الصبر

الصبر

هذا بحث موجر حول صفة من الصفات المهمّة والمؤثرة على إيمان الإنسان وعلى حياته ومسيرته، ألا وهي صفة الصبر.

تعريف الصّبر لغة واصطلاحاً:

الصّبر لغة: هو نقيض الجزع كما في كتاب العين[1].

واصطلاحاً: هو مقاومة المكاره على الأعم من المحرّمات والمباحات, قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم}؛ أي: احبس نفسك معهم ولا ترغب عنهم إلى غيرهم[2]؛ فالصّبر حبس النفس على المكروه وتحمُّل ما ينوبها أو قسر النفس على مقتضيات الشرع والعقل أوامر ونواهي[3].

أقسام الصبر:

تقدّم في تعريف الصّبر أنّه: حبس النفس عن الهوى مع مراعاة تكليف المولى, وهو على أنواع وتقسيمات مختلفة. فعن أمير المؤمنين×: >الصّبر صبران: صبرٌ على‏ ما تكره، وصبرٌ عمّا تُحبُّ<[4]، ففي الأمور الاختيارية فهو إمّا على ما تكره النفس وإمّا على ما تحبه، والشّق الأول من الرواية عبارة عن مقاومة النفس للمكاره الواردة عليها وثباتها في مقابلها، وعدم تأثرها، وعدم انفعالها، وقد يعبَّر عن ذلك بالشجاعة وسعة الصدر أيضاً، والشّق الثاني عبارة عن مقاومة النفس لمدافعة القوى الشهوانية والغلبة عليها بالعقل والفكر.

وعنه×: >الصّبر إمّا صبرٌ على المصيبة، أو على الطاعة، أو عن المعصية<، وهذا القسم الثالث أعلى‏ درجة من القسمين الأوَّلين[5].

الصّبر في الإنسان قد يكون من طبيعته وجبلّته؛ فإنّنا نرى بعض الأفراد يصبر على ما يرد عليه من المكاره ويتحمّل من المشاق ما لا يقدر غيره على تحملها، وقد يكون بالاكتساب والمصابرة، وهذا أفضل من القسم الأول، وهو موضوع منازل السائرين إلى اللّه تعالى في سيرهم وسلوكهم، وأهم عمادهم في التخلية عن الرذائل، والتحلية بالفضائل، والتجلية بالتخلّق بأخلاق اللّه تعالى‏.

كما أنّ الصّبر عن الشي‏ء تارة يكون مع وجود المقتضي وفقد المانع خارجاً، وأخرى مع الميل النفساني وعدم المقتضي، وثالثة مع الميل ووجود المانع، وتختلف مراتب فضل الصّبر باختلاف هذه المراتب. وللصبر أنواع وأفراد كثيرة كلّها من الفضائل، ولكلّ فرد اسم مختص به، وضد كذلك: فيسمّى الصّبر في الحرب شجاعة وضدّه الجبن، وفي المصيبة الصّبر-قول مطلق- وضدّه الجزع، وفي الحوادث المضجرة رحابة الصدر وضدّه الضجر، وفي الكلام كتماناً وضدّه الإذاعة والإفشاء، وإن كان الصّبر عن المفطرات سمّي صوماً وضدّه الإفطار، وعن شهوة البطن والفرج سمي عفّة وضدّه التهتّك، وإن كان في كظم الغيظ والغضب سمّي حلماً ويضادّه التّذمّر، وقد سمّى اللّه تعالى كلّ ذلك صبراً، وأشار إليه سبحانه في قوله: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}[6].

عطاءات وثمرات الصبر:

هو أمّ الفضائل وأصل مكارم الأخلاق ومنه تتفرّع المواهب والمكارم؛ فكما أنّ (الحيّ القيّوم) أمّ الأسماء الحسنى ومنهما تتفرع سائرها، كذلك يكون الصّبر فهو حقيقة المقاومة مع المكاره والشهوات والمشتهيات، والاستقامة مع ما يرتضيه العقل والشرع من محاسن الأخلاق والوصول إلى المعارف والكمالات والمواظبة على الواجبات وترك المحرمات فهو طريق للوصول إلى الكمالات.

وقد اعتنى الله تعالى به اعتناءً بليغاً، فقد وردت مادة (صبر) في القرآن الكريم فيما يقرب من مائة موضع! ولم يرد فضيلة أكثر ذكراً منه فيه، قال تعالى: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ}[7]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[8]، وورد أمر الاستعانة في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ}[9].

إنَّ من أهم ما يعطيه الصّبر هي تلك العلاقة الوثيقة بين الصّبر والإيمان والتي عبّر إمام المتقين× عنها أنّها بمنزلة الرأس من الجسد! فعنه×: >.. والصّبر في الأمور بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا فارَقَ الرأسُ الجسدَ فَسَد الجسد، وإذا فارق الصّبر الأمورَ فَسَدت الأمور<[10]، وللرأس في الإنسان رئاسة البدن, والرأسُ مِن كلِّ شيءٍ أعلاه، يهديه إلى الهدف من طريقٍ سليم، ويَحفَظه من المزالق والمهاوي والسقوط، ومن هنا يتبيّن ولو بمقدار بسيط عِظم الصّبر بالنّسبة إلى الإيمان والعلاقة الوثيقة بينهما، وما قيمة الإيمان والدين بلا صبر -تعرف الأشياء بأضدادها-، فمع عدم وجود الصّبر نتصوّر الولوج في المحرّمات والجزع من البلاءات، والقنوط من رحمة الله، والخنوع والذلّ للسلطان، فكلُّ هذا من وراء عدم وجود الصبر!

وهذا ما يحتاج إلى تأمّل وعزم للمحافظة على الصّبر بعد معرفة أهميته، بل إنّ بعض النصوص عبّرت أنّه هو الإيمان فكأنّما هو روحه وحقيقته.

وقد أشار نبينا الأعظم| إلى عظيم منزلته لمّا سُئل عن الإيمان، فقال|: >هو الصبر<[11]! كما جعله جزء الإيمان، فقال|: >الإيمان نصفان؛ فنصف صبر، ونصف شكر<[12]، وقال|: >ما أعطي عطاء خيراً له وأوسع من‏ الصبر<[13].

من ثمار الصّبر النصر على الأعداء:

ومع كلِّ ما تقدّم فإنَّ على مقدار الصّبر تلقى الأجر, ربما يكون اختلاف الثواب والجزاء عليه في القرآن الكريم لأجل اختلاف درجات الصبر، فهو تعالى يخبر بأنّه: {يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}[14]، ومحبته تعالى لشي‏ء من أعلى المقامات وأجلها.

وأنّه مع الصابرين، فقال تعالى: {إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[15]، وأنّه بشّر الصابرين، فقال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}[16]، وأنّه خير لهم، فقال تعالى: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}[17]، وأخرى: يخبر بأنّ لهم الثواب الجزيل فقال تعالى فيهم: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}[18].

ويخبر تارة بمضاعفة الأجر لهم، فيقول تعالى: {أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}[19]، وأخرى: أنّ لهم الأجر بلا حساب، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}[20][21].

ومن الثمار أيضاً: أنّ الصّبر لولاه لانهار الإنسان، وغدا صريع الأحزان والآلام، من أجل ذلك حرّضت الآيات والأخبار على التحلّي بالصّبر والاعتصام به، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}[22].

وقال أمير المؤمنين×: >إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القَدرُ، وأنت مأزور<[23].

فكلُّ مقدّر كائن وواقع ولا مفر، فالصّبر خير ما استعمله الممتَحن فإذا لم أصبر فماذا أصنع؟ فإن جزعتُ جرّعتُ نفسي مرارتين، مرارة ألم البلاء ومرارة خسارة الجزاء، ولا أعين على نفسي بالجزع، فعن الإمام الصادق×: >لا تعُدّنَّ مُصيبةً أعطِيتَ عليها الصّبر واستوجبتَ عَلَيها مِنَ اللهِ ثواباً بمصيبةٍ، إنّما المُصيبةُ التي يُحرمُ صاحِبُها أجرَها وثَوابها إذا لَم يَصبِر عند نُزولها<[24].

تعرف الأشياء بأضدادها، ومن الواضح أنَّ ما يجرّد المرء من فضيلة الصبر، ويخرجه عن التجلّد، هو الجزع المفرط.

هل يضعفُ صاحب الإيمان والصبر؟

من آثار صبر المؤمن هو صموده وعدم تزلزله أمام الأعداء وإغراءاتهم؛ ففي كربلاء يتجلّى الصّبر وعدمه, فأمّا من صبر كان مثالاً لقول الإمام× >من كان باذلاً فينا مهجته موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا<[25]، فكلّ من كان مع الإمام الحسين× في يوم العاشر كان على هذا الوصف العظيم, فالإيمان ليس البكاء والمشاعر والألفاظ وحسب، وعدم الصّبر تحقق في عمر بن سعد "عليه لعائن الله" عندما لم يصبر على إغرائه بحكم الريّ ولو كان بسفك ريحانة ومُهجة الرسول الأكرم|.

عن الإمام زين العابدين×: >لمّا اشتدّ الأمر بالحسين بن علي نظر إليه من كان معه فإذا هو بخلافهم؛ لأنّهم كلّما اشتدَّ الأمرُ تغيّرت ألوانُهم، وارتعدت فرائصُهم، ووجبَت قُلوبهم، وكان الحسين وبعض من معه من خصائصهِ تُشرِقُ ألوانُهم، وتهدأ جوارحُهم، وتسكن نفوسُهُم<[26]، فعند تضايق حُلَقِ البلاء واشتدادها يظهر في قلب المؤمن المُتعلّق بالله لطفُ الله وقربه منه، بل قد لا تمرُّ عليه لحظات كتلك التي عاشها في أنسه مع الله في عمق البلاء، بل قد يطوي العبد في ذلك البلاء مسير عشر سنوات فيما لو تقرّب إلى الله بالأعمال الصالحة وهو في الرخاء.

وموقف آخر مع ابنة يعسوب الدين أم المصائب زينب÷، في جوابها على ذلك اللعين عندما قال لها: كيف رأيت صنع الله فيكم؟ فقالت÷: >ما رأيت إلاّ جميلاً<[27].

المعرفة أولى طرق الحصول على الصبر:

أوَّل ما يحتاج إليه المؤمن هو المعرفة وإدراك خطورة الشيء وبقدر معرفة أهمية الصّبر تكون العزيمة والهمّة، وهذا ما ذُكر ضمناً فيما تقدّم من علاقة الصّبر بالإيمان، وأنَّه بمنزلة الرأس من الجسد، وفيما عُرِض كان في غالبه مُنصبّاً على تكليف نفس العبد إلا أنّ هناك تكليفاً أكبر قد يقع على عاتق العبد بحمل مسؤولية أمّة، قد ينخدع الإنسان بحسن ظاهره ومدح الآخرين له متغافلاً عمّا في نفسه من ضعف صبر ويقين، ولكن لا يستيقظ من غفلته إلاّ عند وقوعه أو سقوطه في الامتحان.

والكلام عن الصّبر والبلاء وغيره ممّا يحتاج إلى الصبر شدّة وضعفاً هو بمرتبة من المراتب؛ تكلّمٌ عن الاستعداد للموت فعلاً، صحيح أنَّه لا يوجد قياس بين بلاء بمرض وبين سكرة من سكرات الموت إلاّ أنّه هناك من البلاءات ما تكون مصيريّة على دينه، بل وعلى مجتمعه كما حدث لصاحب الإمام الكاظم× وثقته محمد ابن أبي عمير عندما سُجن وعُذّب بصنوف الأنواع ليعترف بأسماء الشيعة، فالموقف خطير وحساس، وكما يُذكر في الروايات أنَّه كاد أن يعترف حتى أحسّ صاحبه الذي كان قبله بفترة موجوداً في نفس السجن وهو محمد بن يونس بن عبدالرحمن فقال له: اتقِ الله، فثبت، وفي قبال هذه الحادثة ما حصل مع شريح القاضي وما سببته شهادته في إخماد قبيلة هانئ بن عروة، والتي لولاها لأمكن أن تتغيَّر الكثير من الأمور في كربلاء وغيرها من الحوادث التي امتُحن فيها الشيعة مع حجّة زمانهم، فمن كان مستعدّاً للموت ذاكراً له في كل حين تسهل عليه كثيراً مسألة الصبر، فالعبد لا يعلم بأيّ امتحانٍ يبتلى، وطبعاً لن يكون هناك إنذار، ومن الغفلة ألاّ نستعد وكأنّ المخاطب به غيرنا.

والاستعداد للصبر والموت هو أيضاً استعدادٌ لنصرة صاحب العصر والزمان#، فما هو المقدار الواجب تحصيله من الإيمان والصبر؟ هل أكتفي بمستوى سطحي من الإيمان؟ هل أكتفي بعنوان محبّة أهل البيت^ وأنا لستُ أهلاً للاعتماد في دولة الظهور، ولا أعمل ما يُقربني إليهم، بل لا أعيش همّ الانتظار؟!

والابتلاء في زمان ظهور الإمام والاستعداد لدولته هو شيء عظيم، ففي رواية تبيّن شدّة الأمر في زمن الغيبة ما ذكر في كتاب الغيبة للنعماني عن الإمام الصادق×: >مع القائم من العرب شيءٌ يسير<، فقيل له: إنّ من يصف هذا الأمر منهم لكثير! قال: >لا بد للناس من أن يُمَحّصوا ويميّزوا ويغربلوا، وسيخرجُ من الغربالِ خلقٌ كثير<[28].

ومع هذا الامتحان الشديد يرى القارئ عجيب الأوصاف في أصحاب الإمام الحجة# الذين يظهرون معه، ولعلَّ من أهم أسباب ذكر أوصافهم هو حثُّ المؤمنين على السعي والاجتهاد للتأسّي بهم في تحصيل تلك الأوصاف، وهذه ثمرة عظيمة توصل المؤمن إلى مراتب عظيمة من الصلاح والقرب من الله§ لأنَّها تمثّل وسيلة لحثِّ المؤمنين ومنها:

هم المتوسّمون، رهبان بالليل ليوث بالنهار:

في بحار الأنوار أنّ الفضل بن شاذان روى عن الباقر× قال:

>كأنّي أنظر إلى القائم وأصحابه في نجف الكوفة، كأنّ على رؤوسهم الطير، قد فنيت أزوادهم، وخلقت ثيابهم، قد أثّر السجود بجباههم، ليوث بالنهار، رهبان بالليل، كأنّ قلوبهم زبر الحديد، يُعطى الرجل منهم قوة أربعين رجلاً، لا يقتل أحداً منهم إلا كافرٌ أو منافق، قد وصفهم الله تعالى بالتوسّم في كتابه العزيز بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ}[29]<[30].

ولا يخفى أنّه ليس في القاموس الإلهي إلاّ ميزان واحد، يقاس به الأفضلية، وهو الميزان الحقيقي وغيره ليست بموازين بل يتراءى أنّها موازين، فلا حقيقة لها ولا ثِقل فيها، وميزان الأفضلية هو (القرب إلى الله) قال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[31].

ومن الروايات التي تصف أصحاب الإمام# ما روي عن الإمام الصادق×: >أهل يقين وعبادة وولاية شعارهم يا لثارات الحسين<.

وروى الفضيل بن يسار عن الإمام الصادق× قال:

>لله كنز بالطالقان، ما هو بذهبٍ ولا فضّة، وراية لم تنشر منذ طويت، ورجالٌ كأنّ قلوبهم زبر الحديد لا يشوبها شكٌّ في ذات الله، أشدّ من الحجر، لو حملوا على الجبال لأزالوها، لا يقصدون براياتهم بلدة إلاّ خربوها، كأنّ على خيولهم العقبان، يتمسّحون بسرج الإمام× يطلبون بذلك البركة، ويحفّون به يقونه بأنفسهم في الحروب، ويكفونه ما يريد فيهم.

رجالٌ لا ينامون الليل، لهم دويُّ في صلاتهم كدوي النحل، يبيتون قياماً على أطرافهم ويصبحون على خيولهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، هم أطوع له من الأمة لسيّدها، كالمصابيح، كأنّ قلوبهم القناديل، وهم من خشية الله مشفقون، يدعون بالشهادة ويتمنّون أن يقتلوا في سبيل الله.

شعارهم: يا لثارات الحسين، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر، يمشون إلى المولى إرسالاً، بهم ينصر الله إمام الحقّ<[32].

وعن أبي عبد الله×: >من سرّه أن يكون من أصحاب القائم× فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإنْ مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه<[33].

طرق تحصيل الصبر:

بعدما تبيّن من أهميةٍ للصبر وأثره على بناء المؤمن, يأتي التساؤل في التحصيل لهذه الخصلة العظيمة والتوفر عليها، فأنا في خطر عندما لا أكون واجداً لها، عندما يبيّن أهل البيت^ بقولهم: >إن الصّبر صبران، صبر على البلاء حسنٌ جميل، وأفضل الصّبرین الورع عن المحارم<[34].

وإنَّ التفكير في عواقب الأمور أيضاً من الأمور النافعة جداً لتقوية الصبر، نذكر بعضها:

1- التأمل في مآثر الصبر، وما يفيء على الصابرين من جميل الخصائص، وجليل العوائد والمنافع في الحياة الدنيا، وجزيل المثوبة والأجر في الآخرة.

2- التفكَّر في مساوئ الجزع، وسوء آثاره في حياة الإنسان، وأنَّه لا يشفي غليلاً، ولا يردُّ قضاءً، ولا يبدّل واقعاً، ولا ينتج إلا بالشقاء والعناء.

3- تفهّم واقع الحياة، وأنّها مطبوعة على المتاعب والهموم:

طبعت على كدر وأنت تريدها        صفـواً من الأقـدار والأكـدار

فليست الحياة دار هناء وارتياح، وإنّما هي: دار اختبار وامتحان للمؤمن، فكما يرهق طلاب العلم بالامتحانات استجلاء لرصيدهم العلمي، كذلك يمتحن المؤمن اختباراً في أبعاد إيمانه ومبلغ يقينه. قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}[35].

4- الاعتبار والتأسّي بما عاناه العظماء، والأولياء، من صنوف المآسي والأرزاء، وتجلّدهم فيها وصبرهم عليها، في ذات اللّه، وذلك من محفزّات الصّبر والتحمّل.

ومن عوامل تحصيل الصّبر هي العبادة؛ فإنَّ الأئمة الأطهار^ مع درجتهم العظيمة التي لا يدانيها أحد من الخلق إلاّ أنّهم لهم بُعدٌ عبادي يعينهم على تكليفهم العظيم, فلا يُكتفى بالقول إنّ فلاناً صابراً، بل أيّ شخص يحتاج أن يستزيد للحفاظ على ملكة الصّبر وغيرها من الملكات، ومن طرق الاستزادة العبادة، وحتى علم أهل البيت^ فإنّه قد ورد في رواياتهم^ حاجتهم الدائمة للاستزادة من العلم، ولولا ذلك لنفد ما عندهم من العلم!

فعن أبي عبد الله× قال: >ما من ليلة جمعة إلا ولأولياء الله فيها سرور<، قلت: كيف ذلك جعلت فداك؟ قال: >إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله| العرش، ووافى الأئمة^، ووافيتُ معهم فما أرجع إلا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لنفد ما عندي<[36]، فإذا كان الإمام المعصوم× ينفد ما عنده كيف بغير المعصوم؟! وهكذا الأمر في تقوية الإيمان والملكات، ففي الكافي عن الصادق×: >كان علي× إذا هاله شيءٌ، فزع إلى الصّلاة، ثم تلا هذه الآية: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصّبر وَالصَّلاَةِ}[37].

وفي الفقيه عنه× أيضاً في الآية: >الصّبر الصيام، وإذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة، فليصم فإنّ اللّه تعالى يقول: اسْتَعِينُوا بِالصّبر والصَّلاةِ، يعني الصيام<[38].

وعن العياشي عن الصادق×: >ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غمّ من غموم الدنيا أن يتوضأ، ثم يدخل مسجده، فيركع ركعتين، فيدعو اللّه‏ فيهما، أما سمعت اللّه يقول: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصّبر وَالصَّلاَةِ}<[39].

خاتمة:

وأخيراً الصّبر لا يتحقّق إلا مع عقد القلب عليه، والعزيمة على الاستمرار عليه، وإلا فإنّ صِرف وجود الشي‏ء لا أثر له، وإنّما الأثر يترتب على البقاء وهو يحصل بالصّبر والمصابرة والاستقامة على تحمّل المكاره، ولذلك كان الصّبر من عزائم الأمور فقال تبارك تعالى على لسان لقمان الحكيم: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[40]، ولا مفرّ من البلاء والامتحانات في الحياة الدنيا، فإنْ جزِع العبدُ خسر الأجر، وفي نفس الوقت هو في أذى وألم ممّا هو فيه، وفي البلاء سقط الكثير؛ فكان البلاء محطة سقوط وانحراف عن الجادة، وآخرون كان لهم بمثابة التحوّل والانتقال من الظلمة والضياع إلى النور، والكثير ممن اهتدوا في بعض هذه المحطات يكون لهم استذكار دائم لما حصل لهم، بل لا يعدّونه أذى بل قد يوصفونها بأنّها من أجمل اللحظات؛ حيث شعروا بإحاطة وعناية المعبود لهم.

اللهم اجعلنا من خاصة شيعة محمد وآل محمد، ومن الآخذين بحقهم، مع إمام حقٍ تظهره، والحمد لله رب العالمين.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــ  
[1] العين، الخليل الفراهيدي، ج7، ص115.
[2] مجمع البحرين، الطريحي، ج2، ص577.
[3] أخلاق أهل البيتq، السيد محمد مهدي الصدر، ص150.
[4] نهج البلاغة: الحكمة 55.
[5] ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج1، ص319.
[6] سورة البقرة: 177.
[7] سورة هود: 115.
[8] سورة آل عمران:200.
[9] سورة البقرة: 153.
[10] الكافي، ج2، ص90 ، ح9.
[11] ميزان الحكمة، الريشهري، ج2، ص1556.
[12] تحف العقول، الحراني، ص48.
[13] مستدرك الوسائل، النوري، ج2، ص430.
[14] سورة آل عمران: 146.
[15] سورة الأنفال: 46.
[16] سورة البقرة: 155.
[17] سورة النحل: 126.
[18] سورة البقرة: 157.
[19] سورة القصص: 54.
[20] سورة الزمر:10.
[21] مواهب الرحمن في تفسير القرآن، ج1، ص219.
[22] سورة البقرة: 155- 157.
[23] نهج البلاغة، ج4، ص71.
[24] الكافي، الكليني، ج3، ص225.
[25] مثير الأحزان، ابن نما الحلي، ص29.
[26] معاني الأخبار، ج2، ص288.
[27] بحار الأنوار، المجلسي، ج45، ص116.
[28] كتاب الغيبة، ص212.
[29] سورة الحجر: 75.
[30] بحار الأنوار ج52، ص386، ومنتخب الأنوار المضيئة، ص195، وإثبات الهداة، ج3، ص585.
[31] سورة الأعراف: 8.
[32] بحار الأنوار، ج52، ص307.
[33] مستدرك سفينة البحار، ج6، ص191.
[34] الكافي، الكليني، ج2، ص91.
[35] سورة العنكبوت: 2- 3.
[36] الكافي، الكليني، ج1، ص254.
[37] الكافي، ج3، ص480.
[38] الكافي، ج4، ص63.
[39] مجمع البيان، الطبرسي، ج1، ص194.
[40] سورة لقمان: 17.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا