المشكلة؟
    لا بدَّ أن نعرف خصائص المرحلة لنتعامل معها بواقعية لا بردَّة فعل. كما لا بدَّ من الاطِّلاع على الأساليب النَّافعة لهذه المرحلة، وما يحتاجه المراهق نفسياً ليتمَّ إشباعه؛ فكثير من الأسر ترى المراهقة مشكلة فتتعامل معها بغضب.
    كما أنَّ الكثير لا يعرف نفسية المراهق فيتحدَّاه، وتحدِّيه يفسده، فهو يحتاج للشُّعور بالأمن والاحترام والثِّقة.
    كما علينا أن نساعدهم في اختيار أصدقائهم؛ فالصَّاحب ساحب كما قيل. وعلينا اصطحابه إلى الأجواء التي تساهم في زرع التديُّن.
    كما علينا مدحُه إذا أحسن، وأمَّا إذا أخطأَ فيمكن أن نخاطبه بطريقة تشجِّعه على أن لا يكرِّر خطأه، كأن نقول: نحن على يقين بأنَّك التفتَ إلى خطأ الموقف، وأنَّك قد تكون لم تتعمَّده، وأنَّك لن تكرِّره فهذه ثقتنا فيك.
            بعض أولاد الأنبياء والأئمةi انحرفوا عقائدياً وفكرياً، كيف نفسِّر ذلك مع كونهم يعيشون مع المعصوم وفي ظلِّ تربيته؟
    قد يخرج الحيُّ من الميِّت، وقد يخرج الميِّتُ من الحي، فالتربية مجرَّد عنصر من عناصر صنع الشَّخصية، لذا قد تؤثِّر عناصر أخرى فتحرفه عن الهداية، وإذا كان ذلك موجوداً في زمن المعصومينi، فإنَّ تأثير ما حولنا في العملية التربوية في مثل زماننا صار أشدَّ وأخطرَّ، ممَّا يدعو للتفكير جدياً في عملية التَّحصين. فهناك المؤسَّسات التعليمية، وهناك الأصدقاء، وهناك وسائل التواصل، وأدوات الحرب الناعمة، وهناك البيئة التي تصاغ بنحوٍ تساعد على المعصية من توفُّرٍ للخمور والمخدرات، ومحافل الغِناء والفحشاء، والتَّحصين يكون بالعلم وبالعمل، فالمعرفة تصنع الوعي والعبادة تعصم النَّفس.
          في الجانب الفكري (والذي هو أساس الجانب الاجتماعي وتماسكه) توجد ما يصحُّ أن نسمِّيها «فوضى فكرية»، حيث الكلُّ يدلو بدلوه في الأمور الفكرية والعقدية بل وحتى الفقهية، ونرى هذه الجهات متقصدة لخلق تشكيك عند النَّاس، وخصوصاً الشَّباب في عقائدهم وارتباطهم بالدين، ماذا تنصحون الشَّباب فيما يتعلَّق باختيار الشخصيات من ناحية قراءة إنتاجاتها الفكرية؟ وهل هناك أسماء تنصحون بالقراءة لها؟ وهل من أثر اجتماعي في هذه المسألة؟
    هذه الظَّاهرة ازدادت بعد انتشار وسائل التواصل الإلكترونية، وبعد اتِّخاذ الحرب الناعمة كخيار استراتيجي لتدمير المجتمع المسلم من داخله، ولذا نتوقَّع أنْ تكون هناك جهات مجهولةٌ بأسماء مستعارة تنشر الشكَّ والشُّبهات، وقد تقوم بما يكون في ظاهره تأصيلاً لفكرةٍ وهي في حقيقتها ضالَّة خاطئة، كما ستسعى لإيجاد شخصياتٍ علميةٍ -في ظاهرها- تساهم في طرح ذلك، لذا لا بدَّ من حسن الاختيار لمن نقرأ ولمن نستمع، ففي الرواية عن الحسن بن علي بن يقطين عن أبي جعْفرg قال: «مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَه، فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ اللهa فَقَدْ عَبَدَ اللَّه، وإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ الشَّيْطَانِ فَقَدْ عَبَدَ الشَّيْطَانَ».
    ونظراً لعدم تخصُّص الكثير من النَّاس في الأبحاث الدينية فعليهم الرجوع لأهل التَّخصص المأمونين على الدِّين والدنيا، كما عليهم أن يتحصَّنوا بالعلم قبل أن يستمعوا لمن هبَّ ودبَّ، ففي الرواية عن أبي عبد اللهg قال: «بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة»، فالتَّطعيم قبل الجلوس مع المرضى بالمرض المعدي، وننصح الشَّباب بقراءة كتب الشهداء الثلاثة؛ السِّيد محمد باقر الصدر، والشيخ المطهَّري، والسيد عبد الحسين دستغيب، وكذا مؤلفات الشيخ العارف الجوادي الآملي، والشيخ مصباح اليزدي.
        يتشبَّثُ البعضُ بحرية الفِكر، وأنَّ صاحب العقيدة الراسخة لا ينبغي له الخوف من قراءة أفكار الآخرين، ولا ينبغي له الانزعاج من طرح الأفكار التي لا توافق مبانيه الفكرية والعقدية، ولهذا يصحُّ لأيِّ شخصٍ طرح ما يريد، ومتى وكيفما يريد، ألا توجد مغالطة في هذا المنطق؟ وكيف تجيبون على ذلك؟
    القرآن الكريم مدح طائفة بقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(الزمر:17-18)، لكنَّ هذا الثَّناء لمن له قدرة على تمييز الحُسن من القبيح، والأحسن من الحسن، وليس كلُّ أحدٍ كذلك، فالشُّبهة سُمِيت شبهة لأنَّها تشبه الحقَّ بمزج الباطل ببعض الحقِّ، ولذا أُمِر العلماءُ بإظهار علمهم في البدع والشُّبهات، ووصفوا بأنَّهم مرابطون على الحدود لمنع تسلُّل الشُّبهات.
    وهناك من الشَّباب من أعجب بمعلوماته وقدراته، واسترسل في قراءة الشُّبهات حتى فسدت عقيدته، لأنَّه لم يكن يتوفَّر على العلم الكافي، والمعرفة العاصمة، لذا حرَّم الإسلام حفظَ كتبِ الضَّلال ونشرها وقراءتها إلا لمن يمكنه معرفة ضلالها، وعند بعض الفقهاء لغرض الردِّ عليها، وحينما يمنع الطبيبُ بعض النَّاس الذين لم يأخذوا التطعيمات من الجلوس مع مرضىً يحملون مرضاً معدياً لا يكون موقفُه تقييداً للحُّريات، بل حرصاً على السَّلامة.
    والخلاصة أنَّ الإسلام أمر العلماء بالردِّ، ومنعَ من نشر الضَّلالات لمن ليس له أهلية التمييز بين الحقِّ والباطل، والمشكلةُ في من يتخيَّلُ نفسَه أنَّه يتوفَّرُ على الأهلية وهو ليس كذلك، فيسمح لنفسه الاطلاع، وقد تحصلُ له شبهاتٌ، ويأخذه الغرور إلى عدم السُّؤال، وعدم الاستعانة بالعلماء، فتؤثِّر الشُّبهة أثرها في قلبه.
          من الموارد التي يتمُّ طرحُها بكثرةٍ، وبشكل مكرَّر، ولها أثر اجتماعي وأخلاقي، هو ما يتعلَّق بلباس المرأة، وعملها، واختلاطها مع الرِّجال، وما شابه من مسائل متجدِّدة، وأنَّ المجتمع ينبغي أن يكون منصفاً في التَّعامل مع المرأة مهما كان اختيار طريقة سلوكها الاجتماعي، وكذلك مع الرِّجال الذين يتبنَّون هذه الفكرة، هل هذا الأمر فعلاً يندرج تحت حرية الفكر والممارسة الشَّخصية؟ وما هو رأي الإسلام في ذلك؟
    العدالة أعلَى من الحرية، لذا كلُّ موردٍ خالفت الحريةُ العدالةَ قُيِّدت، فالقيمة إنَّما هي بالدرجة الأولى للعدالة، فلا يمكنك السَّرقة بدعوى الحرية؛ لأنَّ ذلك تعدٍ على حقِّ الآخر، وإذا أردنا أن نرسم الحقوق والواجبات فلا بدَّ من الاستعانة بالوحي -وهذا أمر ليس هنا محل إثباته-، والوحي أوجب واجبات وحرَّم محرَّمات، لكن هناك من خالفها باسم الحرية فأضرَّت بالمجتمع، وبعفته، وبكيان الأسرة، وبطهارة القلوب، وبالأمن المجتمعي، وللأسف غيرنا سبقنا في الانفلات فأدرك بعض الأضرار، ونحن نصرُّ على أن نسير بسيرته، لنرى بعد حينٍ مفاسدَ هذا التحلُّل، ومضارَّ هذه التَّجاوزات.
    من يؤمن بأنَّ الله هو المالك لنا، وهو اللطيف بنا، وأنَّ ما أوجبه وما حرَّمه إنَّما خيره لنا، أيقنَ بأنَّ الأحكام الشرعية يعود خيرُها لنا، فانقاد لها راضياً شاكراً، ورأى بنور البصيرة إيجابياتها ونفعها، فالله كالطبيب حينما يمنع المريض من طعام فلمصلحته، وحينما يأمره بتناول الدواء المرّ فلمصلحته أيضاً، وكنتُ أقولُ -ولا أزال-: حينما تتخلَّى المرأةُ عن الحجاب وعن أحكام العِفَّة فإنَّ أوَّل المتضررين بذلك هم النِّساء، فخيانة الرُّجل بامرأة قد يهدم بيت امرأة أخرى، على أنَّ ذلك سيجعل من قيمتها إنما هو في جسدها، فتصبح متاعاً وشيئاً، وثقافة البعد الجسدي سيجعلها تعبدُ صالونات التجميل، ثمَّ غرف عمليات التجميل حيث اعتقدت أنَّ قيمتها في جسدها.
        من القضايا الاجتماعية الملحِّة والمشاكل المزمنة، صعوبة الزَّواج، يرجعها الشاب إلى كثرة المتطلبات من قبل الطرف الآخر، ويرجعها أهل الفتاة إلى النَّقص في هذا الشاب، ويترتب على ذلك نظرة ساخطة للمجتمع ممَّن لا يوفق للزواج (خصوصا إذا طرق الأبواب ولم يقبل)، وكم يشتكي أولياء الأمور رفض ولدهم، بل يترتَّب أثرٌ نفسي واجتماعي حتى على الفتاة التي لم توفق، إمَّا بسبب كثرة متطلباتها أو رفض عائلتها للمتقدين.. ما هي نصيحتكم بلحاظ هذا الأثر الاجتماعي، وهل هناك حلٌ عمليٌ أم علينا أن نيأس من حلِّ هذه المشكلة؟
    الإسلامُ حبَّب إلينا الإسراع في الزَّواج، وحبَّب إلينا تيسيره، لكن لا بدَّ في البداية من تأهيل الطَّرفين لذلك، فيسره وتسهيله قد يقارنه عدم تأهيل الطَّرفين ممَّا يؤدي إلى مشاكلَ تعصف بالبيت الزوجي، لذا نحن نحتاج إلى ثقافة التأهيل وثقافة التَّسهيل والإسراع، كما على الآباء أن لا يتخلَّوا عنهم حيث لا بدَّ لهم من الحاجة لدعم ولي الأمر العاقل.
    كما علينا نشر ثقافة ترتبط بحسن الاختيار -اختيار شريك الحياة-، فهناك شروطٌ لا مدخلية لها في نجاح البيت الزَّوجي قد يصرُّ عليها طرف، وهناك شروطُ نجاحٍ يغفلها آخرون. فنحتاج لرسم مقوِّمات نجاح البيت الزوجي فيما يرتبط بصفات الزوج والزوجة، ثمَّ ننشر ثقافة الحقوق وثقافة فنِّ إدارة الخلاف الزَّوجي.
         هناك عتابٌ متبادلٌ بين عالمِ الدِّين وبين أفراد المجتمع حول غياب العمل الاجتماعي من قبل كلِّ طرف، ماذا يقول الواقع بنظركم؟ وعلى فرض وجود التقصير من طرفٍ ما، كيف السَّبيل إلى حلِّه؟
    هناك مجتمعٌ يصنع العالمَ ويصنع دورَه، فحينما يراجع المجتمع العالم للقيام بدوره ويطلب منه التصدِّي ويعينه ينصنعُ العالم، فيحضر ويقِّدم الكثير. وحينما يعطِّل المجتمع دورَ العالم ينكمش ويتراجع، ولكن هذا لا يعني أنْ ينتظر العالم مجيئَ النَّاس إليه، بل يسعى ويسعى، ويبدأ بمن يمكنه المساعدة لتكوين نواة في قريته للعمل الديني والاجتماعي.
    ولا بدَّ من وضع خطط لذلك، فهناك مؤسسات دينية بلا خطط، كبعض المساجد، ففيها صلاة، وكليمة فقط، ثمَّ تفرُّق ولا تخطيط، فيكون الأمر في تراجع، وهناك مسجد إمامُه وإدارته يحملون همَّاً دينياً فتكون البرامج متنوعة، وذات بعد اجتماعي. كما أنَّ محاضرات إمامه ناظرة لحاجة المجتمع فيتطوَّر واقعُ القرية وعلاقات الأفراد.
    المطلوب هو التعاون بين إدارات المساجد والأئمة، وإنشاء مجموعات للتشاور والتعاون والتطوير، والاستفادة من تجارب الآخرين، كما أوصي العلماء بالصَّبر على الأذى؛ فقد ينالهم من بعض النَّاس بقصد أو بلا قصد، وأوصي النَّاس بالسعي لتشجيع العالم ليؤدي دوره.
    بعضُ القرى تعطِّل طالبَ العلم لتستجلب عالماً مشهوراً متميزاً، وهذه الخطوة لها إيجابياتها لكن قد تساهم في تعطيل طالب العلم وعدم تطوره، لذا لا بدَّ من إشراكه وتشجيعه، كما عليه أن يستفيد من العلماء الناجحين لينجح ويقدم.
         نشكركم سماحة الشيخ الجليل على قبول هذه الدعوة، ونرجو لكم دوام التوفيق والسَّداد، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على محمَّد وآلِه الطَّيبين الطَّاهرين.

0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا