المؤسّسة الدّينيّة غير المستقلّة.. الأخطار والنّتائج (المسجد مثالاً)

المؤسّسة الدّينيّة غير المستقلّة.. الأخطار والنّتائج (المسجد مثالاً)

الملخّص:

يشير الكاتب في مقالته إلى أهميّة استقلاليّة بيت الله عن سلطة الطواغيت؛ لكي تظهر الأهداف التي بُني من أجلها، ثم يبيّن بعض الأخطار والآثار المدمّرة على الدّين والأمّة، بسبب سيطرة الطواغيت على المسجد، ثمّ يختم مقالته بإشارة إلى رأي الإماميّة في رفض تمكين الحكّام من المسجد ورأي العامّة بقبول ذلك.

 

المقدّمة:

بسم الله الرّحمن الرّحيم، اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد.

يعتبر المسجدُ أعظمَ وأكبرَ مؤسَّسةٍ دينيّة، المؤسِّس لها هو ربُّ العزَّة والجلال، والقائم الأوَّل عليها هو خيرُ الأنبياءK، والأعوان على بنائها هم المؤمنون الخُلَّص.

كان المسجدُ هو اللبنة الأولى الّتي انطلق منها الإسلام، ففي بيت الله الحرام انطلقت أعظم دعوة إلهيّة، ومنه قام النّبيK بجهاده الّذي كانت خاتمته تحطيم الأصنام الحجريّة والبشريّة في تلك الدّيار المقدَّسة، ورجع البيتُ الحرامُ مكاناً للعبادة والتّوحيد وقوّة للمسلمين كما أراده الله تعالى حين بناه أبونا آدم، وحين أقام قواعده إبراهيم الخليل.

ولا زال المسجد ببركة جهاد النّبيK والأئمّة الطّاهرين^ محلّاً لاحترام جميع المسلمين وتقديسه وتعظيمه.

ولا زال المسجد -كما هو- المؤسّسةُ الدّينيّة الكبرى والعظمى الّتي يتربَّى فيها المؤمنون.

ولا زال المسجد هو سرُّ مصدرِ قوَّة المسلمين وشدَّة شوكتهم.

ولا زال المسجد هو محلُّ اجتماع المسلمين، وموحِّد كلمتهم.

كلُّ هذا يجعل من المسجد محلّاً لأنظار الأعداء، وسبباً لمكائد الفجَّار؛ ولذا حُوربَ المسجد ولا زال، أمَّا الكفَّارُ الصِّراح فقد يئسوا منه، ولكنَّ الخطر الأكبر والأعظم إنّما هو من منافقي الحُكَّام، ومن عبدةِ الدّرهم والدّينار، وعلماءِ البلاط الّذين لا ورع ولا دين لهم؛ حيث ساهموا في ضياع رسالة المسجد، بل جعلوهُ منبراً لإضلالِ النَّاس وضياعهم، ومقرّاً لتعاسة المسلمين وإذلالهم.

ومن هنا لا بدَّ من الحديث عن أهميَّة استقلال المسجد، وتحريرِه من قيودِ المفسدين، وبيان خطورة ارتباطه بأعداء الدّين وجعله ألعوبة بيد المنافقين، لتعي الأمَّةُ بعضَ مواضع قوّتها الّتي سُلبتْ منها، وبعض أسباب تخلّفها وضياعها.

والكلام في أمور:

الأمر الأوّل: الأهداف الرّئيسة للمسجد

لا تخفى مكانة المسجد في الإسلام، ولا يخفى الحثُّ الشَّديدُ على بناء المساجد، خصوصاً في صدرِ الإسلام، بل حتّى بعد انتشار الإسلام، فعن أبي عبيدة الحَذّاء، قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: >من بنى مسجداً بنى اللهُ له بيتاً في الجنَّة<، قال أبو عبيدة: فمرَّ بي أبو عبد الله× في طريق مكَّة وقد سوَّيتُ بأحجارٍ مسجداً، فقلت له: جعلت فداك، نرجو أن يكون هذا من ذلك، فقال: >نعم<[1].

ومن أهمِّ وأعظمِ أهدافِ المسجد هي ما يلي:

أوّلاً: إظهارُ عبادةِ اللهِ تعالى في الأرض، فكلَّما كثُرت المساجد كَثُرَ المصلُّون فيها، وبالتّالي ظهرت عبادة الله تعالى بصورة أبرز وأكبر، فكما أنَّ العبادة السّريّة مطلوبة كقيام الليل لكونها أقرب إلى الإخلاص، فكذلك العبادة العلنيّة مطلوبة لكونها سبباً لنشر الدّين وإظهار التّوحيد في الأرض.

ثانياً: إظهارُ العبوديّة والرّبوبيّة لله تعالى وحدَه، بمعنى أنَّ الطّاعة، والعبادة، وانشغالَ الإنسان، وهمَّه وفكرَه يجب أن يكون لله تعالى وحدَه وليس للمخلوقين، وهذا واضح؛ حيث نرى انشغال المسلمين في الصّباح والظّهر والمساء بالذّهاب إلى المساجد وترك حوائجهم المهمَّة ومشاغلهم الدّنيويّة، وأصلُ تشريع الصّلاة وإن كان يحقِّق هذا المعنى ولكنَّه غيرُ ظاهر للجميع إذا كانت الصّلاة في المنزل أو محلِّ العمل مثلاً.

ثالثاً: ذكر هموم المسلمين وأهمِّ قضاياهم، وهذا يبرز أكثر من خلال صلاة الجمعة والّتي تخصَّصُ فيها الخطبةُ الثّانية لذكر أمور المسلمين وقضاياهم.

رابعاً: لقاءُ المؤمنينَ واجتماعهم على أساس التّقوى، وإظهار قوَّتِهم وقوَّة الدّين والإسلام، فإنَّنا لا نجدُ هذا الاجتماع المتكرِّر بشكل يومي وفي أكثر من مرَّة في اليوم إلّا في الإسلام.

الأمر الثّاني: المسجد بين الماضي والحاضر

كان المسجدُ في زمن النّبيK-بالإضافة إلى قيامه بالأهداف السّابقة المذكورة- مركزاً لإصدار القرارات المصيريّة، وتنظيم جيوش المسلمين، ومحلَّ القضاء بين المتخاصمين، ومكاناً لحلِّ مشاكل المسلمين وقضاءِ حوائجهم، وباصطلاح اليوم كان محلَّ السّلطة القضائيّة والتّشريعيّة والتّنفيذيّة، وكانت كلُّها بيد النّبي الأعظمK.

ولمّا سُلبت الخلافةُ بعد رحيل النّبيK ظلَّ المسجدُ يؤدِّي نفسَ تلك الأدوار والأهداف، إلّا أنَّ القرار لم يكن عند أهلِه وهم أهل البيت^، وعلى رأسهم أمير المؤمنين×.

وكانت المساجدُ في مختلفِ المُدنِ الإسلاميّة بيدِ الوالي المعيَّن من قِبَلِ الخليفة، وكان هو الّذي يؤمُّ النَّاسَ في الصّلاة ويخطبهم يوم الجمعة.

وأمَّا اليوم فكما نرى ومنذ زمن بعيد ابتعد الحكَّامُ عن إمامة النَّاس في المساجد أو قيامهم بالخُطَبِ في صلوات الجمعة، بل لا تجدهم في المساجد إلّا في بعض المناسبات، ويكونون مأمومين وليسوا أئمّةً في الصّلاة.

ولكنَّهُم حيثُ يُدركونَ أهمّيَّة المسجدِ، ومدى تأثيرِه في نفوس المسلمين، وشدَّة علاقة المؤمنين بالمسجد وتقديسهم له، واعتقاد النّاس في أئمَّة الجماعة والجمعة، واستماعهم لأقوالهم وأوامرهم، راح الحكَّامُ يمسكون بقدر ما استطاعوا بهذا المنبر العظيم، والمكان المقدَّس، وجعله تحت سيطرتهم ومراقبتهم، بل وفي كثيرٍ من الأحيان داعماً لسلطانهم، ومبرّراً لأفعالهم وما يقومون به.

الأمر الثّالث: أخطار سيطرة الحُكّام على رأي المسجد

بالنّظر إلى الأهداف الّتي سبق ذكرُها للمسجد، يتبيَّن مقدارُ الخطر من جعل المسجد رهن أهواء الحُكَّام الفاسدين والمنحرفين عن الإسلام.

فبالإضافة إلى منع تحقُّق تلك الأهداف المقدَّسة بشكلِها الكامل والصّحيح والمؤثِّر، فإنَّ المسجد يكونُ حينئذٍ أداةً لهدمِ الإسلام ومحاربتِه ولكن بشكلٍ ملتوٍ، يتناسب مع طريقة المنافقين في مواجهتهم للإسلام.

فقد يبني الحاكم الفلاني أو الملك أو السلطان أو الأمير -على اختلاف التّسميات الّتي اتّخذها الحكّام لأنفسهم- مسجداً فخماً يسعُ آلاف النّاس، ويُصرَف عليه الأموال الطّائلة من بيت مال المسلمين، ولكنَّه يكونُ أشبهَ بمسجدِ ضِرارٍ الّذي أمرَ اللهُ تعالى نبيهK بهدمه؛ لكونِه معول هدمٍ وتفرقةٍ وفتنةٍ.

ويمكن أن نُبرِزَ مجموعةً من الأخطار الّتي تترتَّبُ على سيطرةِ الحاكمِ على قرارات المسجد وسياستِه الدّينيّة الّتي جعلَها اللهُ تعالى، ونلخِّصُها في النّقاط التّالية:

الخطر الأوَّل: تفريغ العبادة من مضمونها

أوَّل الأخطار لسيطرة حكَّام الدّنيا على المسجد هو تفريغُ العبادةِ من حقيقتِها ومضمونِها الكبير؛ وذلك لأنَّ العبادةَ إذا لم تكن باختيار العبد وفق ما أمرَ اللهُ تعالَى، لا تكون لها قيمة، والصّلاة في المسجد إذا كان لها أدنى ارتباط برضا الحاكم وعدم سخطه فإنَّها سوف تؤثّر على روحيّة تلك العبادة.

بل إنَّ التّوحيدَ يختلُّ من حيثُ يشعر الإنسان أو لا يشعر؛ لأنَّ العبادة الخالصة لله تعالى يجب ألّا يكون لغير الله تعالى دخلٌ فيها، ولا في كيفيّتها وما يصاحبها، ولا في مكان انعقادها، فإذا كان المسجدُ رهنَ إرادة الحاكم، وشعَرَ فيه المصلّون أنَّ أداءهم للعبادة في المسجد إنَّما هي بالكيفيّة الّتي لا يسخطُ منها الحاكم، وأنَّ المسجد فقط لهذه العبادة الخاصّة دون غيرها من الأمور والأهداف الّتي وجد المسجد لأجلِها، فإنَّ رضا الحاكم حينئذٍ سيكون محطَّ أنظارهم بشكلٍ واضحٍ أو خفيّ، فلا تكون العبادةُ خالصةً لله تعالى.

الخطر الثّاني: إهمال قضايا الأمَّة وهمومها

قلنا: إنَّ من أهداف المسجد ذكر هموم الأمَّة ومشاكلِها وقضاياها المهمَّة، وهذه من أهمِّ قيم المسجد ورسالاته، وحيثُ يكون إمامُ المسجد وخطيبُها مقيّداً برضا الحاكم فيما يطرح من قضايا، فلن يستطيع طرح أيّة قضية -مهما كانت مُهمَّة- إذا خالفت هوى الحاكم!

وهناك نوعان من القضايا؛ داخليّة خاصّة بنفس البلد، وخارجيّة عامّة بكلّ المسلمين.

والخطيبُ لن يستطيعَ طرحَ القضايا العامَّة فضلاً عن القضايا الخاصّة التي ترتبط بمصالح الحاكم مباشرة.

وهذه خسارة كبيرة للإسلام والمسلمين؛ حيثُ هذه الآلاف وعشرات الآلاف من المساجد، ويحضرها الملايين من المسلمين، ولكنَّهم لا يجدون من يتكلَّم حول همومهم، وقضاياهم المهمَّة والملحَّة.

فمن أعظم المساجد الّتي يجتمع فيها المسلمون من كلِّ أقطار العالم المسجد الحرام، والمسجد النّبويّ الشّريف، ولكنَّك لا تجد أنظار المسلمين متوجّهة إلى الخطباء فيهما، ولا تجد الإعلام يركّز على ما يطرحه أئمّة الجمعة، لماذا؟!

أليس الجدير بهذا المنبر -وهو منبر رسول اللهK- أن يطرحَ قضايا الأمَّة من دون التباسٍ ولا اعوجاج، ومن دون مراعاة رضا المخلوقين؟!

أليس هذا المنبر يجب أن يكون لكلِّ المسلمين في العالم حظٌّ فيه؟!

ومن العجب العجاب أن ترى أهمَّ قضيّة إسلاميّة يعيشها المسلمون اليوم، وهي قضيّة القدس الشّريف، وفلسطين المحتلّة لا يذكرها أولئك العبيد لغير الله تعالى!!

هذا حال القضايا العامّة الخارجيّة في هذا البلد أو ذاك، فكيف نتوقّع حال القضايا الدّاخليّة الهامّة، كالفساد، والانحلال، والظّلم، فهل يستطيع أئمّة الجمعة المتعلِّقين بأذيال الحكّام أنْ يطرحوا تلك القضايا صريحاً أو تلميحاً؟!

الخطر الثّالث: محاربة الإسلام والمسلمين

هنا، لا يقف الخطرُ على إهمالِ قضايا الأمَّة، بل ترى إمام المسجد -حيث يرى أنَّ الحاكمَ هو ربُّ نعمتِه- يحاولُ قدرَ المستطاع أن يقف مع الحاكم وإن كان ظالماً وفاسداً، وحيث لا تخلو البلدان الإسلامية من بعضِ المؤمنين الواعين الّذين لا يسعهم السّكوت على ذلك الفساد والإفساد، فتكون مواجهة -بشتّى الصّور- بين المؤمنين وبين الحاكم، فيكون إمامُ المسجد وخطيبُه بين أن يقف مع الحقِّ فيخسر وجاهته ومورد رزقه، وبين أن يقف مع الحاكم فيحفظ دنياه بخراب آخرته.

والواقع الخارجيّ يشهد بأنَّ من يسلِّمَ أمرَه في إمامةِ المسجد بيد الحاكم؛ فإنَّه في الغالب ينحازُ إلى مصلحته الخاصَّة الدّنيويّة على حساب مصالح المؤمنين والأمَّة، فتراه سيفاً مشهوراً بيد الظّالم على المظلومين، خصوصاً في الدُّولِ الشَّديدةِ الدّيكتاتوريّة والتّجبّر، حيث لا يُمهَلُ المتجرئ على مخالفة الحاكم مهما كانت خدماته ومكانته.

الخطر الرّابع: مدح الحاكم وتبرئة ساحته

هنا يتعدَّى الخطرُ أكثر من مجرَّد محاربة المؤمنين، وتهون عندها المصائبُ الّتي تقع عليهم؛ فهناك أناسٌ كثر لهم مصالح وهم يقفون مع الحكّام -كما نراهم في كلِّ مكان وزمان-، وقد يحاولون أيضاً خداع النّاس وتبرير أفعال الحكّام وفسادهم الظّاهر، ولكنّ ذلك -رغم خطورته- لا يكون باسم الدّين والإسلام.

وأمَّا إمامُ المسجد وخطيبُه فإنَّه يتكلَّم باسمِ الدين، وهو في هذا الموقع -ويريد أن يجمع بين الوقوف مع الظّالم وبين التّظاهر بالتّمسّك بالدّين- لا يستطيعُ إلّا أن يبرِّرَ الفساد والظُّلمَ، وحينئذٍ سوف يختلقُ مبرِّراتٍ للفساد باسم الدّين، ويكذّب ويفتري على الله تعالى بنسبة كلِّ ما يقوم به الحاكم بالإسلام، وهذا ما نراه جليّاً اليوم.

خذ مثالاً فيما يجري على سوريا اليوم، فسابقاً كان الخروج على الحاكم -وإن كان فاسداً- من الكبائر والعظائم، وفي ليلة وضحاها أصبح ذلك جائزاً -وإن استلزم سفك دماء المسلمين- لدى أشدِّ النَّاس تخلُّفاً وأكثرُهم التصاقاً بالحُكَّام! لماذا؟ لأنَّ السُّلطان هكذا رأيه!!

وفيما يتعلّق بالفساد وتبريره، فنحن نرى بلداننا الإسلامية يباح فيها الخمر، وأماكن الدّعارة، والفجور، وسائر المنكرات، وهذا ليس هو الغريب؛ إذ إنّنا نعتقد أنَّ الحكام إن لم يكونوا معادين للإسلام فهم -على أقلّ التّقادير- غير مهتمّين بمصلحته، وغير متقيّدين بأحكامه.

ولكنّ الغريب أن يتمّ تبرير ذلك من قبل علماء البلاط بشتّى المبرّرات الّتي ما أنزل الله بها من سلطان، فيبرّر مثلاً بيع إنتاج الخمور وبيعها في البلد بحجَّة أنَّ منعها يؤدِّي إلى فقد السّياحة الّتي تدرُّ على الدّولة أموالاً كبيرة!!

أو تبرّر الدّعارة الحرّة بحجّة أنّ الّذين يقومون بها غير مسلمين، والبلد يكفل الحريّة للجميع! والأعجب والأنكى أنَّ نفس الأشخاص الّذين يبرّرون هذا التّبرير يحارِبون النَّاس إذا خرجوا وطالبوا بحرّيّتهم بحجَّة عدم جواز مخالفة السّلطان، فأصبح السّلطان هو الدّين، وهو المقياس للحقّ والباطل!

ومع كلّ هذا يجب على الخطيب ألّا يختم خطبته إلّا بمدح الحاكم وأن يسأل الله له التّوفيق والسّداد أكثر في خدمة الدّين والمسلمين!!

الأمر الرّابع: الآثار المترتّبة على ذلك

هناك آثارٌ خطيرةٌ تترتَّبُ على ما سبَقَ من أخطارٍ، تتعلَّق بنظرةِ النَّاس إلى الدِّين، وبثقة المسلمين بدينهم، وربّما خروجهم من الدّين بسبب ذلك، وما أعظمها من محنة ومصيبة حينما يصبحُ المسجدُ سبباً لنفرةِ النَّاس عن الدِّين بدلَ أنْ يجذبهم إليه!

وهنا يتحمَّل هؤلاءِ وزراً كبيراً سيحاسبون عليه في يومٍ لا يُغني سلطانٌ أو حاكمٌ عنهم شيئاً.

وهذه الآثار يمكن ذكرُ أسبابِها بشكلٍ موجز فيما يلي:

الأثر الأوّل: أوَّل أثرٍ لما سبق من مخاطر أنَّ كلام إمام المسجد في أمور الدّين لن يكون له أثر يذكر، ولن يتَّعظَ النّاسُ بمواعظه؛ لأنَّ النَّاس سيرون الازدواجيّة بين قوله وعمله، فحينما يتكلَّم الخطيب مثلاً عن عدم جواز ظلم النّاس لبعضهم البعض، بينما يرونه في نفس الوقت يؤيّد ظلم الحاكم، أو يسمعون الخطيب يتحدَّث عن الزّهد في الدّنيا وفي المقابل يبِّرر عيشة الحكام الفارهة والمتخمة، فهل يا ترى سيتأثّرون بمواعظه فضلا عن تطبيقها؟!

الأثر الثاني: ومن الآثار الخطيرة لارتباط إمام المسجد بالحاكم وهواه هو الاعتقاد بأنَّ ما يقوله هو رأي الدّين، وحينها أيُّ قبحٍ يصدر، أو تبريرِ ظلم، أو شهادةِ زور، سينسب إلى الدّين، وينتج عن ذلك تشويه صورة الدّين ومنظومته الفكريّة والقيميّة، والتباسها على النّاس، وبالتّبع ربّما لا يقبل النَّاس رأي الآخرين المخالفين لهؤلاء.

الأثر الثالث: حينما يرى النَّاسُ أنَّ ما يُطرحُ في منبر المسجد لا يتطرَّق إلى همومهم الحياتيّة بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ، ولا يساهم في حلِّ مشاكلهم، والحال أنَّه يمثِّل -ظاهراً- رأي الإسلام، وهذا يعني أنَّ الخللَ في نفسِ الإسلام، وأنَّ الدّين غيرُ شاملٍ لكلِّ الجوانب الّتي يحتاجُها النَّاس، وسيصدِّق النَّاس مقولة أنَّ الدّين والإسلام لا يهتمُّ إلّا بالأمور العباديّة الشّخصيّة الّتي لا ربط لها بالمجتمع وقضاياه المهمَّة، بينما العكس هو الصّحيح، ولم تُشرَّعُ الجمعة إلّا لاجتماع النّاس لسماع ما يهمُّ دينهم ودنياهم، والخطبة الثّانية أصلاً مخصّصةً لذلك.

الأثر الرابع: ربّما ينسب البعض من خلال ما يراه من أئمّة المساجد المرتبطين بالحاكم أنَّ الإسلام يشرِّع النّفاق؛ لأنَّ الدّين -حينئذٍ- إذا كانَ يوجبُ طاعة الحاكم حتّى لو استلزم ظلم النّاس والعدوان عليهم، وضياع دنياهم، فهذا يعني أنَّ الإسلام يأمر بمصانعة الحكام إلى أبعد الحدود، في الوقت الّذي يدّعي فيه أنَّه دين الحقِّ، والصّدق، والجهاد، وهذا عين النّفاق.

وكذلك إذا سمعوا إمام المسجد يركِّز على عدم جواز استخدام الدّين في السّياسة، فيجب أن يُجنَّب المسجد الأمور السّياسيّة والاجتماعيّة وما يهمُّ النّاس، فكيف يجمع بين ذلك وبين دعاء أئمّة الجمعة والجماعة للحُكَّام ومدحهم وتمجيدهم، ومباركة أعمالهم حتّى السّياسيّة؟!

أليست هذه سياسة ينتفع منها الحكام، بينما الدّعوى أنَّ الدّين لا دخل له في السّياسة؟!

وكلُّ هذا باسم الدّين، وهذا يعني أنَّما يتعلَّق بمصلحة النَّاس لا يجوزُ إقحامُ الدِّين فيه، بينما ما فيه مصلحةُ الحاكم فهو جائزٌ بل واجب؟!

الأثر الخامس: وممَّا تقدم من آثار ينتج لنا خطرٌ عظيمٌ، وهو نفور النَّاس من الدّين، وابتعادهم عنه؛ لأنَّه بنظرهم متخلِّف، ولا يلبّي حوائجهم، ولا دخل له في الأمور السّياسيّة والاجتماعيّة، وهذا ما يصرِّح به نفس أئمّة المساجد المرتبطين بالحكّام، وهؤلاء النَّاس على فرض تمسّكهم بدينهم فإنَّهم سيتمسَّكونَ به فقط في الأمور العباديّة الخاصّة، وأمَّا في المجالات الأخرى الاجتماعيّة والسّياسيّة وغيرهما فإنَّهم سيبحثون عن رؤى أخرى ينضمُّون تحتها، ويعملون من خلال أفكارها.

ومن مساوئ وُعَّاظِ السَّلاطين أنَّهم يحاربون ما يسمُّونَه (الإسلام السّياسيّ) بكلِّ أشكالِه، ويحذّرون النَّاس منه، وأنَّه خلاف ما يأمر به الدّين، وأنَّ الدّين إنّما بالارتباط بالحكّام تحت مسمّى (ولاة الأمر)، وأنَّ الصَّلاح في الأخذ برؤية الحاكم في الأمور الاجتماعيّة والسّياسيّة في كلِّ الظّروف والأحوال، فهنا تنقلب الموازين، وتضيع الحقائق، ويتيه المسلمون.

ونحن لا ننكر أنَّ كثيراً ممَّن يتحرَّك في السّياسة باسم الإسلام لا يمثِّلُ الإسلام من بعيد أو قريب، ولكن هذا لا يعني جواز أنْ ننفي رؤية الإسلام في السّياسة وفي المجالات الأخرى، فضلاً أن نعطي هذا الحقّ للحاكم في عمل ورؤية ما يشاء وحسب أهوائه.

والنّتيجة من هذه الآثار:

* تشويه سمعة الدّين ومنظومته الفكريّة والاجتماعيّة والقيَميّة.

* عدم ثقة النَّاس بكلِّ ما يطرح باسم الدّين، لعدم ثقتِهم بالعلماء المتصدِّين للمسجد.

* عدم إمكان النَّهي عن المنكر ومعارضة الظُّلم الّذي يصدرُ من ذلك الحاكم.

* جعل المسجد أداةً لتعظيم الحكّام ومدحهم والغلوّ في دعوة النّاس في اتّباعهم.

* ضعف إيمان النّاس بالدّين والإسلام، وربّما الخروج منه، بل ومحاربته في شتّى الميادين.

الأمر الخامس: رأي الشّيعة والسّنّة وسيرتهم في ذلك

هناك اختلاف منهجيّ وعَقَدِيّ في مسألة استقلال المسجد عن السّلطات والحكّام بين أتباع أهل البيت^ وبين عامَّة المذاهب الأخرى، وقد يكون للحكَّام أنفسهم دورٌ في خلقِ هذا الاختلاف.

رأي الشّيعة:

فإنَّهم -تبعاً لأئمّتهم^- يرون ضرورة استقلال هذه المؤسّسة الإلهيّة الكبرى، ولا يجوز بحالٍ من الأحوال تمكين الحكَّام وأهل الجور بأن يكون لهم أدنى تدخُّل في هذه المؤسّسة، لا تعيين إمام الجماعة، ولا خطيب الجمعة، ولا تعيين ما يجب طرحُه وما لا يجوز تناوله، وكذلك النّشاطات الأخرى للمسجد من فعاليات ودروس وتعليم وما شاكل.

وحتّى الجانب الماليّ لا يجوز فيه الاعتماد على الحاكم إذا كان الغرض تمكينه من المسجد بأيِّ شكل من الأشكال، فضلاً عن أن يأخذ مالاً مقابل إمامة الصّلاة والجمعة.

وسببُ هذه الرّؤية عند الشّيعة هو أنَّ الحكَّام في سائرِ الأزمان على ظاهر الانحراف والفسوق والفجور، وإذا ما تظاهرَ أحدٌ منهم بالتّديُّن فإنَّه لا يستطيعُ إخفاء شغفِه بالدّنيا، وظلمه للأمَّة، واستخفافه بأحكام الدّين، وتمكينه لأعداء الإسلام.

وها نحن نرى حكّام اليوم، وكيف أنَّهم يعيشون حياة التّرف والإسراف، والانصهار في الدّنيا، وحياة القصور، وإهمال رعاياهم وتركهم للفقر والأسى، وتمسّكهم بالملك مهما ترتّب على ذلك من مفاسد.

وعلى كلِّ حال، فالشّيعة يرون عدم جواز ارتباط أيّ مؤسّسة دينيّة بالحاكم، وعلى رأسها المسجد.

رأي السّنّة:

تنطلق رؤية أهلُ السّنَّة في هذه المسألة وغيرها من المسائل الدّينيّة من عقيدة تحتاج منهم أن يعيدوا النَّظر فيها، وهي نظريَّة (أولو الأمر)، فالحاكمُ في نظرِهم هو وليُّ الأمر الّذي أمرنا بطاعته واتّباعه وعدم مخالفته، وطاعته من طاعة الله ورسولهK، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}(النّساء: 59)، وأنَّ في طاعته الخير والبركة، وأنَّ ذلك أصلح من معارضته وإن كان فاسداً منحرفاً.

ولهذا فهو الّذي يعيِّنُ حتّى المفتي كما نراه في مصر مثلاً! فضلاً عن سيطرتِه التامَّة على المساجد وتعيين خطبائها وأئمّة الجمعة والجماعة فيها، فكأنَّه يقومُ مقامَ رسول اللهK في ذلك.

ويكون إمامُ المسجد بمنزلة الموظَّف الّذي لا يجوز له مخالفة وظيفته، فما يقوله محدَّد في إطار معيَّن، وما يطرحُه لا بدَّ أن يكون موافقاً لسياسة الحاكم باسم (رعاية القانون) وحفظ المجتمع من الفوضى.

ولا أريدُ هنا أن أتحدَّث باسم السّنَّة فهم أعرف بأحوالهم وآثار ذلك على دينهم ومجتمعاتهم، ولكن هذا ما نراه في الواقع؛ حيث يكون أئمّةُ المساجد لديهم مقيَّدين، وتراهم في الغالب مع سياسة الحاكم مهما ابتعد ذلك الحاكم عن الدّين، ومهما اشتهر فسادُه.

ومن الأمثلة الواقعيّة المعاصرة تونس مثلاً، فكان زين العابدين مثلاً مسيطراً على المسجد بشكل هائلٍ جداً، بل حتّى حضور المسجد يحتاج إلى إجازة خاصَّة كما قيل، وكانت أئمّة المساجد تسبّح بحمده، وتسير وفق هواه، ولا تستطيع مخالفته باعتبار أنَّه (وليُّ الأمر)، وطاعتُه فيها الصّلاح، وفجأة أصبح منبوذاً وفاسداً، ويجب خلعُه، فما الّذي تغيَّر في زينِ العابدين قبل الثّورة عليه حتى تغيَّر الحكم؟!

مقارنة بين رأي المدرستين وسيرتهم العمليّة:

بلحاظ ما ذكرناه، يتبيَّن الفارقُ الجوهريّ بين رأي الشّيعة ورأي السّنَّة في مسألة استقلال المسجد، فأهلُ السّنَّة يرتبطون بالحاكم حتّى في الشّأن الدّينيّ، ويلتزمون بذلك، وينظّرون له فقهيّاً، بل وتراهم يتشدَّدون في مسألة الخروج عن عباءة الحاكم، ولعلَّ كلّ ذلك تحت عنوان أنَّ الحاكم هو (ولي الأمر)، وقد أُمرنا بطاعته وعدم مخالفته.

وعلى النّقيض تماماً ترى الشّيعة حيث يعتبرون تمكين الحاكم في الشّأن الدّينيّ بشكلٍ عامّ، وفي المسجد بشكلٍ خاصّ من الكبائر غير المغتفرة؛ وسبب ذلك أنَّ الحُكَّام في نظرهم لا يمثّلون الدّين، بل لهم أجندة خاصّة وضيِّقة تتعارض مع أهداف الدّين، وليست لهم الولايّة على النّاس، والواقع الإسلاميّ منذ الخلافة الأولى وإلى يومنا هذا يشهد على صحة ما يذهب إليه الشّيعة.

والولاية على المؤسّسات الدّينيّة يجب ألّا تكون إلّا لمن تتوفّر فيه صفاتٌ كالعلم والفقاهة، والدّرجة العالية من التّقوى وترك الدّنيا.

وبناءً على هاتين الرّؤيتين يتبيّن أنَّ الآثار الخطيرة والنّتائج المتقدّم ذكرها تبرز أكثر عند السّنة؛ حيث إنَّهم -كما قُلنا- لا يرون ضرورةً في استقلال المسجد، والنّتيجة تلاعب الحاكم في هذه المؤسّسة الإلهيّة العظيمة.

وقد يقال: بأنَّ الشّيعة -حيث يعتمدون على مبدأ التّقية مع الحاكم- أيضاً لا يخالفون الحكّام بشكل عامّ في نشاطاتهم المسجديّة، ومساجدهم تحت وزارة الأوقاف وشؤونها التّابعة للدّولة الحاكمة، وهذا يعني تابعيّتهم للحاكم مثل السنَّة، وأمَّا من يخالف ذلك من الشّيعة فهم قلّة لا يمثّلون الحالة العامّة.

والجواب:

أوّلاً: إنَّ الكلام ليس في الخروج على الحاكم ومناكفته أو معارضته، وإنّما في تمكينه من المسجد، فمن الواضح اتّفاق الشّيعة قاطبةً عدم قبولهم لفرض الحاكم إمام الجماعة وخطيب الجمعة وما شاكل ممّا يرتبط بالمسجد.

ثانياً: هناك فرقٌ عَقَدِيٌ بين الشّيعة والسّنّة في النّظر إلى الحاكم؛ فالسّنّة يعتبرون الحاكم كالخليفة الواجب الطّاعة والامتثال؛ ولذا يرون أنَّ إمساكه لشؤون المسجد من صلاحيّته كوليّ للأمر، بينما الشّيعة يعتقدون أنَّ الحاكم مغتصب لهذا المقام، ولا شرعيّة دينيّة لحكومته فضلاً عن ولايته على المسجد، نعم -كما قلنا-لا يخرجون عليه تقيّة بأمر الأئمّة^، وعدم الخروج عليه ليس مطلقاً وفي كلِّ الأحوال أوّلاً، ولا يعني ذلك عدم جواز مخالفته وانتقاده وبيان فساده ثانياً.

ثالثاً: بملاحظة السّيرة العمليّة لعلماء المدرستين وخطباء الجمعة وأئمّة الجماعة يبرز الفرق بوضوح تامّ، حيث ترى مدرسةً تلتزم بتعظيم الحاكم والوقوف معه في كلِّ الأحوال، وهذا هو الأصل لديها، بينما المدرسةُ الأُخرى الأصل لديها فساد ذلك الحاكم وعدم جواز معاونته والعمل معه، وإنّما تقف معه إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين.

دعوتان لتخليص المسجد من براثن السّياسة

دعوةٌ باطلة: نسمعها في كلِّ مرةٍ يتحرَّرُ فيها المسجد من الحكَّام ليقومَ بدورِه الّذي أُسِّسَ من أجله، فيقال على ألسنة علماء البلاط ومن على منابر المساجد بأنَّ المسجدَ لا ينبغي له أن يتلوَّث بالسّياسة، ويجب أن يبقى منحصراً في عبادة الله تعالى والدّعاء وقراءة القرآن، ولذا لا ينبغي لخطيب المسجد الدّخول في المعتركات السّياسيّة وسجالاتها، ولا تأييد الأحزاب، ولا طرح المسائل الكبرى على السّاحة، فمحلُّها مكان آخر، يعني لا يجوز لك أن تتحدَّث في دائرة السّياسة العامّة والشؤون الاجتماعيّة وما يلحُّ من هموم النَّاس باسم الدّين ومن داخل المسجد، بل ومن أيِّ مؤسّسة دينيّة أخرى، بل اترك ذلك لأهل السّياسة، والمفترض أنَّ هؤلاء السّياسيّين لن يتقيّدوا بالدّين في قراراتهم وكلامهم حتّى لا ينجّسوا الدّين بالسّياسة!!

ودعوة مُحقَّة: بتخليص المسجد من نجاسة السّياسة الباطلة للحكَّام، وفكِّ الارتباط بهم، والاستقلال التّامّ عنهم، وعدم تمكينهم من أيِّ قرار يصدر من هذه المؤسّسة الإلهيّة العظيمة، فإنّ تمكين الحاكم من المسجد بالإضافة إلى الآثار السّيّئة المترتّبة عليه يجعل المؤمنين في حالة ذلّ ومهانة وتابعيّة، فكيف يمكن تصوّر أن يكون الدّين تابعاً للحاكم، بينما لا يصحُّ أن يكون الحاكم هو التّابع للدّين؟! فكم هي جريمة عظيمة جدّاً يتحمّل وزرها جميع وعّاظ السّلاطين وأتباع الحكّام حينما أفقدوا المسجد قيمته الكبيرة، ومنعوا تحقيق أهدافه المقدّسة، والأسوأ أنّ ذلك باسم الدّين!!

وقد يقول قائل: إنَّ هذا الكلام إنشائيّ لا واقع له، فإنَّه من غير الممكن استقلال المسجد عن الحكَّام بشكلٍ كاملٍ لأنَّه يقتضي المواجهة معه، وهذا يؤدّي إلى الفتنة والفرقة والفوضى!

ونقول: هذا هروب من المسؤوليّة الملقاة على عاتق العلماء وأئمّة المساجد، فإنَّ نفس هذا المبرِّر هو سبب انتشار الفتنة والفرقة والفوضى، فوضى في الآراء والمواقف حسب مزاج وهوى الحكَّام ومصالحهم الضيِّقة، ثمَّ إنَّ هذا المبرّر فيه تلاعب بالمشاعر ومغالطة في الدّليل.

وقلنا بأنَّنا لا نقصد من استقلال المسجد أن يكون منبراً لمواجهة الحكَّام، ولكن يجب أن يمثِّل الإسلام تمثيلاً صحيحاً وطاهراً من سياسات الحكِّام، فإذا لم تمكن المواجهة فلماذا يكون المسجد ألعوبة؟! ولماذا يرضى هؤلاء الوعَّاظُ والخطباءُ بالتّبعيّة والذلِّ والمهانة؟!

وهل وجد المسجد ليكونَ بوقاً للسّلاطين، ومنبراً للمترفين؟!

أليستْ كلمة الحقِّ لها ضريبةٌ يجب أن يتحمَّلها من يتصدَّى لهذه المهمَّة الخطيرة؟! فإذا ما وجد نفسه ليس بمستوى المسؤوليّة فليتركها لأهلها.

فحينما يتنازل إمام الجماعة وخطيب المسجد عن المسؤوليّة الإلهيّة الملقاة على عاتقه، ويترك الوظيفة الشّرعيّة، ويسلّم للحاكم في كلّ ما يريد فما هو حال عامَّة النَّاس؟!

لو أنَّ كلَّ خطباء المساجد امتنعوا عن تسليم زمام مساجدهم للحكّام أفهل نتصوَّر أنَّ السّلاطين قادرون على مواجهة الأمَّة حينئذ؟! بلا شكّ، سيرغم الحاكم على مماشاة النّاس والتّظاهر -لا أقل- بالدّين، ومراعاة أحكام الإسلام.

بل سيكون المسجد حينئذٍ هو الذي يقيّد تحرّكات الحكام مقداراً ما، بدل أن يكون المسجد أداة له لمحاربة الدّين والأمَّة.

والخلاصة:

إنّ المسجد وُجدَ لأهداف عُليا عظيمة بعظمة الإسلام، وهو أعظمُ منبرٍ يمكن من خلاله نشر الدّعوة المحمّديّة، وهو الممثِّل في نظر النَّاس للدّين والإسلام، فمن يضعُ نفسَه في هذا الموضع يجب أن يكون بقدر المسؤوليّة، وأنَّ تسليم المسجد وربطه بالسّلاطين والملوك، وجعله مؤسَّسةً تابعة للدّولة، يعتبر جريمةً كبرى في حقِّ الإسلام والمسلمين، وتضييعاً للأمانة والرّسالة الّتي جاء بها النّبيK.

ونختم الحديث بما روي عن رسول اللهK أنَّه قال: قال الله¨: >إنَّ بيوتي في الأرض المساجد، تضيئ لأهل السّماء كما تضيئ النّجوم لأهل الأرض، ألا طوبى لمن كانت المساجد بيوته، ألا طوبى لعبد توضَّأ في بيته ثمَّ زارني في بيتي، ألا إنَّ على المزور كرامة الزّائر، ألا بشِّر المشَّائين في الظّلمات إلى المساجد بالنّور السّاطع يوم القيامة<[2].

وعنهK: >الفقهاء أمناء الرّسل، ما لم يدخلوا في الدّنيا<، قيل: يا رسول الله! وما دخولهم في الدّنيا؟ فقال: >اتّباع السّلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على أديانكم<[3].

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

[1] الكافيّ، الكلينيّ، ج3، ص368.

[2] ثواب الأعمال، الصّدوق، ص28.

[3] كتاب النّوادر، فضل الله الرّاونديّ، ص156.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا