الخطاب الدينيّ: التحدّيات والأولويات

الخطاب الدينيّ: التحدّيات والأولويات

الملخّص:

تعرّض هذا البحث إلى موضوع الخطاب الديني والعولمة حيث إنّ التغييرات التي حصلت في العالم فرضت نفسها على كلّ شيء، وأوجبت إحداث تغييرات تواكب الحدث، فهل استجاب الخطاب الديني لهذه المتطلّبات؟ أم أغفلها؟ وكيف يمكن للخطاب أن يشق طريقه لمخاطبيه في زحمة الأطروحات والتحديات؟

وبَحَثَ في كتابةٍ نقدية عن سلبيات الخطاب، وحاول تقديم حلول لها، كما بحث حول المواضيع الأهم التي يجب أن تتصدر قائمة الأولويات للخطاب الديني.

 

المقدمة:

بسم الله الرحمن الرحيم

يعد الخطاب في الفكر الديني تكليفاً بالغ الأهمية، أوجبه الله سبحانه على أهل العلم، وجاءت الآيات والروايات مؤكدةً على أدائه، وإتقانه، ومحذّرةً من إهماله، فهو الأداة الرئيسية التي من خلالها تُبلّغ أحكام الله#.

قد بدأت مسألة الخطاب الديني تأخذ مداً نقاشياً اجتماعياً، وتداولاً ظاهراً بين مختلف الشرائح، وصارت المسألة حسّاسة، وكثر فيها التجاذب، وقد يصل الأمر للتجريح، والتسقيط، وهذا ممّا يتطلّب من المؤسسة الدينية مزيد عناية بالموضوع.

وتخصيص مجلة رسالة القلم هذا العدد لبحث ما يتعلّق بشأن الخطاب الديني يأتي في محلّ الحاجة الماسة لتقديم حلول لما تعانيه المؤسسة الدينيّة في ظل التطورات العالمية التي نعيشها، فشكر الله سعي القائمين عليها.

طرح العديد، من داخل المؤسسة الدينية وخارجها، قضية الخطاب الديني بالبحث، والنّقد، وكان لي متابعة بنسبةٍ ما لبعض النّدوات، والنّقاشات، والكتابات في هذا المجال، إلّا أنني لمّا قرأت كتاب القيادات الدينية [الخطاب والأداء الاجتماعي] لسماحة الشيخ حسن الصفار[1]، وجدت طرحاً مختلفاً عن السائد والمألوف، ووجدت محاولةً نقديةً صادقةً للمساهمة في البناء، وبمجرّد أن أنهيت الكتاب، بدأت بكتابة تلخيص للفصل المتعلّق بمسألة الخطاب، مساهمةً في تعميم الفائدة، فأرجو أن أكون قد وفقت فيما قصدت، وتلزمني الإشارة هنا إلى أنّي قد أضفت بعض العناوين الجانبية للملخّص وقد وضعتها بين هلالين تمييزاً لها.

الخطاب الديني والعولمة

استطاعت العولمة -بما تملك من أدوات- دفعَ الخطاب الإسلامي نحو دائرتها الموضوعيّة العالمية، وما كان هذا الدخول محسوباً ولا مخطّطاً له من قبل المسلمين، هكذا وجد المسلمون أنفسهم يشكّلون طرفاً من أطرافِ صراعٍ عالمي من خلال خطاباتهم!

فهذه الأحداث في بلدان المسلمين، وغيرها تدفع خطابات المسلمين نحو العالمية دفعاً، وتلك التفجيرات المحسوبة على الإسلام تلفّ الأنظار نحوناً أيضاً، وما تفجيراتُ 11 سبتمبر إلّا أوضحُ شاهدٍ على المدّعى، فقد وجّه الحدث أنظار العالم بأسره نحو المسلمين، وخطاباتهم، ومن جهةٍ أخرى فقد أصبحت وسائل الاتصال المتطوّرة متاحةً للجميع، ودخل الإسلاميون هذا العالم المتطوّر، فغدى صوتُ المسلمين عالياً يبثُ عبر الأقمار، وينقلُ عبر الشبكات.

(الخطاب الإسلامي ومعادلة العولمة)

هنا مع هذه الطفرة السريعة، والتطوّر العجيب، لا بُدّ من طرح أسئلةٍ في البين، تفرض علينا المسؤولية التوقّف عندها مليّاً، لنقدّم أجوبة شافية:

 ما هو مستوى العولمة في خطابنا الإسلامي؟

والمقصود بمستوى العولمة في الخطاب، هو مدى احتوائه على طرح يمسّ القضايا العالمية.

هل وصل خطابنا لمستوى التأثير، والتنظير، وتغيير المفاهيم، والتفعيل على المستوى العالمي؟

أم هو في مستوى ردّات الفعل؟

إنّ جزءاً من خطابنا قد دخل فعلاً لساحة العولمة، ولكنّ هذا الدخول لا يتعدّى المظاهر الشكليّة، وذلك باستخدامه للوسائل والتقنيات.

وهذا ممّا قد يُعطي المجال للتشكيك في قدرة الخطاب على الثبات أمام تحدّي الحضارات، والثقافات الأخرى، وفي صلاحيّته لتوجيه حياة الإنسان المعاصر.

حاجات الخطاب الإسلامي

فما هو الحلّ لهذا التحدّي الماثل؟

إنّ المشكلة تحتاج إلى علاجٍ تأسيسي تُبذل فيه جهودٌ كبيرة لوضع قواعد معرفية يمكن أن ينطلق منها الخطاب الإسلامي، وذلك من خلال توفير خمس حاجات:

أوّلاً: التوفّر على رؤية حول واقع العالم الجديد، والقراءة الموضوعيّة للمتغيّرات التي تطرأ على المجتمعات البشرية اليوم.

ثانياً: التفكير بعقلية منفتحة عنوانها مصلحة الجنس البشري، تدرك تداخل المصالح بين الأسرة الإنسانية، وتتلمّس الحلول والمعالجات لها.

ثالثاً: تجديد النظر والاجتهاد في الفكر والفقه الإسلامي على ضوء التطوّرات المعرفيّة، لأجل استنباط الأحكام حول مستجدات القضايا، وعدم الاكتفاء بآراء من مضى.

رابعاً: التواصل مع تجارب الأمم، والشعوب، والانفتاح عليها للاستفادة منها، والتفاعل معها، وهي دعوة من الحق#؛ إذ يقول: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}(الحجرات: 13).

خامساً: الاجتهاد في البحث عن أفضل أساليب العرض والتقديم لمبادئ الإسلام وتعاليمه، وهذه دعوة قرآنية؛ يقول الله تعالى: {ادْعُ إلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(النحل: 125).

الانتماء للعصر

في مثل هذا العصر، عصر التحدي، وعصر العلم، وزحمة الأفكار، وتوالي المعلومات، نتساءل:

كيف يمكن للخطاب الديني أن يشقَّ طريقه إلى إنسان هذا العصر؟

كيف يرقى خطابنا لمستوى المنافسة والتحدّي؟

إنّ أوّلَ شرطٍ تأهيليٍّ لمقبوليةِ الخطابِ الديني، يكمنُ في انتمائهِ لهذا العصر، بأن يستخدِمَ لُغته، ويعيشَ قضاياهُ واهتماماتهِ، ويستفيدَ من وسائلِهِ وتقنياته، إنّ تقدّم العلم، وتطوّر المعرفة هو مكسب للإنسانية، ودعم للفكرة الدينية، ولا يشكل عائقاً لانتشارها، إذ الحقائق العلمية تنسجم مع الثوابت الدينية، ولكنّ الجهل هو أكبر عائق للإنسان عن الهداية الدينية، لذلك يستعيذُ المؤمن من الجهل؛ {قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}(البقرة:  67).

وروي عن النبي|: >العلمُ حياةُ الإسلامِ، وعِمادُ الدينِ<[2].

فهذا العصر يعدُّ فرصةً غالية لتقديم القيم الإسلامية، وإيصالها لكلّ المسامع، إذ إنّ التّطور المعرفي منسجم مع الدين ومؤدٍّ إليه، وهذا ما يساهم في تهيئة المخاطبين لقبول الفكرة الدينية، فما هو العائق؟ وأين الإشكال؟

إنّ ضعف الإعداد والتحضير للخطاب يجعل المعالجة بسيطة، بينما الإعداد الجيد من المبلّغ المجد يمكّنه من الهيمنة على موضوعه، من خلال إشباع الموضوع بالأدلّة والشواهد المناسبة، فيتمكن من المساهمة في تقديم معالجاتٍ حقيقيّة للمشاكل والقضايا.

أنسنةُ الخطابِ الديني

للخطاب الديني مكانة رفيعة، وتأثير عالي المستوى في مجتمعاتنا الإسلامية، بحيث لا يضاهيه تأثير، فهو الذي يصوغ العقل الجمعي، ويوجه السلوك العام، ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ الخطاب الديني عبارة عن مرآة لصورتنا أمام الأمم والشعوب الأخرى، فمن متابعتهم له يشكلون انطباعاتهم ومعلوماتهم عنا، وعن ديننا، ومستوى ثقافتنا.

وعليه فحين نجد ظاهرة عجزٍ في العقل الجمعي، وظاهرةَ خللٍ في السلوك العام في أمتنا، وحين تهتزُّ صورة الأمّة على شاشة الرأي العام، فذلك يدعونا إلى مراجعة خطابنا الديني، فهو إمّا أن يكون مسؤولاً عن الخلل، أو مهادناً له، مكرّساً لوجوده.

إنّ علينا أن نفرّقَ بين الخطاب الديني، ونصّه، فالنص الديني: هو كل ما ثبت صدوره عن الله تعالى، وعن رسوله|، وهذا النص فوق المحاسبة لأنّه يحكي عن الله، وعن المصدر المعصوم، أمّا الخطاب فهو عبارة عمّا يستنبطه الفقيه، ويفهمه العالم والمفكر من النص الديني، وهو يعبّرُ عن مدى فهم قارئ النص الذي يمكن أن يصيب أو يخطئ، ويمكن أن تؤثّر بعض العوامل على مدى فهمه، كما أنّ قسماً كبيراً من الخطاب الديني لا يصدرُ عن فقهاء مجتهدين، بل من وعّاظ، وخطباء محترفين، وجهات تمتهن التصدّي للشأن الديني، بغض النّظر عن الكفاءة والنزاهة، وبذلك فالخطاب الديني قابلٌ للنّقد، والتقويم.

(من أبرز ظواهر العجز)

من أبرز الظواهر السلبية في مجتمعاتنا، ظاهرة تدنّي مكانة الإنسان، من هذه الأرضية ظهرت توجّهات غير سوية باسم الدين، وتحت شعارات إسلامية، وبتبريرات من النصوص الدينية، في حين أننا نجزم أن الدين بريئ من هذه الأفكار.

وعليه فبإمكاننا من خلال الفهم الصحيح والعميق مواجهةَ الخطاب غير السوي، فإنّ القراءة الصحيحة للنصوص تكشف عن اهتمام كبير بقيمة الإنسان وكرامته، وتعطينا قدرة على محاكمة الخطاب الديني المعاصر، وتقويمه.

إنّ تطوير خطابنا الديني إنسانياً ضرورة تحقق لنا التالي:

أوّلاً: إنجاز تقدم على مستوى التنمية الإنسانية في مجتمعاتنا.

ثانياً: النّجاحُ في صنع العلاقة السليمة مع الآخر داخل الأمّة والوطن، وفي الخارج مع سائر الأمم.

ثالثاً: الإسهام في خدمة القضايا الإنسانية على الصعيد العالمي، لتكون الأمّة بمستوى ما تتبنّاه من قيم.

إنّ القرآن يقدم الإسلامَ مشروعاً للإنسانية جمعاء: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين}(الأنبياء:  107)، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاس}(سبأ:  28).

فلا بُدّ لنا من خطابٍ يؤهّلُ الأمّة لهذا الدور، ويقدم الإسلام للعالم على هذا المستوى.

صنعُ المشاكل أم تقديم الحلول

تكتنف مجتمعاتنا مشاكلٌ كبيرة، وتحدياتٌ خطيرة، تبدأ من صعوبات التربية في زمن العولمة، وتدني تأثير الأسرة لصالح تأثيرات وسائل الاتصال المتطورة، مروراً بالتفكك الأسري، وتخلف التنمية، وانتهاءً بهيمنة الاستبداد السياسي، ونشوب الصراعات والنزاعات، وما تواجهه المجتمعات الإسلامية من العدوان الصهيوني، ومحاولات التغريب، والهيمنة من قبل الاستكبار العالمي، هذه التحديات تستوجبُ نهوضَ الأمّة لتجاوز واقعها والالتحاق بركب الأمم المتقدمة.

وإنهاضُ الأمة هي المهمّة الأساس للخطاب الديني، لكنّ المؤسف أنّ الخطاب الديني ينتج للأمّة مشاكل إضافية عبر إثارته للمشاكل التاريخية القديمة، مما يشغلها عن مواجهة تحديات واقعها الحالي، وليست هذه دعوى لترك التاريخ، فتاريخنا مليء بالأحداث التي تستحق الوقوف عندها ودراستها، ولكن هذا لا يعني أن نبقى في تلك الأزمنة، لتسيطر على خطابنا، وتبعده عن هموم الحاضر.

والملاحظ أيضاً أنّ بعض خطابات المساجد والحسينيات تأخذ منحى تعبئة جمهور المذهب ضد جمهور المذهب الآخر، وتخصّصت بعض القنوات في هذا لتثير الفتن، وتصبّ الزيت على النار.

إنّ حشوداً ضخمة في أمّتنا تجتمع في المناسبات الدينية لتصغي للخطباء والدعاة، مما يوفّر أفضل الفرص لتوجيه الناس، وحل مشاكلهم، وتعزيز القيم عندهم، وتحفيزهم نحو المعرفة والإنتاج، وبناء مستقبل أفضل.

أولويات الطرح في الخطاب الديني

هل الخطاب الديني ثابتٌ موحد في مختلف الظروف والمجتمعات أم أنّ تغيّر الزمان، والمكان ينعكس أثرهما على هذا الخطاب؟

لا شك في أنّ القيم والمبادئ الإسلامية في جوهرها تمتلك صفة الثبات، لكن الخطاب وهو أحد أساليب عرض هذه القيم لا بدّ أن يكون متغيراً ومتنوعاً من حيث أولويات التركيز، والمعالجة، وأسلوب الطرح والتناول، لتفاوت مستوى الناس، واختلاف الظروف التي يعيشونها.

فالتخاطب مع جمهور يختلف عنه مع النخبة العلمية، والحديث وسط تجمّع ديني يختلف عنه ضمن وسط غير ملتزم، وأجواء الحرب والقتال تفرض نمطاً خاصاً من الخطاب، بينما الظروف الطبيعة تقتضي لغةً أخرى.

لكل مجتمعٍ مشاكل وتحديات نابعة من طبيعة أوضاعه، وواقعه، كما لكل عصر قضاياه الناتجة عن تطور الحياة فيه، ولا يصح أن يتجاهل الخطاب الإسلامي تلك المشاكل والقضايا، أو أن يعالج الغابر من مشكلات الزمان ويغفل تحديات اليوم، وحتى بالنسبة للقضايا المشتركة بين مجتمعات الماضي والحاضر، كالمسألة العقدية فإن منهجية الطرح وأسلوبه لا بد من أن يختلف.

(تنوع خطابات الأنبياء)

نقل لنا القرآن أمثلة عديدة من خطابات الأنبياء، ويمكن للملاحظ أن يرى بوضوح اختلاف خطابات الأنبياء في نقطة التركيز، ومحورية الطرح -رغم أنّ هدفهم واحد وهو الدعوة لتوحيد الله وطاعته- وذلك حسب اختلاف أوضاع شعوبهم ومجتمعاتهم.

فنبي الله إبراهيم× تركّزت خطاباته على الوثنية، وعبادة الأصنام، أمّا نبي الله موسى× فقد تصدى من بداية دعوته لمواجهة الاستبداد، رغم وجود الأصنام والأوثان في عصره، بينما نجد أنّ خطابات نبي الله لوط× تركزت حول الشذوذ الجنسي والانحراف الأخلاقي، إنّ هذا التنوع والاختلاف في خطابات الأنبياء لا تفسير له إلّا اختلاف الظروف الاجتماعية التي كانت تعيشها المجتمعات.

ويمكننا أن نجد هذا الاختلاف في خطابات نبي واحد، وذلك لنفس التفسير السالف، كما ونجد أنّ خطاب الرسالة الإسلامية يختلف، فآيات القرآن مثلاً تختلف مواضيعها حسب مواضع النزول، فالقضايا التي تناولتها الآيات المكّية تختلف عن قضايا الآيات المدنية.

تأسيساً على ما سبق فإنّ على الدعاة والخطباء الإسلاميين أن يراعوا تحدّيات عصرهم، ومسائل واقعهم فيتتبّعوا التطورات العلمية، والتيارات الفكرية، والمشاكل الاجتماعية، ليكونوا أقدر على التوجيه المناسب، وتقديم الحلول النافعة.

صحيح أنّ وجود التوجيه الديني العام أمر مفيد، لكنّ ذلك لا يملأ فراغ الحاجة إلى أطروحات وبرامج فكرية تجيب على التحديات التي تواجه المجتمع في واقعه السياسي والثقافي والاجتماعي، وتمكّنه من تجاوز الصعوبات، ورفع حالات الضعف، ويمكن ملأ شيء من الفراغ عبر نقل تجارب وأطروحات المجتمعات الأخرى، مع ملاحظة الخصوصيات المختلفة.

الخطاب الديني والتحديات الداخلية

كان التحدّي الأكبر للخطاب الإسلامي في فترات سابقة هو التحدّي الخارجي الذي تمثّل في الأفكار الدخيلة، فمع بداية القرن التاسع عشر الميلادي التفت العلماء، والخطباء لخطر التبشير الذي تحرّك في العالم الإسلامي في ظلّ الاحتلال الأوربي، والذي صاحبه نشاط كبير للمستشرقين كان غرضهم بث التشكيك في قلوب المسلمين بالدين الإسلامي.

وفي بداية القرن العشرين بدأت معركة أدهى من سابقتها، وتحدّي أكبر من فكرة التنصير، ألا وهي الفكرة الشيوعية التي دخلت العالم الإسلامي وامتدّت فيه، وعمد مبلّغوها لرفع شعارات برّاقة للمسلمين الذين كانوا يعانون من الظلم، والتخلّف، وحرّضوهم على نبذ الدين وتركه لأنّه سبب جمودهم، فتوجّه الخطاب الإسلامي نحو الرد عليهم، ودحض أفكارهم، فكانت فترةً عصيبة انتهت مع نهاية القرن العشرين بانحسار المدّ الشيوعي، وبروز طلائع الصحوة الإسلامية.

ومع أنّ هذه التحديات الخارجية لا زالت موجودة بنسبةٍ ما، وأبرز ما تتمثل فيه الحرب الإعلامية الثقافية على الإسلام بوصفه دين إرهاب، فإنّي لا أراها أكثر خطورة من التحديات الداخلية، فإنّ التحديات الداخلية على درجة من الخطورة تستلزم أن تُجعل على أولويات لائحة المهام أمام الخطاب الديني، ولا بد من الارتقاء لمستوى مواجهتها، ولعلّ أبرزها، يتمثل في التالي:

أولاً: إنتاج ثقافة التنمية والبناء

لقد نجح الخطاب الديني في دحض الأفكار الخارجية، وإرجاع الناس إلى دينهم، وهذه مرحلة الهدم، والتقويض، وتبقى مرحلة أخرى تليها، ألا وهي مرحلة البناء، فإنّ واقع المسلمين ينشد ارتقاءً في ميادين السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، ويفتقر دفعاً نحو المعرفة، وتنميةً للأخلاق، إنّه يبغي التنمية، فكيف للخطاب الديني أن يقود هذه المعركة؟

هذا ما يتطلّب إجابة، وبرامج عمل، وآليات تنفيذ، وثقافة حركة وإدارة.

ثانياً: العلاقة الإيجابية مع الآخر

المصالح اليوم أصبحت متشابكة، والصراع لا يمثل استراتيجيةً دائمةً، كما أنّ رسالة الإسلام رسالة رحمة وخير للبشرية جمعاء، من هذا المنطلق لا بدّ لنا من إنتاج خطاب يساعد على الانفتاح على الآخرين، ولا بدّ من نشر ثقافة نحو العلاقات الإيجابية مع الغير، وتجاوز آثار النزاعات الماضية، وحصرها مع الجهات المباشرة للعدوان، دون استعداء للعالم أجمع، وفتح أبواب لصراعات دينيّة، وحضارية.

والأكثر إلحاحاً هو حاجة الأمّة لثقافة التعايش والقبول للآخر الداخلي، حيث لا تزال منطقتنا الإسلامية تعيش آثار صراعات الآباء والأجداد في القرون الأولى لتاريخ الأمّة، والتي تتفجر على شكل فتن ونزاعات طائفية، كما لا يزال التنوّع الطبيعي بين أبناء الأمة يمثل عائقاً عن اتحادها.

ثالثاً: ترشيد التوجّهات والممارسات الدينية

الإقبال على الدين، وتنامي المعنويات الدينية قد يهيئ الأرضية نحو بروز حالات الغلو، ومع عدم امتلاك بعض القوى الدينية لبرامج وآليات جديدة تتناسب والعصر، فقد تضطر لإثارة المشاعر الدينية للناس لأجل تعزيز موقعها قبال القوى الإصلاحية، وهذا ممّا يسبب في انتشار حالات الغلو الخطيرة.

إنّ خطر الغلو بالغ الخطورة، ولذا حذر سبحانه الأمم السابقة منه، فقال عزّ من قائل: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إلاَّ الْحَقِّ}(النساء:  171).

وتبرز أهم مظاهر الغلو في التالي:

أ- تحريف المفاهيم، وإفراغ الأحكام الدينية عن مضامينها، لأجل البقاء عندها وملازمتها بعنوانها، ممّا ينتج حالات طقوسية فارغة، تفرز إشباعاً زائفاً لدى الأفراد بأداء الواجب.

ب- الاستغراق في الجوانب الغيبية على حساب العقل، ممّا عزّز حالة التواكل، والكسل عن المعالجات الواقعية لمشاكل الحياة، وفتح أبواب الشعوذة والدجل التي تدعي القدرة على حلّ المشكلات النّفسية، والاجتماعية.

ت- تشجيع التطرّف والتشدّد تجاه الآخر الخارجي والداخلي، انطلاقاً من تفاصيل الخلافات، وإغفال مساحات الاشتراك، ولقد فُتحت لهؤلاء القنوات التلفزيونية ليبثّوا سمومهم في جسد الأمّة، والعالم.

ج-ممارسة الإرهاب الفكري، عبر مصادرة حقوق الآخرين في إبداء الرأي، ووصمهم بالمروق والابتداع، ممّا يوقف حركة التطوير.

إنّ هذه التحديات تستنهض همم علماء الأمّة لرفع أعباءها، وتوجيه خطاباتهم نحو التصدّي لمثيريها، وتوعية جماهير الأمّة بخطأ منهج هؤلاء، ولا شك في أنّ هذه المهمّة فيها من الصعوبة الشيء الكثير، لأنّ دعاة التشدد يلعبون على إثارة العواطف، مستغلّين بعض المواد الدينية التي وردت في التراث، فيبرزون بذلك أنفسهم أنّهم حماة الدين وحفظته.

الدعوة على بصيرة

أهم صفة لخطاب النبي| جاءت في القرآن الكريم هي البصيرة؛ {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}(يوسف:  108).

والبصيرة من البصر والإبصار فكما يحتاج الشخص إلى البصر ليتمكّن من السير بسلامة، ويتلافى الضياع، والسقوط في الحفر، فكذا يحتاج إلى المعرفة والوعي لتقييم أفكاره، وآراءه، والتمييز بين مسالك الخير، ومهاوي الشر والفساد، وهذه هي البصيرة.

والداعي على بصيرة يتصف بصفتين:

الأولى: اطمئنانه لفكرته ووضوحها عنده، حيث لا يصح للداعي أن يطرح فكرة لم يجتهد في تحصيلها، ولم يطمئن من صحتها، واشتهار الفكرة ليس مبرّراً لكونها صحيحة أو قابلة للطرح.

الثانية: معرفة الواقع الخارجي الذي يلامسه الطرح، فليست كلّ فكرة قابلة للطرح في أيّ مكان، وزمان، ولعلّ المراد من الحكمة في الآية: {ادْعُ إلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ}(النحل: 125)، هو اختيار القول المناسب للموقع المناسب.

من هنا يحتاج الدعاة إلى الاطلاع على ظروف مجتمعاتهم، وتقييمها لينطلق خطابهم من خطة مدروسة وفق معطيات واقعية، ويركّزوا على الأولويات.

الإصلاح الثقافي ومداراة الجمهور

عملية الإصلاح الحقيقية لا تقبل المحاباة والمسايرة للخطأ، ويبدو للمهتم بساحة الخطاب الديني، وجود ظاهرة لمسايرة الخطأ، إذ إنّ عدداً غير قليل من الدعاة يجدون أنفسهم مضطرين للتظاهر بقبول بعض الأفكار في العلن، بينما يبوحون لبعض المقربين في الجلسات المغلقة عمّا في قرارة أنفسهم من خلاف.

ولهذه الظاهرة أسباب، ومبررات، لعلّ أبرزها:

1-مراعاة الجانب السياسي، فيما يرتبط بالآراء المخالفة لتوجهات الحكومة، وذلك تجنّباً للصدام معها.

2-الحذر من التقليديين الذين يتحسّسون من أي رأي مخالف للتقاليد، ويواجهون صاحبه بالابتداع.

3-الخوف من رد فعل الجمهور، الذي تربى على الموروثات، ولا يتقبل ما يخالفها.

لمثل هذه التبريرات يسكت هؤلاء العلماء عن الحقائق، إيثاراً للسلامة، وقد يبرّر البعض موقفه بالقول إنّ ما يتوخى إصلاحه بالتصريح والبيان قد يضاعف الواقع سوءاً!

ومع وجاهة بعض هذه التبريرات، إلّا أنّ هناك أبعاداً يجب أخذها بعين الاعتبار عند المعالجة:

أولاً: المسؤولية الشرعية التي تحمّل العلماء بيان الأحكام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعدم المداراة على حساب الشرع، وقد وردت في المقام آيات وروايات كثيرة، حذّرت بلسان شديد من يتركون هذه الوظيفة، وتوعّدتهم بالعذاب الشديد، ويبدو أنّ صعوبة الوظيفة التي قد يسكت العالم بسببها عن البيان، هي التي أوجبت شدّة التحذير.

يقول تعالى: {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(البقرة:  174).

وروي عن رسول الله|: >إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه فمن لم يفعل فعليه لعنة الله<[3].

إنّ سكوت العلماء يغري الجهال بجهلهم، ويغريهم نحو مزيد من الانحراف، فلا بدّ من الكلمة.

ثانياً: إدراك طبيعة التدافع الاجتماعي في مختلف الجوانب، ينبغي أن يحفّز الدعاة على البيان والثبات، حيث إنّه لا توجد جنبة إلّا وبها صراع قوى، وتجد القوى المقابلة الفرصة سانحة للهيمنة على الساحة عندما يصمت دعاة الحق الذين قد يظنّون أنّ وجود عدة آراء حالة سيئة، بينما هي حالة صحية.

إنّ ما يجري من صراعات لاختلاف الآراء هي حالة خاطئة، لنئ تتصوّب ما لم يمارس أصحاب الرأي الآخر حقهم في إبداءه، وبيان طبيعية الحالة الاختلافية.

ثالثاً: هناك تطوّر واضح في المستوى الوعي عند أبناء الأمّة، فقد انفتح العالم على بعضه، وصارت الناس مهيأة أكثر لتقبّل الآراء الأخرى، ولذا على المصلحين إدراك هذا الوضع الجديد والمراهنة عليه، ولكنّ أيّ تجديد لا بدّ له من تضحية، ومستوى من الثبات، مع التزام الحكمة، وترشيد الأساليب.

إشارة: المراد من الأمور الدينية مورد البحث هي المتغيرات، الواقعة موقع البحث والنقاش، لا الثوابت الدينية فإنّها خطٌ أحمر لا يسمح الالتزام الديني بتجاوزها.

الخطابة الدينية وعناصر الإتقان[4]

لا يخفى مدى تأثير بواعث الإنسان على عمله، فكلّما كانت دوافعه نحو العمل خالصةً كان نتاجه أكبر، وكان إلى النّجاح أقرب ممّا لو كانت عنده دوافع مشوبة بالمصالح الخاصّة، وتبدو هذه الحقيقة أكثر ظهوراً في الأعمال التي لها صبغة دينيّة، وعلى هذا الأساس يكون لزاماً على العاملين في الحقل الديني إظهار أكبر قدر من التجرّد والإخلاص لله، لتحظى أعمالهم بالقبول منه سبحانه، ثم تكون مباركة الله عاملاً أساسياً في نجاح العمل.

منطلقات الخطيب وأهدافه

الخطابة الدينية عملٌ عبادي لا بدّ وأن يمارس على أساس البواعث السليمة فقد يستهدف البعض من الخطابة الوصول لأغراض خاصّة: كالشهرة، أو كسب المال، لكن هذه الأهداف ليست المنطلق الصحيح للمتديّن الصادق، والمؤمن إنّما يتطلّع إلى ما هو أسمى من بواعث ومنطلقات تحفّزه نحو الخطابة، ومن أهمها:

الاستجابة لأمر الله تعالى، فالخطابة تكليف، يقول سبحانه: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}(آل عمران: 104).

لكنّ ما يؤسف عليه هو أن تغيب هذه الحقيقة من أذهان البعض فتسيطر عليه أجواء المصلحة، حتى تصبح الخطابة مهنة لهم، وسبباً للارتزاق لا غير، والبحث عن الرزق أمر طبيعي، لا عيب فيه، ولا حرمة، فضلاً عن كونه من الضروريات، ومستلزمات الإبداع في العمل.

وعليه فلا بد من أن تتحمل المؤسسة الدينية مسؤولياتها تجاه المبلغين، وكلنا يعلم أنّ مبلغي وخطباء المذاهب الأخرى ينتسبون إلى وزارات ومؤسسات تتكفّل تأمين معاشهم، بينما أصرّ أتباع أهل البيت^ على ألّا يرتبطوا إلّا بالمرجعية الدينية، حرصاً منهم على استقلال الشأن الديني، وخوفاً من أن تملى عليهم بعض المواقف مقابل الاستحقاقات، وهذا المنحى الاستقلالي هو الذي يوجب على المؤسسة المرجعية القيام باحتياجات المبلغين، والخطباء، ليتفرّغوا لأداء مهامهم.

ولا يفوتنا هنا أن نتوجّه للخطباء، والمبلغين ونذكرهم بكلّ حب واحترام بعدم استغلال بعض النواقص، فلا ينسوا أنّهم رجال مؤمنون يحملون هموم دينهم، وطموحات الرسالة، ويؤدّون عبادة مقدّسة لا ينبغي التهاون فيها لأجل بعض المصالح.

فعلى المبلّغ أن يذكر دائماً أنّه يقوم بعمله لله، وهذا ما يشكل له أساساً في عمله التبليغي.

الوعي بالتحديات

أمّا المنطلق الثاني فيتركّز في وعينا لخطورة التحدّيات الراهنة، اتسعت اليوم دائرة التحدّيات حتى شملت هويّتنا الثقافية، ووجودنا، وما علينا إلّا شحذ طاقتنا للوقوف بوجه الخطر الداهم، ولا بد من المراهنة على النّوعية بالنسبة للعمل الدفاعي الذي نعزّز به موقعنا، ومن أهم العناصر الجوهرية في قوّة العمل تمتّعه بالإخلاص، والصدق، والإتقان حتّى نستثير الكوامن الروحية قبال الفارق النوعي.

 إتقان الخطاب الديني

إنّ المعادلة التي تحكم حركة العالم اليوم ليست في قولنا: نعمل أو لا نعمل، فضرورة العمل مفروغ منها، إنّما يتركّز الكلام في مدى جودة العمل، فإنّ موازين الأعمال في عالم اليوم في مدى احتواءها على عناصر الجودة، وهذه المعادلة هي التي تتبارى فيها الدول، فالكل ينتج، وهذا مهم، ولكنّ أيّ نتاج يتقدّم، ويتصدّر؟ هذا هو الأهم، فالعبرة بالكيف.

في وقتنا الراهن اتسعت حلبة التنافس، فتجاوزت مجال الصناعة وجودتها، فإطلالة على المشهد الإعلامي والثقافي كافية ليدرك الواحد منّا أنّ المنافسة في الإعلام واقعة على أشدّها من أجل تقديم أفضل مادّة من حيث التأثير والاستقطاب، وبالنّظر لمجتمعنا نجد أنّنا وسط هذه المنافسة مستهدفون بها، فضحايا هذه المنافسات هم أجيالنا، فقد صار من الطبيعي أن يتلقّى هذا الجيل أفكاره من الإنترنت، كما يتلقّاها من الحسينية، والمسجد، فنحن نعيش حالة التنافس شئنا أم أبينا، وهذا ما يفرض علينا جهوداً إضافية لرفع مستوى خطابنا، وتطوير آلياتنا لنكون رقماً مؤثّراً في هذا الصراع الشامل الذي يمثّل الجانب الثقافي والفكري أهم ساحاته، وأيّ تقصير أو قصور يعني إتاحة مجال أوسع لمنافسينا في الاستحواذ على أبناءنا، وعلينا أن نكون بقدر التحدّي، فلم تعد القضية أنّني أرتقي منبراً وألقي خطاباً، وإنّما صار ما يتضمّنه الخطاب من عناصر التأثير هو الأهم في هذا النشاط.

وحينما نرجع إلى ثقافتنا الإسلامية، فإنّنا نلتقي بنوعين من التأكيدات في المقام، أحدهما يحثُّ على العمل مطلقاً كما في قوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}(التوبة:  105).

بينما دفعت نصوص أخرى نحو إتقان العمل، كقوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(الإسراء: 53).

وهذه الآيات صريحة في المطالبة برفع مستوى الخطاب إلى أفضل درجة، وأحسن نوعية، وهكذا أيّها الإخوة العلماء والمبلّغون، إنّ النصوص الإسلامية تؤكّد على جودة العمل كتأكيدها على أصل العمل.

ونخلص من هذا الموجز بالقول: إنّه ليس من الصحيح أن نخطب كيفما اتفق، ولا نرتضي لأنفسنا إلّا بإتقان خطاباتنا والإعداد لها، والتفكير في عناصر قوّتها، وإبعاد كلّ عناصر الضعف عنها، وذلك ما يفجّر المواهب ويرفع من مستوى المبلّغ.

عوامل الإتقان

بعد أن عرفنا قيمة الخطاب، وأثره على المخاطب، نتساءل الآن عن أهم السبل الدخيلة في إعداد الخطاب، ورفع مستواه، ويمكننا تقديم إجابة من وحي التجربة، والملاحظة، ملخصة في ثلاثة عوامل:

العامل الأول: سعة أفق الخطيب ثقافياً ومعرفياً

كلّما كانت ثقافة الخطيب أوسع، ومعارفه أعمق، كانت قدرته على إتقان الخطاب أكبر، ويؤسفنا القول إنّ البعض منّا -نحن طلبة العلوم- لا يجهد نفسه في كسب المعرفة، والاطلاع الثقافي، يقول الأمير×: >الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم<[5] واشتقاق كلمة الجهاد على ما يقرّره اللغويون: إمّا من الجَهد: التعب، أو الجُهد: بذل الوسع، ولذلك على من يريد أن يمارس الخطابة أن يعلم أنّه يمارس جهاداً، ومقتضاه أن يُتعب نفسه، ويفرغ وسعه في الاستعداد له، ونحن نعيش في زمان مثالي من ناحية توفّر وسائل المعرفة، مقارنةً بأسلافنا، والمؤمن مدعو لبذل جهود إضافية لمضاعفة عمله، فإذا نظرنا لجانب العبادة والصلاة مثلاً فالنصوص لا توقفنا على عنوان الصلاة فحسب، بل تحثّنا على الإتيان بالمستحبّات، والتعقيبات، بذل الجهد مطلوب في كلّ المجالات طلباً للكمال والإتقان، وطالب العلم في الحوزة لا ينبغي له أن يقتصر على المنهج المدرسي فقط، فهذا الحد الأدنى، ويبقى الميدان مفتوحاً لطلب العلم، وتوسعة الثقافة، وهذا هو العامل الأوّل لإتقان الخطاب.

العامل الثاني: تعرّف خصوصيات المخاطَبين

من العوامل المهمّة لإتقان الخطاب معرفة خصوصيات المجتمع الذي سيتم فيه الخطاب، فإنّ لكلّ مجتمع ظروفه، ومشاكله، ومستواه، فإذا أراد الخطيب أن ينجح في تبليغه، ويتجنّب الوقوع في الهفوات، فعليه أن يكيّف الخطاب بما يتلاءَم وأجواء المخاطَبين، روي عن إمامنا الباقر×: >العامل العارف بزمانه -وفي نصّ: العارف بأهل زمانه- لا تهجم عليه اللوابس<[6].

ومن الأمثلة الواضحة في هذا الشأن ما ورد من اختلاف في خطابات الأنبياء^، وكذا ما جاء من اختلاف بين الآيات المكّية، والمدنية في القرآن الكريم، كل هذا يدلّ على مدخلية الزمان والمكان في تحديد نوع الخطاب، وأسلوبه، فعندما تكون مبلّغاً في سوريه فوضع خطابك سيختلف عمّا لو كنت في الهند مثلاً، ومن تبرز قيمة التشخيص الذي يقوم به المبلّغ لمجتمعه، وجدير بالذكر أنّ المبلغ قد لا يتمكّن من إنجاز هذه المهمّة لوحده، فيأتي هنا دور المؤسّسة التبليغية لتزوّده بالتفاصيل والمعلومات اللازمة.

العامل الثالث: حسن الإعداد والتحضير للخطاب

علمتنا التجربة أنّ الخطاب الذي نستعدّ له، يكون له طيب الأثر في نفوس السامعين، بينما لا يأتي الخطاب الارتجالي الفاقد للإعداد والتحضير بنفس النتائج، وإنّني أشعر بنفسي قبل الآخرين بضعف هذا الخطاب، ومحدودية تأثيره، ولذا على الإنسان أن يستعد لكلّ حديث، وإن كان فرديّاً، فتحديد كيفية البدء، ومواطن التوقف، والانطلاق، مما يساعد على نجاح الخطاب، وكلّ إنسان يريد لعقله أن يُحترم، ولكلمته أن تُسمع عليه ألّا يغفل هذا الأمر.

ولذلك ورد عن الأمير×: >لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه<[7].

فالإنسان المؤمن يجب أن يستعدّ جيّداً لما سيتكلّم فيه، وممّا ينقل عن الشيخ الخطيب محمد تقي فلسفي+ وهو من كبار خطباء هذا العصر: أنّه لا يلقي خطبه، ومحاضراته قبل أن يستعد لها بالتحضير لمدة لا تقل عن ثمان ساعات، ولذلك فلا مجال للاستهانة، والتكاسل فيما يخصّ التهيؤ لكلّ عمل مهما كان حجمه، خصوصاً وأنّا نعيش في زمن تتوفّر فيه كلّ الإمكانيات والوسائل.

إذا اجتمعت عند الخطيب هذه العوامل الثلاث: التفكير، ومراجعة المصادر، والتشخيص للواقع، استطاع أن ينتج خطاباً متقناً، ينطوي على كثير من عناصر التأثير، ويخلو من نقاط الضعف، والسلبيّة.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الشيخ حسن موسى الصفار عالم دين، غنيٌّ عن التعريف إذ يعدّ أحد الوجوه الدينية، والإصلاحيّة البارزة على مستوى العالم الإسلامي، ويتميّز في طرحه بالموضوعية، والسعة، وعدم الانفعال، والتجريح للآخر.

[2]  كنز العمال، حديث 28944.

[3]  وسائل الشيعة. ج16، ص 269، ح 21538.

[4] كلمة ألقاها سماحة الشيخ حسن الصفار في مؤتمر التبليغ الديني في الحوزة العلمية بمنطقة السيدة زينب÷ بدمشق بتاريخ 8/7/2003م.

[5]  شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج17، ص5.

[6] الكافي، ج1، ص27، كتاب العقل والجهل، ح29.

[7] وسائل الشيعة، ج15، باب 33 من أبواب جهاد النفس، ح3.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا