القيادة والتّشخيص الأصلح الحسن المجتبى (ع) نموذجاً

القيادة والتّشخيص الأصلح الحسن المجتبى (ع) نموذجاً

من العناصر الّتي تكوّن المجتمع وتجمع شتاته وتجعله منظّماً هو وجود القيادة الحكيمة، الّتي بها تقوم المجتمعات على قدميها وتنهض مشاريعها ولا تضيع حقوقها ولا تكون فريسة للطّواغيت؛ إذ إنّ الطّواغيت متى ما وجدوا مجتمعاً مشتّتاً ليس له قيادة واعية وحكيمة انقضّوا عليه بطريقة وأخرى. ومن أصعب الأمور الّتي تتّخذها القيادة هي مسألة التشخيص إذا كان الأمر يتعلّق بمصلحة أو مفسدة ترجع لكلّ المجتمع وتسليم النّاس بذلك، وتكون أصعب من ذلك لو كان متعلّق التّشخيص هي أعراض ودماء النّاس، فتحتاج إلى معصوم أو من هو قريب من المعصوم كالفقهاء، فإذا شخّص المعصوم قرار الحرب أو السّلم فإنّه عالم بما هو أصلح فلا يناقشه أحد أو يعترض عليه؛ لأنّه منصوب من قبل الله، وأحسب أنّ كثيراً من الويلات والمصائب الّتي عاشتها وتعيشها الأمّة بسبب عدم اتّباع القيادة وتشخيصها، وحينما نسلّط الضوء على حياة الإمام الحسن المجتبى× نجد ذلك جليّاً، حيث إنّه لم يعترض على أبيه وكذلك سيّد الشّهداء× لم يعترض على تشخيص أخيه الحسن المجتبى×.

أتعرّض في هذا البحث إلى:

 موقف الإمام الحسن المجتبى× من تشخيص أبيه أمير المؤمنين× وكيف تعامل معه، وموقف من كان حول الإمام×، مع إشارة إلى موقفه وتشخيصه أيّام غصب الخلافة.

تشخيص الإمام الحسن المجتبى× وموقف الحسين الشّهيد× وموقف من كان حوله.

 إشارة إلى السّر في سكوت وتسليم الإمام الحسن المجتبى× لأبيه أمير المؤمنين× وانقياد الإمام الحسين الشهيد× لأخيه الإمام الحسن المجتبى×.

1ـ موقف الحسن المجتبى× من تشخيص أبيه أمير المؤمنين×:

عاش الإمام الحسن المجتبى× في حياة أبيه... وكان مطيعاً ومسلّماً لأوامر أبيه أميرالمؤمنين×، وكان يرى أباه إماماً وقدوة واجب الطاعة، مع أنّه× معصوم كأبيه×، ولكنّه× يتلقّى أوامر أبيه× تلقّي العبد أوامر سيّده، بل أكثر من ذلك فقد كان فدائيّاً وجنديّاً وسيفاً في يد أبيه×، بل عينه الّتي يبصر بها.

نماذج انقياد الحسن المجتبى× لأمير المؤمنين×

لم يرفض المشاركة في كلّ معارك أبيه× مع النّاكثين والقاسطين والمارقين، وهنا ونشير إلى بعض نماذج من حياة الحسن× مع أبيه× في خضوعه وانقياده له والتّسليم له:

الموقف الأوّل: عدم خروجه مع معارك الخلفاء أو ما تسمّى بالفتوحات؛ لأنّها لم تكن بإذن إمام الزّمان والقيادة، بل لم تكن لمصلحة الإسلام العليا؛ لأنّ من كان على رأس السّلطة آنذاك يريد أن يشبع رغباته وأهوائه، ويجمع الأموال والغنائم من طرق الحق أو من غيره، وليس من القربة في شيء، ولكي لا يكون اتّهاماً جزافاً هناك شواهد كثيرة على هذا، منها ما نقله صاحب المستدرك: من "أنّ زياداً بعث الحكم بن عمر الغفاريّ على خراسان، فأصابوا غنائم كثيرة فكتب إليه زياد: أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين كتب أن يصطفي له البيضاء والصّفراء، ولا يقسّم بين المسلمين ذهباً ولا فضة، فرفض الحكم ذلك، وقسّمه بين المسلمين، فوجّه إليه معاوية من قيّده وحبسه فمات في قيوده، ودفن فيها، وقال: إنّي مخاصم"[1]. ومنها أنّه بدأ التّعذيب على أخذ الجزية في زمن الثّاني، بل أوجبوها حتّى على من أسلم من أهل الذمة.

وفي قبال ذلك نرى بعضاً ممن يتسمّون بالصّحابة ممّن هم مع كلّ ناعق، فهم يتابعون هؤلاء في كلّ شيء؛ وذلك لعدم المعرفة بالقيادة الرّبّانيّة والحقيقية، فهم يرون هذه القيادة الصّورية الّتي لا ترى إلّا مصالحها، ومثل هؤلاء في كل زمان، الأشخاص تتغير والفكر يتكرر.

نلاحظ أنّ إمامنا الحسن المجتبى× على الرّغم من أنّ المعارك ضدّ الكفار وأنّها قد ترجع -ظاهراً- بغنائم وفوائد على المسلمين، إلا أنّ القيادة لم تأذن فلم يخرج معهم، لأنّ القيادة لم ترَ وتشخّص المصلحة في الخروج، ولو ظهر بعد لبعض أنّه توجد فوائد ظاهريّة، إلا أنّ طاعة القيادة أهمّ من ذلك؛ فهي ترى ما لا يراه غيرها ولو على المدى البعيد.

الموقف الثّاني: حينما أرسل أمير المؤمنين× ابنه الحسن× مع عمّار بن ياسر إلى الكوفة -بعد أن لم يستجب وعاند أبو موسى الأشعريّ في تخلّيه عن منصب ولاية الكوفة- وتولّية قرضة بن كعب كان نصّ الرّسالة: >أمَّا بعدُ، فقد كنت أرَى أنّ بُعدَكَ مِن هَذا الأمْرِ الَّذي لم يَجعَلِ اللهُ § لَكَ مِنهُ نَصِيباً، سَيَمْنَعُكَ من رَدّ أمري، وَقَد بَعَثْتُ الحسنَ بن عليٍّ وَعَمَّار بن ياسِر يَسْتَنْفِران النَّاسَ، وَبَعثْتُ قَرَضةَ بن كَعْبٍ والياً على المصر، فاعتَزِل‏ عَمَلَنا مَذمُوماً مَدحُوراً، فإنْ لم تفعل، فإنِّي قد أَمَرْتُهُ أن يُنابِذَكَ، فإنْ نابَذْتَهُ فَظَفَر بِكَ أنْ يُقَطِّعَكَ آراباً<[2].

لما أن وصل الإمام الحسن المجتبى× إلى الكوفة التفّ النّاس حوله وانقادوا إليه، ثمّ أعلن عن عزل أبي موسى وتنصيب قرضة بن كعب، رفض أبو موسى، ثمّ دار بينه وبين الحسن المجتبى× وعمّار حوار، إلى أن قال الإمام الحسن المجتبى×: >يا أبا موسى، والله ما أردنا إلا الإصلاح، وليس مثل أمير المؤمنين× يُخاف على شيء<[3] .

إنّ ذيل هذه الرّسالة له عدّة مداليل منها ما هو محلّ بحثنا، فإنّه حينما يكون الشّخص لا يخاف منه على شيء؛ ليس إلا لأنّه قائد معصوم وله تشخيصه الصّحيح ولا ينظر إلى مصالحه الشّخصيّة أو الحزبيّة بل ينظر إلى مصلحة الدّين والأمّة، وهذه الخصوصيّة تكون لمن هو مطّلع على كلّ صغيرة وكبيرة في الدّين؛ كي يشخّص ما هو الصّالح له وما هو ليس كذلك، وهذا ما يحتاج إلى معصوم أو من اطّلاع وافٍ بتفاصيل الشريعة من نائب خاصّ أو عامّ وليس غيرهم؛ لأنّ من لا اطّلاع له بكلّ تفاصيل المسائل الشّرعيّة يخفى عليه كثير من المصالح الّتي ينبغي مراعاتها، ومن هنا ذكر الإمام الحسن المجتبى× أنّ أمير المؤمنين× لا يخاف منه على شيء، وقد يفهم أنّ هذه القضيّة -ما ذكر في ذيل الرّسالة- ليست خارجيّة لأشخاص معيّنين، بل هي حقيقيّة ومثال لأيّ معصوم آخر أو نائب له بحقّ، وهذا ما يجرّنا إلى ضرورة اختيار قيادة المعصوم× عن غيره والفقيه عن غيره، وذلك لسبب مهمّ وهو التّشخيص الأصلح.

 الموقف الثّالث: في معركة صفّين، بعد مهزلة التّحكيم ورفع المصاحف لم يحدّثنا التاريخ أنّ الإمام الحسن المجتبى× اعترض على أبيه أمير المؤمنين×، ولكن في المقابل نرى من اعترض على الإمام أمير المؤمنين× أو ناقشه، وهذا يعكس حجم عدم المعرفة بالإمام المعصوم مفترض الطّاعة، والذي كان من المفترض عليهم أن يطيعوه في كلّ شيء؛ لأنّ طاعته من طاعة الله >مَنْ‏ أَطَاعَكُمْ‏ فَقَدْ أَطاعَ‏ الله وَمَنْ عَصَاكُمْ فَقَدْ عَصَى الله وَمَنْ أَحَبَّكُمْ فَقَدْ أَحَبَّ الله وَمَنْ أَبْغَضَكُمْ فَقَدْ أَبْغَضَ الله<[4] والرّاد عليهم كالرادّ على الله.

الموقف الرابع: عند قتل أبيه أمير المؤمنين×، لمّا أن علِم الأمير× أنّه مفارق هذه الدنيا الدنيّة أخذ يوصي ابنه الحسن المجتبى× بوصاياه، واستخلفه من بعده كي لا تضلّ هذه الأمّة وتسقط في مستنقع الجهل الأمويّ، ولاخلاف بين الشّيعة على خلافة الحسن المجتبى× لأمير المؤمنين×، وبعد أن دفع إليه مواريث النّبوة والإمامة، فأوصاه وكان في ضمن وصيّته أنّه قال له: >يَا بُنَيَّ أَنْتَ وَلِيُّ الْأَمْرِ وَوَلِيُّ الدَّمِ فَإِنْ‏ عَفَوْتَ‏ فَلَكَ‏ وَإِنْ قَتَلْتَ فَضرْبَةٌ مَكَانَ ضَرْبَةٍ وَلَا تَأْثَمْ<[5].

وهنا يوجد مقتضٍ لأن ينتقم الإمام الحسن المجتبى× من ابن ملجم، لأنّ دماء الأمير× لا يعدلها قتل رجل برجل -لو قايسنا- كما قد يتصوّر، وهنا تحضرني قصّة وهي أنّ أحد المسؤولين في العراق عن قتل وخلاص البشريّة من الطّاغية المجرم صدّامê، قال في مقابل ما فعله صدامê ما مضمونه: هل قتلُ هذا المجرم وإعدامه يرجع لنا السّيّد الصّدر+!!، وهنا كذلك فإنّ قتل هذا المجرم لن يرجع شيئاً من الخسارة الكبيرة الّتي خسرتها الأمّة، ولكن حسابهم عند رب العالمين الّذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، وهذا أحد الأجوبة على مسألة التّخليد في النّار.

وكيف كان فإنّ الإمام الحسن المجتبى× بأخلاقه وبالتزامه وتسليمه وانقياده لكلام أبيه أمير المؤمنين× نفّذ كلام أبيه وضربه ضربة بضربة ولم يمثّل بأحدٍ كما يدّعي بعض المغرضين.

ولا يكاد ينقضي عجبي من بعض من يسمّون أنفسهم بالكتّاب أو الباحثين، فإنّهم يريدون أن يلصقوا بالإمام الحسن المجتبى× أو الحسين× أو أيّ إمام أيّ تهمة وأي منقصة، وأحدس - بسبب تكرار ذلك في تواريخ الأئمّة- أنّهم عن قصد يريدون أن يثبتوا أنّ الأئمّة^ غير معصومين كغيرهم، أو أنّهم ينسبون منقصة أو مذمّة ومثلبة ثابتة لسادتهم يثبتونها للأئمّة المعصومين^؛ ممّا يبرّر اتّباعهم لقادة الضّلال ومن أضلّ خلقاً كثيراً، وأنّ الأئمّة^ ليسوا بأحسن حالاً من سادتهم، ولكن هيهات فشسع نعل قنبر أفضل من سادتهم أهل الضّلال، ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره ولو كره المشركون.

ومن هذه المواقف الثّلاثة نستنتج أنّ تشخيص القيادة هو التّشخيص الأصلح للأمّة، نعم فرق بين المعصوم وغيره وهذا من الأمور الواضحة، ولكن نسأل عن النّكتة الّتي كان المعصوم فيها أصلح -وسيأتي ذلك لاحقاً- وهي معرفته بكلّ صغيرة وكبيرة في الدّين، لأنّ ما يرتبط بمصير الأمّة من حرب وسلم بالنّتيجة هو حكم من الأحكام الشّرعيّة وليس قصّة أو شِعراً، وهنا المعصوم هو أعرف من غيره، والمرجع على غيره، والفقيه على غيره وهكذا، ومن سخف القول أن يجعل تشخيص أمّة بيد أيّ واحد من النّاس، فهو لعب بالنار.

2- موقف الإمام الحسين الشهيد× من تشخيص ونظر الإمام الحسن المجتبى×:

من المواقف المهمّة في حياة الإمام الحسن المجتبى× موقف الصّلح، فأمّا موقف السّبط الشّهيد× من الصّلح الذي أجراه الإمام الحسن المجتبى× اقتضاءً لمصحة الأمّة الإسلاميّة، فإنّه وإن كان مع معاويةê الّذي طالما حارب الإسلام وقتل ما قتل من الصّحابة والتّابعين، إلا أنّه نجد الإمام الحسين× لم يعترض على ذلك أبداً مع أنّه يعلم كما يعلم أخوه الإمام الحسن المجتبى× عن خبث وغدر معاويةê، ولكن رعاية لمصلحة الأمّة الإسلاميّة وحقناً للدّماء، بل ربّما لو لولا هذا الصّلح لما افتضح معاويةê وانكشف زيفه أمام النّاس، وقد قام بهذا الصّلح متأسيّاً بجدّه حينما صالح قريشاً، فمن هذا الصّلح ظهر بشكل أكثر وضوحاً حرص الإمام الحسن× على الإسلام والأمّة وظهر في المقابل زيف معاويةê وحرصه على الملك وشغفه بالسّلطة والكرسيّ، فبعد أن صالح معاويةê الحسنَ المجتبى× جاء إلى أهل الكوفة ناكثاً للعهد والصّلح -كما هي عادة الطّواغيت- وخطب فيهم: "إنّي والله ما قاتلتكم‏ لتصلّوا ولا لتصوموا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنّكم لتفعلون ذلك إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون"[6].

فنلاحظ أنّ الإمام الحسين× كان مطيعاً ومسلّماً لما يفعله أخوه؛ لأنّه يعلم أنّ طاعة أخيه من طاعة النّبي’ الّتي هي من طاعة الله {قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}[7].

وقفة مع الرّوايات الّتي يُدّعى أنّها صدرت وأنّها تفيد اعتراض الإمام الحسين× على الإمام الحسن المجتبى×.

الأولى: أنّه أرسل الإمام الحسن المجتبى× إلى وجه أصحابه فدعاهم، ثمّ قال: >يا أهل العراق! ما أصنع بجماعتكم معي، وهذا كتاب قيس بن سعد يخبرني بأنّ أهل الشرف منكم قد صاروا إلى معاوية, أما والله! ما هذا بمنكر منكم؛ لأنّكم أنتم الّذين أكرهتم أبي يوم صفّين على الحكمين، فلمّا أمضى الحكومة وقبل منكم اختلفتم، ثمّ دعاكم إلى قتال معاوية ثانية فتوانيتم، ثمّ صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إيّاه، ثمّ إنّكم بايعتموني طائعين غير مكرهين، فأخذت بيعتكم وخرجت في وجهي هذا، والله يعلم ما نويت فيه، فكان منكم إلى ما كان، يا أهل العراق! فحسبي منكم لا تغرّوني في ديني فإنّي مسلّم هذا الأمر إلى معاوية<.

قال: فقال له أخوه الحسين×: يا أخي! أعيذك بالله من هذا! فقال الحسن×: >والله! لأفعلنّ ولأسلّمنّ هذا الأمر إلى معاوية<.

وفي رواية: قال الحسين×: >نشدتك الله أن تصدق أحدوثة معاوية, وتكذّب أحدوثة علي<[8].

الثّانية: عن ابن عساكر: "أنبأنا عبد الله بن بكر بن حبيب السّهميّ، أنبأنا حاتم بن أبي صغيرة، عن عمرو بن دينار: أنّ معاوية كان يعلم أنّ الحسن المجتبى× كان أكره النّاس للفتنة، فلمّا توفّي علي× بعث إلى الحسن× فأصلح الّذي بينه وبينه سرّاً، وأعطاه معاويةê عهداً إن حدث به حدث والحسن× حيٌّ ليسمّينّه وليجعلنّ هذا الأمر إليه، فلمّا توثّق منه الحسن× قال ابن جعفر: والله! إنّي لجالس عند الحسن× إذ أخذت لأقوم فجذب ثوبي، وقال: يا هناه! اجلس، فجلست فقال: إنّي رأيت رأياً وإنّي أحبّ أن تتابعني عليه. قال: قلت: وما هو؟ قال: قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلّي بين معاويةê وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسفكت فيها الدّماء، وقطّعت فيها الأرحام، وقطّعت السّبل، وعطّلت الفروج يعني الثغور. فقال ابن جعفر: جزاك الله عن أمّة محمد’ خيراً فأنا معك على هذا الحديث. فقال الحسن×: ادعُ لي الحسين×. فبعث إلى الحسين× فأتاه، فقال: أي أخي! إنّي قد رأيت رأياً وإنّي أحبّ أن تتابعني عليه. قال: ما هو؟ قال: فقصّ عليه الّذي قال لابن جعفر. قال الحسين×: أعيذك بالله أن تكذّب عليّاً في قبره، وتصدق معاويةê. فقال الحسن×: والله! ما أردت أمراً قط إلا خالفتني إلى غيره، والله! لقد هممت أن أقذفك في بيت فأطيّنه عليك حتّى أقضي أمري. قال: فلمّا رأى الحسين× غضبه قال: أنت أكبر ولد علي×, وأنت خليفته، وأمرنا لأمرك تبعٌ فافعل ما بدا لك فقام الحسن× فقال: يا أيّها النّاس! إنّي كنت أكره النّاس لأوّل هذا الحديث، وأنا أصلحت آخره لذي حقّ أدّيت إليه حقّه أحقّ به منّي، أو حقّ جدت به لصلاح أمّة محمد’ وإنّ الله قد ولاك يا معاويةê! هذا الحديث لخير يعلمه عندك، أو لشرّ يعلمه فيك {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} ثمّ نزل"[9] وأمثال هذه الرّوايات.

في مقام الجواب:

أوّلاً: الرواية عامّيّة لا اعتبار لها.

ثانياً: لو سلّمنا جدلاً فإنّ فيها ما يدلّ على أنّ الإمام الحسن المجتبى× كان كارهاً، ولم يكن راضياً بما يقع.

ثالثاً: بالنّسبة إلى عبارة: (أعيذك) فهي تدلّ على الدّعاء والشّفق والحذر والاستعاذة، ليس إلا.

رابعاً: قد يفهم من سياق الرّواية تقيّة الحسنين×، وإظهار الحسن× الالتزام والانقياد لمعاويةê، والتّقية صاحبها يعرفها وأدرى بها.

خامساً: نلاحظ في الرّواية الأولى أنّه لم يصدر اعتراض ورفض من قبل الإمام الحسين× على ما قام به الإمام الحسن× ممّا يدلّل على تمام المواءمة بينهما.

سادساً: قول الحسين×: >أنت أكبر ولد علي×...<، بهذه العبارة فقط نستدلّ على انقياد الإمام الحسين× إلى الإمام الحسن× وعلمه بما يحدث ووجوب طاعة الإمام، ولعلّ من اختلق الرّواية لم يلتفت إلى هذه العبارة الّتي تنقض الغرض الّذي من أجله اختلق مثل هذه الرّواية.

سابعاً: يحتمل أنّ مثل هذه الرّوايات من اختلاقات العبّاسيين وأعوانهم؛ إذ إنّ أحفاد الإمام الحسن× حاربوهم ولقوا منهم ما لقوا، فلذلك جاؤوا بمثل هذه الرّوايات ليحطّوا من مكانة الإمام الحسن×، وبالتّالي يكون أحفاده من المنبوذين من قبل النّاس، وهناك غرض آخر لطالما عمل عليه طواغيت بني أميّة، وهو إظهار أئمّة أهل البيت^ أنّهم كأيّ أحد من النّاس، فكما أنّ النّاس يخطؤون فكذلك هم، لكي يبعدوا النّاس عن مصدر النّور الإلهيّ ومصابيح الدّجى، عن طريق اختلاق روايات ما أنزل الله بها من سلطان، وطمس روايات في فضائل أهل بيت العصمة والطهارة^، ولكن يأبى الله إلا أن يتمّ نوره.

يوماً بعد يوم تنكشف أكاذيبهم واختلاقهم للأحاديث، وينكشف من هم المجرمون الذين طاردوا أهل البيت^ تحت كلّ حجر ومدر، وشرّدوهم وقتّلوهم وهم يحسبون أنّهم بذلك يخمدون هذا النّور الإلهيّ.

3- سرّ سكوت وتسليم الإمام الحسن المجتبى× عن أبيه أمير المؤمنين× وسكوت الإمام الحسين× عن أخيه الإمام الحسن المجتبى×:

في الحقيقة يرجع السرّ في ذلك إلى أمور منها:

الأوّل: معرفة الله، فإنّ من يعرف الله حقّ معرفته يكون مسلّماً وطائعاً لإمام زمانه، ولكي نقرّب الصّورة لعلاقة بحثنا بمعرفة الله نذكر مثالاً: لو أنّ عبداً من العبيد كان عنده مولى، وكان هذا المولى يأمره بأوامر، فتارة يعرف العبد مولاه ويعرف ما يرضيه وما يسخطه فإنّه بذلك يأمن معصيته وغضبه وبالتّالي يحصّل رضاه، والعكس من ذلك بالعكس فلو لم يعرف ذلك فإنّه يكون عرضة لغضب مولاه ومعصيته، وقد يعلّق المولى رضاه برضى غيره، كما لو قال لعبده: آمرك أن تطيع فلاناً أو إطاعة فلان من طاعتيّ، فلو عصى المولى هذا الغير فإنّه يلام من العقلاء بل يكون مستحقّاً لعقاب المولى؛ لأنّه عرفه ولم يعرف حدود معصيته أو عصاه مع معرفته، فلا بدّ للعبد من معرفة مولاه وما يرضيه وما يسخطه؛ كي لا يقع في معصيته، وهنا في مسألتنا نظير ذلك -مع الفرق بين المولى الحقيقيّ والمولى العرفيّ- فإنّ الذي يعرف الله ويعرف ما يرضيه ويسخطه فإنّه يتّقي بذلك مصيته، فالباريّ علّق طاعته على طاعة أهل البيت^، وأنّه مَن أطاعهم فقد أطاعه وامتثل أمره >مَنْ‏ أَطَاعَكُمْ‏ فَقَدْ أَطاعَ‏ اللَّهَ‏ وَمَنْ عَصَاكُمْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَحَبَّكُمْ فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ وَمَنْ أَبْغَضَكُمْ فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ<[10]، وهناك كثير من النّصوص بهذا المضمون، بل إنّ من يريد التّوجه إلى الله يبدأ بهم >مَنْ‏ أَرَادَ اللَّهَ‏ بَدَأَ بِكُمْ وَمَنْ وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنْكُمْ وَمَنْ قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُمْ<[11]، فهم الباب الذي منه يؤتى، وكذلك من أبغضهم فقد أبغض الله، فمن لم يطعهم ويسلّم إليهم وينقاد فهو غير طائع لله وليس عارفاً لله؛ لأنّه من يعرف الله حقّ معرفته يعرف أولياءه الذين طاعتهم من طاعة الله ومعصيتهم من معصية الله والرادّ عليهم كالرادّ على الله >...وَالرَّادُّ عَلَيْنَا كَالرَّادِّ عَلَى‏ اللَّهِ‏ وَهُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ...<[12], وهذا ممّا لا يخفى على المعصوم ونوّابه بل هم من علمونا ذلك، ومن هنا ندرك أحد أسرار تسليم وطاعة وانقياد الإمام الحسن المجتبى× لأمير المؤمنين× أو انقياد الحسين× للحسن×، لأنّهم يرون طاعة المعصوم من طاعة الله ومخالفته مخالفة لله، فلا يقْدمون على معصية الخالق، فلو أنّ أحداً رأى أنّ المصلحة بحسب الظّاهر خلاف ما يذهب إليه المعصوم -كما لو حملنا فعل من طعن الحسن× في فخذه أو خاطبه بـ(يا مذل المؤمنين)- فإنّ اللازم عليه أن يصمت ويسلّم لما ذهب إليه المعصوم، ولا يقول قائل بأنّه هل يوجد أحد فوق المساءلة؟ فإنّه يقال له: نعم، كما أنّ الله لا يُسأل كذلك من جعل الله طاعتهم من طاعته ومخالفتهم من مخالفته[13]، وأمّا من باع آخرته بدنياه أو لعدم معرفته أو لمعرفته النّاقصة، فإنّه يعترض على المعصوم أو أنّه يريد أن يحاسبه، فإنّ هذا ليس عارفاً بالله حقّ معرفته، فلو كان عارفاً به وبما يرضيه لما خالف أولياءه واعترض عليهم.

نعم لأحد أن يسأل المعصوم ولكن بأدب وخلق لا تعنّتاً، لا أنّه يرفع الصّوت وكأنّه أصغر أطفاله أو أحد عبيده فإنّ هذا ليس من الأدب في شيء، فإذا أراد خطابه أو سؤاله عليه أن يختار الكلمات المؤدّبة.

هناك نموذج سيئ في السّؤال والتّعامل مع المعصوم يذكره القرآن، كما في من نزلت في حقّه آية: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ}[14]، فقد نقل صاحب تفسير البرهان&: لمّا نصب رسول الله’ عليّاً× يوم غدير خمّ، وقال: >من كنت مولاه فعليٌّ مولاه<، شاع ذلك في البلاد، فقدم على النّبي’ النّعمان‏ بن‏ الحارث‏ الفهريّ، فقال: أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله، وأمرتنا بالجهاد والحجّ والصّوم والصّلاة والزّكاة فقبلناها، ثمّ لم ترضَ حتّى نصبت هذا الغلام، فقلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه، فهذا شيء منك أو أمر من الله؟ فقال: >بلى والله الّذي لا إله إلّا هو، إنّ هذا من الله<، فولّى النعمان‏ بن‏ الحارث‏ وهو يقول: اللهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء، فرماه الله بحجر على رأسه فقتله، وأنزل الله تعالى: {سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ}‏<[15] هذا نموذج من النّماذج السّيّئة في التّعامل مع المعصوم والسّؤال بغير أدب.

وليس على المعصوم أن يجيب عن كلّ ما يُسأل فهو متّى ما رأى المصلحة في الجواب أجاب وإلا لم يجب، وإلى هذا المعنى تشير إليه بعض الرّوايات، ففي الكافيّ الشّريف، نقل عن عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ×‏: >عَلَى الْأَئِمَّةِ^ مِنَ الْفَرْضِ مَا لَيْسَ عَلَى شِيعَتِهِمْ وَعَلَى شِيعَتِنَا مَا لَيْسَ عَلَيْنَا أَمَرَهُمُ اللهُ § أَنْ يَسْأَلُونَا قَالَ‏: {فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏}، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْأَلُونَا وَلَيْسَ عَلَيْنَا الْجَوَابُ‏ إِنْ شِئْنَا أَجَبْنَا وَإِنْ شِئْنَا أَمْسَكْنَا<[16].

الثّاني: معرفة المعصوم، وهي أن يكون الإنسان معتقداً أنّ المعصوم مفترض الطّاعة، والدّعوة إلى محاسبة المعصوم هي في الحقيقية جهل بمقام المعصوم، وهذا يدلّ بالدّلالة التّضمّنيّة أنّ من يدعو إلى ذلك عنده خلل في اعتقاده، فالقرآن قبل الرّوايات الشّريفة تشير إلى هذا الأمر العقليّ وهو التّسليم والانقياد للمعصوم باعتباره انقياداً للخالق الّذي له حقّ الطّاعة وكلّ ما يعتبره {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}[17], والّذي نعتقده في المعصوم أنّ مقامه فوق باقي البشر وتحت الخالق، وعصمته تقتضي أن لا يعصي الله أن لا يحكم ويشخّص ولا يبدي نظره إلا بالأصلح، وأمّا غيرهم فليسوا بمعصومين وعرضة للخطأ، ومن هنا ينبغي بل يجب عقلاً أن يسلّم غير المعصوم للمعصوم مفترض الطّاعة، فلا يصحّ أن يعترض غير المعصوم على المعصوم؛ لأنّ غير المعصوم عرضة للخطأ فكيف يعترض على المعصوم، فضلاً عن محاسبة المعصوم فإنّ فيها جرأة عليه، لأنّ غير المعصوم يجانب الصّواب وفاقد الشّيء لا يهبه لغيره كما يقال، فهو يحتاج أن يسأل ويحاسب نفسه: {قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}[18]، فمن يذهب إلى جواز مساءلة المعصوم أو محاسبة المعصوم، لا بدّ من مراجعة عقيدته في المعصوم.

وهذا الأمر واضح عندنا، فلم يخفَ على الإمام الحسن× مع أبيه أمير المؤمنين×، وكذلك الإمام الحسين× مع أخيه الحسن×، فهم موضع الرّسالة، فنلاحظ أنّ الحسن× لم يعترض على أبيه قط ليس فقط لأنّه أبوه، بل لأجل مقام العصمة الّتي يعرفها حقّ المعرفة، وكذلك الإمام الحسين× مع أخيه الحسن×، ولو فرض أنّ الحسن× مكان أبيه لعمل مثلما عمل أخوه بلا زيادة ونقصان وكذلك الحسين× مع أخيه، لأنّ أدوارهم تتعدّد وهدفهم واحد.

وبعد هذا يتّضح لنا عدم صحّة القول بأنّ الحسن× كان معترضاً على أبيه أو أنّ الحسين× كان معترضاً على أخيه، فهذا ليس معقولاً بعد فرض العصمة وأنّ هدفهم واحد، ولكنّ المقتضيات الخارجيّة تختلف وبالتّالي تختلف أساليبهم وأدوارهم، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنّ ألقابهم المعروفة هي بحسب ما اشتهر عند النّاس أو اقتضى لهذه الصّفة أن تبرز، فكلّهم مجتبَون وشهداء ووو.

الثّالث: الرّجوع إلى أهل الخبرة، فإنّه من المسلّم عقلائيّاً في كلّ تخصّص رجوع الجاهل إلى العالم، فتجد الطّبيب يُرجع إليه في الأمور الطّبيّة بحسب تخصّصه، والميكانيكيّ يُرجع إليه فيما يختصّ بأمور السّيارات، والمتخصّص في الكهرباء يُرجع إليه في شؤون الكهرباء، وهكذا يُرجع إلى أهل التّخصّص في كلّ مجال: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}[19]، والأمور الدّينيّة من مسائل أحكام ليس بدعاً عنها، فيرجع فيها إلى أهل التّخصّص وهم المعصومون ومن بعدهم نوّابهم، بل إنّ المعصوم هو لكلّ الأمور الدّنيويّة والأخرويّة، فمسألة الدّماء والأعراض والفروج تحتاج في الرّجوع فيها إلى المعصوم أو نوّابه، لأنّها مسألة مهمّة وخطيرة ومن تخصّص المعصوم ونوّابه، فهم يشخّصون هذه الأمور الخطيرة.

ولا يقال بأنّ السّياسة هي ليست من وظيفة المعصوم أو نوّابه وأنّها وظيفة غيرهم، وشغل المعصوم ونوّابه هو الدّين والمسائل الشّرعيّة، بل السّياسة من صميم الدّين، فالدّين منظومة متكاملة جاء لينتشل النّاس وينقذههم من الظّلم والظلمات ويأخذ بيد الإنسان إلى كماله المنشود، وهذه المنظومة تشمل السياسة وغيرها بلا استثناء، ولنا أن نسأل ما هو الدليل على أن وظيفة الإمام أو نائبه فقط مقصورة على المسائل الشرعية؟ ومن الذي يحدد وظيفة الإمام أو نائبه؟ فالمعصوم ونوابّه هم من يشخّصون الأصلح للنّاس لا غيرهم، ومن أخبر من المعصومين في أمور الدّنيا والآخرة؟، وهنا يعتصر القلب ألماً لصدور بعض هذا الكلام من بعض المؤمنين الملتزمين، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على مستوى الوعي والبصيرة.

الأمر الرّابع: الضّرر المحتمل، فمن يتّبع المعصوم يأمن الضّرر في الدّنيا والآخرة، لأن اتّباع غير المعصوم وغير نائبه احتمال الخطأ في اتباعه كبير، وبالتّالي العقل يحكم بالاتّباع والانقياد للمعصوم.

الأمر الخامس: وهو ربّما أهمّ أمر وهو مسألة براءة الذّمّة والتعذير، فلو سلّمت الأمر إلى المعصوم أو نائبه أكون معذوراً أمام الله يوم القيامة، لأنّه هو من أمرني باتّباع المعصوم أو نائبه.

إشكالٌ وردٌّ

قد يقول قائل بأنّ كلّ ما ذكر مسلَّم في حقّ المعصوم ولكنّه غير مسلَّم في غير المعصوم، فإنّه حاله كحالنا فكما أنّه يشخّص فنحن نشخّص، فليس بأفضل حالاً منّا، فنقول:

أوّلاً: نعم، المعصوم يفرق عن غيره وهذا بلا إشكال، ولكن طاعة نائب الإمام من طاعة المعصوم والرّاد عليه كالرّاد على المعصوم ففي حديث طويل عن الصادق× من ضمنه: >... قَالَ يَنْظُرَانِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِمَّنْ قَدْ رَوَى حَدِيثَنَا وَعَرَفَ حَلَالَنَا وَحَرَامَنَا وَعَرَفَ أَحْكَامَنَا فَلْيَرْضَوْا بِهِ حَكَماً فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ عَلَيْكُمْ حَاكِماً فَإِذَا حَكَمَ بِحُكْمٍ وَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ فَإِنَّمَا بِحُكْمِ اللَّهِ اسْتَخَفَّ وَعَلَيْنَا رَدَّ وَالرَّادُّ عَلَيْنَا كَالرَّادِّ عَلَى‏ اللَّهِ‏ وَهُوَ عَلَى حَدِّ الشِّرْكِ بِاللَّهِ..<[20].

ثانياً: الحرب والسّلم أليسا من الأحكام الشّرعيّة، باعتبار أنّ فيها سفك دماء وهتك أعراض وفروج أو حفظها، وهذه من الأمور المحرّمة الّتي أولى الشّارع لها أهمّيّة قصوى، إذاً فهي من الأمور الّتي هي من شأن الشّارع أن يشخّص فيها، وهنا نسأل من هو أقرب إلى الحكم الشّرعيّ وإلى تشخيص الملاك والمصلحة؟ هل المرجع أم غير المرجع؟ الفقيه أم غير الفقيه؟، بلا شكّ ولاريب يحكم الشّخص المنصف باتّباع المعصوم أو المرجع أو الفقيه دون غيره، فهم المطّلعون على الملاكات الأهمّ والمصالح والمفاسد، فرأي المعصوم هو الصّواب ورأي غيره مرجعاً أو فقيهاً أقرب للصّواب.

لا نقول قاطعين بأنّ رأي المرجع أو الفقيه هو الرأي المطابق للواقع، وهنا نشيرة إشارة إلى بعض من يتعصّب لمرجع أو فقيه ولا يقبل أن تقول عنه أنّه يخطأ، فهو يثبت له العصمة من غير أن يشعر أو يشعر، ولكن نقول رأيه أقرب إلى الواقع، نعم قد يخفى عليه شيء لأنّه بشر ولكن من البعيد أن يخفى عليه أمر يدركه الشّخص العاديّ من النّاس.

ثالثاً: ما يبرأ الذّمّة هو اتّباع المعصوم أو نائبه، حتّى لو كان تشخيصه مخالفاً للواقع بنظري، وأمّا غيره فليس معلوماً أنّه يبرئ الذّمّة، فمن خالف صلح الحسن× ورأى أنّ الحرب أصلح ليضع تشخيصه في جيبه وليصمت.

رابعاً: اتباع كلّ تشخيص نفسه يلزم منه الهرج والمرج؛ إذ لكلّ تشخيص فهذا يريد الحرب وهذا يريد السّلم والأمّة تضيع بين هذه التّشخيصات، فلا مناص من الرّجوع والتّسليم إلى رأي المعصوم أو نائبه دون غيرهم.

والحمد لله رب العالمين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مستدرك الحاكم للنيسابوريّ، ج3، ص442-443.

[2] مكاتيب الأئمة^ لأحمدي ميانجي علي‏، ج‏1، ص66، كتابه× إلى أبي موسى الأشعري.

[3] نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد، ج14، ص20.

[4] من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق&، ج2، ص617، مقطع الزّيارة الجامعة.

[5] الكافيّ (الطبعة -الإسلاميّة)، ج1، ص299، باب الإشارة والنّصّ على الحسن بن علي ‘.

[6] بحار الأنوار للعلامة المجلسيّ& (ط-بيروت)، ج44، ص53، باب19 كيفية مصالحة الحسن بن علي‘ معاويةê وما جرى بينهما قبل ذلك.

[7] سورة آل عمران: 32.

[8] الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة^ لابن صباغ، ج2، ص723.

[9] تاريخ دمشق لابن عساكر، ج13، ص267، الحديث: 11879.

[10] من لا يحضره الفقيه للشّيخ الصّدوق&، ج‏2، 617، الزّيارة الجامعة.

[11] نفس المصدر، ص 615، الزّيارة الجامعة.

[12] بحار الأنوار للعلامة المجلسيّ&، (ط-بيروت)، ج‏101، ص262، باب1 أصناف القضاة وحال قضاة الجور والتّرافع إليهم.

[13] وهذا موجود حتّى في الدّول المعاصرة اليوم، ما يسمّى بـ(الذات المصونة) أي لا يحاسب باعتبار أنّه لا يخطأ.

[14] سورة المعارج: 1.

[15] البرهان في تفسير القرآن للسّيّد هاشم البحرانيّ&، ج‏5، ص 485 / [سورة المعارج(70): الآيات 1 إلى 5].

[16] الكافيّ للكلينيّ&(ط-الإسلامية)، ج‏1، ص212، باب أنّ أهل الذّكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة^.

[17] سورة النّساء: 65.

[18] سورة يونس: 35.

[19] سورة فاطر: 14.

[20] بحار الأنوار للعلامة المجلسيّ&(ط-بيروت)، ج‏101، ص262، باب1 أصناف القضاة وحال قضاة الجور والتّرافع إليهم.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا