الصلح مرّة أخرى

الصلح مرّة أخرى

من المسائل التي احتلّت مساحة وافرة ضمن الحديث عن الإمام الحسن المجتبى× وشخصيّته الفذّة وما اكتنف عصره من ظروف هي مسألة الصلح الذي كان من طلب معاوية، وكان ذلك بعد أن احتفّ بمعاوية أهل الشام وبالإمام الحسن أهل الكوفة وهذا يعني وجود انقسام في العالم الإسلامي إلى قسمين وخليفتين مبايعين!

الأول: في الكوفة وهو الإمام الحسن وهو الخليفة الشرعي الإلهي الذي لا شك في استحقاقه لهذا المنصب سواء نظرنا بالنظرة الشيعية وهي أنّه إمام منصوص على إمامته فلا بد من أن يكون بعد الإمام علي خليفة أو نظرنا بنظرة القوم ومنطق معاوية ومن سار على نهجه فالإمام الحسن× هو الأحقّ بالخلافة كونه الابن الأكبر لرئيس الدولة وعليه يكون ما فعله معاوية ما هو إلا انشقاق وفتنة أوقع الأمّة فيها.

والثاني: في الشام وهو معاوية الذي تمرّد على أمير المؤمنين× ومن بعده الإمام الحسن× ليبقى مسيطراً على الشام متّخذاً الأساليب المختلفة من الإعلام والإرهاب وغير ذلك ليغلق المجتمع الشامي على نفسه ويرسم الصورة الجمالية له ولآبائه ويشوّه صورة الإمام أمير المؤمنين× كي تسهل له السيطرة عليه ويبقي ملكه فيهم.

وهنا لا أريد الخوض في بنود الصلح وملابساته، لكنّي أقول:

* لم تكن مسألة الصلح مبحوثة في الآونة الأخيرة فحسب بل ـ لأهميّتها الشديدة- كانت تبحث في أزمان متقدّمة وبعضها معاصر للمعصومين أو بعدهم وألّفت فيها كتب لم تصل إلينا إلا أسماؤها ضمن ترجمات مؤلّفيها إلا أنّ بعضها كتبها من يتابع الإمام الحسن× وبعضها كانت لأقلام عبّاسيّة أو أمويّة كتبت هذه الكتب[1]... وهذا يعني أنّ مسألة الصلح كانت تشكّل زوبعة فكرية للبعض واستغلالاً سياسياً وعقائدياً لآخرين، وهي إلى اليوم لا زال يوجد من يستثمرها لما يريد من مآرب سياسية وفكرية وعقائدية.

* إنّ مسألة الصلح لا بد طرحها مكرراً لما لإغفالها من أثر سلبي على أتباع الإمام الحسن× إذ مع مرور الزمن وانتشار الدعايات المختلفة حول هذا الصلح التي تبرز -تجنّياً على الإمام- أنّه صاحب الشخصية الضعيفة جماهيراً وسياسياً وغير المؤهّلة لقيادة الأمّة بعد أمير المؤمنين× والحال أنّ شخصيّته× على العكس من ذلك تماماً، ويتّضح هذا لمن كان له قلب ونظرَ في التاريخ وكتب الحديث نظر إنصاف، ولذا ينبغي تكرار الحديث في هذا الأمر كيما تتضح الصورة أكثر من خلال الباحثين والخطباء والمحققين، وهذا لا يعني إغفال بقية الجوانب الحياتية من سيرة الإمام ولا يعني إغفال ما ورد من روايات وأدعية عنه× المحتاجة هي الأخرى إلى دراسات تحقيقية لاستخراج ما فيها من كنوز.

* لا زال في أمر الصلح الكثير من المباحث التي تحتاج إلى مزيد إشباع في البحث والطرح من قبيل:

ـ أنّ صلح الإمام الحسن أفيه إقرار بشرعية معاوية أم لا.

ـ هل كان الإمام الحسن ثورياً -بالمعنى المتبادر إلى أذهان الكثير- أم لم يكن كذلك وهذا ما يحتاج إلى استقراء كلّ ما ورد من خطابات منه× في المواقف المحتاجة إلى ذلك وكلّ الرسائل المختلفة التي بينه وبين معاوية بل حتى في حياة أبيه أمير المؤمنين× وموقفه من الحروب التي جرت في حياته.

ـ هل أنّ الإمام الحسن× كان في موقف قوّة أو ضعف عندما أقدم على الصلح.

ـ بعد الصلح هل وجدت انفراجات على الشيعة أم أنّها زادت[2].

ـ ألم يكن لأهل البيت^ من الأئمة اللاحقين حديث حول الصلح.

ـ ما هي الظروف الموضوعية للصلح بقراءة تاريخية للواقع الكوفي والشامي وكلّ من موقعية الدولة الإسلاميّة آنذاك والقدرة القتالية والحضور السياسي لها بين الدول الأخرى المجاورة ليتضح هل كان الصلح أسلم أم كانت الحرب في الدولة الواحدة أفضل.

ـ هل كان للصلح ذكر بعد موت معاوية حيث إنّ من بنود الصلح أن تنتقل الخلافة إلى الإمام الحسين×.

وغيرها من الأبحاث المهمّة التي نحتاج فيها إلى استنطاق ما في الكتب والمصادر كي يُعرف الأمر وتتجلّى الصورة أكثر ويرفع بذلك شيء من مظلوميّة الإمام الحسن×.

على أيّ حال

الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب× بالدليل القطعي هو الوصي من بعد أبيه خليفة على المسلمين، وهو الإمام المعصوم المفترض الطاعة قام أو قعد، ولا يصدر منه ما هو خطأ فما علينا إلا دراسة الوضع المحيط حوله دراسة منصفة لنصل إلى الحقيقة.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أما من هم من أتباع الإمام الحسن×: (صلح الإمام الحسن ومعاوية(لعنه الله) لأحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن السبيعي الهمداني 333ﻫ، قيام الإمام الحسن× لإبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي 283ﻫ، وغيرها). وأما أقلام غير الأتباع فمنهم (عوانة بن الحكم 158ﻫ، وسفيان بن عيينة 198ﻫ وغيرهم).

[2] توجد دعوى لأحد المحققين بأنّ العشر السنوات الأولى من الصلح كانت سنوات رخاء للشيعة بحيث كان بإمكانهم نشر علوم أهل البيت× بأريحية حتى في الشام التي كانت تحت سلطة معاوية، ولم يكن سبّ للإمام علي خلال هذه السنوات العشر، إذ "كلّ ما سجّل من الترويع والقتل والسجن والتهجير لشيعة الكوفة من قبل ولاة معاوية لم يكن قد وقع أيام الإمام الحسن× بل كان بعد وفاته، وهذا يعني أنّ عشر سنوات من حياة الحسن× بعد الصلح كانت سنوات أمان تامّ للشيعة لم يروّع فيها شيعيّ واحد" من كتاب الإمام الحسن في مواجهة الانشقاق الأموي للسيّد سامي البدري.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا