الثورة الحسينيّة

الثورة الحسينيّة

حاوره: أسرة المجلة

 المقدّمة:

كلّما تقادم الزّمان كان للثورة الحسينيّة الحضوة في إنارة الطّريق، والهداية لكلِّ من أراد النّهل منها لما فيها من شدّة ذوبان في الإسلام الأصيل؛ حيث انعكست فيها مفاهيمه وقيمه ورسالته.

في هذا الحوار مع سماحة العلامة الشّيخ محمود حسن العالي ~ نسلّط الضّوء على شيء من نور هذه الثّورة، وعن سبل التعامل الأصلح معها مع طرح تساؤلات عامّة فيها، وهذا سيكون واقعاً في محاور ثلاث:

المحور الأوّل: حول الثّورة الحسينيّة والتّعامل معها.

والمحور الثّاني: حول الشّعائر الحسينيّة لمعرفة ضوابطها وحدودها.

والمحور الثّالث: حول مجموعة من التّساؤلات العامّة الّتي تثار بين الفينة والأخرى. فإلى هذا الحوار الشّيّق. 

المحور الأوّل: الثّورة الحسينيّة والتّعامل معها

* ما هو موقع النّهضة الحسينيّة من منظور إسلاميّ؟

بسم الله الرّحمن الرّحيم، والصّلّاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيّدنا وحبيب قلوبنا محمّد وأهل بيته الطّيبين الطّاهرين، واللعنة الدائمة المؤبّدة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدّين، بادئ ذي بدء وقبل أن نخوض في هذا الحوار شاكرين لكم هذا الجهد؛ حيث أَتحْتُمْ للعبدِ الفقير الفرصة للإطلالة على الجمهور الحسينيّ من خلال هذا اللقاء الكريم ومن خلال ما تطرحونه من أسئلة مفيدة ونافعة سائلاً الله لكم الأجر والثّواب العظيم.

نتقدّم بواجب العزاء لبقيّة الله الأعظم أرواحنا لتراب مقدمه الفداء ولمراجع الدّين العظام وللعلماء الأعلام وجميع المؤمنين لهذه الفاجعة والمصاب العظيم الّذي أظلَمّ له الكون، واسودّ له الفضاء، وهذه المصيبة الّتي جزعت لها ملائكة السّماء وسكّان السّماوات والأرض.

عندما نريد أن نتحدّث عن موقع النّهضة الحسينيّة من منظور إسلاميّ يأخذنا الحديث إلى نقطتين، من خلال هاتين النّقطتين يتبيّن لنا مدى الأهميّة الفائقة، ومدى المكان الّذي تحتلّه واقعة كربلاء والنّهضة الحسينيّة من منظور إسلاميّ.

هاتان النّقطتان عبارة عن الحديث أوّلاً عن منطلقات الثّورة الحسينيّة، وثانياً الحديث عن المكتسبات والنّتائج الّتي حقّقتها الثّورة الحسينيّة.

عندما نريد أن نتحدّث عن النّقطة الأولى، وهي المنطلقات الّتي انطلقت من خلالها نهضة سيّد الشّهداء ندرك مدى أهمّيّة هذه النّهضة من المنظور الإسلاميّ من النّاحية الدّينيّة.

الثّورة الحسينيّة لم تنطلق من منطلقات مادّية كثورة الجياع مثلاً، أو للقضاء على البطالة أو غيرها مما تكون أهدافاً محدّدة أو محدودة، إما محدّدة بحسب الفئة أو محدّدة بحسب الهدف، إنّما انطلقت الثّورة الحسينيّة من أهداف رفيعة ومن أهداف سامية وعالية، ومن الطبيعيّ عندما تنطلق الحركة والنّهضة من أهداف عالية وسامية غير محدودة سوف تحتلّ مكانتها بحسب هذه الأهداف العالية والسّامية والرّفيعة وغير المحدودة.

المنطلق الأوّل: فالثّورة الحسينيّة والنّهضة الحسينيّة انطلقت أوّلاً من الهدف الّذي أصحر به سيّد الشهداء وأعلنه وهو إرادة الإصلاح. شعار الإصلاح هو شعار عظيم، شعار مقدّس، شعار جذوره قرآنيّة دينيّة، فعندما نأتي إلى دعوات الأنبياء... دعوات الأنبياء تحمل في ضمن ما تحمل من أهداف الدّعوة إلى الصّلاح والإصلاح، بمعنى أنّ هناك فساداً يتحقّق من قبل الإنسان بطبيعته وتركيبته، فتأتي دعوات الأنبياء لمحو هذا الفساد وإزالته وتحقيق الإصلاح، فالله يقول على لسان نبيّه شعيب: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ}[1] فالأنبياء يريدون إصلاح ما أفسده الإنسان.

فإذاً الصّلاح والإصلاح هو شعار دينيّ جذوره قرآنيّة، وهو شعار الأنبياء وشعار الصّالحين، فالإمام الحسين× عندما تحرّك لم يكن تحرّكه لإثارة الشّغب أو لإثارة الاضطرابات أو لإثارة الفوضى, حاشاه وهو سيّد شباب أهل الجنّة وإنّما تحرّك من أجل تحقيق الإصلاح، ومعناه أنّ حركة الحسين جاءت على خلفيّة فساد تحقّق في واقع الأمّة ومشروع يراد له أن يحقّق الفساد وأن يوجِد الفساد على المستوى الواقعيّ للأمّة الإسلاميّة و على مستوى الصّيغة للهويّة الإسلاميّة، وعلى مستوى الفكر، وعلى مستوى العقيدة، وعلى مستوى التّشريع؛ بمعنى أنّ هناك مشروعاً إفساديّاً، هذا المشروع الإفساديّ يراد له أن يحقّق التّحريف في كلّ الصّبغة الدّينيّة فكراً وعقيدةً وتشريعاً وهويّةً وشخصيّةً للإنسان المسلم.

فتحرّكُ الإمام الحسين× كان لتحقيق الإصلاح وهذا هو المنطلق الأوّل.

المنطلق الثّاني: هو منطلق إقامة فريضة من أسمى الفرائض، وهي فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر والّتي أشارت إليها الآيات والرّوايات وبيّنت أهمّيّتها. والقرآن عندما يتحدّث عن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر يحثّ على ذلك بهذه اللغة وبهذا اللسان {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ}[2]، أشبه ما يكون بإيجاد جهاز وإيجاد تكوّن يأخذ في مسؤوليّته وعلى عاتقه فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[3] لأهمية هذا الأمر ولصيانة واقع الأمّة وصيانة الدّين من التّحريف وصيانة هويّة الإنسان المسلم من التّحريف؛ لذا فالله  يحرّض على أن يكون هناك جهاز يمارس ويقوم بدور الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

الأحاديث الواردة عن النّبي وعن أئمّة الهدى^ تبيّن ضرورة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر, وأنّ الأمّة عندما تتواكل بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر -بمعنى تتساهل وتتسامح من خلال أنّ البعض يعتمد على البعض الآخر وأنّ هذا الفرد يعتمد على الفرد الآخر، فيكون هناك نوع من التّواكل والتّهاون- تكون هناك نتائج خطيرة على الأمّة الإسلاميّة وعلى المجتمع وعلى الإنسان >لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهنَّ عن المنكر، أو ليستعملنّ عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم<[4]، هذه نتيجة من النّتائج الخطيرة المترتّبة على التّسامح والتواكل في هذه الفريضة، وقد جاء في بعض الرّوايات نوع من التّعيير والتّوبيخ بأنّ هناك أُناساً تركوا أسمى الفرائض، وهي فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر عندما تتضرّر مصالحهم وعندما تتضرّر مكتسباتهم.

إذاً بشكل مختصر؛ فريضة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من الفرائض المهمّة جدّاً، والّتي تمثّل صيانة وضمانة لاستقامة الإنسان والأمّة وأشبه ما يكون بحراسة للدّين وسلوك الإنسان المسلم من تحقّق وسريان الانحراف لهما.

فالإمام الحسين× انطلق من هذا الهدف وهو الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

المنطلق الثّالث: الذي انطلق منه الإمام الحسين× هو العودة بالأمّة الإسلاميّة إلى السّيرة الصّحيحة، هذه السّيرة الّتي تنطلق من مبادئ القرآن ومبادئ التّشريع وهي سيرة النّبي وسيرة أمير المؤمنين× الّذي هو الإنسان المعصوم المنزّه عن الذّنب والخطأ، فكان يقول: >وأسير بسيرة جدّيّ وأبي عليّ بن أبي طالب<[5] فالإمام الحسين× انطلق من هذا الهدف المهمّ وهو العودة بالأمّة -على مستوى المسار السّياسيّ والاجتماعيّ- إلى سيرة النّبي الّتي تنطلق من مبادئ القرآن ومبادئ التّشريع وسيرة أمير المؤمنين، وهذه المنطلقات المهمّة الّتي انطلق منها الإمام الحسين  لها أثرها البالغ في واقع الأمّة.

إذا جئنا على مستوى المكتسبات فثورة الحسين× ونهضته المباركة ـ على مستوى المكتسبات- قد حقّقت للأمّة الإسلاميّة مكتسبات مهمّة جدّاً و بالغة الأهمّيّة؛ الحسين× وإن كان على مستوى الحسم العسكريّ قد خسر المعركة، ولكنّه ربح وانتصر على المستويات والمكتسبات الأخرى, ولعلّ هذا ما تشير إليه كلمته عندما كتب إلى بني هاشم: >أمّا بعد، فإنّ من لحق بي استشهد ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح<[6] الحسين× يتكلّم عن فتحٍ ومن الطّبيعيّ أنّ المقصود ليس الفتح والنّصر المادّيّ؛ إذ الحسين× خسر المعركة على المستوى العسكريّ, ولكنّ الفتح بلحاظ المكتسبات والمعطيات والنّتائج والآثار الّتي تحقّقت بعد استشهاده سواء كان على مستوى واقع الأمّة الإسلاميّة أو كان على مستوى الشّيعة وعلى أتباع مدرسة أهل البيت^.

على مستوى مكتسبات الأمّة الإسلاميّة نستطيع أن نوجز ذلك بكلمة واحدة، فنقول: إنّ الإمام الحسين× قد أسقط المشروع الرّامي إلى تغيير الإسلام، وتغيير الصّيغة الأساسيّة للإسلام وتحريفه ومسخه وتحويله إلى إسلام كما يريده بنو أمية.

هذا المشروع الّذي خُطّط له, ودُرّس على أن يكون هو البديل للصّيغة الإسلاميّة الصّحيحة وللإسلام الّذي جاء به النّبي الأعظم|، أُريدَ لهذا الإسلام أن يُحرَّف وأن يُزَيّف، وهناك شواهد كثيرة جدّاً على وجود هذا المشروع، والمتتبّع لثنايا التّاريخ يجد هناك العشرات من الشّواهد المدلّلة على وجود مشروع كان يستهدف الصّيغة الأساسيّة للإسلام بتحريفها وتزييفها، وكشاهد على ذلك ما حُكي عن البرّاء بن عازب أو ما حُكي عن غيره من الصّحابة -ولعلّه جابر- وقيل أنس: إنّه لمّا ذهب إلى الشّام ورأى ما عليه وضع النّاس هناك بكى وتأثّر واستعبر، وقال: إنّه كلّ ما كان على عهد رسول الله| وعهدناه على عهد رسول الله| قد تغيّر, حتى هذه الصّلاة الّتي كنّا نصلّيها مع رسول الله  قد تغيّرت[7]، وهذا واحد من الشّواهد الّتي تدلّل على أنّ هناك مشروعاً خطيراً جدّاً يستهدف ذات الدّين، وذات الإسلام، بتحريف الصّيغة الأساسيّة للإسلام وإبدال الإسلام بصيغة محرّفة مزيّفة، وإعطاء نسخة مختلفة تماماً عن النّسخة الأصليّة للإسلام.

الإمام الحسين× أسقط هذا المشروع وأفشله، وهذا مكسب على واقع الأمّة، ويشهد على ذلك ما يُذكر في التّاريخ أنّه لمّا أُخذ علي بن الحسين× وبنات رسول الله| سبايا إلى يزيد، ثم التفت يزيد إلى علي بن الحسين، وقال: مَنْ المنتصرُ أنا أم أبوك؟ فقال: >إذا أذّن المؤذن يتبيّن من هو المنتصر<[8].

فهذا شاهد على أنّ الإمام الحسين× قد أسقط ذلك المشروع الّذي كان يستهدف الصّيغة الأساسيّة للإسلام ويريد أن يأتي بإسلام محرّف، إسلام يتجاوب ويلتقي مع رغبات وأهواء النّاس تماماً، لذا فإنّ الإمام الحسين× بدمه وبتضحياته حفظ الدّين الإسلاميّ بشكله العامّ من أن تناله صيغة التّحريف.

هذا على المستوى العامّ كمكتسب، وأمّا على مستوى واقع المنتمين لأهل البيت^ فهناك الكثير من المكتسبات والكثير من النّتائج الّتي تحقّقت ببركة دم سيّد الشّهداء×.

هذه القوّة الّتي يمتلكها أتباع أهل البيت^ -وأتكلّم عن القوّة المعنويّة والقوّة في بعض سياقاتها المادّيّة كقوّة الإعلام الّتي يمتلكها الآن أتباع أهل البيت^- جاءت ببركات دم سيّد الشهداء×، وتحقّقت بسبب النّهضة الحسينيّة، فلولا النّهضة الحسينيّة لم يكن لنا نحن كأتباع لمدرسة أهل البيت^ هذه القوّة الهائلة, من إعلام ومن حضور إعلاميّ وحضور جماهيريّ لا يمكن لأيّ قوّة أن تُوجِد هذا الحضور وأن تُوجِد هذه القوّة الإعلاميّة، اليوم حتّى بعض القضايا الّتي نشهدها في عالمنا حتّى لو استقطبت جمهوراً إنّما تستقطب جمهوراً من خلال المال والأمور المادّيّة، أمّا في قضيّة الحسين× نجد أنّ هذا الحضور الجماهيريّ وهذا الاحتشاد الجماهيريّ، والقوّة الإعلاميّة من خلال هذا الاحتشاد الجماهيريّ في كلّ الدّنيا ليس فقط في مناطق وعالم التّشيّع وإنّما في جميع مناطق الدّنيا، هذا الحضور يأتي عفويّاً وحبّاً لرسول الله| واستجابة لنداء الله: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}[9] إذ يعتبر هذا التّعاطف مع قضيّة الحسين× نحو من أداء أجر الرّسالة، المطلوب منّا كأمّة إسلاميّة أن نجسّد هذا التّعاطف وهذا الولاء لسيّد الشّهداء×، وهنا لا بدّ من أن أذكر أنّ الإمام الحسين ليس فقط للشّيعة, وإنّما الحسين× سيّد من سادات المسلمين، وعالم من علماء الصّحابة على أدنى مستوى إذا لم ننظر نظرة الشّيعة الإماميّة إلى الحسين كإمام معصوم مفترض الطاعة, فهو يتمتّع بهذه الموقعيّة كما صرّح ابن كثير في البداية والنّهاية حيث يقول: "فكلّ مسلم ينبغي له أن يحزنه قتله›، فإنّه من سادات المسلمين، وعلماء الصّحابة، وابن بنت رسول الله| الّتي هي أفضل بناته، وقد كان عابداً وشجاعاً وسخيّاً"[10] فالتّفاعل مع قضيّة الحسين يجسّد لوناً وشكلاً من أشكال المودّة المأمور بها الإنسان المسلم بغضّ النّظر عن انتمائه المذهبيّ، هذا مكسب من المكاسب الّتي حقّقتها ثورة الحسين×.

مكسب آخر في ثورة الإمام الحسين×، أنّ القضيّة كأنّها عمليّة تمحيص وغربلة للأمّة وأنّ الأمّة هل هي مستعدّة للتّضحية من أجل مبادئها وقيمها عندما تتعرّض للخطر والتّهديد أم لا.

فمن مكاسب ثورة ونهضة الإمام الحسين× أنّها جعلت النّاس على المحكّ، وبيّنت لكلّ متتبّع ولكلّ داعية للإصلاح هذه الحقيقة ومدى استعداد النّاس للتّضحية من أجل مبادئها وقيمها حتّى لا يغترّ أيّ مُصلِح من المصلحين على مسألة بالجمهور، الإمام الحسين× يقولها بكلّ صراحة: >النّاس عبيد الدّنيا<[11] ونحن كلّنا يعلم أنّ هذه الألف واللام للاستغراق وليست للإشارة إلى حصة خاصّة من النّاس، حتّى يقول قائل: إنّ هذا إشارة إلى خصوص النّاس الموجودين في زمانه.

الإمام الحسين× يريد أن يقرّب هذه الحقيقة وهي أنّ النّاس عبيد الدّنيا والدّين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معائشهم، يتّبعون الإسلام ويتكلّمون باسم الإسلام ويستحضرون مفاهيم الإسلام، وقيم الإسلام ما دامت تدرّ عليهم المصالح لكن إذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الدّيّانون، هذه حقيقة، حقيقةٌ أفرزتها نهضة سيّد الشّهداء× وهي معطى مهمّ جدّاً لكلّ مصلِح يريد أن يعتمد على الجمهور.

مُعطى آخر ومكتسب آخر حقّقته الثّورة الحسينيّة -صلوات الله وسلامه على بطلها ورمزها- أنّه بعد واقعة الطّف إلى هذا اليوم أوجدت حركة الإمام الحسين× منبراً متحرّكاً فاعلاً، وفتحت المجال وفسحت الفرصة لنشر تعاليم الدّين وثقافة الدّين وفكر الدّين وإشاعة الفضيلة، إشاعة الكرامة وإشاعة كلّ المبادئ القيّمة من خلال هذا الموسم المعطاء من خلال منابر الخطابة، ومن خلال مجالس الحسين× وهي فرصة عظيمة، هذه الفرصة العظيمة أتصوّر أنّها لم تتحقّق لولا بركة سيّد الشّهداء× ودماء سيّد الشّهداء.

هذه المآتم الّتي تمثّل مدارس فكريّة وعلميّة تغذّي المجتمع بالثّقافة الدينيّة وبالفكر الدّينيّ, وتحصّن المجتمع تحصيناً تامّاً مقابل كلّ مشاريع الغزو وكلّ أطروحات التّحريف وفي مقابل كلّ تجهيل، فهي تغذّي المجتمع الدّينيّ بالفكر الإسلاميّ الأصيل عقيدة وشريعة وأخلاقاً وفكراً وإيماناً ومعنويّة على كلّ هذه الأبعاد، فهذا معطى عظيم ومكسب كبير لم يتحقّق لولا بركة سيّد الشّهداء×، ولراصدٍ متتبّعٍ أن يتتبّع الواقع الإسلاميّ ويجد هذه المدارس المفتوحة الّتي يؤُمّها ويحضرها مختلف النّاس؛ ليتثقّفوا وليتفهّموا وليعرفوا حقيقة الدّين وحقيقة التّشيّع ومظلوميّة أهل البيت^ ويتعرّفوا على الفكر الإسلاميّ الصّحيح عقيدة وشريعة وأخلاقاً وقيماً وإيماناً ومعنويّة إنّما وجدت ببركة دم سيّد الشّهداء×.

لو أردنا أن نقيم محفلاً فكريّاً وندعو له دعوة عامّة، ونبرز أكبر شخصيّة فكرية لتلقي وتحاضر لا أتصوّر أنّها تستقطب أكثر من مائة أو مائتين أو ثلاث مائة، إلّا أنّ مدارس الحسين× طوال هذين الشّهرين وبالخصوص العشرة الأوائل من شهر المحرّم، وعلى تعدّدها وعلى كثرتها تجد أنّها تستقطب النّاس إلى درجة أن تضيق مساحة هذه المآتم وهذه الحسينيّات على الأعداد القادمة لتتلقّى المعرفة والفهم والعقيدة الصّحيحة والتّشريع والأخلاق، فهذه بركات دم سيّد الشهداء×.

إذاً نحن ندرك ما تحتلّه نهضة الحسين× من أهمّيّة على مستوى المنطلقات التي انطلقت منها, وعلى مستوى المكتسبات الّتي حقّقتها إن كان على مستوى واقع الأمّة الإسلاميّة أو على واقع أتباع مدرسة أهل البيت، وأشير في هذا السّياق إلى كتابين مهمّين جدّاً لمن أراد أن يتعرّف بشكل مستوعب ومفصّل على الأهداف والنّتائج والمكتسبات، الأوّل كتاب الثّورة الحسينيّة المنطلقات والأهداف للعلّامة الكبير والمفكّر الإسلاميّ الرّاحل سماحة الشيخ محمّد مهديّ شمس الدّين[12]، وإلى الكتاب القيّم الآخر وهو كتاب فاجعة الطف أبعادها ثمراتها توقيتها تأليف السّيّد المرجع الكبير آية الله العظمى السّيّد محمّد سعيد الحكيم=[13]، ففيهما الغنى والكفاية.

* هل المظاهر العاشورائيّة الّتي يقوم بها الشّيعة تكفي للاستفادة من القيم الحسينيّة؟

المظاهر العاشورائيّة فيما عدى المنبر الحسينيّ غالباً ما تكون مظاهر رثائية وإبكائيّة, وبالتّالي لا يمكن الاستفادة منها في بيان ونشر القيم الحسينيّة بصورة كبيرة، ومن هنا ربما مع الأسف تضيع هذه القيم والمبادئ في حين أنّ كربلاء مدرسة مترعة بالقيم والمبادئ، مدرسة مليئة بكلّ الفضائل ومن الضّروري أن تُجسّد وأن تبيّن هذه القيم من خلال الشّعار والعزاء واللطميّات والمحاضرات، فمن المهمّ جدّاً أن تبيّن تلك القيم الّتي جسّدها الحسين وجسّدها أصحابه، كيف تعامل مع أعدائه بكلّ تلك العاطفة والمحبّة كما في مثل قضيّة علي بن طعّان المحاربيّ الّذي كان آخر من التحق مع الحرّ[14] وسقاه الإمام الحسين× بنفسه، كيف نجد اهتمام الإمام الحسين وأصحابه بالصّلاة والعلاقة مع الله الّتي جسّدوها ليلة العاشر حيث طلب الإمام الحسين× من أخيه العباس× أن يذهب للقوم لأجل أن يؤجلوهم عشيّة ليلة العاشر حتّى يتفرّغوا للعبادة والصّلاة، وكيف في يوم العاشر وقد حمى وطيس الحرب لم ينسَ أصحاب الحسين أداء الصّلاة, فقام بعض أصحابه وهو سعيد بن عبد الله الحنفي وقال له لمّا نظر إلى الشّمس وقد زالت حان وقت الصّلاة وإنّي أحبّ أن لا أخرج من الدّنيا إلّا وقد صلّيت هذه الصّلاة معك، فقال: له الإمام ذكرت الصّلاة جعلك الله من الذّاكرين[15]، وهذا مبدأ مهمّ جدّاً وهو المحافظة على الصّلاة في أحلك وأصعب الظّروف، فهذه المسألة قيّمة ومبدأ لا بدّ من أن يتجلّى ويُجسّد ويترجم من خلال الشّعار ومن خلال اللطميّة ومن خلال المحاضرة.

أن نستحضر الإمام الحسين عندما ودّع أهل بيته زينب وأخواته وقال لهن عليكنّ بلبس الأزر ولا تقولنّ ما لا يرضي الله، نستحضر أهمّيّة الخدر والحشمة والحجاب. كما أنّنا نجد الإيثار والتّضحية في أرقى صورها قد تجسّدت في أفعال سيّدنا أبي الفضل العبّاس. إذا فكلّ أحداث كربلاء نجد فيها قيم ومبادئ وفضائل ومكارم نحتاج إلى تجسيدها وترجمتها ترجمة فكريّة وسلوكيّة وعمليّة، ولذلك أنا لا أرى أنّ المظاهر العاشورائيّة الموجودة بالفعل كافية لتجلية وتوضيح وبيان كلّ هذه القيم والمبادئ التي امتلأت بها وأترعت بها واقعة كربلاء.

* ما هو المظهر والسّلوك اللائق بالمؤمنين خلال موسم العزاء في شهر المحرّم؟

هذا السّؤال مهمّ جدّاً وسؤال ينبغي أن يترجم عمليّاً من خلال التّوجيه والإرشاد والنّصيحة.

1ـ البكاء والتّباكي

أقول بشكل مختصر: ينبغي أن يتمثّل الإنسان المؤمن ما جاء في الرّوايات الواردة عن بيان حال أئمّة الهدى وكيف تعاطيهم مع هذه الفترة وعشرة المحرّم، فقد جاء في توصيف أحوال مولانا الإمام الكاظم× أنّه إذا دخلت العشرة الأولى من المحرّم لم يُر ضاحكاً وكانت الكآبة تغلب عليه وإذا كان اليوم العاشر كان يوم حزنه وبكائه[16]، وهكذا كان يتعامل أئمّة أهل البيت بنوع من الاحترام والتّعظيم, وإظهار الحزن والجزع على سيّد الشّهداء×.

الرّواية تقول: >وكانت الكآبة تغلب عليه<، يعني يكون كئيباً، >فإذا كان اليوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه<، هذا سلوك الأئمّة وتعاطيهم مع هذه العشرة، الإمام الصادق في رواية أنّه إذا ذُكرَ الحسين× عنده لم يُرَ باسماً أو ضاحكاً طوال ذلك اليوم؛ لعظم تأثّره بمصيبة سيّد الشّهداء×[17]. الإمام× لمّا يُذكر عنده الحسين× لا يُرى ضاحكاً؛ فما بالك وأنت تستحضر هذه الواقعة العظيمة والفاجعة الكبرى بكلّ تفاصيلها وبكلّ جزئيّاتها في هذه المدّة من خلال ما يتعرّض إليه خطباء المنبر الحسينيّ، فينبغي على الإنسان أن يتعامل معها التّعامل المناسب كإنسان موالٍ متأثّر يُظهر الحزن.

تصنّع الحزن مطلوب، تصنّع البكاء مطلوب، كما جاء في الرّواية إن لم تبكِ فتباكى، هذا التّصنّع ليس رياءً وإنّما تصنّع بمعنى افتعال البكاء؛ لأنّ افتعال البكاء يؤدّي إلى البكاء وافتعال الحزن يؤدّي إلى الحزن... نفس هذا الافتعال هو أمر مطلوب[18].

2ـ الحضور في المجالس

الحضور في المجالس هذه مسألة مهمّة، أن يسعى الإنسان المؤمن بأن يحضر أكبر عدد من هذه المجالس، فهذا توفيق عظيم وفيه تطييب لقلب النّبي, وتطييب لقلب فاطمة الزّهراء المكسور في هذه الأيّام وقلب أمير المؤمنين وقلب الحسن الزّكيّ, وقلب سائر أئمّة الهدى^. فإذا كان هذا العمل -الّذي لا يكلّف الإنسان شيئاً ولا يأخذ منه جهداً- موجباً لتطييب قلوب النّبيّ  وأهل بيته^، فلماذا يتأخّر الإنسان عن مثل هذه الخطوة المباركة والعظيمة والّتي وراءها التّوفيق.

وأن لا نستعيض عن حضور مجالس الذّكر بالاستماع للمحاضرات من خلال الفضائيّات، أو البثّ المباشر عبر وسائل التّواصل الاجتماعيّ، هذه حالة خطيرة.. وهي أن نستعيض بها عن مجالس الذّكر ومنها مجالس المصيبة[19] وعن المآتم بالاستماع إلى خطيبٍ من خلال فضائيّة مثلاً، هذا شيء جيّد لمن لا يتمكّن من الحضور لكونه مريضاً -لا سمح الله- أو لكونه في عمل، أمّا الإنسان الّذي تسمح له ظروفه بالحضور فينبغي له أن يحضر.

وهنا أُريد من خلال هذا اللقاء الكريم أن أبيّن نقطة وهي: أنّ بعض النّاس يتعلّل ويبرّر عدم حضوره؛ بأنّ الخطيب ليس لديه مادّة علميّة غزيرة، أو أنّ ما يقدّمه ليس بالمستوى المطلوب...إلخ.

ليس المطلوب الحضور هنا في المأتم فقط من أجل أن تزداد معرفيّاً، والأهداف من حضور المآتم أهداف طوليّة؛ فالمطلوب بالدّرجة الأولى هو الحضور للعزاء والبكاء ومواساة النّبي| وأهل بيته^ ومن ثمّ التزوّد المعرفيّ والعلميّ ولكن ليس هو كلّ الهدف. نفس الحضور هو نوع من التّعظيم والتّجليل لمقام سيّد الشّهداء× والّذي لا ينبغي للمؤمن أن يستعيض عنه بشيء آخر لا يحقّق هذا الهدف.

الحضور هو الّذي يمثّل تعظيماً وتجليلاً لمقام سيّد الشّهداء، أمّا أن أستمع لوحدي أو مع عائلتي لفضائيّة فهذا لا يعكس هذا التّجليل والتّعظيم.

3ـ إظهار الجزع

كذلك إظهار الجزع، ورد في الرّواية الصّحيحة الّتي يرويها ابن قولويه في كتاب كامل الزّيارات: >إنّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كلّ ما جزع، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي ، فإنّه فيه مأجور<[20] الجزع لون من ألوان التّعاطي والسّلوك الّذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان المؤمن في هذه العشرة وهي شدّة التّأثّر والمبالغة في التّأثّر، الجزع مكروه ما خلا الجزع على الحسين×، أن يُظهر الإنسان الجزع، أن يظهر ويبالغ في إظهار هذا الجزع، هذا أمر مطلوب وهذا سلوك من السّلوكيات المطلوبة للتّعامل مع هذه الأيّام العظيمة والأيّام الكئيبة على آل الرّسول|، وعلى المؤمنين.

4ـ لُبس السّواد

لُبس السّواد، وهو نوع من أنواع إظهار الجزع، ولذلك كتبتُ رسالة فقهية في هذا المجال[21] وهو استحباب لُبس الأسود بعنوان أنّه مظهر من مظاهر الجزع.

مضافاً إلى أنّ ما ورد من كراهية لُبس الأسود ليس تامّاً، فرواياته ليست تامّة من حيث السّند ولا من حيث الدّلالة، وهذا موكول للبحث الفقهيّ. عموماً، التّسربل بالسّواد هو شكلٌ من أشكال الجزع، وإظهار الجزع هو أمر مطلوب دلّت عليه الرّوايات الصّحيحة وفيها نوع من التّحريض على إظهار الجزع.

5ـ حسن الأدب

الأمر الآخر أن يَظهر الإنسان الموالي في هذه الأيام بالمظهر الّذي يعكس حسن الانتماء ويعكس حسن الأدب.

لا ينبغي لنا لا من خلال سلوكٍ، ولا من خلال تصرّفٍ، أو كلمةٍ أن نعكس ما لا ينبغي لنا أن نعكسه؛ لأنّ هذه التّصرّفات تنجرُّ بالنّتيجة إلى انتمائنا. وقد ورد في روايات أهل البيت^: >إنّ الحسن من كلّ أحد حسن وإنّه منك أحسن؛ لمكانك منّا، وإنّ القبيح من كلّ أحد قبيح وإنّه منك أقبح<[22]، و>كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً<[23] و>جُرُّوا إلينا كُلَّ مودَّة وادفعُوا عنّا كُلَ قَبيح<[24] فهذه الرّوايات وغيرها تحثّ على أن يكون الإنسان المؤمن عاكساً لحسن أدبه وحسن سلوكه بحكم انتمائه لأهل البيت^.

هذه الفترة الزّمنيّة يكون أتباع أهل البيت تحت المجهر وتحت الأضواء؛ فلا ينبغي أن نعكس ما يسيء إلى انتمائنا من خلال سلوك أو من خلال كلمة أو من خلال تصرّف سيّء.

6ـ ترك السّعي في الحوائج الدّنيويّة

كذلك ينبغي ترك السّعي في الحوائج الدّنيويّة في خصوص يوم العاشر، ففي الحديث عن الحسن بن علي بن فضال عن أبي الحسن علي بن موسى قال: >من ترك السّعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدّنيا والآخرة<[25].

 

المحور الثّاني: الشّعائر الحسينيّة

* ما هي الضّابطة في معرفة الشّعائر الحسينيّة المشروعة؟

تنقسم الشّعائر الحسينيّة إلى قسمين:

القسم الأوّل: الشعائر المنصوصة الّتي جاء النّص عليها:

كقول الشّعر في الحسين× >مَن قال فينا بيتَ شعر بنى الله تعالى له بيتاً في الجنّة<[26].

والبكاء والإبكاء: >مَن ذُكر الحسين عنده فخرج من عينه مقدار جناح ذبابة، كان ثوابه على الله عزّ وجلّ، ولم يرض له بدون الجنّة<[27].

فالرّثاء الّذي هو عبارة عن قول الشّعر وإنشائه في الإمام الحسين× أمرٌ متعارف من زمن أئمتنا^ إلى زماننا هذا، وهو الجاريّ والمتعارف بين الشّيعة حيث يأتي الخطيب والرّاثي وينشد الشّعر الّذي يذكّر النّاس بمصيبة سيّد الشّهداء× وما حلّ عليه وعلى أهل بيته، فهو أمر مستحبّ منصوص. وكذا البكاء، أي: إيجاد حالة البكاء الّذي يكون بذكر مصيبة الحسين بشكل تفصيليّ، حيث يؤدي إلى التّأثّر والبكاء من باب تعلّق الطلب بالسّبب وإرادة المسبّب[28].

زيارة الحسين×، هذه شعائر منصوصة ومستحبّة للدّليل الخاص[29].

وقراءة زيارة عاشوراء[30] في أيّ وقت وخصوصاً في هذه الأيّام أمرٌ مطلوب. فهذه نماذج من الشّعائر المنصوصة الواردة بالدّليل الخاصّ.

القسم الثّاني: وهو الشّعائر غير المنصوصة، أي: المستجدّة والمستحدثة. وهذه الشّعائر نشترط في شرعيّتها ومطلوبيّتها شرطين:

الشّرط الأوّل: أن تكون أسلوباً عرفيّاً للتّعبير عن الحزن؛ بمعنى أن تكون في نظر عامّة النّاس أسلوباً معبراً عن الحزن والكآبة كلبس الثّوب الأسود؛ فإنّ الثّوب الأسود في عادة النّاس والمجتمعات يمثل شعار الحزن.

الشّرط الثّاني: ألّا تكون هذه الشّعيرة المستجدّة سبباً لإدخال الضّعف والتّوهين والتّجريح أو الاستغلال وسوء التّوظيف ضدّ شيعة أهل البيت^.

فإذا ما توفّر هذان الشّرطان عندها تدخل هذه الشّعيرة المستحدثة تحت عموم قولهم: >كلّ الجزع والبكاء مكروه ما خلا الجزع والبكاء لقتل الحسين <[31].

فإذاً الدّليل على مشروعيّة الشّعائر إمّا أن يكون نصّاً خاصّاً، وإمّا أن يكون دليلاً عامّاً، لكنّ هذا الدّليل العامّ يلزم في تطبيقه هذان الشّرطان.

t هناك من يقول: إنّ الشّعائر الّتي يقوم بها الشّيعة في عاشوراء، كالجزع في البكاء واللطم وما شابه أساليب غير حضاريّة وغير متمدّنة وتسبّب النّفور من مذهب الشّيعة.. فما تقولون؟

هذه مغالطة، بعض هذه الشّعائر الحسينيّة هي أمور منصوص عليها مثل البكاء والرّثاء بقول الشّعر واللطم على الصّدر، فهذه أمور إمّا أن تكون منصوصاً عليها بالنّص الخاصّ كالبكاء وقول الشّعر ورثاء سيّد الشّهداء×, أو داخلة تحت العموم كاللطم على الصّدر فإنّه من أوضح مصاديق الجزع. فهذه أمور دينيّة ذات جهة تعبّديّة لا يمكن التّنازل عنها أو التّقليل من شأنها بدعوى أنّها ليست حضاريّة، ولا دخل لهذا الأمر فيها بمعنى أنّنا لا يمكننا التّنازل عنها بدعوى أنّها أساليب غير حضاريّة أو أنّ البكاء غير حضاريّ أو أنّه من غير المناسب للرّجل أن يبكي وما أشبه ذلك من التبريرات الواهية وغيرها.

فهذا أمر دينيّ تعبّديّ دعا إليه أئمّة أهل البيت, وحثّت عليه النّصوص والرّوايات، وأكّدت عليه أحاديثهم ولذلك لا يمكن لنا بمبرر أنّها ليست حضاريّة أن نتنازل عنها أو نرفع اليد عنها، وهذا أمر في غاية الخطورة على الشّعائر الحسينيّة. 

نعم بالنّسبة إلى الأمور الأخرى الّتي لم يرد فيها نصّ خاصّ ولا يحرز دخولها تحت العناوين العامّة فتكون من قبيل التّمسك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة[32]، وهذه يمكن أن تقع تحت التّساؤل وتحت الاستفسار، أمّا ما هو منصوص عليها فلا يمكن أن يقال أنّه غير حضاريّ أو أنّه أمر لا يتناسب ونرفع اليد عنه، هذا أمر مثل الصّلاة الّتي لا يمكن لنا أن نرفع اليد عنها بدعوى أنّها ليست حضاريّة وما أشبه ذلك.

* يقول البعض: إنّ الممارسات الشّعائريّة التي يقوم بها الشّيعة في زماننا لم تكن معروفة ومتداولة في زمن المعصومين فما هو دليل مطلوبيّتها؟

لا نستطيع أن نقول: إنّ جميع الممارسات لم تكن موجودة، فاللطم على الصّدر مثلاً لا سبيل إلى نفي وجوده، ولا يمكن أن نقول إنّه فاقد للمشروعيّة، إذ يكفي في مشروعيّته دخوله تحت عنوان الجزع، فإنّ من الواضح أنّ اللطم على الصّدر عند المصيبة مظهر من مظاهر الجزع والحزن، والجزع والحزن على سيّد الشهداء× ممّا ندبت إليه النّصوص الصّحيحة.

نعم، الخروج في مواكب العزاء مثلاً يمكن أن نقول: إنّه لم يكن موجوداً في زمن الأئمّة لظروف ومبرّرات، حيث لم يكن الشّيعة بهذه الكثافة ولم تكن لهم القوّة الّتي يمكن لهم من خلالها فرض وجودهم وممارساتهم، ولكنّ عدم وجودها السّابق لا يعني عدم مشروعيّتها؛ إذ يكفي في مشروعيّة هذه الممارسات دخولها في عموم الدّليل >كلّ الجزع مكروه ما خلا الجزع على الحسين< بالإضافة إلى الضّوابط الأخرى.

 

المحور الثّالث: تساؤلات عامّة

* ما هي المصادر المعتمدة والّتي يمكن الوثوق بها فيما يتعلّق بأحداث كربلاء؟

هناك عدّة مصادر جيّدة قديمة وحديثة.

ومن خلال المراجعة إلى فهارس الرّجال وكتاب الذّريعة إلى تصانيف الشّيعة للمرحوم العلّامة البحّاثة المتتبّع آغا بزرك الطّهرانيّ نجد ما يقارب 46 مصدراً بعنوان مقتل الحسين× كمقتل عمّار الدّهنيّ من أصحاب الصّادق×, وإن كان الطّبريّ نقلها في تاريخه ولكن لم ينشر ويطبع ونحن نذكر بعضاً من المصادر القديمة:

1ـ مقتل ابن نما الحلي& المسمّى بمثير الأحزان.

2ـ مقتل السّيّد ابن طاووس+ المسمّى بالملهوف على قتلى الطّفوف.

3ـ مقتل المجلسيّ& في بحار الأنوار.

مقتل الطّبري وإن كان في هذا الأخير بعض الملاحظات لكنّ العلّامة السّيّد محمّد الجلاليّ لديه هوامش لطيفة عليه عندما نضمّها إليه تكتمل الصّورة، ومن الواضح أن الطّبريّ ربّما يحاول إنكار بعض المواقف والأحداث ومع ذلك فقد نقل الكثير من هذه الأحداث.

ومن الكتب المتأخّرة:

1ـ مقتل السّيّد المقرّم الّذي هو من المقاتل المعتبرة جدّاً.

2ـ مقتل السّيّد محمّد تقي بحر العلوم.

3ـ مقتل الشّيخ محمّد تقي الجواهريّ& الّذي كان معاصراً للميرزا النّائيني والسّيّد أبو الحسن الأصفهاني وهو من الكتب المعتبرة المحقّقة.

ومؤخّراً طبع العلّامة الباحث الشّيخ محمّد الري شهريّ الصّحيح من المقتل ويمكن الاستفادة منه إلى حدّ كبير كذلك.

فهذه مصادر يمكن الاعتماد عليها وخصوصاً مقتل السّيّد المقرّم.

كثرت في الآونة الأخيرة اللغط حول كتاب الفخريّ للطّريحيّ.. فما هو تقييمكم للكتاب والكاتب؟

أوّلاً: مؤلّف الكتاب هو العلّامة الفقيه الشيخ فخر الدين الطريحيّ&[33] الذي هو من أجلاء العلماء وأكابر الفقهاء، وله مصنّفات متعدّدة في الفقه وفي اللغة وفي علم الرّجال وفي علم الحديث وله تضلّع واسع في اللغة، وأشهر كتبه ومصنّفاته هو كتاب مجمع البحرين الكتاب اللغويّ المهمّ والّذي يحظى باهتمام بالغ لدى العلماء والفقهاء والمفسرين. فالرّجل من النّاحية العلميّة يعتبر عالماً من العيار الثّقيل لما يتمتّع به من جامعيّة للعلوم الإسلاميّة، وينتهي نسبه إلى حبيب بن مظاهر الأسديّ الشّهيد وسيّد أصحاب الإمام الحسين فهو عربيّ أصيل، هذا بشكل موجز حول الشّيخ فخر الدّين الطّريحيّ+.

أمّا بالنسبة إلى كتابه المنتخب فهو كتاب أعدّه لمصائب أهل البيت, وبالخصوص مصيبة سيّد الشّهداء بسبك خاصّ ولغة أدبيّة تشتمل على السّجع وتشتمل على نمط خاصّ من التّعابير، وفي الحقيقة له تأثيره العاطفيّ والوجدانيّ. وأنا لا أستبعد أن يكون غرض المصنّف الشّيخ فخر الدين الطّريحيّ لكتابه المنتخب أو الفخري هو استدرار الدّموع فإنّ من يقرأه ويتأمّل في عباراته فإنّه يجد لغة إثارة الدّمعة وأسلوب الإبكاء واضح على صياغته وعلى أسلوبه.

من جهة أخرى إنّ هذا الكتاب في غالب ما ينقله مراسيل لا يسنده إلى مصادرها من أمّهات الكتب المعتبرة، وهذا بالطبع سوف يؤثّر في قيمة الكتاب، لكن يبقى هنا أمر وهو أنّه إذا كان ما ينقله ليس فيه منافاة لبديهيّات العقل، وليس فيه ما يوجب الاستبعاد وليس فيه ما هو مستغرب أو شاذ فيمكن تقبّله؛ حيث إنّ القضيّة التّاريخيّة ومنهجها تختلف عن القضيّة الفقهيّة الّتي هي إثبات المنجّزيّة والمعذّريّة، ففي القضيّة التّاريخية إنّما يراد حكاية أحداث، ولذا فمن الضّروريّ عدم التّعامل مع القضايا التّاريخية بأداة الفقيه.

نعم الكتاب فيه بعض الأمور الّتي هي خلاف ما هو مشهور ومعروف مثل: قضية زواج القاسم بن الحسن وتفاصيلها، والّذي يقْرُب أو لا يُستبعد أنّه قد حدث هذا الزّواج أو حدث عقد في كربلاء للقاسم, ولكن ليس بعنوان الزّواج[34], ولعلّ الّذي أعطاه هذا العنوان هو العاطفة التي يحملها أتباع أهل البيت من أجل إثارة العاطفة واستدرار الدّمعة، يعني ليس هناك استحالة أو استبعاد بأن يعقد الإمام الحسين× لابن أخيه ويزوّج القاسم، لكن قطعاً ليس في يوم عاشوراء، فالقضيّة ممكنة وغير مستبعدة ولكن لا شكّ في أنّ المسألة تحتاج إلى دليل.

أو قضية الطّيور والحمام الّتي ظلّلت جسد الحسين وطارت إلى المدينة, ورأت فاطمة بنت الحسين أرجل هذا الحمام مصبّغة بالدّم فعرفت بمقتل أبيها، فهذه أيضاً من القضايا الغريبة, فإنّ قضية مقتل الحسين يمكن أن نقول إنّ أهل المدينة قد علموا بها بواسطة أم سلمة خصوصاً - على الأقلّ- أنّه لو خفى على غالب النّاس فإنّه لا يخفى على أهل البيت^ الّذين أودعهم النّبي هذا الأمر, وخصوصاً السّيّدة أم سلمة وحديث تربة كربلاء أحاديث معروفة مشهورة رواها السّنّة والشّيعة[35] ويمكن أن ندّعي أنّ هذه القضيّة مستفيضة، فلمّا جاء يوم العاشر ورأت أنّ التّربة قد صارت دماً علمت بمقتل الحسين× وأخذت بالبكاء فاجتمعن عليها نساء بني هاشم، فخبر مقتل الحسين× قد عُلم بهذا وليس بواسطة الطّير أو الحمام... هذه من القضايا الّتي فيها شيء من الغرابة، ولكن يبقى أنّ هناك لغة تضخيميّة, وهذه لا بدّ من الالتفات إليها بمعنى أنّ اشتمال الكتاب على حادثة أو اثنتين أو ثلاث غريبة لا يوجب إسقاط الكتاب عن أصل الاعتبار والمبالغة في المسألة، فالإنسان مثلاً يأتي إلى كتاب البحار -هذه الموسوعة الرّوائية العظيمة- فيجد فيها مفردتين أو ثلاث أو أكثر غريبة فيعطي هذه اللغة التضخيميّة والمبالغة الشّديدة أنّ كلّ الكتاب مشتمل على مثل هذه الأخبار، فهذه لغة مبالغة وتضخيم ولا ينبغي اعتماد القضايا العلميّة على لغة المبالغة والتّضخيم بل ينبغي اعتمادها على لغة التّحقيق.

فالخلاصة: إنّ وجود بعض أو مقدار من الأمور المستغربة لا يسقط الكتاب من الاعتبار من رأس، أو أن ينظر إلى الكتاب على أن لا قيمة له، نعم لا يعني أن نعتمد كلّ ما فيه وأن نقول بأنّ كلّ ما جاء فيه صحيح وثابت، بل نقول إنّ هذه قضايا محتملة وممكنة ومشمولة لتلك الحكمة المعروفة "كلّ ما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان حتى يذودك عنه واضح البرهان"، فبعض هذه الأمور ليست بعيدة أو مستحيلة، ويبقى أنّ مؤلف الكتاب من العلماء الفقهاء الأجلّاء، والكتاب مع اشتماله على بعض الغرائب إلّا أنّ ذلك لا يسقطه من رأس عن الاعتبار.

* ما المقصود بلسان الحال الّذي يردّده الخطباء؟

المقصود بلسان الحال أنّ الّذي يقوله الشّاعر ليس هو بالفعل الّذي صدر أو الواقع الّذي تحقّق وإنّما هو خيال الشّاعر وتصوّره، مثلاً يتخيّل الشّاعر أنّ أمّ القاسم تريد أن تزوّج ابنها وتفرح به وأن يبقى معها إلى سنّ الشّيخوخة فيأتي بأبيات تصوّر وتحكيّ هذا المعنى، وهذا لا محذور فيه, ولكن هنا نؤكّد على أنّ لسان الحال لا يبرّر لنا أن نتحدّث عن المعصوم أو عن أهل بيته أو أصحابه بنحو لا يليق بمقامهم بدعوى لسان الحال[36].

* يقول البعض: إنّ التّصدّق بالأموال على الفقراء خيرٌ من بذلها على إطعام النّاس أيّام عاشوراء، فماذا تقولون؟

هذا من الخطأ بمكان أن يأتي الإنسان بعقليّته المنفردة فيعطي أولويّات ويقول: أنْ أصرف هذه الثّلاث مائة دينار من أجل ترميم منزل أو مساعدة محتاج أو شابّ مقبل على الزّواج خيرٌ من أن تبذل في إطعام الطّعام؛ لأنّ العقليّة المنفردة منفصلة عن ملاكات الأحكام.

إطعام الطّعام في مصاب وعزاء سيّد الشّهداء× حكم مستحبّ كاستحباب بقيّة الأمور المستحبّة، فلا ينبغي للإنسان أن يأتي ويقول: إنّ هذا العمل أفضل من ذلك العمل؛ لأنّ هذا يتوقّف على نصّ شرعيّ.

المقايسة بين المستحبّات وكون هذا العمل مستحبّاً وأفضل من ذلك العمل في بعض حالاته يحتاج إلى نصّ شرعيّ، أو من خلال ما يبيّنه النّص الشّرعيّ من مفاضلة في الأجر بين هذا العمل وذاك.

نعم، لا شكّ في أنّ نفع المؤمن وقضاء حاجته من القربات العظيمة، لكنّ ذلك لا يعني أنّه يمكننا أن نقايس وندرك أفضليّته على بذل الطّعام في مصيبة سيّد الشّهداء؛ لأنّه -كما قلت- يتوقّف على معرفة ملاكات كلّ عمل مستحبّ وعقولنا قاصرة عن معرفة ذلك، هذا أوّلاً.

وثانياً: لا ننسى أنّ نفس الإطعام وبذل الطعام له منافع كثيرة، فكم من العوائل الفقيرة الّتي تجلس على مائدة سيّد الشهداء× طيلة هذه العشرة وتوفّر على نفسها مصاريف هذه الوجبات، وبذلك يكون الباذل قد حقّق غايتين في نفس الوقت، وهما: إطعام الطّعام من جهة، ونفع المحتاجين من جهة أخرى.

بالإضافة إلى أغراض اجتماعية يحقّقها الإطعام، كاجتماع المؤمنين وتعارفهم الّذي يزيد من أواصر المحبّة والمودّة والإخاء، الأمر الّذي قد لا يتحقّق في المنفعة الفرديّة في قضاء حاجة المؤمن.

نعم، الأمر الّذي ينبغي أن ننبّه عليه -مع التّأكيد على استحباب بذل الطّعام في عزاء سيّد الشهداء×- هو أن لا يصل الأمر إلى حدّ الإسراف فإنّ الإسراف حرام. "لا تسرف في الماء ولو كنت على نهر" كما جاء في بعض النّصوص. فحتى رمي نواة الطّعام أو ما يفضل من الكوز عدّته الرّوايات من الإسراف[37].

فإذا كان ديننا يحكم بالإسراف على مثل هذه الموارد، فمن من الواضح أنّ الطّعام الّذي يكون زائداً عن الحاجة ويرمى في النّفايات يكون من مصاديق الإسراف المحرّم الّذي ينبغي تجنّبه، وينبغي التّدقيق والتّنسيق بين المآتم والقيّمين عليها وبين الباذلين للطّعام؛ لمعرفة القدر المطلوب حذراً من الوقوع في محذور الإسراف.

وأشير هنا إلى أمر جيّد وهو وجود لجنة عندنا في منطقة عالي[38] مهمّتها تدبير ما يزيد من الطّعام وجعله في ظروف وتوزيعه على البيوتات والنّاس كي لا يرمى، وهو وسيلة جيدة لرفع هذا المحذور.

* ما صحّة نسبة هذا القول إلى الإمام الحسين×: >إن كان دين محمّد لم يستقم إلا بقتليّ يا سيوف خذيني<؟

هذه الكلمة الّتي قد تنسب إلى الإمام الحسين× وهي من المشهورات الّتي ليس لها مصدر بحسب التّتبع في كلّ ما جاء عن الإمام الحسين× في كلماته وخطبه.

وهي بيتٌ من الشّعر للشّاعر الشّيخ محسن أبو الحبّ[39].

* هناك قبران منسوبان للسّيّدة زينب إحداهما في مصر والثّاني في الشّام.. أيّهما الصّحيح؟

يذكر العبيدلي[40] الذي هو من أحفاد السّيّدة زينب في كتابه الزّينبيّات[41] والّذي يعدّ من مهمّات الكتب الّتي تترجم للزّينبيات من أهل البيت أنّ السيدة زينب قد خرجت إلى مصر وتوفّيت بها. وهناك قول بأن مدفنها÷ في الشّام.

وإذا أردنا أن ننظر إلى المسألة بنظرة تحليليّة نقول:

1ـ لو فرضنا أنّ ذهابها للشّام كان باختيارها، فهذا أمر مستبعد جدّاً؛ وذلك لأنّ السّيّدة زينب تحمل ذكريات مؤلمة وصعبة جدّاً عن الشّام وما حلّ بها وبأهل بيتها وأخواتها وأبناء إخوتها؛ حيث إنّ ما حصل لهم أمر تتفطّر له القلوب وتتصدّع منه الجبال، ومن الصّعب على الإنسان الّذي يحمل صورة مأساويّة ومؤلمة عن مكانٍ ما أن يحنّ ويرجع إليه، بل بحسب العادة والطّبع فإنّ من يحمل مثل هذه الذّكريات فإنّه لا يحبّ استذكارها فضلاً عن الذّهاب إلى مكانها. ومن هنا نقول: إنّ ذهابها الاختياريّ أمر مستبعد جدّاً.

2ـ إنّ المتتبّع في سيرتهم يجد أنّ لهم تعلّقاً شديداً بمدينة جدّهم المدينة المنوّرة، هذه البقعة المباركة الّتي تضمّ جسد النّبيّ والّتي يجدون فيها انتماءهم وامتدادهم، فلم يخرجوا منها إلّا في الحالات الاستثنائيّة بسبب الظّروف السياسيّة والظلم والاستبداد الّذي لحق بهم وإجبار الظّالمين لهم على الخروج منها كما حدث للأئمّة.

3ـ لم تذكر المصادر التّاريخية المعتبرة مسألة خروجها من المدينة، وما يوجد مذكورٌ على نحو (قيل) من أنّها كانت تؤلّب النّاس على الوالي وعلى يزيد فأمر يزيد والي المدينة بإخراجها منها.

4ـ يرجّح الشّيخ النّقديّ في كتابه حياة السّيّدة زينب أنّها دفنت في مصر مستشهداً بكلام العبيدليّ حيث قال: "إنّ زينب الكبرى بعد رجوعها من أسر بني أميّة إلى المدينة أخذت تؤلّب النّاس على يزيد بن معاوية، فخاف عمرو بن سعد الأشدق انتقاض الأمر، فكتب إلى يزيد بالحال، فأتاه كتاب يزيد يأمره بأن يفرّق بينها وبين النّاس، فأمر الوالي بإخراجها من المدينة إلى حيث شاءت، فأبت الخروج من المدينة وقالت: لا أخرج وإن أهرقت دماؤنا، فقالت لها زينب بنت عقيل: يا ابنة عمّاه قد صدقنا الله وعده وأورثنا الأرض نتبوأ منها حيث نشاء، فطيبي نفساً وقرّي عيناً، وسيجزي الله الظالمين، أتريدين بعد هذا هواناً؟ ارحلي إلى بلد آمن، ثمّ اجتمع عليها نساء بني هاشم وتلطّفن معها في الكلام، فاختارت مصر، وخرج معها من نساء بني هاشم فاطمة ابنة الحسين وسكينة، فدخلت مصر لأيام بقيت من ذي الحجة، فاستقبلها الوالي مسلمة بن مخلد الأنصاري في جماعة معه، فأنزلها داره بالحمراء، فأقامت به أحد عشر شهراً وخمسة عشر يوماً، وتوفيت عشية يوم الأحد لخمسة عشر يوماً مضت من رجب سنة اثنتين وستين هجرية، ودفنت بمخدعها في دار مسلمة المستجدة بالحمراء القصوى، حيث بساتين عبد الله بن عبد الرّحمن بن عوف الزّهريّ بالقاهرة"[42].

ونقول تعقيباً على هذا النّص الّذي يذكره العبيدليّ -وكلامه يفتقر إلى المصدر والدّليل والإسناد-: إنّ المحتمل فيه أمران وكلاهما مستبعد:

الأوّل: إنّ موقفها ذاك كان مستقلّاً عن موقف الإمام زين العابدين ومخالفاً لتوجّهه، وهذا أمرٌ لا يمكن القبول به ولا يناسب مقام السّيّدة زينب وجلالتها في أن تخالف رأي إمام زمانها وحجّة الوقت.

والاحتمال الثّاني: أن يكون موقفها في تأليب النّاس ضد والي المدينة ويزيد هو بأمر وتوجيه من الإمام زين العابدين، لكن من المعلوم والواضح أنّ منهجيّة أهل البيت بعد واقعة الطّف الّتي حقّقت الهدف من كشفها وتعريتها للظّالمين، ونظراً للأسباب والظروف الموضوعيّة الّتي كانوا يعيشونها لم تكن منهجيّة المعارضة المعلنة للأنظمة الموجودة، وهذا يخالف ما يقال من أنّها كانت تؤلّب النّاس علناً ضدّ يزيد.

إذاً خروج السّيّدة زينب من المدينة اختياراً أو جبراً أمرٌ لا تساعد عليه الأدلّة والقرائن، ومن هنا فالرّاجح أنّها بقيت في المدينة ودفنت فيها.

أمّا لماذا لا يوجد لها قبر هناك.. فلّعله بسبب سياسية التكتيم الّتي مارسها بنو أميّة في محو وتكتيم كلّ ما يتعلق بتاريخ أهل البيت^ وأخبارهم وآثارهم، حيث إنّ كثيراً منهم لا يُعلم له قبرٌ في المدينة. ومن المحتمل كذلك أنّها أرادت أن تقتدي بأمّها الزّهراء ÷ في إخفاء موضع قبرها الشّريف الّذي فيه من الدّلالات ما لا يخفى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة هود، آية: 88.

[2] سورة آل عمران، آية: 104.

[3] سورة آل عمران، آية: 104.

[4] الكافيّ، الكلينيّ، ج5، ص 56، باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ح3.

[5] بحار الأنوار، ج44، ص329، من وصيّته لأخيه محمّد بن الحنفيّة.

[6] كامل الزّيارات، بن قولويه، ص158، باب 24، ح20.

أي: لم يبلغ ما يتمنّاه من فتوح الدّنيا والتمتّع بها، وظاهر الجواب ذمّه، ويحتمل أن يكون المعنى أنّه× خيّرهم في ذلك فلا إثم على من تخلّف ـ البحار، 42، ص81.

[7] صحيح البخاريّ, 1-133، كتاب مواقيت الصّلاة وفضلها، باب تضييع الصّلاة عن وقتها.

[8] ... وتكرّر نفس الموقف على الإمام× كما في أمالي الشّيخ الطّوسيّ، ص677، في مجلس يوم الجمعة السّابع من شعبان سنة سبع وخمسين وأربعمائة، ح11. لما قدم علي بن الحسين× وقد قتل الحسين بن علي× استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيدالله، وقال متشمّتاً: يا علي بن الحسين، من غلب؟ وهو مغطّى رأسه، وهو في المحمل. قال: فقال له علي بن الحسين×: >إذا أردت أن تعلم من غلب، ودخل وقت الصّلاة، فأذن ثمّ أقم<.

[9] سورة الشّورى، آية: 23.

[10] البداية والنّهاية، ابن كثير، ج8، ص221.

[11] بحار الأنوار، المجلسيّ، ج44، ص383.

[12] ولد في عام 1936م، شمس الدّين هو أحد علماء جبل عامل يرجع نسبه إلى المرجع محمد بن مكّي العامليّ الملقّب بشمس الدّين والمعروف بالشّهيد الأوّل حيث استشهد في عام786ﻫ. هاجر إلى النّجف وتتلمذ على يد أبرز فقهاء القرن العشرين منهم آية الله السّيّد محسن الحكيم وآية الله السّيّد أبو القاسم الخوئيّ وغيرهم. وله إسهامات عديدة على الصّعيد الحوزويّ والاجتماعيّ، كما شغل مناصب عديدة منها رئاسة المجلس الأعلى الإسلاميّ الشّيعيّ في لبنان عام 1994م خلفاً للسّيّد موسى الصّدر. وفي عام 2001م توفي جرّاء مرض عضال.

[13] ولد= في مدينة النّجف الأشرف، في الثّامن من شهر ذي القعدة الحرام عام 1354ﻫ الموافق 1934م، وهو ابن العالم الجليل والمجتهد الكبير السّيّد محمد علي بن السيد أحمد الحكيم، وتتلمذ على يد والده وآية الله السّيّد محسن الحكيم، وآية الله السّيّد أبو القاسم الخوئيّ، وآية الله الشّيخ حسين الحلّيّ وغيرهم. للسّيّد نبوغ علميّ أهّله لأن يعهد إليه السّيّد الحكيم مراجعة موسوعته الفقهيّة (مستمسك العروة الوثقى) قبل طباعتها. ولا يخفى الدّور الّذي يقوم به السّيّد الحكيم على الصّعيد الحوزويّ والشّأن العراقيّ، له من المؤلّفات ما يزيد على 28 عنواناً وبعضها على أجزاء متعدّدة.

[14] الإرشاد، الشّيخ المفيد، ج2، ص78، وغيره من المصادر والرّوايّة معروفة حيث وصل ابن طعّان المحاربي وهو يلهث من شدّة العطش وقد غارت عيناه فكاد لا يبصر الطّريق لشدّة ما ألمّ به حتّى ذهب إليه الإمام الحسين× وسقاه بيده الطّاهرة.

[15] مقتل الحسين، أبو مخنف الأزديّ، ص142.

[16] ورد في أمالي الشّيخ الصّدوق، ص191، المجلس السّابع والعشرون، ح2، عن الإمام الرضا× أنّه قال: >كان أبي× إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً، كانت الكآبة تغلب عليه حتى يمضي منه عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين×<.

[17] ورد في كامل الزّيارات، ابن قولويه، ص214 باب 36، ح2، عن أبي عمارة المنشد، قال: ما ذكر الحسين× عند أبي عبد الله× في يومٍ قط فرُئي أبو عبدالله× متبسماً في ذلك اليوم إلى الليل، وكان× يقول: >الحسين× عَبرة كلّ مؤمن<.

[18] لا يخفى أنّ التّباكي أمر راجح ولا يقف عند البكاء على مصيبة الإمام الحسين× بل يشمل كلّ مصائب أهل البيت^ ولا سيّما الرّسول الأعظم|. ويتعدّى الحثّ على البكاء والتّباكي ذكر المصائب ليصل إلى البكاء والتّباكي عند الدّعاء، فيتكلّف الدّاعي البكاء بتذكّر أحبابه الّذين فارقوا الدّنيا مثلاً أو ما يهيّج أحزانه فيولّد هذا فيه الشّعور نحو البكاء فعندما يبكي يصل هذا بدعائه، فيكون قد رقّ قلبه وهذا يسهّل عليه أمر البكاء في الدّعاء؛ لأنّ الإنسان قد يجد في نفسه الرّغبة في البكاء أو أنّه يستمع إلى ما يبكي كمصيبة الحسين× إلا أنّه يجد في نفسه جفافاً عن ذلك فيحرّك المشاعر عنده ليستدر الدّمعة. ويؤيّد ما ذكرناه ما قيل للإمام الصّادق×: أكون أدعو فأشتهي البكاء ولا يجيئني، وربما ذكرت بعض من مات من أهلي فأرقّ وأبكي، فهل يجوز ذلك؟ قال: >نعم، فتذكّرهم فإذا رققت فابك وادع ربّك< ففعل التّباكي موصِل إلى البكاء عادة.

وليس التّباكي -كما يتصوّر البعض- بأن يحرّك رأسه ويهزّ بدنه ويصدر صوت البكاء تشبّهاً بالباكين، فإنّه سينشغل بهذه الحركات عن الدّعاء أو المصيبة الّتي يستمع إليها فهذا يتظاهر بالبكاء لا أنّه يبكي حقيقة، وإن كان هذا الوجه له وجه لما ورد >أنّ من تشبّه بقوم فهو منهم< وهذا ينفع من لم تساعده عينه على البكاء مع طلبه له. ولا يخفى أنّ من يتباكى وليس له غرض التّشبّه بالباكين فضلاً عن طلب البكاء، بل كان بكاؤه لغرض أن يراه الآخرون فهذا بلا شكّ تباكٍ مذموم وقد يؤثم عليه صاحبه لجهة الرّياء.

[19] المجالس الّتي تذكر فيها مصائب أهل البيت^.

[20] كامل الزيارات، ابن قولويه، ص201، باب32، ح1.

[21] تحت الإعداد للطباعة بمعية رسائل فقهية أخرى.

[22] قول الإمام الصّادق× لمولاه شقران معرّضاً به؛ لأنّه كان يعصي ربّه، مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج3، ص362.

[23] فقه الرّضا، ابن بابويه القمي، ص356، باب مكارم الأخلاق والتجمّل والمروءة والحياء، الحديث الأخير في الباب.

[24] تحف العقول, الحسن بن علي بن شعبة الحرّاني, ص 488.

[25] عيون أخبار الرّضا 1:267 باب 28 الحديث 57.

[26] وسائل الشّيعة، الحرّ العامليّ، ج14، ص597، باب 105 من أبواب المزار وما يناسبه، ح1.

[27] كامل الزّيارات، بن قولويه القمّيّ، ص202، باب 32 ثواب من بكى على الحسين×، ح3. وكذا ما ورد عن أبي عمارة المنشد، عن أبي عبدالله× قال: قال لي: >يا أبا عمارة أنشدني في الحسين بن علي×< قال: فأنشدته فبكى وقال: ثمّ أنشدته فبكى، قال: فو الله ما زلت أنشد ويبكي حتّى سمعت البكاء من الدّار، فقال لي: >يا أبا عمارة من أنشد في الحسين× شعراً فأبكى خمسين فله الجنّة ومن أنشد في الحسين× شعراً فأبكى أربعين فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين× شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين× شعراً فأبكى عشرين فله الجنّة ومن أنشد في الحسين× شعراً فأبكى عشرة فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين× شعراً فأبكى واحداً فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين× شعراً فبكى فله الجنّة، ومن أنشد في الحسين× شعراً فتباكى فله الجنّة< وسائل الشّيعة، الحرّ العامليّ، ج14، ص596، باب 104، من أبواب المزار وما يناسبه، ح1.

[28] هذا الاصطلاح يذكر في المجاز المرسل وهنا لا يوجد مجاز وإنّما أراد التنظير به لعدم وجود عبارة في البين، وتقريبه؛ يذكر النّاعي مصيبة الحسين× بتفاصيلها لغرض تحقيق البكاء والإبكاء والتّأثّر على مصابه؛ وهنا كان ذكر المصاب سبب لحصول وتحقّق التّأثّر والبكاء والإبكاء.

فالبكاء والإبكاء مسبّب عن ذكر المصاب، وذكر المصاب سبب للبكاء والإبكاء، فالنّاعي يطلب السّبب ويريد تحقّق المسبب.

[29] الرّوايات الواردة في فضل زيارته والمشي إلى زيارته واردة بعدد كبير جدّاً فلتراجع المصادر للاطّلاع على فضلها.

[30] المزار، المشهديّ، ص480 زيارة يوم عاشر. ولا كلام في سند ومضمون هذه الزيارة، فكلاهما صحيح.

[31] وسائل الشّيعة، الحرّ العامليّ، ج14، ص505، باب 66 من أبواب المزار وما يناسبه، ح10.

[32] هذه قاعدة في علم الأصول مفادها باختصار شديد: أنّه إذا كان عندنا قاعدة عامّة أو أمر عامّ كما في قول أحدهم لي: (أكرم كلّ جار)، فهذا يستفاد منه لزوم تقديم الإكرام لكلّ من أعرف أنّه جارٌ لي. فلو شككت في زيد هل أنّه جار أم ليس بجار -لا لشكّيّ في معنى الجيرة ومتّى تتحقّق بل الشّكّ بسبب تشخيص زيد كما لو انتقلت إلى بيت جديد ومرّ عليَّ زيد فلم أعلم أنّه زيد جاري أم زيد الآخر الذي ليس جاراً لي- فهل يصحّ إثبات كونه جاراً بهذه القاعدة؟ كلا؛ لأنّ القاعدة تقول: إنّ من عرفت أنّه جار لك لزم عليك إكرامه. وهنا في الفرض لم أعرف أنّ هذا جار لي!

فلو اعتمدّت على هذه القاعدة وقلت بأنّ فلاناً جاري، فعندها يقال لي تمسّكت بالعامّ في الشّبهة المصداقيّة.

[33] وُلد& في النّجف الأشرف سنة 979ﻫ وتوفّى في 1085ﻫ توفي في الرّمّاحيّة، ونقل جثمانه إلى النّجف الأشرف ودفن بظهر الغريّ وقد شيّعه من الرّمّاحية إلى النّجف خلق كثير. من مؤلفاته: مجمع البحرين ومطلع النيرين، شرح المختصر النّافع، كتاب جامع المقال في تمييز المشتركات من الرّجال، كتاب الأربعين، كتاب المنتخب في المراثيّ والخطب والأخبار في مصيبة سيّد الشّهداء×، الفخريّة في الفقه.

[34] المنتخب للطّريحي، ص364-365. موضع الشّاهد "... فمسك الحسين× على يد القاسم وأدخله الخيمة، وطلب عوناً وعباساً، وقال لأم القاسم: ليس للقاسم ثياب جدد. قالت: لا.

فقال لأخته زينب: إئتيني بالصّندوق. فأتته به ووضع بين يديه، ففتحه وأخرج منه قباء الحسن وألبسه القاسم، ولفّ على رأسه عمامة الحسن×، ومسك بيد ابنته الّتي كانت مسمّاة للقاسم، فعقد له عليها وأفرد له خيمة، وأخذ بيد البنت ووضعها بيد القاسم وخرج عنهما.

فعاد القاسم ينظر إلى ابنة عمه، ويبكي إلى أن سمع الأعداء يقولون: هل من مبارز؟ فرمى بيد زوجته وأراد الخروج وهي تقول له: ما يخطر ببالك، وما الذي تريد أن تفعله؟! قال لها: أريد ملاقاة الأعداء، فإنّهم يطلبون البراز، وإنّي أريد ملاقاتهم..".

[35] مما جاء في كتب العامة هذا الخبر "أخبرنا: الحسن بن سفيان، قال: حدثنا: شيبان بن فروخ، قال: حدثنا: عمارة بن زاذان، قال: حدّثنا: ثابت، عن أنس بن مالك، قال: استأذن ملك القطر ربه أن يزور النّبيّ|، فأذن له، فكان في يوم أمّ سلمة، فقال النّبيّ|: أحفظي علينا الباب، لا يدخل علينا أحد، فبينما هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي× فظفر، فاقتحم، ففتح الباب، فدخل، فجعل يتوثّب على ظهر النّبيّ|، وجعل النّبي| يلثمه ويقبّله، فقال له الملك: أتحبّه، قال: نعم، قال: أمّا إنّ أمّتك ستقتله، إن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه، قال: نعم فقبض قبضة من المكان الذي يقتل فيه، فأراه إيّاه، فجاءه بسهلة أو تراب أحمر، فأخذته أمسلمة فجعلته في ثوبها، قال ثابت: كنّا نقول إنّها كربلاء". صحيح ابن حبان، كتاب التّاريخ، بإخباره| عمّا يكون في أمّته من الفتن والحوادث ج15، ص142. المنتخب من مسند عبد بن حميد، ج1، ص142. الإرشاد في معرفة علماء الحديث، أبي يعلى الخليليّ، ج1، ص307. وغيرها، أمّا من طرق الشّيعة فكثير.

[36] نعم لا شكّ أن لسان الحال لا يبرّر التّساهل في نقل وتصوير الوقائع المأساويّة الخياليّة على أنّها أحداث واقعيّة، حذراً من تحوّلها ولو بمرور الزّمان إلى كونها أحداثاً حصلت بالفعل فنقع في محذور التقوّل والكذب، فلا بدّ من إفهام المستمع وإشعاره ولو بنحو ما على أن ما يقال هو محض خيال شاعر. 

[37] إشارة إلى ما رواه إسحاق بن عمار عن أبي عبدالله×، قال: >أدنى الإسراف هراقة فضل الماء، وابتذال ثوب الصّون، وإلقاء النّوى< وسائل الشّيعة، الحرّ العامليّ، ج5، ص51 باب 28 من أبواب الصلاة، ح1.

الكوز: إناء للشّرب كالكأس.

[38] وهي مسكن سماحة الشيخ المحُاوَر، وهي من قرى البحرين.

[39] الشّيخ محسن الحائريّ المعروف بـ(أبو الحَبّ) ولد في كربلاء سنة1225ﻫ، ومات أبوه وهو طفل صغير فنشأ يتيماً فقيراً، عرف بالفطنة والنّباهة، كانت له شديد الحُبّ للحضور في مجالس الشّعر والأدب، مما أوقد قريحته الشّعريّة ممزوجة بالولاء لأهل البيت^, فصار بفطنته ينشد العذب من الشّعر الّذي كان يحاكي الواقع, لا سيّما إذا ما سطّر أبياته في شأن الحسين× وما جرى عليه.

عرف بأبي الحَبّ لأنّه أصيب بمرض السّعال وضيق الصّدر فعمل له بعض الأطباء حَبّاً يهوّن عليه ما ابتلي بمرض، فكان يحمله معه ويعطي منه من ابتلي بذلك الدّاء فعرف بأبي الحّبّ.

وهو إضافة إلى كونه شاعراً كان خطيباً بارعاً يشعل قلوب المؤمنين حرقة على مصائب أهل البيت^ حتى وافاه الأجل في يوم الاثنين من ذي القعدة سنة 1305ﻫ بعمر ثمانين عاماً. (مختصرٌ من نبذة كتبها عنه حفيده الشيخ محسن أبو الحب المتوفى عام 1367ﻫ).

وللشّيخ ديوان طبع طبعته الأولى في عام 2003م بعنوان: (ديوان الشيخ محسن أبو الحَبّ (الكبير) المتوفى 1305ﻫ ـ1887م) وقد كتب على غلاف الدّيوان هذه العبارة:

صاحب القول الخالد على لسان الحسين×:

إن كـان دين محمّد لم يستقم               إلا بقتليّ يـا سيوف خذينيّ

أمّا البيت فقد ورد في قصيدته المعنونة بعنوان بيضة الإسلام برقم (80)، في الصفحة 168 من الكتاب، ومطلعها:

إن كنتِ مشفقةً عــليّ دعيني               ما زالَ لومُكِ في الهوى يغريني

لا تحسبي أنّي للومــك سامعٌ                إني إذاً في الحُبّ غـــيرُ أمين

إلى أن يقول في البيت 23 من هذه القصيدة:

(إن كان دين محمّد لم يستقم                  إلا بقتليّ يا سيوف خذينيّ)

                                               

[40] أبو الحسين يحيى بن الحسن بن جعفر العبيدليّ العقيقي (214-277ﻫ). هو كاتب ومؤرِّخ ونسّابة من قدماء علماء الشّيعة الاثني عشريَّة، من أهل المدينة المنوّرة ومولده بها، وأمّا وفاته فكانت في مكّة.

[41] السّيّدة زينب وأخبار الزينبات للعبدلي، ص57. وأنقل النّص للفائدة ومنه سيتّضح ظلامة أخرى للسّيّدة زينب وهي أنّها نفيت من المدينة بأمر من يزيد(لعنه الله) لمّا كانت تحرّض على القيام عليه، ولما وصلت مصر لم تبقَ فيها إلّا القليل حتّى توفيت ودفنت هناك. "قال العبدلي في أخباره والحافظ ابن عساكر الدّمشقيّ في تاريخه الكبير والمؤرّخ ابن طولون الدّمشقيّ في الرّسالة الزّينبيّة بعد شرح ما تقدّم: ثمّ إنّ والي المدينة من قبل يزيدê وهو عمرو بن سعيد الأشدق, اشتكى من إقامة السّيّدة زينب بالمدينة فكتب بذلك إلى يزيدê وأعلمه بأنّ وجودها بين أهل المدينة مهيّج للخواطر, وأنّها فصيحة عاقلة لبيبة وقد عزمت هي ومن معها على القيام للأخذ بثأر الحسين×، فلمّا وصل الكتاب إلى يزيد(لعنه الله) وعلم بذلك أمر بتفريقهم في الأقطار والأمصار فاختارت السّيّدة زينب الإقامة بمصر طلباً لراحتها، واختار بعض أهل البيت بلاد الشّام، فعند ذلك جهّزهم ابن الأشدق فخرجت السّيّدة هي ومن معها من أهل البيت وفيهم سكينة بنت الحسين وأختها فاطمة فلمّا اتصل خبر ذلك إلى والي مصر إذ ذاك وهو مسلمة بن مخلد الأنصاريّ توجّه هو وجماعة من أصحابه وفي صحبتهم جملة من أعيان مصر ووجهائها إلى لقائها فنقلوها من قرية بين طريق مصر والشّام شرقيّ بليس (عرفت أخيراً بقرية العباسة بنت أحمد بن طولون) ولم يبقَ بالمدينة من جماعتهم إلا زين العابدين×، وأقام الحسن المثنّى بخارجها ووافق دخول السّيّدة مصر أوّل شعبان سنة61 من الهجرة -684م. وكان قد مضى على الواقعة نحو ستة أشهر وأيّاماً بما يسع مدّة أسفارها, فأنزلها مسلمة بن مخلد هي ومن معها في داره بالحمراء القصوى ترويحاً لنفسها إذ كانت تشتكي انحرافاً- فأقامت بها 11 شهراً ونحو 15 يوماً من شعبان ليلة الأحد لأربعة عشر يوماً مضت من شهر رجب من السّنة المذكورة، وبعد تجهيزها وشهود جنازتها دفنت بمحلّ سكناها على العادة في ذلك، ثمّ بعد وفاتها رجع من كان معها من أقاربها إلى المدينة وفيهم السّيّدة سكينة وفاطمة على ما ذكر ابن زولاق في تاريخه..".

[42] النّقل من الكاتب بالمعنى وليس بالنّص مع زيادة وتغيير في بعض المواضع.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا