المؤسّسات الدينية بين الواقع والمنشود

المؤسّسات الدينية بين الواقع والمنشود

المقدمة:

لا يخفى على كلّ مسلم ما لأهمية المؤسّسة الدينية في حفظ الدين وترويجه في مختلف الأعصار والأمصار، فهي التي حافظت على بقاء الدين من خلال التعليم والتثقيف في الداخل الإسلامي، وهي التي كانت ولا زالت تدافع عن الدين وتدفع عنه الشبهات والأفكار المنحرفة، سواء كانت تلك الشبهات من نفس الداخل الإسلامي أم من خارجه.

وبهذا النمط استمرّت المؤسّسات الدينية في عملها -أي تقوية الجانب المعرفي في الداخل الإسلامي، ودفع الشبهات الطارئة على الدين- وقد أدّت دوراً بارزاً في هذا المجال ممّا ساهم بشكل كبير في حفظ الدين واستمراره.

ولكن من الملاحظ أنّ العمل في الزمان السابق كان يعتمد بشكل كبير على العمل الفردي، حيث إنّ العالِم الفلاني هنا يقوم بكتابة بعض الكتب، والعالِم الفلاني هناك يقوم بالتبليغ، وهكذا كان العمل يتم بشكل فردي.

وأحبّ هنا أن أكتب هذه القصة حتى أبيّن مقصودي: جاء في كتاب قصص وخواطر أنّ الشيخ محمد جواد البلاغي النجفي -صاحب المؤلفات الكثيرة في الردّ على شبهات الماديين واليهود والنصارى- كان فقيراً جداً، إذ كان بيته في النجف الأشرف كبيت الفقراء، وفرشه لا يعدو عن كونه حصيراً من سعف النخيل، وذات مرّة كتب بعض الكتب وأراد طباعتها، ولكنّه لم يجد مالاً للطباعة، فقام ببيع داره وطبع هذه الكتب بثمنه[1].

نلاحظ مدى تفاني الشيخ وتضحيته من أجل توعية الناس وحفظ الدين، ولكنّه يبقى عمله فردياً، والعمل الفردي لا ينتج دائماً النتاج المطلوب؛ إذ لعلّه لو كان الشخص غير الشيخ البلاغي& لما طُبع كتابه أصلاً، ولكن لو كان العمل مؤسّساتيّاً لكانت العوائق أقلّ بكثير.

ولذا جاء في التقرير المُعدّ حول دار الحديث العلمية الثقافية بأنّ الدافع لتأسيس هذه الدار هو التنظيم والعمل الجماعي المؤسّساتي، فقد جاء في التقرير: "في الماضي وبسبب عدم توفّر ظروف العمل الجماعي لم يكن هناك سعي منظّم وجامع لتدوين الأحاديث وتنظيمها؛ ولذا كان هناك‌ شعور بالحاجة إلى وجود مركز مستقلّ للعمل المنظّم في مجال تصنيف الأحاديث وتهذيبها، وبيان ونشر المعارف الحديثيّة والتحقيق في المسائل المرتبطة بالحديث"[2].

من هنا أحسّ العلماء والمتديّنون والمثقفون بضرورة العمل الجماعي، فبدأت المجاميع والمؤسّسات تتشكّل شيئاً فشيئاً؛ إيماناً منهم بضرورة تكاتف الجهود وتلاقح الأفكار، وإذعاناً منهم بعدم جدوى العمل الفردي في هذه الأزمان.

وكان لهذه المؤسّسات والمراكز دورها في المجتمع، ولكنّها بقيت تعتمد بشكل أساسي على جهود فردٍ واحد أو مجموعة قليلة من الأفراد، حيث إنّ هذا الفرد عادةً ما يكون لديه بعض النشاط أكثر من غيره فيتولّى أغلب المهام في المؤسّسة، وهذا الأمر -كما ترون- قد يؤدّي إلى انتهاء المؤسّسة عند رحيل هذا الشخص أو هؤلاء الأشخاص، فهذه المؤسّسة وإن سمّيت مؤسسة إلا أنّ واقعها يعود إلى العمل الفردي.

ثمّ إنّه لو تجاوزنا هذه المشكلة، وقلنا بأنّ هناك فعلاً مجموعة تعمل مع بعضها البعض، ولا يوجد عمل فردي، إلا أنّه تواجهنا مشكلة أخرى ألا وهي عدم الكفاءة في العمل، وهذه مشكلة كبيرة في مراكزنا ومؤسساتنا الدينية -خصوصاً المؤسّسات والمراكز التطوّعية- حيث إنّ عدم الكفاءة في العمل هو السبب الرئيس في عدم إنتاجية المؤسّسة الدينية بالمستوى المطلوب والمأمول، فإنّ الطابع العام لمؤسساتنا هو العمل أيّاً كان، وهذا وإن كان قد ينتج في بعض الأحيان إلا أنّه يخفق في كثير من الأحيان أو يكون مستوى العمل على رتيبة واحدة لا يتغيّر.

إنّنا اليوم نعيش واقعاً غير الذي نعيشه بالأمس، فأعداء الدين يعملون ليلاً نهاراً من أجل محاربة الدين بشكل مدروس ومنظّم، ويستخدمون أحدث الوسائل التكنولوجية في ترويج أفكارهم، يقول الدكتور أيمن المصري~: "إنّهم -أي الملحدون- يعتمدون بصورة أساسية على وسائل التواصل الاجتماعي ضمن آلاف المواقع الكثيرة على الشبكة العنكبوتية، فيبثّون الشبهات المختلفة ضدّ أمرين أساسيين هما: مبدأ الوجود الإلهي، والآخر هو ضدّ وجود الدين فينتقدون فلسفته وينظّرون إلى مناشئه وأحكامه؛ ذلك كلّه لإخراج الناس من الدين وليُحاولوا إنكار المبدأ الإلهي فينتفي الدين. -إلى أن قال-: وقد استغلّ هؤلاء ضعف المناعة الفكرية عند الناس والشباب، وهذا واقعٌ وهو أنّ الشباب ليس لديهم حصانة فكرية وذلك نتيجة: القصور والتقصير في المؤسّسة الدينية، ونتيجة وجود الغزو الثقافي"[3].

ويقول سماحة السيد منير الخباز~ -في حديثه عن عوامل الإلحاد مع تعديل طفيف في العبارة-: "العامل الثالث: هو عدم مواكبة المؤسّسة الدينية لعالَم الفكر، فالمؤسّسة الدينية (الحوزة ـ المنبر ـ المسجد) غير مواكبة وبعيدة عن ما يثار في العالم من أطروحات حول الدين، حول الإنسان، حول النفس، حول مصير الإنسان، حول الأسئلة الوجودية، ما يثار في العالَم حول هذه الأسئلة وحول هذه القضايا المصيرية المؤسّسة الدينية لا تتابعها ولا ترصدها ولا تهتم بها، فالمؤسّسة الدينية منغلقة على ما هو موروث من العلوم والأفكار منذ عدة قرون دون أن تنفتح على ما يثار في العالم، ونتيجة ذلك يشعر الشاب المسلم أنّ المؤسّسة الدينية لا تلبّي طموحاته، وأنّ المؤسّسة الدينية لا تجيب على أسئلته، وأنّ المؤسّسة الدينية لا تحل إشكالاته واستفهاماته، لذلك حيث يجد الحل ويجد الجواب في الأساليب الإعلامية العلمانية والإلحادية فمن الطبيعي أن يتّجه إليها وأن يتأثّر بها"[4].

باعتقادي أنّ سبب عدم المواكبة وعدم الإنتاجية المطلوبة في المؤسّسات الدينية هو عدم الكفاءة في العمل، فالمؤسّسات لو وظّفت الكفاءات أو حاولت أن تطوّر نفسها من الجانب الإداري والتنظيمي لكانت أفضل بكثير ممّا هي عليه الآن، ولزادت من مستوى إنتاجيتها وكفاءتها وأصبحت تواكب كلّ الأحداث بحرَفِيّة وتقنيّة عالية، يقول الإمام الصادق×: >الْمُؤْمِنُ حَسَنُ الْمَعُونَةِ، خَفِيفُ الْمَئُونَةِ، جَيِّدُ التَّدْبِيرِ لِمَعِيشَتِهِ، لا يُلْسَعُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ<[5].

من هنا سوف نقدّم فكرة عامة حول عملية الإدارة وأهميتها، وكيفية تنظيم المؤسّسة إدارياً وفنيّاً؛ والهدف من ذلك هو أن تلتفت مؤسّساتنا الإسلامية إلى أهمية الموضوع وتتكوّن عندها أهم الأفكار الإدارية، ومن ثم تنطلق في تطوير ذاتها وتسعى لرفع مستواها الإداري والإنتاجي.

وأودّ أن أشير إلى أنّ تعريف المصطلحات في هذا المجال ليس من الأمور الثابتة المتّفق عليها، ولكنّها تتشابه في المضمون، ولذا سأنتزع ما أجده مناسباً من هذه التعاريف دون التقيّد بمصدر معيّن.

ما هي المؤسّسة؟

المؤسّسة هي منظمة تمّ تأسيسها من أجل تحقيق هدف معيّن، وتضم مجموعة من الأفراد يعملون مع بعضهم البعض وفق خطة معيّنة ووفق إطار تقسيم واضح في العمل.

لماذا العمل المؤسّساتي؟

إنّ العمل المؤسّساتي يساهم بشكل كبير في عدة أمور، منها:

1ـ تطوير الإنتاج: فإنّ التعاون في العمل وتكاتف الجهود وتلاقح الأفكار يساهم بشكل كبير في تطوير الإنتاج وزيادته ودقّته وسرعته.

2ـ تقليل التكاليف: والمراد من تقليل التكاليف هو صرف الموارد في محلّها بأقل الخسائر، وهذا يعتمد على مقدار الإنتاج المطلوب وحجم الهدف المرسوم. وممّا لا شك فيه أنّ العمل الجماعي يساهم في صرف الموارد في محلّها الصحيح بأقل الخسائر وبأقل الأخطاء.

3ـ الحضور القوي في مختلف الساحات والتميّز في الطرح، ممّا يساهم في جذب الجماهير بشكل أكبر إلى المؤسّسة.

هذه الأمور وغيرها لا يمكن أن تحصل من دون عمل إداري منظّم، فالإدارة الجيدة هي المؤثّر الأكبر في نجاح المؤسّسة وفي بقائها واستمرارها، فلا بدّ للمؤسسات من أن تستفيد من علم الإدارة والاطلاع عليه؛ فعلم الإدارة يدعو إلى اتّخاذ قرارات رشيدة، بمعنى وضع الأمور في نصابها، وهذا في الحقيقة هو معنى الحكمة، قال تعالى: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ}[6].

لا بدّ أن نقيّم واقعنا الحالي ونغيّره، لا ينبغي البقاء على ما نحن عليه، بل لا بدّ أن ننشد واقعاً مبنياً على أسس منهجية، لا بدّ أن ننظر إلى المستقبل، وممّا يساهم في هذا الجانب هو علم الإدارة، وهو ليس بالأمر الصعب تحقيقه، بل إنّه من السهل جدّاً تحصيل علم الإدارة ولو إجمالاً، ولكن ينبغي الالتفات إليه والتوجّه الجادّ نحوه عن طريق الانضمام إلى الدورات التدريبية والاطّلاع على الكتب المختصة في هذا الجانب مثلاً، لا أن نهمله ونعمل باجتهاداتنا الفردية غير الواضحة التنظيم.

يقول الشيخ مصباح اليزدي~: "كلّما غلب على العمل الطابع الجماعي وكان أكثر تكتّلاً وأكثر قوّة وعدّة كان أكثر عطاءً وثراءً، وهذه معادلة ثابتة علمياً وتجريبياً، إنّه كلّما ازداد واشتدّ التعاون والتآزر بين الأفراد الذين يمارسون أعمالاً اجتماعية -مع أخذ الأفراد كماً ونوعاً بنظر الاعتبار- فعند ذلك تزداد وتتصاعد قيمة ذلك العمل"[7].

كيف تكونُ إدارةُ المؤسّسة إدارة ناجحة؟

المؤسّسة إذا توفّرت على (التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة) كانت إدارتها ناجحة وإلا فلا، وإن توهّمت أنّها ناجحة.

من هنا سوف نبدأ بالسير بشكل متسلسل لبيان أهم الأمور التي يجب أن تتوفّر عليها المؤسّسة في إدارتها، وما هي شروط كلّ أمر منها، آملين أن تستفيد منها مؤسّساتنا الدينية في تنظيم المؤسّسة.

الأمر الأول: رسالة المؤسّسة

رسالة المؤسّسة هي هوية المؤسّسة وما يميّزها عن غيرها من المؤسّسات، لذا فإنّ أوّل أمر لا بدّ أن تعمل عليه المؤسّسة هو صياغة رسالة المؤسّسة؛ لأنّها هي الانطلاقة التي ينطلق منها العمل، فمنها تُشتق الأهداف العامة ثم السياسات العامة، ومن ثم صياغة الأهداف الخاصة ضمن خطة استراتيجية واضحة، ثم البدء في فرز ميادين العمل ووضع مؤشرات التقييم.

رسالة المؤسّسة أو المنظمة تُصاغ بلغة إنشائية جذابة تُولّد الفخر والحماس والاعتزاز بالانتماء للمؤسسة، وهي تتضمّن الفلسفة التنظيمية للمؤسسة (أي قيم ومعتقدات المؤسّسة)، وتتضمّن الأغراض التنظيمية (أي الغايات والطموحات والأهداف العامة).

ورسالة المؤسّسة -بالإضافة إلى ما سبق- تجيب عن تسعة أسئلة[8]:

1ـ من هم المستفيدون من هذه المؤسّسة؟

2ـ ما هي الخدمات والمنتجات التي تقدّمها المؤسّسة؟ (وهذه تصاغ بطريقة كيفية إشباع حاجات المستفيدين).

3ـ ما هي ساحة عمليات المؤسّسة؟ أي ما هي الحدود الجغرافية لعمل المؤسّسة؟

4ـ ما هي فلسفة المؤسّسة؟ أي أبرز القيم التي تؤمن بها؟

5ـ ما هي الميزة التنافسية للمؤسسة؟ أي ما الذي يميّز هذه المؤسّسة عن غيرها؟ لماذا الناس تُقبل على هذه المؤسّسة دون غيرها؟

6ـ هل تهتم المؤسّسة بسمعتها في الإطار الوطني والقومي والعالمي؟ أو في بعضها دون البعض مثلاً؟

7ـ هل المؤسّسة تهتم بالتكنلوجيا؟

8ـ هل تهتم المؤسّسة بالنمو والتطوّر؟ والربحية إن كانت ربحية؟

9ـ هل تهتم المؤسّسة بالعاملين لديها وتعتبرهم أصلاً من أصولها؟

هذه الأمور تصاغ على شكل رسالة لا تتجاوز الصفحة الواحدة، وتكتب بشكل واضح بحيث تكون مفهومة للجميع، ولا يشترط الترتيب في هذه الأسئلة وإن كان الدارج هو مراعاة الترتيب بينها.

الأمر الثاني: الأهداف العامة والخاصة

من تلك الرسالة التي كتبناها نستخلص مجموعة من الأهداف العامة للمؤسسة، والمقصود من الأهداف العامة هي تلك الأهداف التي تبقى ما بقيت المؤسّسة، بخلاف الأهداف الخاصة أو الاستراتيجية (المرحلية)؛ فهي تلك الأهداف التي يكون لها الأولوية في فترة معيّنة يراد تحقيقها فيها.

والأهداف لا بدّ أن تتوفّر على أمور، منها:

1ـ أن تكون دقيقة في معاييرها كماً وكيفاً وزمناً.

2ـ أن توضع لها خطط مرحلية من أجل تنفيذها وتحقيقها.

3ـ أن يواكبها تهيئة موارد مادية وبشرية من أجل المساعدة على تنفيذها وتطبيقها.

4ـ وجود مدير يشرف على حركة العاملين قبل وأثناء وبعد تحقيق الأهداف.

الأمر الثالث: السياسات العامة للمؤسسة

لا بدّ لكل مؤسسة أن تكون لديها سياسات عامة هي أشبه بالقوانين، بحيث لا يجوز تجاوز هذه السياسات والقوانين، وإذا حصل تجاوز فهذا يعتبر مخالفة لسياسات المؤسّسة ونقطة ضعف فيها، فلذا لا بدّ من صياغتها بشكل واضح -بحيث لا تسبّب التنازع والاختلاف مستقبلاً في شرح بعض مفرداتها- ومن ثم يتم إطلاع العاملين في المؤسّسة عليها.

الأمر الرابع: التخطيط الاستراتيجي

كثيراً ما نسمع كلمة (الاستراتيجية)، فما هو معناها؟

الاستراتيجية هي: "مجموعة الأفكار والمبادئ التي تتناول ميداناً من ميادين النشاط الإنساني بصورة شاملة متكاملة، وتكون ذات دلالة على وسائل العمل ومتطلباته واتجاهات مساراته بقصد إحداث تغييرات فيه وصولاً إلى أهداف محدّدة. كما أنّها أفعال أو مجموعة من الأفعال التي تهدف إلى تحقيق الأهداف المرسومة. وحيث إنّ الاستراتيجية معنية بالمستقبل فإنّها تأخذ بعين الاعتبار احتمالات متعددة لإحداثه وتكون قابلة للتعديل وفقاً للمستجدات. كما تحتل الاستراتيجية موقعاً وسطاً بين السياسة والخطة، وتستخدم الاستراتيجية في الدراسات المعنية بأساليب التخطيط والتدبير والتنظيم.

وترجع جذور كلمة الاستراتيجية إلى كلمة (Strategos) باللغة اليونانية والتي تعني (كيفيّة قيادة الجنرال للحرب). وقد تطوّر هذا المفهوم عبر عصور التاريخ مع نمو المجتمعات البشرية وتعقدها، وانطلاقاً من الجذور العسكرية لمفهوم الاستراتيجية تُعرف الاستراتيجية بأنّها (علم تخطيط وتوجيه العمليات الحربية)، كما تعرف بأنّها (علم وفن الحرب الذي يهدف إلى مواجهة العدو تحت ظروف تفوق قدرته وفقاً لموقف وقوة كلّ طرف)، وتُعرف أيضاً بأنّها خطة محكمة أو أسلوب لإنجاز نهاية معينة"[9].

ما هو التخطيط الاستراتيجي؟

التخطيط في الحقيقة هو أمر موجود عند كلّ من يمارس عملاً معيّناً؛ إذ لا يُعقل أن يقوم الإنسان بعمل أو مشروعٍ ما من دون أن يكون لديه خطّة ولو في ذهنه، إلا أنّ هذا الأمر لا يكفي في النجاح؛ فالخطة لكي تكون ذات أثر لا بدّ أن تُدوّن وفق ضوابط محدّدة مدروسة، وإلا فإنّ الممارس للعمل قد تفوته بعض الأمور المهمة إذا لم يمارس التخطيط بشكل منظّم.

روي عن الإمام الكاظم× أنّه قال: >اعْمَلْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَداً، واعْمَلْ لآِخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَداً<[10]، ومن الواضح أنّ العمل للدنيا وكأنّك تعيش أبداً يحتاج إلى التخطيط والتنظيم، وكذلك العمل للآخرة.

التخطيط الاستراتيجي: هو عبارة عن عملية منهجية مدروسة تساهم في رسم الأهداف المستقبلية وكيفية تحقيقها في مدة زمنية معيّنة.

والتخطيط لا بدّ أن يراعى فيه الأمور التالية:

1ـ معرفة حاجات الناس؛ من أجل تلبيتها وإشباعها.

2ـ توقّع المخاطر؛ من أجل محاربتها والتغلّب عليها.

3ـ توقّع الفرص؛ من أجل استثمارها والاستفادة منها.

4ـ معرفة نقاط القوة؛ من أجل تعزيزها وتطويرها.

5ـ معرفة نقاط الضعف؛ من أجل إزالتها والابتعاد عنها.

أهمية التخطيط الاستراتيجي

يقول الإمام أمير المؤمنين×: >التَّدْبِيرُ قَبْلَ الْعَمَلِ يُؤْمِنُكَ مِنَ النَّدَمِ، وَالْعَاقِلُ مَنْ وَعَظَتْهُ التَّجَارِبُ<[11].

تكمن أهمية التخطيط الاستراتيجي في أنّه يساهم في تحقيق أفضل النتائج والتأكّد من أنّ العمل يسير على الطريق الصحيح وفي الوقت الزمني المناسب، كما يساهم بشكل واضح في عملية تقييم المؤسّسة وبيان مكان الخلل فيها، ممّا يجعل المؤسّسة تتجنب الأخطاء شيئاً فشيئاً وبالتالي تتطوّر شيئاً فشيئاً.

وللتخطيط الاستراتيجي مبادئ وقواعد لا يسع المقام للتفصيل فيها، وإنّما أردنا الإشارة إليها على نحو الإجمال حتى نلفت الإخوة العاملين في المؤسّسات الدينية إلى أهميته وثمرته العملية، ومن ثمَّ عليهم أن يبادروا إلى المطالعة في هذا الجانب ويعملوا عليه.

الأمر الخامس: الهيكلة الإدارية وبطاقات الوصف الوظيفي

لا بدّ لكل مؤسّسة أن يكون لديها هيكلة إدارية، والأفضل أن تكون على شكل مُشجّرة، يكون على رأسها الإدارة الرئيسية أو الإشراف العام، ثم تتفرّع تحتها الأقسام أو اللجان والدوائر.

وفائدة هذه الهيكلة تكمن في تحديد الإدارة المباشرة لكلّ وظيفة، حيث يتعرّف العامل في القسم الفلاني أو اللجنة الفلانية على من هو المسؤول المباشر عنه وإلى من يرجع بحسب التدرّج الوظيفي؛ إذ ليس من الصحيح والمناسب أن يرجع جميع العاملين إلى الإدارة العليا في العمل.

الأمر السادس: بطاقات الوصف الوظيفي

ثم بعد وضع الهيكلة الإدارية يتم صياغة بطاقات الوصف الوظيفي، حيث يتمّ فيها تعريف كلّ وظيفة بدقّة ووضوح، وتذكر فيها المهام والمسؤوليات بشكل واضح وتفصيلي؛ حتى لا يحصل النزاع مستقبلاً في أنّ هذا العمل الفلاني هل يدخل ضمن هذه الوظيفة أو تلك، وحتى لو أرادت المؤسسة توظيف عامل معيّن فإنّ العامل يكون لديه اطّلاع واضح على وظيفته وما هو المطلوب منه، وكذلك يُبيّن فيها المسؤول الإداري المباشر عن تلك الوظيفة، ويُبيّن فيها الأقسام الوظيفية التي تندرج تحتها إن وُجدت، يعني يُذكر فيها الجهة التي يتبعها، والجهة التابعة له.

الأمر السابع: تقييم المؤسّسة

من أهم عوامل النجاح في عمل المؤسّسة هو عامل الرقابة وتقييم أداء المؤسّسة، فلكي تعرف المؤسّسة أنّها متقدمة أو لا فإنّه لا بدّ من أن تقيّم نفسها؛ من أجل أن تعرف مواقع التأخّر وبالتالي معالجتها، وتعرف مواضع التقدّم وبالتالي تعزيزها.

قال أمير المؤمنين×: >مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ، ومَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسِرَ، ومَنْ خَافَ أَمِن، ومَنِ اعْتَبَرَ أَبْصَرَ، ومَنْ أَبْصَرَ فَهِمَ، ومَنْ فَهِمَ عَلِمَ‌<[12].

ويمكن تعريف عملية تقييم أداء المؤسّسة: بأنّها تلك العملية المستمرة التي يتمّ من خلالها القياس الموضوعي للأداء الفعلي للمنظمة ومقارنته بالمؤشرات والمعايير الموضوعة لها؛ من أجل التعرّف على مدى كفاءتها وفعاليّتها في سبيل إجراء التحسين والتطوير اللازم.

وهذه المصطلحات الموجودة في التعريف يمكن أن تتّضح من خلال بيان المراحل التي تمرّ بها عملية التقييم[13]، فهي تمرّ بالمراحل التالية:

المرحلة الأولى: وضع ميادين العمل التي يراد تقييمها، ومن خلال هذه الميادين تتفرّع مؤشّرات التقييم.

كما لو أرادت المؤسّسة تقييم مثلاً: التنظيم، والتخطيط، والإعلام، والإنتاج، فإنّ كلّ واحدة من هذه الأمور تعتبر ميداناً يُراد تقييمه.

المرحلة الثانية: وضع المؤشّرات العامة والخاصة المناسبة التي من خلالها يمكنني تقييم أداء كلّ ميدان عمل.

مثال: في ميدان (التخطيط): أريد أن أعرف مثلاً نسبة الالتزام بالخطة، وكذلك نسبة العمل المنفّذ من الخطة. أو مثلاً في ميدان (الإعلام): أريد أن أعرف مثلاً نسبة الالتزام بتغطية كلّ فعالية تقوم بها المؤسّسة، وكذلك نسبة مستوى الالتزام بنشر إعلانات المؤسّسة، وهكذا.

فهذه النسب التي أريد أن أعرفها هي التي تسمّى بالمؤشّرات.

المرحلة الثالثة: وضع ثقل لكلّ مؤشّر في كلّ ميدان عمل؛ فإنّ المؤشّرات ليست كلّها على مستوى واحد من الأهمية، فبعض المؤشّرات تكون أهم، ولذا تكون نسبتها في الحساب أعلى من غيرها.

فمثلاً: يوضع للمؤشر الأول ثقل 30، والثاني 15؛ لأنّ المؤشر الأول أهم، وهكذا يتم وضع الأثقال بحسب الأهمية والأولوية، بشرط أن لا يتجاوز مجموع الأثقال المائة.

المرحلة الرابعة: وضع معايير لتلك المؤشرات العامة أو الخاصة. والمعيار هو الحد والمقياس الكمي[14] أو النوعي[15] الذي يُستعمل لمراقبة أداء كلّ ميدان من ميادين العمل.

مثلاً: في أمثلة المؤشرات السابقة يكون معيار القياس فيها هو النسبة المئوية (%)، ولكن لو كان المؤشّر كالتالي (نسبة وضوح العمل لدى الموظفين)، فهنا معيار القياس يمكن أن يكون (ممتاز، جيد جداً، جيد، مقبول، غير مقبول)، ولو كان المؤشّر مثلاً (نسبة المعدل الوسطي لساعات عمل الموظفين)، فهنا يمكن أن يكون معيار القياس مثلاً (8 ساعات يومياً).

المرحلة الخامسة: عملية حساب نتائج ميادين العمل.

هنا يُفضّل الرجوع إلى شخص متخصّص في هذا الجانب يقوم بعمل المعادلات الرياضية لحساب نتائج أداء المؤسّسة وفق المؤشّرات والمعايير التي تمّ وضعها.

وهنا لا يسمح المقام بالتفصيل في كيفية الحساب، ولكن على نحو الاختصار الشديد نقول: بعد أن وضعنا الميادين والمؤشرات والأثقال والمعايير، نأتي إلى الخطوات التالية:

ـ الأداء الفعلي الحالي كم هي نسبة تحققه؟

ـ ثم نطبّق القواعد التالية: إذا كانت الزيادة محبّذة تكون كالتالي: ((الأداء الحالي/المعيار) ضرب 100). وإن كان النقصان محبّذاً تكون كالتالي: ((المعيار/الأداء الحالي) ضرب 100).

ـ ثم نطبّق هذه العملية: ((نتيجة المؤشّر) ضرب ثقل المؤشّر).

ـ ثم لاحتساب نتيجة الميدان نطبّق القاعدة التالية: (مجموع (نتيجة المؤشّر * ثقل المؤشّر) مجموع أثقال مؤشّرات الميدان).

ـ ثم لاحتساب نتيجة جميع المؤشرات نطبّق التالي: (مجموع (نتيجة الميدان × ثقله) مجموع أثقال جميع الميادين).

ـ والعلامة القصوى لذلك هي المائة.

هذه باختصار عملية حساب تقييم الأداء، ونوجزها في التالي مع إضافة بعض التنبيهات:

1ـ تحديد ميادين العمل.

2ـ وضع المؤشّرات والمعايير.

3ـ جمع المعلومات عن الأداء الفعلي (قياس الأداء الفعلي).

4ـ مقارنة الأداء الفعلي بالمؤشّرات والمعايير.

5ـ إصدار الأحكام، فإن كانت متطابقة مع المعايير فبها ونعمت، وإن كانت غير متطابقة معها؛ فتارة يكون عدم التطابق إيجابياً وأخرى سلبياً، وفي كليهما تارة يكون عدم التطابق مقبولاً وأخرى غير مقبول.

في حالة كون عدم التطابق غير مقبول سلباً أو إيجاباً فإنّنا إما أن نعدّل المعيار ونبقي على المؤشّر، وإما أن نصحّح الأداء ونبقي على المعيار والمؤشّر، وإما أن نعدّل المؤشّر.

إدارة المؤسسة:

بعد أن بيّنا كلّ ما يتعلّق بنجاح المؤسّسة نقول: إنّ نجاح المؤسّسة يعتمد بشكل أساس على مدير المؤسّسة، فالمدير الناجح هو الذي يستطيع إدارة كلّ هذه الأمور في المؤسّسة بشكل صحيح ومناسب. من هنا سوف نتعرّض بشكل موجز إلى مواصفات المدير الناجح.

ما هي مواصفات المدير الناجح؟

نحن هنا سوف نتطرّق إلى مواصفات المدير الناجح برؤية إسلامية، وسنجد أنّ الإسلام يحمل أرقى مفاهيم الإدارة الناجحة في جميع المجتمعات.

أولاً: الرؤية والبصيرة

المدير الناجح هو الذي ينظر إلى المستقبل بدقة ويدرس حالاته، ويتوقّع المخاطر والعقبات ويحاول وضع الخطط ليتجنّبها، ويتحيّن الفرص ويستثمرها، وهذا كلّه يحصل بالتخطيط الجيّد والمنظّم.

يقول ضرارة بن ضمرة في وصف أمير المؤمنين×: >كان والله بعيد المدى، شديد القوى...<[16].

ثانياً: الكفاءة العلمية والإدارية

من الواضح جدّاً أنّ المناصب الإدارية لا بدّ أن تُعطى لأصحاب الكفاءات والقدرات، وإلا فإنّه لن تتقّدم المؤسّسة إلى الأمام ولن تتطوّر، ولذا لا بدّ أن يكون المدير صاحب كفاءة تؤهّله لأخذ هذا المنصب على عاتقه، وبالتالي لا بدّ على المدير أن يُوظّف العاملين في المؤسّسة بحسب الكفاءات والخبرات والقدرات.

فقد جاء في عهد أمير المؤمنين× لمالك الأشتر     ۤ: >ثمَّ انْظُر في أمور عمَّالك فاسْتَعْملهُم اختباراً ولا تُولِّهِمْ مُحَابَاةً وَأَثَرَةً؛ فإنَّهُما جِمَاعٌ مِن شُعَبِ الجَوْرِ والخيانة، وتَوَخَّ منْهُم أهْلَ التَّجْرِبَةِ والحَيَاءِ من أهْلِ البُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ والقَدَمِ فِي الإسلام المُتَقَدِّمَة؛ فإنَّهُم أَكْرَمُ أخلاقاً، وأَصَحُّ أَعْرَاضاً، وأَقَلُّ فِي المطامِع إِشْرَافاً، وأَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الأمُور نَظَراً<[17].

وفي كلام ضرارة بن ضمرة أيضاً في وصف أمير المؤمنين×: >يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه...<[18].

ثالثاً: معرفة البيئة المحيطة

لا بدّ للمدير الناجح أن يعرف ما يدور حوله في المجتمع؛ حتى يقدّم ما يحتاجه المجتمع، ويحاول أن يرتقي بالمؤسّسة بما يناسب المجتمع وتطوّره، وإلا كانت المؤسّسة متقوقعةً في مكانها، بعيدةً عن المجتمع وحاجاته، وبالتالي فشل تلك المؤسّسة.

عن أبي عبدالله×: >العالم بزمانه لا تهجم عليه اللَّوابِس<[19].

رابعاً: العدالة

من الأمور التي تساهم في نجاح المؤسّسة هو تحفيز العاملين في المؤسّسة على العمل، ولذا لا بدّ أن يشعر العاملون فيها بالاحترام والتقدير، ومن الأمور المهمّة التي تساعد على ذلك هو أن يكون المدير عادلاً مع جميع الموظفين والعاملين في المؤسّسة، بحيث يعطي كلّ ذي حقّ حقّه، ولا يتساهل مع البعض دون البعض، ولا يفضّل البعض دون البعض من دون مبرّرات.

يقول ضرارة بن ضمرة في وصف الأمير×: >... يقول فصلاً ويحكم عدلاً<[20].

وقد جاء في عهد أمير المؤمنين× لمالك الأشتر     ۤ: >أَنْصِفِ اللهَ وأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ ومِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ ومَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِك؛ فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِم،ْ ومَنْ ظَلَمَ عِبَادَ الله كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، ومَنْ خَاصَمَهُ الله أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وكَانَ لِله حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ ويَتُوبَ، ولَيْسَ شَيْ‌ءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ الله وتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ؛ فَإِنَّ الله يَسْمَعُ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ، وَلْيَكُنْ أَحَبُ الأمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ وأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ<[21].

وكذلك قال× في عهده: >لا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ والْمُسِي‌ءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لأَهْلِ الإِحْسَانِ فِي الإِحْسَانِ، وتَدْرِيباً لأَهْلِ الإِسَاءَةِ عَلَى الإِسَاءَةِ<[22].

خامساً: الثقة بالنفس وعلو الهمّة والإرادة

المدير الناجح لا بدّ أن يتحلّى بالثقة وأنّه قادر على تحقيق النجاح للمؤسسة ولا يهاب ما يصاحب ذلك من متاعب، فهذه الثقة إذا صاحبتها العزيمة، وعلو الهمّة، والسعي نحو الإبداع، وقوة الإرادة الجادّة نحو تحقيق الأهداف؛ فإنّ ذلك كفيل بنجاح المؤسّسة إن شاء الله تعالى، وكفيل ببقاء المؤسّسة حيّة نابضة مع تقادم الوقت.

عن الإمام علي×: >إذا هبت أمراً فقع فيه؛ فإنّ شدّة توقّيه أعظم ممّا تخاف منه<[23].

سادساً: التقوى وعدم التعلّق بالدنيا

لا بدّ أن يكون المدير -وخصوصاً في المؤسّسات الدينية- مخلصاً لله في عمله، يبتغي بذلك رضا الله تعالى، فلا يتعدّى على حقوق الغير، ولا يظلم، ولا يحسد الغير في عملهم، وهذا ممّا له الشأن الكبير في التوفيق الإلهي والنجاح. وأما إذا تعلّق الإنسان بالدنيا فإنّ هذا التعلّق يجرّه نحو المفاسد والتعدّي والظلم، والمؤسّسة التي تقوم على مثل هذا العمل لن يُكتب لها البقاء والاستمرار.

يقول أمير المؤمنين×: >يا دنيا! يا دنيا! إليكِ عنّي، أبي تعرّضْتِ أم إليّ تشوّقْتِ! لا حان حينُك، هيهات هيهات غرّي غيري، لا حاجة لي فيكِ، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيها، فعمرك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آهٍ من قلّة الزاد وطول الطريق وبُعد السفر وعظيم المورد<[24].

ويقول× في عهده لمالك الأشتر     ۤ: >وإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ الله فَوْقَكَ وقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ...<[25].

سابعاً: التفاؤل والأمل بالنجاح

التفاؤل بالخير يعتبر من العوامل النفسية المهمة التي تشجّع على العطاء والاستمرار، بينما التشاؤم يجعل الإنسان متوجّساً مُحبَطاً، وهذا مما يدفع الإنسان نحو الخمول وعدم العطاء، ولذا لا بدّ للإنسان دائماً ـ وخصوصاً مدير المؤسّسة- أن يكون متفائلاً بتحقيق النجاح.

وقد ورد في الدعاء عن الإمام زين العابدين×: >اللهم اجعل أول يومي هذا صلاحاً، وأوسطه فلاحاً، وآخره نجاحاً<[26].

وعن أمير المؤمنين×: >تفأل بالخير تنجح<[27].

ثامناً: الحلم وعدم التهوّر

لا بدّ على المدير لكي يكون ناجحاً أن يكون حليماً في مواضع الحلم، وإذا واجهه أمرٌ ما فإنّه لا بدّ أن يحيط به ويدرس جميع حيثياته ثم يُقدم عليه أو يحكم عليه، ولا ينبغي التسرّع في إصدار المواقف والأحكام.

عن أمير المؤمنين×: >آلة الرئاسة سعة الصدر<[28].

وعنه×: >الحلم والأناة توأمان يُنتجُهُما علوّ الهمّة<[29].

تاسعاً: التواضع والمداراة وعدم التسلّط

عندما يكون مدير المؤسّسة متواضعاً أمام العاملين، ويحترمهم ويداريهم، ويحمل همومهم، ويعطيهم الثقة بأنفسهم ولا يتسلّط عليهم، فإنّ ذلك يجعل العاملين بالمؤسّسة يتعلّقون بها ويحبّون عملهم، ممّا يدفعهم نحو العمل الجاد والإبداع.

عن الإمام الصادق× عن رسول الله| أنّه قال: >أعقل الناس أشدّهم مداراةً للناس<[30].

وعن الإمام الحسن عن أبيه‘ في صفة الرسول|: >كان دائم البُشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظّ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي فلا يؤيس منه ولا يخيّب مؤمّليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحداً ولا يعيّره ولا يطلب عورته ولا عثراته<[31].

وفي كلام لضرارة بن ضمرة في وصف أمير المؤمنين×: >كان والله فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه<[32].

عاشراً: المشاركة والانفتاح

الإنسان مهما بلغ يبقى عقله محدوداً، وقد تحيطه بعض العوامل التي تؤثّر في نمط تفكيره، ولذا قد ترى وجود لون واحد من التفكير لا يتعدّى إلى أبعد من ذلك، وقد يتفّق أن تكون الفكرة خاطئة ولكن لا يُلتفت إليها بسبب محدودية العقل في التفكير، وهذا أمر في غاية الخطورة؛ فهو قد يساهم في استمرار الخطأ وتفاقمه من دون التفات، وكذلك هو لا يفسح المجال أمام الإبداع والتقدّم.

من هنا تأتي أهمية مشاركة الأفكار مع الآخرين والانفتاح على العالم، فالمدير إذا لم يشارك عقله مع عقول الآخرين فإنّه قد يوقع المؤسّسة في الخسائر وعدم الإنتاج المطلوب، فلا بدّ على المدير أن يفسح المجال أمام العاملين في المؤسّسة وغيرهم بإبداء رأيهم ومشاركتهم أفكارهم حتى تنمو المؤسّسة وتتطوّر.

ورد عن أمير المؤمنين×: >اضربوا بعض الرأي ببعض يتولّد منه الصواب<[33].

وعنه×: >المستشير على طرف النجاح<[34].

الحادي عشر: التحفيز المستمر للعاملين

العاملون في المؤسّسة هم ركن أساسي في المؤسّسة، ولذا فإنّ المدير الناجح هو من يستطيع أن يجعل العاملين يتعلّقون بالمؤسّسة ويحبّونها، ويسعى لتحفيزهم دائماً على العمل الجادّ.

والتحفيز له أنحاء متعدّدة:

أولاً: التحفيزات المعنوية

منها: توظيف العامل في المجال الذي يحبّ أن يعمل فيه.

ومنها: إعطاء العامل مساحة من الحرية والتمكين في العمل وعدم التدخّل في الجزئيات، مما يجعله يشعر بالتقدير والاحترام لقدراته.

ومنها: تشجيع العامل ومدحه والإطراء على عمله.

ومنها: الاهتمام بمشاكل العامل خارج نطاق العمل، والتواصل معه وتكوين الصداقات.

ثانياً: التحفيزات المادية

منها: إعطاء هدايا تقديرية عند إنجاز هدف مرحلي مثلاً، أو عند تحقيق نتائج عالية.

ومنها: عمل مأدبات طعام بين فترة وأخرى ممّا يجعل العلاقة بين المدير والعاملين وبين العاملين أنفسهم تقوى وتزداد.

ومنها: توفير احتياجات العامل التي يطلبها للعمل، وهذا من شأنه أن يزرع حسّ المسؤولية لدى العامل، وأنّه ما دام قد طلب الجهاز الكذائي فهو لا بدّ أن يعمل على تطوير المؤسّسة من خلاله.

ورد في عهد أمير المؤمنين× لمالك الأشتر    ۤ: >وافسح له -أي القاضي العامل- في البذل ما يزيل علَّتَه وتَقِلُّ معه حاجتُه إلى النَّاس، وأعْطِهِ من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيرُه من خاصَّتِك لِيَأْمَنَ بذلك اغْتِيَالَ الرجال له عندك<[35].

الثاني عشر: حسن الرقابة

لا بدّ للمدير الناجح أن يراقب عمل المؤسّسة، ويلاحظ مستوى التقدّم والتأخّر في العمل، ثم يتعرّف على مواطن الخلل والضعف ويحاول إصلاحها، ويتعرّف على مواطن القوة ويحاول تعزيزها؛ فإنّ عنصر الرقابة يعتبر عنصراً مهمّاً، في الحفاظ على سير المؤسّسة بشكل صحيح، ويعتبر عاملاً أساسياً في الحفاظ على إنتاجية المؤسّسة بالمستوى المطلوب، ولذا لا ينبغي التهاون في هذا العنصر.

ولكن ينبغي على المدير أن يمارس دور الرقابة بشكل احترافي ومتقن، بحيث لا يشعر العامل بأنّه مراقب في كلّ صغيرة وكبيرة وبالتالي يؤدّي ذلك إلى عدم ثقة العامل بنفسه وبقدراته وعدم ارتياحه من العمل، وكذلك لا يشعر بأنّه غير مراقب وغير محاسب بالمرّة بحيث يجعله يتساهل في عمله، بل على المدير أن يوازن بين الأمور ويعرف كيفية التصرّف مع العاملين في هذا الجانب، فلا إفراط ولا تفريط.

فقد ورد في عهد أمير المؤمنين× لمالك الأشتر    ۤ: >فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولإمَامِكَ وأَنْقَاهُمْ جَيْباً -إلى أن قال- ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهمْ وابْعَثِ الْعُيُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ والْوَفَاءِ عَلَيْهِم؛ فَإِنَّ تَعَاهُدَكَ فِي السِّرِّ لأمُورِهِمْ حَدْوَةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الأَمَانَةِ وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ، وَتَحَفَّظْ مِنَ الأَعْوَانِ فَإِنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى‌ خِيَانَةٍ اجْتَمَعَتْ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَخْبَارُ عُيُونِكَ اكْتَفَيْتَ بِذَلِكَ شَاهِداً فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِي بَدَنِهِ، وأَخَذْتَهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ عَمَلِهِ، ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ ووَسَمْتَهُ بِالْخِيَانَةِ وقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهْمَةِ<[36].

والحمد لله ربّ العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قصص وخواطر، الشيخ عبدالعظيم المهتدي البحراني، قصة رقم 51، ص114.

[2] مجلة فقه أهل البيت^، ج44، ص261- 262.

[3] مجلة رسالة القلم، تساؤلات حول الإلحاد، لقاء مع الشيخ أيمن عبدالخالق المصري، عدد (52)، ص87.

[4] مجلة رسالة القلم، الإلحاد ومسبّباته، لقاء مع السيد منير الخباز~، عدد (52)، ص63.

[5] الكافي، الكليني، ج2، ص241.

[6] سورة ص: 20.

[7] مجلة فقه أهل البيت^، ج35، ص341.

[8] هذه إحدى طرق إعداد الرسالة وكتباتها، وهي محلّ اختلاف شديد، وقد تكون هذه الطريقة قديمة شيئاً ما، فقد أضيفت إليها خطوات، من أهمها مثلاً اختصار الرسالة إلى بضع كلمات، ولكنّها تبقى هي الطريقة الأكثر وضوحاً.

[9] الدكتور محمد صبحي، http://kenanaonline.com/users/drnoshy/posts/269419.

[10] من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج3، ص156.

[11] نفس المصدر، ج4، ص388.

[12] نهج البلاغة، ص444.

[13] طرق تقييم الأداء كثيرة ومختلفة، ولكن نختار هذه الطريقة العملية حتى تكون أسهل في التطبيق.

[14] وهو الذي يتم التعبير عنه بشكل كمّي أو رقمي.

[15] وهو الذي لا يمكن التعبير عنه بشكل كمّي مباشر، بل يعبّر عنه بشكل وصفي كتلك المعايير المتعلقة بالأمور المعنوية والإنسانية.

[16] بحار الأنوار، المجلسي، ج84، ص156.

[17] نهج البلاغة، ص374.

[18] نفس المصدر.

[19] الكافي، الكليني، ج1، ص27.

[20] بحار الأنوار، المجلسي، ج84، ص156.

[21] نهج البلاغة، ص368.

[22] نفس المصدر، ص370.

[23] نفس المصدر، ص439.

[24] نفس المصدر، ص417- 418.

[25] نفس المصدر، ص368.

[26] من دعاء يوم الاثنين للإمام السجاد×.

[27] غرر الحكم ودرر الكلم، الآمدي، ص53، ح1857.

[28] نهج البلاغة، ص439.

[29] نفس المصدر، ص499.

[30] الوافي، الفيض الكاشاني، ج26، ص159.

[31] معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ص83.

[32] تقدّم تخريجه.

[33] غرر الحكم ودرر الكلم، الآمدي، ص300، ح10063.

[34] نفس المصدر، ح10069.

[35] نهج البلاغة، ص374.

[36] نفس المصدر، ص374- 375.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا