العزوف عن العمل الدّينيّ (الأسباب ـ الآثار ـ الحلول)

العزوف عن العمل الدّينيّ  (الأسباب ـ الآثار ـ الحلول)

الملخّص:

تعرّض الكاتب في مقالته إلى ظاهرة منتشرة بين المجتمعات، وهي الابتعاد عن العمل في مؤسّسات المجتمع الدّينيّة، فوضع يده على أهمّ أسباب هذه الظاهرة وانتشارها بين أفراد المجتمع، ثمّ ذكر بعض ما ينتج منها من آثار تعود على نفس الفرد والمجتمع، ثمّ ختم مقالته بذكر الحلول المقترحة لهذه الظاهرة الخطرة.

 

المقدمة:

خلق الله¨ الإنسان ومَنَّ عليه بنعمٍ شتّى، وجعل للإنسان غاية وهي الوصول للكمال الّذي يسعى إليه كلّ إنسان، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى غيره، كيف لا وهو مدنيّ بالطّبع كما يقال، وما دام هذا الإنسان يعيش مع بني جلدته، وكلّ واحد عادةً لا يحيط بكلّ التخصّصات، ولا يكون مطّلعاً على كلّ التخصّصات، فلا بدّ من رجوع أفراد الإنسان بعضهم إلى الآخر كلٍّ في تخصّصه.

 فلكي يصل الإنسان إلى كماله المنشود، فلا بدّ ألّا يكتفي بما عنده، بل يحتاج إلى أن يستعين بغيره في أخذ العِظة والعبرة وتعلّم ما لم يعلم.

والمجتمعات الدّينيّة عموماً تحتاج إلى تكاتف وتشارك وتعاون؛ ذلك لأنّ كلّ دين له شعائر وله أحكام، ولا بدّ لأجل بقاء الدين واستمراره وانتشاره من تعليم المجتمع الأحكامَ وتنظيمِ شعائرِه وممارساته، وكلّما زاد أفراد المجتمع زادت الحاجة إلى أفراده للعمل الدّينيّ من تنظيم وتعليم، وإذا ما رأيت مجتمعاً زاد فيه المتطوّعون في العمل الدّينيّ فإنّه علامة على تماسكه ورقيّه وتطوّره ولو على المدى البعيد.

ففي مجتمعنا الإسلاميّ لا بدّ لنا لأجل تماسك المجتمع وتكاتفه وجعل الدين هو محور الحياة أن نساهم في صيانة الدين، وذلك بالاشتراك مع أفراد المجتمع في إقامة شعائر الدين وتعليم النّاس دين الله وتعاليمه؛ وذلك بخلع ثوب العزوف عن العمل الديني ولبس ثوب المشاركة والتعاون بين أفراد المجتمع.

ولكن هناك ظاهرة توجد في بعض المجتمعات وهي العزوف والانزواء عن التطوع للعمل في المؤسسات الدينية من مساجد أو مآتم أو مواكب، وهذه الظاهرة لو قدّر لها وانتشرت وتفشّت لدى أفراد المجتمع فإنّ ذلك ينذر بأمرٍ خطيرٍ لا يحمد عقباه، وهذا ليس مبالغة كما سيتّضح من خلال البحث.

وهذا البحث يتكوّن من ثلاثة محاور:

      المحور الأوّل: أسباب العزوف.

      المحور الثّاني: آثار العزوف.

      المحور الثّالث: الحلول المقترحة لمعالجة العزوف.

وقبل أن نشرع في بيان المحاور، نذكر المعنى اللُّغوي للعزوف، ثمّ المعنى الاصطلاحيّ فنخرج العزوف الحسن عن محلّ الكلام، ثمّ نأتي إلى العزوف غير الحسن.

1ـ العزوف في اللُّغة:

(العَزْف) کما في معجم العين هو: "صرف النّفس عن الشّي‌ء فتدعه. والعَزُوف: الّذي لا يكاد يثبت على خلّة خليل واحد"[1].

وفي المقاييس هو الانصراف عن الشَّيء، تقول: عزفتُ عن الشّيء إذا انصرفت عنه[2].

2ـ العزوف في الاصطلاح:

هناك عزوف حسنٌ ومرغوبٌ فيه ومطلوب، وهناك عزوفٌ على خلاف ذلك وهو غير الحسن وغير المطلوب، والبحث في الثّاني، ولكن سنتعرّض للأوّل تتميماً للبحث.

العزوف الحسن:

 من العزوف ما هو حسن ومنه ما هو مطلوب، بل راجح، ويعود بالنّفع على الإنسان في الدّارين، وهو على أنواع تشير إليه بعض الرّوايات.

أـ النوع الأول: العزوف عن الطّلب، فإنّ من يعتاد على أنّ كلّ ما يطلبه لا بدّ أن يحصل عليه حتّى في حالة كون مطلوبه بسيطاً وغير ضروريّ، فإنّ ذلك قد يجعله بمثابة الأسير لمن يطلب منهم؛ وذلك أنّ بعض النّاس عندما يعطي وينفق فإنّه يمنّ على من أنفق عليه. فمن كانت عادته وديدنه طلب كلّ صغير وكبير، فإنّه قد يبتلى بمن يمنّ عليه، وبالتّالي يكون ذليلاً أمامه.

 بخلاف ما لو أجمل في الطّلب، واكتفى بما يقدر عليه، ويستطيع مع عدم ضرورته وكان عزوفاً عمّا في أيدي الآخرين فإنّه على هذا التقدير يكون قنوعاً، فقد نقل عن الأمير×: >ثَمَرَةُ الْقَنَاعَةِ الْإِجْمَالُ فِي الْمُكْتَسَبِ، والْعُزُوفُ‏ عَنِ الطَّلَبِ<[3].

 وإذا ما صار قنوعاٌ فإنّه يعتبر صاحب كنز فقد نقل عن النّبي الأكرمK: >الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى<[4].

ب ـ النّوع الثّانيّ: العزوف عن الطّمع، فإنّ الطّمع كما في بعض الرّوايات هو آفة العلماء وخمر الشّيطان وأذُن الدّنيا، والطّمع في الدّنيا أساس كلّ شرّ، وهو الفقر الحاضر.

إنّ هذه الصّفة الذّميمة أحد طرق محاربتها واقتلاعها من جذورها هو عزوف النّفس عنها، والنّفس إذا عزفت عن الطّمع فهو دليل على حسن ورعها، فقد نقل عن الأمير×: >دَلَالَةُ حُسْنِ الْوَرَعِ عُزُوفُ‏ النَّفْسِ عَنْ مَذَلَّةِ الطَّمَعِ<[5].

ت ـ النّوع الثّالث: العزوف عن الدّنيا، وما أدراك ما العزوف عن الدّنيا، فإنّ أساس كلّ بليّة ومصيبة هو حبّ الدّنيا والتّعلّق بها وعدم العزوف عنها.

 عندما يتشبّث الإنسان بالدّنيا وينشغل بها عن الآخرة ولا يعزف عن الدّنيا فإنّه كالذي يرسم على الماء، فلا يبقى رسمه، ويذهب سريعاً ويزول، بخلاف من يعزف عن الدنيا وينقش أعماله الصّالحة في صحيفة أعماله التي تحضر معه بعد الموت وفي المحشر.

 ومن يخلد إلى الأرض ويقدّم الدّنيا على الآخرة هل ينال الحكمة؟، كلّا، فمن مقدّمات نيل الحكمة هو العزوف عن الدّنيا.

الحكمة تحلّ في قلب من عزف عن الدّنيا، ولذا من تراه حكيماً فهو في مرحلة سابقة قد عزف عن الدّنيا، فعن الأمير×: >ثَمَرَةُ الْحِكْمَةِ الْعُزُوفُ‏ عَنِ الدُّنْيَا<[6].

العاقل دائماً يفكّر في الاستحقاقات المستقبليّة وأمر الآخرة وفيما هو باقي، ويرسم طريقاً ويمضي عليه بحيث يكون سعيداً في المستقبل.

 ومن يجعل الدّنيا كلّ همّه ولا يفكّر في آخرته، بل تغرّه الدّنيا فهل من كان هذا شغله نسمّيه عاقلاً؟ كلّا، فالعاقل المحافظ على عقله هو من يكون عَزوفاً عن الدّنيا، فقد نقل عن الأمير×: >حِفْظُ الْعَقْلِ بِغَلَبَةِ الهوَى والْعُزُوفِ‏ عَنِ الدُّنْيَا<[7].

من أراد أن يصلح نفسه فعليه أن يفكّر في مآله وآخرته، فلا يرى أيّ قيمة لهذه الحياة الدّنيا الفانية، بل يفكّر فيما هو باقٍ وما هو خالد.

ولذا من لا يضع في ذهنه أنّ هذه الدّنيا ليست دار بقاء فإنّه لن يسعى لإصلاح نفسه؛ لأنّ من يفكّر في دار الآخرة وبعد الموت لا شك أنّه يبدأ بإصلاح نفسه، فالعزوف عن الدّنيا والتّوجّه للآخرة هما سببان لصلاح النّفس، فقد نقل عن الأمير×: >سَبَبُ صَلَاحِ النَّفْسِ الْعُزُوفُ‏ عَنْ (دَارِ) الدُّنْيَا<[8].

کلٌّ منّا يطمح في النّجاح، ولكن هل كلّ من يطمح إلى النّجاح يصل إليه ويدركه؟ كلّا؛ لأنّ النّجاح يحتاج إلى مقدّمات وشروط يجب توفّرها لكي يصير الإنسان ناجحاً.

والنّجاح في بلاءات وامتحانات دار الدّنيا أعني بذلك الامتحانات الإلهيّة يكون بالعزوف عن الدّنيا وعدم التّعلّق بها، فمن يتشبّث بالدّنيا لن يدرك النّجاح، فقد نقل عن الأمير×: >فِي الْعُزُوفِ‏ عَنِ الدُّنْيَا دَرْكُ النَّجَاحِ<[9].

بل العزوف عن الدّنيا شرط في زكاة الأعمال، فقد نقل عن الأمير×: >لَا يَزْكُو عِنْدَ الله إِلَّا عَقْلٌ عَارِفٌ، وَنَفْسٌ عَزُوفٌ‏<[10].

العزوف المراد في البحث:

وبما أنّنا نتكلّم عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة، فإنّ العزوف المراد هو الابتعاد والنّأي بالنّفس عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة، وذلك بعدم الإسهام في مشاريع التّعاليم الدّينية، أو الفرار من تولّي المسؤوليّة في إدارة مأتم أو صندوق أو مركز.

سيُسلّط الضّوء في هذا البحث على بعض أسباب هذه الظاهرة الخطيرة، الّتي تنخر جسد المجتمعات الإسلامية، وآثارها على المجتمع ثمّ نذكر ما يؤمّل أن يكون من الحلول لهذه الظّاهرة.

المحور الأول: ما قد يذكر من أسبابٍ للعزوف عن العمل الديني:

صحيح أنّ المجتمع أصناف مختلفة ومتعدّدة، إلّا أنّه توجد بعض الأسباب المشتركة في نُفرة البعض عن العمل الدّينيّ.

الأوّل: الانشغال وعدم التّفرّغ

 من ينشغل بوظيفة لأجل لقمة العيش وإطعام عياله فإنّه قد لا يستطيع أن يوفّق بين الوظيفة وبين العمل الدّينيّ؛ لأنّ كلّاً منهما يحتاج إلى التّفرّغ، وتحصيل الرّزق قد يعدّ أهمّ من الدّخول في سلك العمل الدّينيّ؛ لكي يوفّر الإنسان لقمة عيشه ولا يستجدي من الغير.

ومن ينشغل بأهله وعياله فإنّه يتعذّر عليه أن يمسك بِطّيختين في يدٍ واحدة؛ فإنّهما يسقطان -كما في المثل الفارسيّ-؛ ولذلك نجد بعضهم لسان حاله أنّ المشغول لا يُشغل.

ومن الناس من يخرج من عمله يريد أن يرفّه عن نفسه بالجلوس مع أصدقائه، فلا يبقى عنده وقت فينشغل عن العمل الدّيني قهراً واضطراراً، وهذا ما قد يذكر مبرّراً للكثير ممّن هم عازفون عن العمل الدّينيّ.

الثّاني: كراهة التّقيّد والالتزام وتحمّل المسؤوليّة

من يكون في مؤسّسة دينيّة ويسهم فيها فإنّه يكون متقيّداً بعض الشّيء، وتكون عليه بعض المسؤوليّات، ويكون ملتزماً بقوانين هذه المؤسّسة، بخلاف من لا يعمل في هذه المؤسّسات فإنّه يكون حرّاً طليقاً لا رقيب ولا حسيب -كما يقال- في وقته، فالإنسان بطبيعته لا يحبّ التّقيّد والالتزام.

الثّالث: الأصدقاء المنفّرون عن العمل الدّينيّ

 إنّ المؤمن قد يجد وقتاً للعمل في المؤسّسات الدّينية، ولا يمتعض ولا يضيق صدره من الالتزام، إلّا أنّه قد يصادق بعض المؤمنين غير المتفاعلين مع العمل الديني.

 فبعضهم قد يكون عنده عذر فلا يستطيع أن يخدم، ولكن ما هو المبرّر في أن يصدّ غيرَه عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة، وبعضهم قد يحصل له موقف مع أحد العاملين في مؤسّسة من المؤسّسات الدينية، فتحصل عنده ردّة فعل من ذلك فيُنفَّر من العمل وينفِّر غيره في كلّ المؤسّسات، فبعض الأصدقاء قد يقف حائلاً بين أصدقائه وبين العمل في المؤسّسات الدّينيّة.

الرّابع: الجوّ الاجتماعيّ (العقل الجمعيّ)

 والمراد به أفراد المجتمع فعندما يشيع بين أصدقاء المؤمن، وأقربائه وجيرانه وأهل محلّته وقريته النّفور عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة.

 فإنّ المؤمن قد ينجرّ مع العقل الجمعيّ فينساق معهم فيما هم عليه، فيرون من يعمل في المؤسّسات الدّينية أنّه شاذٌّ عنهم، وكأنّه خلاف العرف العامّ الصّحيح عندهم.

الخّامس: عدم انتشار ثقافة العمل التطوّعيّ في المؤسّسات الدّينيّة

 إنّ بعض المؤمنين ليس عندهم وضوح لآثار العمل التّطوعي في المؤسّسات الدّينيّة وأهدافه، ولأجل ذلك قد يسبّب هذا النّأيَ بالنّفس لبعض المؤمنين عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة، أو على الأقلّ عدم الاهتمام والتّفاعل مع المشاريع الّتي تقوم بها هذه المؤسّسات الدّينيّة، فكثيرون هم مستعدون للعمل الدّينيّ لو أُرشدوا، وبعضهم يدخل ولكن سرعان ما يخرج، كلّ ذلك ربّما يرجع إلى عدم استشعار أهمّيّة ما يقوم به.

السّادس: اعتقاد نافليّة العمل الدّيني

والمراد بذلك أنّ المؤمن إذا لم يعتبر هذا العمل من الأمور الواجبة عليه، ويعدّه من الواجبات وفي سلّم الأولويّات، فإنّه يتقاعس عنه ويجعله أمراً هامشيّاً ويقدّم غيره عليه باعتبار عدم أهمّيّته؛ إذ لو كان مهمّاً لكان قد جعله في سلّم أولويّاته، فاعتقاد الشخص بعدم كون أمر من الواجبات عليه، وأنّه أمر من نافلة الأعمال يجعل الشّخص لا يكترث به.

السّابع: النّظرة الخاطئة من المجتمع لمن يخدم في العمل الدّيني

 بعض النّاس ينظر إلى من يعلّم النّاس التّعاليم الدّينيّة نظرة بغير ما ينظر به من يعلّم في المدرسة الأكاديميّة أو الجامعة أو المعهد، فيبجّل الثّاني تبجيلاً دون الأوّل؛ وذلك لأنّ الثّاني يعلّم موادّ لها من الأهميّة بمكان، بحيث تنفعنا في الأمور الدنيويّة، بخلاف الأول فلا ينفعنا كثيراً في أمورنا الدنيويّة -بحسب نظرهم-، فبسبب هذه النّظرة الخاطئة تجعل البعض يبتعد ويعزف عن العمل الدّينيّ، ولا يتشجّع إليه ويتوجّه لغيره.

الثّامن: غياب القيادة في المؤسّسات الدينيّة وعدم التّعاون بين المؤسّسات

 ففي القرية الواحدة مثلاً إذا لم توجد القيادة الواحدة، والتّنسيق بين المؤسّسات بحيث تصبح المؤسّسات كالمؤسّسة الواحدة، فإنّ بعض النّاس قد يجد هذا مبرّراً لعدم الدّخول فيها؛ وذلك لأنّه قد تتعارض مع بعضها، فقد يشترك في أكثر من جهة، بل قد تخلق العداوة بين أفراد بعضها، نتيجة عدم التّنسيق والقيادة الواحدة فيؤدّي ذلك لنفرة البعض عن العمل الدّينيّ كلّه؛ كي يبتعد عن التّخالف والاختلاف والتّعارك.

التّاسع: تمسّك بعض الأشخاص بالإدارة والرّئاسة وعدم التّغيير

 نجد بعض النّاس يتمسّك بالكرسيّ وكأنّه إرث من أجداده، وهذا ما قد يسهم في ابتعاد البعض عن العمل والتّعاون معه؛ لأنّه يَعتبر دخولَه وعدم دخوله معه سواء فلن يغيّر شيئاً، ما دام فِكرُ الاستئثار والأنانيّة موجودَين عند بعض النّاس ممّن يتوّلون مناصب في المؤسّسات الدّينيّة.

 وهذا ممّا يساعد على خلق العذر لدى البعض عن العمل في بعض المؤسّسات الدّينيّة، فتشبّث البعض ببعض المناصب وعدم السّماح لغيرهم أن يأتي محلّه، قد يساهم في عدم التّطوير وعدم التّغيير، وبالتّالي يشعر الآخرون أنّ دخولهم وعدم دخولهم سواء، فيبقى خارج هذه المؤسّسات ويريح نفسه.

العّاشر: عدم وجود التّخطيط الاستراتيجي

 إنّ بعض النّاس إذا رأى أنّ المؤسّسات تمضي على نسق واحد، دون تغيير مهما اختلف الزّمان واختلفت التّحدّيات، ومهما تعاقبت الأجيال، وكأنّه شريعة من السّماء لا تتغيّر.

فإنّ ذلك قد يكون سبباً في عدم اشتراك بعض النّاس في العمل الدّينيّ، بل وقد يؤدّي إلى خروج بعض آخر عن العمل الدّينيّ؛ لأنّه يرى نفسه في دوّامة وعجلة لا تتحرّك ، فيرى أنّ المشروع الدّينيّ يراوح محلّه، كالدّابة الّتي تحاول أن تخرج من مستنقع ولا تخرج.

الحّادي عشر: ضعف الموارد المالية

 صحيح أنّ المادّة ليست كلّ شيء، ولكن لا إشكال أنّه يساهم بشكل كبير في إنجاح أيّ عمل مؤسّساتيّ دينيّ، ولذا في القول المشهور[11] أنّ الإسلام بُني على سيف الأمير× ومال خديجة÷، ممّا يدلّ على أهمّيّة المال في بناء المؤسّسات وعمرانها.

 والمال ممّا يقوّم كثيراً من المؤسّسات، فكم من مؤسّسة بدأ عملها مع وجود المال، ثمّ لأجل نقص الموارد الماليّة يخرج العاملون فيها عنها فيعلّق عليها الشّمع، لسنا مع القائلين بأنّ المال هو كلّ شيء، ولكنّه يسهم بشكل كبير في إنجاح المؤسّسات.

الثّاني عشر: عدم التّشجيع والتّحفيز والتّكريم والامتيازات

 فبعض النّاس ما لم يجد التّقدير من المجتمع، قد لا يدخل في العمل الدّينيّ أو قد يدخل ولا يستمرّ؛ لأنّه يجد الدّاخل في العمل الدّينيّ وغير الداخل عند المجتمع سواء، فيبقى خارج العمل الدّينيّ، فما لم يجد محفّزاً له على العمل الدّينيّ والبقاء فيه فإنّه سرعان ما يخرج إذا دخل، أو أنّه لا يدخل من الأوّل، وهذا المحفّز ليس بالضّرورة أن يكون ماليّاً، فما لم يجد بعض النّاس نحو تكريمٍ أو تشجيعٍ فلا يستمرّ في عمله التّطوعيّ.

الثّالث عشر: سلوک بعض العاملين في المؤسّسات الدّينيّة

 إنّ بعض المؤمنين الدّاخلين في سلك العمل الدّينيّ، قد ينفّر الآخرين عن العمل في تلك المؤسّسة، بل في باقي المؤسّسات؛ لأنّ كثيراً من النّاس إذا ما حصلت لهم حادثة مع فرد في أحد المؤسّسات، فإنّهم يعمّمون ذلك إلى كلّ المؤسّسات، فيكون ذلك سبباً عند بعض النّاس في النّفرة عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة.

الرّابع عشر: الفرار من الاتهام من بعض أفراد المجتمع

 من يكون في موضع المسؤوليّة، خصوصاً إذا كان هذا الموضع تدخل عليه الأموال كما في الصّناديق الخيريّة، فإنّ العامل فيها قد يكون موضعاً للتّهمة عند بعض المجتمعات؛ لأنّ الناس في كثير من المؤسّسات ترى أنّ المال يدخل لهذه المؤسّسات ولا ترى أين تُصرف هذه المبالغ، فيكون هذا ممهِّداً لوسوسة إبليس اللعينù واتّهام العاملين في هذه المؤسّسات، فبعض الأشخاص لكي يُبعد نفسه عن مواضع التّهمة، ينأى بنفسه عن العمل في المؤسّسات الدّينية.

الخّامس عشر: التّواكل

 إنّ بعض من يدخل في العمل الدّينيّ المؤسّساتي يحدث عنده تواكل، فكلّ واحد يتّكل على الثّاني بحيث يسهم في بطئ العمل في المؤسّسة، بل في انهدام المؤسّسة شيئاً فشيئاً؛ لأنّ اعتماد كلّ واحد على الآخر، وعدم إنجاز كلّ واحد وظيفته الّتي أنيطت به يؤدّي إلى عدم إنجاز الوظائف والتّكاليف، فيؤدّي ذلك إلى عدم قيام المؤسّسة على رجليها؛ لأنّ المؤسّسة قوامها بإنجاز الأعمال الملقاة على كاهل الأعضاء، فإذا ما تلكّأ الأعضاء في إنجاز المهامّ الموكلة إليهم فإنّه يؤدّي إلى انهدام هذه المؤسّسة، وتلكّؤ الأعضاء في العمل قد يعطي مبرّراً لمن هم خارج المؤسّسات بعدم الانضمام إلى تلك المؤسّسات، كما أنّ الدّاخل الّذي عنده شعلة نشاط يخرج شيئاً فشيئاً منها.

السّادس عشر: الخجل والتهيّب

 إنّ سبب عزوف بعض المؤمنين عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة، هو الخوف والاستحياء لئلّا يقابل فئات المجتمع المختلفة؛ فإنّ من يعمل في بعض المؤسّسات قد يضطرّ ويحتاج إلى أن يقف أمام النّاس، ويخاطبهم أو أنّه يقابل الوجهاء والعلماء، فبعض النّاس لأجل خجله وتهيّبه يبتعد عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة، ويعتبر أنّ من يريد العمل في تلك المؤسّسات يحتاج إلى جرأة هو لا يمتلكها، فيعزف وينأى بنفسه عن العمل الدّينيّ.

السّابع عشر: عدم إدراك وجود الحاجة

 إذا ما اعتقد بعض المؤمنين أنّ العمل الدّينيّ لا يحتاج إلى كوادر؛ لوجود الاكتفاء بحسب نظرهم، فإنّهم لا يبادرون إلى المشاركة في العمل الدّينيّ، على قاعدة (السّعيدُ مَن كُفي بغيره)، فيرى نفسه غير مطالَب بأن يسعى في خدمة المدينة أو القرية بالعمل في المؤسّسات الدينية، بعدما اعتقد أنّه لا توجد حاجة لأمثاله، فمن يعتقد ذلك فإن كان خارج العمل الدّينيّ لا يبادر للدّخول في العمل الدّينيّ، ومن كان داخلاً فإنّه يفكّر في الخروج؛ لاعتقاده عدم الحاجة إليه، وأنّه يوجد من يسدّ محلّه ويغطّي وظيفته.

الثّامن عشر: التّكبّر

 إنّ هذه الصّفة الذّميمة تجعل بعض النّاس -الذين هم بحسب الظّاهر مستواهم الدّراسيّ عالي كالمُدرّس أو الدكتور أو غيره - يرى نفسه باشتراكه في العمل الدّيني هو تنزيل من مستواه وانحطاط، فلا يتنزّل –بحسب اعتقاده- إلى العمل الدّينيّ، فقد يكون التّكبّر ورؤية النّفس كبيرة حاجزاً عن التّطوّع بالعمل في المؤسّسات  الدّينيّة للقرية.

التّاسع عشر: الفئويّة والتّحزّب وعدم تقبّل الاختلاف

 إنّ بعض المؤمنين يرى أنّ وجود بعض من يخالفهم في وجهة النّظر، في المسائل الاجتماعيّة على مستوى القرية، أو السّياسيّة على مستوى البلد أو المنطقة، أو الاختلاف من جهة مرجع التّقليد، يجد ذلك مبررّاً لعدم اشتراكه في تلك المؤسّسة، فلا يشترك في تلك المؤسّسة، مع أنّه كلّهم مؤمنون إلّا أنّ وساوس إبليس اللّعينù تأتي وتقف حائلاً، بل قد تتعنون بعناوين وصبغة شرعيّة، وكلّ ذلك من مكائد إبليس اللّعين.

العشرون: عدم التوكّل على الله والإخلاص له

 وهو أهمّ أسباب العزوف؛ فما لم يتوكّل الإنسان المؤمن على الله§، وما لم يحصّل الإخلاص فإنّه لن يتوفّق في الدّخول في العمل الديني والتوفيق لخدمة المجتمع، ومن كان داخلاً ما لم يكن عنده هذان الأمران –التوكّل والإخلاص- فإنّه لا يُؤمَن استمراره في هذا التّوفيق الإلهيّ العظيم؛ لأنّ خدمة الدّين والنّاس من نعم الله وتوفيقاته، فعن الأمير×: >إنَّ حَوَائِجَ‏ النَّاسِ‏ إِلَيْكُمْ نِعْمَةٌ مِنَ الله عَلَيْكُمْ فَاغْتَنِمُوهَا فَلَا تَمَلُّوهَا فَتَتَحَوَّلَ نِقَماً<[12].

المحور الثّاني: آثار العزوف عن العمل الدّينيّ على المجتمع

نسلّط الضّوء على نتائج هذه الظّاهرة، الّتي تنخر في جسد المجتمعات؛ كي يتّضح عند من يعزف عن العمل الدّينيّ، عظم ما ينتظر المجتمع نتيجة عزوفه.

وقبل ذكر الآثار لا بدّ من ذكر بعض الملاحظات:

ـ هذه الآثار بعضها ترجع مضارّها إلى نفس من يعزف عن العمل وبعضها يرجع إلى نفس المجتمع.

ـ بعض ما سنذكره من آثار ليس العزوف علّة تامّة لبعضها، بل بنحو العلّة النّاقصة، وبعبارة أخرى: إنّ بعض ما ذكر من آثار قد لا يكون السّبب الوحيد لحصولها هو العزوف فقط، ولكن قد يسهم العزوف بشكل واضح في حصول هذه الآثار.

ـ الآثار المذكورة الآتية هي آثار للعزوف عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة الأعمّ من التّعليم في المساجد وغيره.

1ـ تمكين الغزو الثّقافيّ من المجتمع، إذا ما عزفتُ أنا وأنت عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة وبقي المسجد بلا تعليم دينيّ للأجيال، أو يوجد درس أو درسان يقامان على استحياء، فإنّ الأجيال سوف تُبنى على مناهج التّعليم الدّيني الرسميّ، الّذي في أغلب الدّول مبني على غير منهج الثّقلين، اللّذَين أُمرنا باتّباعهما، وباتّباعهما نحصِّن أنفسنا من العقائد المنحرفة والفاسدة والغزو الثّقافيّ، فإذا ما تشبّعت عقول أفراد المجتمع بتعاليم غير أهل البيت، ولم يتصدّ أحد ممّن له الأهلية في تعليم النّاس، ورفع هذه التعاليم الفاسدة وإبدالها بتعاليم أهل البيت^، فإنّ المجتمع سيكون طعمة للغزو الثّقافيّ.

2ـ الرضوخ للمعتدين، وهذا يحتاج إلى بيان وتوضيح.

وبيانه: إنّه ليس بالضّرورة أن يكون المحتلّ والغازيّ هو نفس قوى الاستكبار العالميّ، بل هي في كثير من الأحيان لا تدير الدول بشكل مباشر، وإنّما بأدواتها وأياديها الطّيّعة لها والعابدة لها، وهذه الأدوات تحاول أن تزرع في الشّعوب والمجتمعات المؤمنة، الخنوع والذلّ والرّضا بكلّ ما يفعله هؤلاء الطّواغيت تحت عناوين برّاقة خدّاعة، وما يزرعونه من تعاليم مخالِفة لتعاليم أهل البيت^ الّتي تريد للإنسان المؤمن أن يعيش عزيزاً.

ومن أهمّ الأساليب الّتي من شأنها أن ترجع النّاس إلى تعاليم أهل البيت^، وعدم التّأثّر بما يروّجه الآخرون من تعاليم ومفاهيم باطلة وفاسدة، هو التّعليم الدّينيّ وذلك بإيصال تعاليم الدّين المحمّديّ الأصيل إلى النّاس، وإذا ما تلكّأ النّاس وعزفوا عن العمل على تعليم بعضهم أحكام الدّين الحنيف، فإنّ ثقافة الذّلّ والخنوع الّتي أراد زرعها الاستكبار العالمي، سوف تجد الأرضيّة الممهّدة والصّالحة لها.

3ـ جهل بعض أفراد المجتمع بتعاليم الدّين وأحكامه، وهذا الأثر تجده جليّاً واضحاً من سؤال بعض الناس فيما هو بديهيّ، فمع وجود التكنولوجيا المتطوّرة، إلّا أنّه كم نسبة الّذين يتابعون ويسألون عن مسائلهم الّتي يبتلون بها عن طريق الإنترنت؟، وللأسف الشّديد فإنّك تجد نسبة الّذين يتعلّمون الأحكام الدّينيّة، في بعض المجتمعات هم معدودون على أصابع اليد، على الرّغم من أن جلّ المؤمنين يعلمون بوجود تكاليف في عهدتهم، وذمّتهم مشغولة بأداء التّكاليف الشّرعية على وجهها الأتمّ، إلّا أنّك تجد الكثير يجهل المسائل الّتي يبتلي بها هو، فيؤدّي ذلك إلى اقتحام الشّبهات، بل بعض المحرّمات، ممّا يجعله مستحقّاً للعقاب والسخط الإلهيّ.

4ـ تفكّك المجتمع وتشرذمه، وذلك أنّه لو أنّ كلّ واحد منّا قد اعتزل عن العمل في المؤسّسات الدينية، والّتي هي قوام المجتمع المؤمن؛ لأنّ الّذي يجمع المؤمن بأخيه المؤمن في الغالب هي المناسبات الدّينيّة، وهي الّتي تقوّي أُصر وروابط المؤمنين، وتجعل المجتمع بمثابة الجسد الواحد، فلو ابتعدتُ أنا وأنت عن التّعاون والعمل في المؤّسسات الدّينيّة للقرى فإنّه قد يؤدّي إلى تعليق الشّمع عليها وإغلاقها؛ إذ أوتاد المؤسّسات هم الأعضاء فبذهابهم تذهب المؤسّسات، ويذهب ما بين الأعضاء من العلاقة الحميمة والتّواصل الّذي كان بينهم.

5ـ ضياع المواهب، فجلّ أو كلّ إنسان عنده موهبة أو مواهب، وهذه بمثابة الزّرع، فما لم يُسقَ بالماء ويُتابَع فإنّ هذه الزّرعة تموت، وكذلك الموهبة ما لم تُستَغل وتوظّف بشكل صحيح فإنّها تضمحل وتذهب، فكثير من الطّاقات عند هذا الإنسان ولكنّها مضمرة تحتاج إلى من يظهرها:

وتحسب أنّك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

وهذه المهارات والطّاقات أهمّ ما ينمّيها، ويخرجها من القوّة إلى الفعل، ومن العدم إلى الوجود هو العمل في المؤسّسات الدّينيّة، فليس العمل في المؤسّسات واحداً، بل هناك وظائف عدّة في هذه المؤسّسات، فإذا ما اعتزل الإنسان المؤمن فقد يسهم في اندثار موهبته وطاقاته، بخلاف ما لو ساهم وشارك في العمل الدّينيّ.

6ـ الإسهام في انحراف الأجيال، من الواضح أنّه من يعتزل عن تعليم النّاس مع قدرته على ذلك، فإنّه يسهم بشكلٍ وآخر في انحراف المجتمع، وتركه فريسة ولقمة سائغة للانحراف الأخلاقيّ، فإنّ طرق الشّيطان كثيرة لأجل أن يحرف الإنسان ويغويه، سواء عن طريق التّلفاز أو الهاتف أو بعض الأصدقاء، وممّا يسهم في وقف نزيف الانحراف الأخلاقيّ هو تعلّم أحكام الدّين، من عقائد وفقه وأخلاق وغيرها، فمن يشترك في التّعليم الدّينيّ هو في الحقيقة يسهم في استقامة وصلاح الأجيال، بخلاف ما لو اعتزل وابتعد عن ذلك.

7ـ التمهيد لغزو الفكر العلماني المجتمعَ، وهو الفکر الّذي محوريّته ـ بحسب مدّعاهم ـ الإنسان لا الدّين، بناء على اعتقادهم الباطل من فصل الدّين عن السياسة ومسرح الحياة، فإنّ عزوف أفراد المجتمع عن العمل الدّينيّ، قد يؤدّي إلى جهل كثير من النّاس بالدّين وتعاليمه، وبالتّالي إلى اضمحلال ثقافة الدّين من أوساط أفراد المجتمع، وتلاشي محوريّة الدّين في الحياة، فتتمهّد الأرضيّة ويخلو الجو لأنياب الفكر العلمانيّ لتنقضّ على المجتمع وتلتهمه، بخلاف ما لو بادر النّاس إلى المشاركة والتّفاعل في العمل الدّينيّ، فإنّهم يقطعون الطّريق أمام أطماع العلمانيّين وغيرهم، فيتحصّن المجتمع بالتّعاليم الدّينية الحقّة، فلا تنطلي على المجتمع الخدع العلمانيّة وغيرهم تحت أيّ عنوان.

8ـ سيطرة بعض ذوي الأفكار المنحرفة، إنّ عزوف أهل الإيمان عن العمل الدّينيّ، قد يؤدّي إلى تولّي السّاحة بعضُ الجماعات المنحرفة كجماعة مدّعي السفارة وغيرهم، فمتى ما ابتعد المؤمنون الملتزمون عن هذه المؤسّسات، فإنّه سيتصدّى من هو ليس أهلاً لذلك، وعند ذلك نكون قد تسبّبنا بانحراف أبنائنا بأيدينا، أما لو ملأنا المؤسّسات الدّينيّة، وبادرنا إلى العمل فيها فلن يكون هناك متنفّس لهذه الجماعات المنحرفة أو ذوي الأفكار المنحرفة.

9ـ اندثار ثقافة التّعاون ومساعدة الآخرين، فإنّ من أهمّ الأمور الّتي يكتسبها العامل في المؤسّسات الدّينيّة في المجتمع، هو ترسيخ ثقافة التّعاون مع الآخرين ومواساتهم، وأن يعيش همّهم وكذلك ثقافة التّكافل الاجتماعيّ، فإنّ العامل في الصّندوق الخيريّ، أو مركز التّعليم الدّينيّ أو غيره يجد نفسه مضطرّاً إلى التّعاون مع غيره، ومساعدة الآخرين كما هو طبيعة العمل المؤسّساتي الدّينيّ، فمن يبتعد وينزوِ عن العمل الدّينيّ يحرم نفسه من ذلك كلّه.

10ـ التّسبيب والتّمهيد لإغلاق بعض المؤسسات، فممّا لا يخفى على المؤمنين أنّه هناك من يتربّص بالمؤمنين الدّوائر، وهم أعداء الدّين، فإذا ما سارع النّاس وأفراد المجتمع لملء المؤسّسات الدّينيّة وعدم تركها، فإنّ ذلك يكون مانعاً لأعداء الدّين عن الاقتراب من هذه المؤسّسات، فيرى أنّ النّاس متمسّكون بدينهم، فلا يفكّر بالاقتراب منها، بخلاف ما لو رأى النّاس مبتعدين عن المؤسّسات الدّينيّة، فإنّ هذا العدوّ سينقضّ عليها ويغلقها.

المحور الثّالث: الحلول المقترحة

وهذه الحلول المقترحة المؤمّل منها أن توقف أو تحدّ من هذه الظاهرة المستشرية في مجتمعاتنا، وليقف هذا النزيف الّذي يؤدّي إلى ما ذكرناه من الآثار والمضارّ على المجتمع.

1ـ التّوكّل على الله والإخلاص له، فهو أسّ كلّ شيء وأساسه، فمن  يعزم على فعل أمرٍ ما متوكلاً على الله ومخلصاً له لا شكّ أنّه يحصل مراده ولو بعد حين، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(الأنفال:49)، {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}(الطلاق:3)، نقل عن أبي الحسن الأوّل× أنه سئل عن قول الله§ {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} فقال: >التوكّل على الله درجاتٌ: منها أن تتوكّل على الله في أمورك كلّها فما فعل بك كنت عنه راضياً، تعلم أنّه لا يألوكَ خيراً وفضلاً، وتعلَم أنّ الحكم في ذلك له، فتوكّل على الله بتفويض ذلك إليه، وثق به فيها وفي غيرها<[13].

فهذه بعض الآيات والرّوايات تؤكّد على أنّ من يجعل الخالق نُصب عينه ينفتح أمامه كلّ باب، ويسهّل عليه كلّ عسير، كيف لا ومقادير الأمور بيده، وكلّ شيء بيده عزّ اسمه، فبعد أن يتوكّل الإنسان على الله، ويضع الخالق نصب عينه في كلّ شيء، فلا مدح ولا نقد هدّام أو ذمّ، ولا يهمّه تقدير من قدّر عمله وعدم تقديره، ما دام يعلم أنّ الله يرى وأنّه مثيبه، نعم يمكنه أن يستفيد من نقد الآخرين من دون أن تكون مثبّطة له.

2ـ تنظيم الوقت، وهو من الأمور المهمّة لجميع شؤون الحياة، ما لم ينظّم الإنسان وقته فإنّه ليس فقط لن يستطيع العمل في المؤسّسات الدّينيّة، بل لا يمكنه الدّخول في العمل الدّينيّ، بل كثير من الأعمال لن يستطيع إنجازها، ولأهمّيّة تنظيم الوقت نرى أنّ الأمير× قرنه بالتّقوى، فعنه× في وصيته للحسن والحسينp: >أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى الله... وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ وَصَلَاحِ‏ ذَاتِ‏ بَيْنِكُمْ<[14]. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أهمّيّته في حياة الإنسان، ونرى أنّه تقام لأجله كثير من الدّورات، وما ذلك إلّا لأنّ ذلك له ما ماله من الأثر في تحقيق الانجازات، بل هو قوام إنجاز التّكاليف وبه تسير عجلة الحياة.

وما ذكر من عذر في العزوف عن العمل بسبب عدم الوقت، يمكن أن يقال جواباً على ذلك، بأنّ ما ذكر ليس مبرّراً للعزوف عن العمل الدّينيّ، أمّا بالنّسبة للقمة العيش وأنّه يمنع الإنسانَ طلبُها عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة للقرية، فما ذكر قد يكون صحيحاً في الجملة، ولكن يمكن للإنسان أن يلتمس وقتاً لخدمة المجتمع في المؤسّسات الدّينيّة، وكلّ إنسان أعلم بنفسه وأوقات فراغه، فسبب الانشغال لوظيفة تحصيل الرزق لو سلّم فإنّه لا يصدق على جميع النّاس، بل قد يكون كثير من النّاس يجد وقتاّ لذلك.

وأمّا الانشغال بالأهل والأولاد، وأنّهم يأخذون كلّ الوقت، فلا يبقى مجال لأن يعطيه للقرية ومؤسّساتها، فإنّ الأولاد وإن كان لهم عليك حقّ، إلّا أنّ المجتمع كذلك له عليك، فعدم إعطاء الأهل والأولاد حقّهم قد يؤدّي إلى تشتّت وتفرّق الأسرة ويعود بالضرر عليها، فكذلك المجتمع فإنّ عدم إعطائه حقّه ربّما يصبح عاملاً في تشتّت وتمزّق المجتمع وتفرّقه.

وأما الانشغال بالتّرفيه عن النّفس بالالتقاء مع الأصدقاء، وأنّه يأخذ الوقت فلا يستطيع الإنسان أن يجمع بينهم وبين العمل الدّينيّ، فإنّه وإن كان من المهمّ أن يرفّه الإنسان عن نفسه، وصحيح >إنَّ لِجَسَدِكَ‏ عَلَيْكَ‏ حَقّاً<، ولكنّ هذا الحقّ لا ينافي المساهمة بالعمل في المؤسّسات الدّينيّة، فيمكن للإنسان بتنظيم وقته أن يجمع بين ذلك فليس هو جمع بين نقيضين.

3ـ توطين النّفس على الالتزام وتحمّل المسؤوليّة، فإنّ من رام وابتغى العلى لنفسه وبلده فليتّخذ الالتزام طريقاً لذلك، فما لم يعلم الإنسان نفسه الالتزام وتحمل المسؤولية فإنّه لن يرتقي ويتقدّم، بل إلزام النّفس بشيء هو قرين النّجاح في أيّ عمل، فمن أراد أن ينجح في مشروعٍ ما، فعليه بالالتزام والصّبر على الالتزام، وأن يعضّ عليه بالنّواجذ.

وما ذكر من سبب للعزوف عن العمل الدّينيّ، بسبب عدم حبّ الالتزام والتّقيّد، يمكن أن يجاب على ذلك أنّ الالتزام وإن كان قد يعد من الأمور الصّعبة، إلّا أنّ هذه الصّعوبة في بداية الالتزام، ومع اعتياد الشّخص على الالتزام فإنّه يكون روتيناً يوميّاً ومن برنامج حياته، بل أساسه، على أنّ الالتزام والتّقيّد لا بدّ منه في جوانب كثيرة في الحياة، فإذا توهّم الإنسان أنّه تنصّل من مسؤوليّة فإنّه قهراً من غير شعور يلتزم بأمور كثيرة، وإن لقّن نفسه عدم الالتزام، فذهابه إلى عمله في وقت معيّن ورجوعه في وقت معيّن آخر هو التزام، وكذلك أداء العبادات في أوقاتها من صلاة وصوم وحجّ وزكاة وغيرها، فكأنمّا الإسلام يريد أن يعلّمنا الالتزام بطريقة عمليّة؛ ولذلك بعض العبادات لو أدّيت في غير أوقاتها لما كانت صحيحة، فالإنسان النّاجح لا بدّ له من الالتزام والتّقيّد، بل طريق النّجاح وسلّمه هو الالتزام وتحمّل المسؤوليّة، ولا يخفى أنّ المراد بالتّقيّد هو ما ذكرناه من المعنى الإيجابيّ له لا المعنى السّلبيّ له.

4ـ النّظر للعمل الدّينيّ أنّه صدقة جارية وأنّ فيه خير الدّنيا والآخرة، فما لم ينظر الإنسان إلى العمل الدّينيّ نظرة أُخرويّة، ويفكّر فيما هو الباقيّ لا شك أنّه سيفرّط فيه ولا يُعيره كثير اهتمام، فخدمة الدّين والمجتمع نوع صدقةٍ جارية، وهي الّتي تنفع الإنسان فيما بعد موته، ففي الحديث عن النبيّ الأكرمK: >إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا عن ثلاث: ولدٍ صالح يدعو له، وعلمٍ يُنتفع به، وصدقةٍ جارية<[15].

فإذا ما فكّر الإنسان فيما هو خالد، ونافع له ولدينه ومجتمعه، فلن يسمع كلام صديق ينفّره عن العمل الدّينيّ، مهما كان هذا الصّديق، والصّدقة الجارية ليس بالضّرورة أن تكون مالاً من درهم أو دينار، بل ربّما يكون العمل الدّينيّ أكثر أثراً من المال بلحاظ ما يتركه من أثر، فتربية الأجيال وهدايتهم وتعليمهم علوم آل محمّد^، كم له من الأجر العظيم الّذي به يعمّر الإنسان آخرته!، فإذا ما منع الإنسانَ صديقٌ أو غيره عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة، أو عاتبه على العمل فيها لا يقف هكذا ويسلّم بما قال ويترك العمل، بل المؤمن الرّساليّ لا تأخذه في خدمة الدّين والنّاس لومة لائم.

5ـ جعل الدين هو الميزان، فمن يجعل الإسلام هو ميزان الرّفض والقبول، فإنّه لا تأخذه في الله لومة لائم، أيّاً كان هذا اللائم؛ لأنّه إذا كان العمل الدّيني مطلوباً من الدّين -وهو كذلك-، فلا يهمّه أيّ قول على خلاف ذلك حتّى لو لامه أغلب المجتمع.

وما قد يذكر من أنّ الجوّ العامّ والعقل الجمعيّ، أو نظر المجتمع يؤثّر في الإنسان المؤمن، فيرى كثيراً من النّاس يعزف عن العمل الدّينيّ فهو بتبعهم، فإنّه يمكن أن يجاب على ذلك بأن يقال من يصنع المجتمع؟ أليس أنا وأنت؟، فعندما تشيع بين أفراد المجتمع ظاهرة غير حسنة، فهل يعني ذلك أنّنا ننجرّ معهم في كلّ شيء؟!، كلّا ليس صحيحاً، فينبغي للمؤمن أن يجعل الدّين والشّريعة هي الميزان، في الرّفض والقبول لأيّ فكرة وأيّ ظاهرة كانت، بل يعرضها على الدّين والشّريعة المقدّسة، الّتي هي من خالق الكون، الذي لا يأتي إلّا بما هو صحيح وفيه مصلحة للبشر، وأمّا إذا جعلنا الميزان للقبول والرّدّ هو العرف والنّاس، دون الشّرع فإنّه لا يعلم أنّ قبولنا لهذه الظّاهرة أو تلك، هل هو في مصلحتنا أم لا، ولا نعلم أنّ رفضنا لهذه الظّاهرة هل هو في مصلحتنا أم لا، فينبغي للمؤمن أن يجعل الميزان والضّابط في كلّ شيء هو الدّين، وإذا جعل المؤمن الدّين هو الميزان، فلا شكّ أنّه إذا تعارض ما يقوله الدّين، وبين ما يقوله العرف والنّاس فإنّه يقدّم ما يقوله الدّين، ولا نشكّ أنّ العمل في المؤسّسات الدّينيّة الّذي هو تقوية للدّين، هو مطلوب ومرغوب فيه من قبل الدّين.

6ـ اعتقاد أهمّيّة العمل الدّينيّ وعدم نافليّته وإدراك الحاجة، فعندما يعتقد الإنسان عدم أهمّيّة عملٍ ما، وعدم الحاجة فإنّه لا يسعى إليه بجدّيّة، فلا يوجد عنده دافع ومحرّك نحو ذلك العمل، بخلاف ما إذا اعتقد أهمّيّة العمل وأدرك ضرورته والحاجة إليه، فإنّه يسعى إليه سعياً حثيثاً ولا يتوانى لحظة، بل يحثّ الآخرين على العمل فيه، فمن يرى بعين البصيرة تكالب قوى الاستكبار على الإسلام، وعملهم ليل نهار على طمسه بوسيلة وأخرى، فإنّه لا يألو جهداً في الدّفاع عنه ورفع رايته، وذلك بتقوية مؤسّساته والعمل فيها.

7ـ العمل على نشر ثقافة العمل التّطوّعيّ في المؤسّسات الدّينيّة، وذلك بذكر أهمّيّة العمل الدّينيّ في خطب الجمعة والمحاضرات في المساجد والمنابر، ووضع ملصقات لأحاديث المعصومين^، في الحثّ على مساعدة الآخرين، وثواب قضاء حوائج المؤمنين وتعليم النّاس، فإنّ ذلك من شأنه أن يخلق ثقافة العمل التّطوّعيّ في المؤسّسات الدّينيّة.

8ـ البحث عن مساهم من أهل الخير لدعم المؤسّسات الدّينيّة مع الإمكان، فأهل الخير كثيرون، وكثير ممّن يبحث عن صدقةٍ جارية.

وأمّا مع عدم وجود المساهم أو قلّته، فإنّه لا يعني إقفال المؤسّسات الدّينيّة وتعليق الشّمع عليها، بل ينبغي ألّا يوقف المؤمنَ الرّساليَّ العاملُ الماليُّ، وقد يكون العمل بدون مقابل أكثر إخلاصاً لله من العمل الّذي فيه المال، فالعمل الدّينيّ قائم بالأعضاء وإخلاصهم بالدّرجة الأولى لا بالمال وحسب.

9ـ ينبغي جعل القيادة لكلّ المؤسّسات الدّينيّة للقرية؛ ليحصل التّنسيق بينها، وبالتّالي تنجذب النّاس للعمل التّنظيميّ المؤسّساتي، وهذه القيادة ينبغي أن تكون بتعيين من كبار علماء ذلك البلد؛ وذلك لأنّ من سيكون رئيساً فإنّه رئيس على مؤسّسات دينيّة، وبالتّالي فلا بدّ من معرفة الحلال والحرام، وأيّها أصلح من غيره، وأفضل ما يشخّصه هم أهل الاختصاص وهم العلماء، وإن لم يكن كذلك فعلى الأقل تكون هيئة تنسق بين المؤسّسات منتخبة من النّاس بقانون عصريّ، والأمر المهمّ هو عدم استئثار وتشبّث  شخص أو عائلة بكرسيّ، إلّا إذا كان ذلك عن طريق العلماء أو انتخاب النّاس، والمؤسّسات الدّينيّة مع القيادة تختلف عنها  لو كانت من غير قيادة موحّدة وهذا نشعر به بالوجدان.

10ـ وضع خطط إستراتيجيّة، فعندما تمتلك المؤسّسات الدّينيّة مشروعاً ومخطّطاً تسير على وفقه، فإنّ ذلك من شأنه أن يُقبِل النّاس أكثر على الاشتراك فيها، فإنّ الإنسان من عادته يحبّ أن يستشرف المستقبل ويرى نتائج عمله، فإذا ما وضعت خطط إستراتيجية فإنّ ذلك يشجّع الآخرين أكثر على المشاركة في العمل الدّينيّ.

11ـ التّحفيز والتّشجيع، فمن الأمور الّتي تساهم في جعل الإنسان يستمرّ في العمل بجدّ وتجذبه للعمل في مؤسسة ما هو التّحفيز، وليس بالضّرورة أن يكون بالمال، فإن أمكن بالمال فبها ونعمت، وإلّا يكون التّشجيع بالكلام الحسن المشجّع، أو بالزّيارة لمقام دينيّ أو غير ذلك، فإنّ ذلك ممّا يسهم في جعل الأعضاء يعملون بنشاط أكثر.

12ـ تحلّي العاملين في المؤسّسات الدّينيّة بالأخلاق الحسنة، وهذا من شأنه جلب الآخرين وتشويق الآخرين في المشاركة معهم في العمل الدّينيّ، والعكس بالعكس، فكم من النّاس بسبب رؤيته لحسن أخلاق بعض العاملين في المؤسّسات الدينية، كان ذلك دافعاً لهم في المشاركة في العمل الدّينيّ.

13ـ علوّ الهمّة والنّشاط، فمن يدخل في المؤسّسات الدّينيّة، ينبغي عليه ألّا يتواكل ويتثاقل، بل عليه أن يكون نشطاً فعّالاً مجدّاً، فإنّ ذلك يكون عاملاً في نشاط الآخرين من الأعضاء، وبالتّالي وقوف المؤسّسة على قدميها، فلا يفكّر بالعزوف؛ لأنّ علوّ الهمّة إذا اعتاد عليه فإنّه يكون جزءً منه لا يستطيع مفارقته.

14ـ الإقدام وعدم الخجل، فلا بدّ أن يكون الإنسان المؤمن جريئاً في استلام بعض المهمّات الّتي توكل إليه في العمل الدّينيّ، وإن أدّى ذلك إلى الوقوف أمام النّاس؛ فما دام ذلك في رضا الإمام الحجة# فلا يبالي في الإقدام.

15ـ التواضع، وعدم الاستعلاء على المجتمع، فإنّ الإنسان بتواضعه يرتفع، بل يرفعه الله، فعن أبي عبد الله×: >من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبّر خفضه<[16] وأما الاستعلاء فإنّه ينحدر بالإنسان من غير أن يعلم، فينبغي للإنسان المؤمن عدم التكبر ومساعدة المجتمع بمشاركته في العمل الديني لمنطقته.

16ـ تقديم مصلحة الدين والمجتمع، فإنّ من يرى مصلحة الدّين والمجتمع مقدَّمة على مصلحته ومصلحة حزبه، فإنّه يعتبر أنّ من يعمل معهم في مؤسّسة دينيّة ويتعاون معهم من المؤمنين هم إخوته، وما دام الدّين ومصلحته نصب عينه، فإنّه لن يصبح هناك تصادم، ولذلك قالوا إنّ الأنبياء لو جعلوا في قرية واحدة فلن يتنازعوا ولن يتعاركوا؛ لأنّ الهدف واحد وهو دين الله§.

والاختلاف في وجهات النّظر أمر طبيعيّ جدّاً، بل عدمه هو النّادر القليل، ولكنّ هذا الاختلاف لا ينبغي أن يكون حاجزاً ومبرراً لعزوفي عن العمل التّطوّعيّ، فينبغي أن يكون لديّ بُعد نظر، وأُقدِّم مصلحة الدّين وأتغاضى عن مصلحتي وهواي؛ باعتبار أنّ العزوف عن العمل الدّينيّ لمجرّد الاختلاف في وجهة النّظر السياسيّة أو الاجتماعيّة هو ليس في مصلحة الشّخص بالنّظر إلى المستقبل والحقيقة والواقع.

نعم لا ينبغي إشراك من يخالف ويحارب خطّ العلماء ولا ينبغي الاشتراك معه؛ لأنّ الواقع أنّ من يقف في وجه العلماء هو يقف ضدّ المؤسّسة الدّينيّة في الحقيقة، فهو في الظّاهر يخدم المؤسّسة الدّينيّة، ولكن في الواقع يقف ضدّها ويحاربها ويعمل على هدمها من حيث يشعر أو لا يشعر.

17ـ العمل التطوّعي مفتاح التوفيق، ينبغي أن يدرك الذي يتطوّع بالعمل في المؤسّسات الدّينيّة للمجتمع، أنّه بذلك تفتح له أبواب الخير من غير أن يعلم، ولعمري إنّ بعض من يتعذّر عن العمل في المؤسّسات الدّينيّة، بحجّة عدم الوقت والانشغال، لو يدرك أنّ هذا العمل هو الّذي يسهم في بركة وقته ويجعله مباركاً، وبالتّالي ينجز أموراً كثيرة، في وقت قد لا يتوقّع نفسه بعد انتهائها أنّه أنجزها، وما ذلك إلّا لأجل البركة في الوقت، الّتي هي مسبّبة ونتيجة لأجل تطوّعه وخدمته للدّين والمجتمع.

كيف لا، وقد جاء في بعض الرّوايات أنّ الله§ في عون العبد ما دام في عون أخيه، وهناك بعض الرّوايات تذكر أثراً أُخرويّاً وهو الوقاية من ميتة السّوء.

وهنا تبركاً نذكر بعض الرّوايات في هذا الشّأن، فقد نُقل عن أبي عبد الله× أنّه قال: >صَنَائِعُ‏ الْمَعْرُوفِ‏ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ<[17].

وعن المفضل عن أبي عبدالله× قَالَ: >يَا مُفَضَّلُ، اسْمَعْ مَا أَقُولُ لَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ الحقُّ، وَافْعَلْهُ وَأَخْبِرْ بِهِ عِلْيَةَ إِخْوَانِكَ، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ وَمَا عِلْيَةُ إِخْوَانِي؟ قَال×: الرَّاغِبُونَ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ‏ إِخْوَانِهِمْ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ×: وَمَنْ قَضَى لِأَخِيهِ المؤْمِنِ حَاجَةً قَضَى الله§ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِائَةَ أَلْفِ حَاجَةٍ مِنْ ذَلِكَ، أَوَّلُهَا الجنَّةُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُدْخِلَ قَرَابَتَهُ وَمَعَارِفَهُ وَإِخْوَانَهُ الجنَّةَ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونُوا نُصَّاباً. وَكَانَ المفَضَّلُ إِذَا سَأَلَ الحاجَةَ أَخاً مِنْ إِخْوَانِهِ قَالَ لَهُ: أَمَا تَشْتَهِي أَنْ تَكُونَ مِنْ عِلْيَةِ الْإِخْوَانِ<[18].

والعجيب أنّ الملاحظ في بعض المجتمعات –بحسب الاستقراء الجزئي- أنّ الذين يخدمون الدين والمجتمع هم الأكثر توفيقاً من غيرهم، بل قد ينجزون أعمالاً أكثر من الذين يدّعون الانشغال وعدم الوقت.

بل الذين يخدمون الدين والمجتمع هم عِلية القوم، وكما ورد عنه|: >سيد القوم خادمهم<[19]، وبهذا المضمون أيضاً في روايات أخرى، وكما نقلنا رواية المفضّل عن الإمام الصادق× المتقدّمة، وغيرها من الروايات.

الخاتمة

إنّ العزوف من أخطر الظّواهر الّتي تنخر في المجتمع، ولهذه الظّاهرة آثار مهلكة على المجتمع والأمّة، حاضرها ومستقبلها، وهذه الظّاهرة لها أسباب كثيرة، فينبغي الوقوف على أسبابها واقتلاعها، ولا بدّ من النّظر قبل ذلك في الآثار؛ لعلّ ذلك يكون دافعاً لرفع هذه الظّاهرة والوقوف دون انتشارها في المجتمع، وهناك حلول كثيرة لهذه الظّاهرة الخطيرة ينبغي السّعي الجادّ في العمل بها؛ لكي يتعافى المجتمع منها.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كتاب العين، الفراهيدي، ج‌1، ص 359.

[2] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج‌4، ص 306.

[3] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص208.

[4] مستدرك الوسائل، النوري، ج15، ص226، باب 9 من أبواب النفقات.

[5] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص251.

[6] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص52.

[7] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص233.

[8] مستدرك الوسائل، النوري، ج12، ص71، باب67 من أبواب الجهاد وما يناسبه.

[9] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص354.

[10] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص544.

[11] هو قول مشتهر ولم أجد فيه رواية سوى ما فيه شجرة طوبى في المجلس السابع، قال|: >ما قام ولا استقامَ ديني إلا بشيئين: مال خديجة، وسيف علي بن أبي طالب< وعلى أيّ حال، فالمضمون صادق.

[12] بحار الأنوار، المجلسي، ج71، ص318.

[13] الكافي، ج2، ص65، باب التفويض إلى الله والتوكّل عليه، ح5.

[14] نهج البلاغة (للصبحي صالح)، ص 421، ومن وصية له× للحسن والحسين‘ لما ضربه ابن ملجمù، رقم الرسالة 47.

[15] مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل؛ ج‏12، ص230، باب 15 (استحباب إقامة السنن الحسنة وإجراء عادات الخير والأمر بها وتعليمها وتحريم إجراء عادات الشر)، ص 228.

[16] الكافي، الكليني،  ج‏2، ص 122، باب التواضع،  ح3،  (طبعة - الإسلامية).

[17] الكافي، الكليني، ج‏4، ص 28، باب أنّ صنائع المعروف تدفع مصارع السوء، ح1.

[18] نفس المصدر، ج 2، ص192، باب قضاء حاجة المؤمن، ح1.

[19] من لا يحضره الفقيه، الصدوق،  ج 4، ص378، رقم 5791.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا