التّسامح نهج الحياة

التّسامح نهج الحياة

إذا أردّت إدراك معنى التّسامح فليس لك إلا أن تتمعّن في معنى الرّحمة والحلم.

والتّسامح قيمة من القيم المهمّ التّركيز عليها في المجتمع كيما يعيش حالة التواؤم والالتآم فيما بين أفراده، فكثيرة تلك الأفعال في المجتمع المحتاج في حلّها والتّعامل معها بأجلى صور التّسامح فلا يتدمّر المجتمع في فكره وسلوكه.

وإذا ما فُهم التّسامح وطُبّق في الحياة فإنّ ذلك يعني إلغاء الكثير من المشاكل الحاصلة بين الأفراد بل بين المجتمعات والدّول، فلن تجد إلا أن يصل الحقّ إلى أهله بأمنٍ ورضا من الجميع، ولن يكون عندئذٍ للحروب والنّزاعات والأزمات إلا ذكر في التّاريخ.

في هذا البحث نسلّط الضوء على هذه القيمة والخلق الرّفيع على ضوء الرّؤية الإسلاميّة، وتطبيق الإمام الحسن المجتبى× لها خلال حياته المباركة، مستفيدين من بعض الأحداث الّتي جرت في حياته وبعض كلماته حيث إنّ هذه الصّفة تجلّت في حياته وبرزت، وهذا لا يعني عدم وجودها عند صاحب الرّحمة ومنبع التسامح النّبي الأعظم | والأئمّة الطّاهرون، إلا أنّ الظّروف الّتي عاشها الإمام الحسن× برزت فيها تحدّيات عديدة ساهمت في إبراز هذا الأمر، كالكمّ الهائل من الدّعايات والشّائعات الّتي أطلقت على الأمير والإمام الحسن‘ بحيث تحوّلت إلى حالة استفزازية المقصود فيها الإمام وأصحابه، ممّا أدّى إلى وجود حالة التّشنّج في المجتمع المحيط بالإمام، ممّا يجعل بعض الأتباع يعيب أو قد يعنّف الإمام بشدّة اللهجة في الخطاب مع الإمام×[1] وكان الحلم والتّسامح هو سيّد الموقف في كلّ مرّة.

ونحن إذ نطرق بحث التّسامح لا يعني أنّا في صدد تثقيف المجتمع الإسلامي لهذه القيمة لأنّها غائبة عنه! بل هذه القيمة موجودة في أبسط بديهيّات المجتمع المسلم في مقدار كبير فيه، لكن لكي يحصل العلم بتجذّرها قرآنيّاً وروائيّاً ويلتفت إلى بعض الجوانب الخفيّة فيه، ونقف على أنّ مصدر التّوترات ليس انعدام التّسامح بل هي أطماع المنحرفين تفرض نفسها على الأمّة، فتفسد باسم الإسلام وما هي إلا ضمن مشروع بعيد المدى، يرمي إلى تشويه الإسلام وزلزلته في نفوس المسلمين، وصرف غير المسلمين من اعتناقه أو اعتباره مرجعيّة فكريّة يرجعون إليه فيها.

وقد ثبت لمن اطّلع أنّ حالات التّكفير والتّجريم على الهويّة والقتل ما هي إلا نوع من أنواع الحروب الّتي تشنّها دول على أخرى في عالمنا الإسلامي فتستخدم هذه كأدوات تتخلّى عنها إذا ما تحقّق الغرض منها، وللأسف الشّديد أنّ هذا العنوان البرّاق يستخدم أحياناً لخلط بعض المفاهيم وتجريم الإسلام بصورة غير مباشرة.

معنى السّماحة:

هي مشتقّة من "مادة (سمح) تدل على سلَاسةٍ وَسُهولةٍ. والمسامَحة: المساهَلة، وسمح بكذا يسمح سُمُوحاً وسَماحة: جاد وأعطى، أو وافق على ما أريد منه"[2] ومنه يقال فلان صاحب سماحة، أيْ أنّه صاحب عطاء وجود وسهل في التّعامل معه وسهل في أموره، وهذا الصنف من النّاس -المتسامح- ممدوح في الرّوايات -كما سيتّضح خلال البحث- كما عن الإمام الصّادق× في الرّواية المعتبرة عن آبائه قال: >قال رسول الله | ألا أخبركم بمن يحرم عليه النّار غداً، قالوا: بلى يا رسول الله|. قال: الهيّن القريب الليّن السّهل<[3] ولا شكّ في أنّ التّسامح يتضمّن في واقعه مزيجاً من الأخلاق الرّفيعة الّتي تؤهّل المتسامح أن يغضّ الطّرف عن أخطاء الآخرين، ويتجاوز عن إساءاتهم مع تقديره بطريقة الرّدّ المناسبة فيما إذا تطلّب الموقف الإجزاء على سوء الفعل، وهو مع هذا لا يخرج عن حالة التّسامح فلا يسعه إلّا أن يردّ على الإساءة بالإحسان ولو بأخفّ صور الانتقام والعقاب، وما الحلم إلّا صورة من صورة التّسامح حيث عبّر الإمام الحسن× عنه بأنّه: >كظم الغيظ وملك النّفس<[4] عندما سُئل عن معنى الحلم، فالتّسامح لا بدّ من حضوره في مثل موقف إثارة النّفس وإغضابها بارتكاب السلوكيّات غير المرضيّة، فيحتاج إلى ملك النّفس والتّحكّم فيها كي يحسن التّصرف المتناسب مع الموقف، ولا يخفى أنّ الغضب يدمّر إذا ما ترك بلا توجيه وتفريغ بالصّورة الصّحيحة[5].

ولا يقف مفهوم التّسامح عند التّجاوز عن أخطاء الآخرين أو معالجتها بأخفّ الوسائل الّتي يراعى فيها كرامة المسيء، بل يتعدّى ذلك فيما إذا أضفنا التّسامح إلى الدّين (التسامح الديني) فيعني قبول الطّرف الآخر وعدم إلغائه من دائرة الحياة، فمن لم يختر دين الإسلام فإنّ الإسلام يكفل له حقوقه ويرعاه حتّى لو كان في ظلّ الدّولة الإسلاميّة شريطة أن لا يتعدّى على الإسلام وأهله أي أن يبادل الإحسان بالإحسان، وكذا إذا أضفنا التّسامح إلى السّياسة (التّسامح السياسيّ) فيعني احترام الآراء الأخرى والأحزاب المختلفة، وأن يكون الجميع له حقّ المشاركة في القرار حتّى لو كان هذا البعض أقلّيّة، وهذا النّحو من التّسامح يبرز كلّما نشب نزاع بين سلطة وشعب أو شعوب مختلفة أو أحزاب كذلك بغية التخلّص من ذلك النّزاع.

والتّسامح ليس مجرّد أقوال بعيدة عن الإيمان به واقعاً، فمن يدّعي أنّه إنسان متسامح وفي قلبه حقد ونار تغلي على المسيء فإنّ هذا لا يجامع التّسامح بحال. وكذا لا يكون المتسامح متسامحاً في حال ضعفه وإذا تزايدت قوّته انقلب حاله إلى عدم التّسامح! بل القويّ هو المطلوب منه أن تبرز فيه هذه السّمة.

والتّسامح يحمل معنى القبول للآخر وإعطائه حقّه في العيش الكريم مهما كان لونه وعرقه ودينه وانتماؤه، فلا إقصاء ولا إلغاء.

تنبيه:

قد تستخدم مفردة التّسامح وما بمعناها في الاتفاقيّات الدّوليّة في ما يتعلّق بقبول رأي الآخر وإلغاء التّمييز ضدّ المرأة وإبادة الجنس البشري ومناهضة التّعذيب، وحقوق اللاجئين، وفيما يتعلّق بكلّ أشكال التّعصّب والتّمييز القائم على أساس الدّين أو المعتقد[6] وما إلى ذلك..، ولا يخفى أنّ هذا الاستخدام جاء كردّ فعل على تسلّط الكنيسة آنذاك، وتسلّط أصحاب الأطماع من التّجار والأقطاعيين ورؤساء الدّول الّذين لا يعيرون أيّ اعتبار للقيم الأخلاقيّة والدّينيّة ما دامت لا تخدم مصالحهم، فترويج هذه المفردة من قبلهم أو من قِبل من أطاح بهم لا يخلو من التّهمة في نيّة هؤلاء المروّجين لها لأنّهم -مذ أن أطلقوا شعار التّسامح في اتّفاقيّاتهم وحتّى يومنا هذا- يخالفون كلّ ما فيه من احترام الإنسان وحقوقه، ولا زالوا يتسلّطون على الشّعوب المستضعفة والأقليّات ويساهمون بصورة أساسيّة في نشر الإرهاب بكلّ صورة[7].

كما أنّ انتشار هذه المفردة في كلماتهم وبعض الاتفاقيات العالميّة إثر انتهاء الحرب العالميّة الثّانية قد يوحي أسبقيّتهم على الإسلام في ذلك، والحقّ أنّ التّسامح موجود في الفقه الإسلاميّ منذ إرسال النّبي| بهذه الرّسالة الخاتمة.

خلطٌ:

* ولا ينبغي أن يفهم من التّسامح أنّه انبطاح للمخطئ وتسليمه الأمور كيما يفعل ما يشاء. ولا يفهم من التّسامح أن نغضّ الطّرف عن التّاريخ السّيء الّذي قد يوجده البعض، فالتّوبة شيء والصّفح عنه شيء وإلغاء تاريخه -الذي أدّى إلى أن تتجذّر في خلقه بعض الصّفات السّيّئة- فيتعامل معه بلا حذر بحجّة التّسامح شيء! وهذا لا يعني إبقاء التّاريخ وحفظ الزلات وإظهارها متى ما وجد خلاف بين الأشخاص فهذا مما فيه ذمّ شديد في الرّوايات[8].

* ولا ينبغي أن يفهم من التّسامح أنّه إتاحة الفرصة لكلّ أحد أن يفعل ما يشاء وقت ما يشاء كيف ما يشاء ما لم يستند على أمور عقلائيّة.. وعلى هذا فالتّسامح يعني احترام تديّن الآخرين الّذين ينتمون إلى ديانات سماويّة -وهذا لا يعني صحّة اعتقادهم- ويكفل لهم ممارسة ما يتوافق مع ديانتهم وفق ضوابط وأطر لا تُخرج ظاهر الدّولة الإسلاميّة عن ذلك. وفي نفس الوقت عدم السّماح لأصحاب الممارسات التي لا تمتّ إلى دين أو عقل بأيّ صلة بممارستها فضلاً عن نشرها...، فالتّسامح لا يعني الفوضى في الحياة! إذ إنّ في دعوى التّسامح بمعنى "قبول الرّأي الآخر، وإن تناقض مع رأي الجماعة، خصوصاً وأنّه حاجة مآسّة وليس ترفاً فكريّاً، فنقيضه هو اللاتسامح أي التّعصّب ورفض الآخر"[9] لأنّ هذا يفسح المجال للهرج والمرج كما لا يخفى، فيكون رأي الجاهل -في ما يتحدّث فيه- ورأي العالم كلاهما محترم بحجّة التّسامح! فهذا وأمثاله لوازم فاسدة لمثل هذا الأمر. ولا شكّ في أنّ إسكات الجاهل لا يعتبر استبداداً في الرّأي أو مصادرة للرّأي الآخر، نعم صاحب الرّأي المعتمد على أسس عقلائيّة من الممكن أن يطرح رأيه باحترام على طاولة النّقاش ما لم يتصادم مع بديهيات العقل والشّرع الإسلاميّ.

* ومن الخطأ جدّاً أن يقال بأنّ الدّيانات تعلن التّسامح مبدأ أساسيّاً إلا أنّ الحروب قائمة على مرّ التّاريخ! فإنّ في هذا تجنٍّ على الدّيانات بما هي ديانات وتحميلها ما يفعله النّاس -حتى من لا ينتمون إليها- من أخطاء وافتعال للحروب وسلب حقوق الآخرين.

* من الخطأ أن نجعل مبدأ التّسامح قائماً على ما يقال من (أنّ قولك خطأ يحتمل الصّواب، وقولي صواب يحتمل الخطأ) فلازم هذا هو نسبيّة المعرفة وهذه مما لا يمكن التّسليم بها[10].

من الخطأ توصيف التّسامح على أنّه الوجه الآخر للحريّة، فما دام مصطلح الحريّة غير محدد، وله المعنى السّلبيّ في الغالب من أن يمارس الشّخص ما يشاء وقت ما يشاء كيف ما يشاء شريطة أن لا يؤذي الآخرين -بنظره على أقل تقدير- وهذا خلط بيّن إذ إنّ التّسامح له بعد آخر يختلف عن الحرية المدّعاة، مضافاً إلى جعل المحوريّة في الحياة هي الإنسان وليس الله! والتّسامح يجعل أساس التّعاطي مع الآخرين هو ما يريده الله وكذا مقدار الصفح عنهم والتّجاوز عن أخطائهم لا بدّ من أن يكون مبنيّاً على ما يريده الله لا ما يريده الإنسان.

وأضف إلى ما ذكر -من أنّ إطلاق العنان لتوصيف التّسامح بأنّه الوجه الآخر للحرّيّة- أنّ هذا يعني الفوضى حيث لا توجد ضوابط لهذا التّسامح أو الحرّيّة، فهناك من لا يعتمد التّسامح أو يتجاوز الحدود ولو ببث الأفكار المنحرفة في المجتمع، فهل يترك هكذا بدعوى التّسامح! لا شكّ بأنّ المروّجين لهذا المبدأ من غير الإسلاميّين فإنّهم عمليّاً يجعلون الضّوابط الصّارمة إلا أنّهم فكريّاً لا ينظّرون إلى حالة التّسامح بهذا الحدّ.

فرق بين التّسامح واللامبالاة:

عندما يكون الفرد في موقع القوّة ويتجاوز عن إساءات الآخر أو أخطائه الّتي لا تتعدّى نفس الفرد فهذا من أبرز مظاهر التّسامح، لكن:

-عندما يكون الفرد في حالة قوّة ويتجاوز عن إساءات الآخرين تجاه غيره بحجة التّسامح فهذه لا مبالاة بل قد يكون إعانة له على فعله.

-وعندما يكون الفرد ضعيفاً ويتجاوز عن الإساءات تجاه الآخرين أو الّتي تتعلّق به ظلماً بحجّة التّسامح فهذا لا مبالاة[11] بل هو تعاون مع الوحوش والظلمة -بسذاجة أو تملّق على أمل النجاة- على هلاك النفس وإهلاك الغير.

-وعندما يتخلّى الفرد عن معتقداته أو يتهاون في أمرها كي ينخرط مع الآخرين في سلوكياتهم بلا قيود بحجّة التّسامح فهذا لا مبالاة.

التّسامح في الإسلام:

لا يخفى على منصف مقدار ما في الإسلام من حالة التّسامح وقبول الآخر، بل التّضحية بالنّفس في سبيل إنقاذ الآخر، وكفالة حقوق الآخرين ليس في حال حياتهم فحسب بل حتّى في حال مماتهم فلهم حقوق لا تضيع.

ولتتّضح الصّورة ما عليك إلا أن تشاهد كتب الخمس والزّكاة والغصب والدّيات والإجارة وغيرها ليتضح عندك مقدار ما للنّظام المالي في الإسلام من دقّة في توزيع الأموال والحقوق لجميع النّاس بلا ظلم.

وانظر في كتاب القضاء وإحياء الموات، والرّقّ والنّكاح وأمثالها لتعرف مقدار ما أولى الدين إلى حقوق البشر من أهمّيّة واعتبار.

وانظر في كتاب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وكتاب الجهاد؛ لتعرف كيف يتعامل مع الرّأي الآخر ومقدار الحساسيّة في شأن الأرواح والدّماء، بل حتّى المشاعر المتمثّلة في كسر الإنسان وتحقيره ولو أمام فرد واحد.

ويتعدّى التّسامح في الإسلام جانب الحقوق ليصل إلى دائرة الاعتقاد فلا يصادر اعتقادات الآخرين، ولا يكرههم على ترك معتقداتهم بل يسمح لهم بالعيش بين المسلمين في الدولة الإسلامية ولهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين شريطة الالتزام ببعض العهود[12].

أولاً: التسامح في القرآن

ورد في القرآن آيات عديدة تشير إلى هذا المبدأ المهمّ ولعلّ من أهمّ هذه الآيات -ونكتفي بها في هذا البحث- هي قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}[13]، فهذه الآية فيها طلب منه تعالى إلى النّبي| وكلّ من يقوم مقامه من القادة والمبلّغين بأن يأخذوا بالعفو الذي هو بمعنى التّسامح والصفح عن المخطئين والاستسهال في الأمور واللين، وبعد هذا التّسامح يطلب منه أن يأمر بالمعروف فيدعوا النّاس إلى الحقّ ولا يخفي شيئاً، وأمّا أولئك الجهلة وأصحاب الانحطاط الفكريّ ومن لا يتخلّقون بالأخلاق الكريمة فلكي يصل إلى معالجة جهل هذه الفئة فإنّ الأسلوب الأمثل هو الإعراض عنهم[14]، وقد ورد في الخبر عن النّبي| أنّه لما نزلت هذه الآية جاء جبرائيل إلى النّبي’ وقال في تفسير العفو: >تعفو عمّن ظلمك، وتصل من قطعك، وتعطي من حرمك<[15].

وهناك آيات أخرى في هذا المجال فمثلاً قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ}[16]، و{وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا}[17]، و{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[18] والقرآن مليء بنظائر هذه الآيات.

ثانياً: التسامح في الرّوايات

وهنا نسلّط الضّوء على حياة الإمام الحسن الزكي× وكيف كانت هذه الصّفة بارزة في حياته بذكر عدد من المواقف وكيفية التّعامل معها وهذه المواقف لم تقتصر على الاستفزازات في الحالات الفرديّة، وهذا نموذج من هذه الاستفزازات:

1ـ ما ورد من أنّ أحد غلمانه كسر رجل شاة كان الإمام× يملكها، فقال لغلامه: >من فعل هذا بها؟< قال الغلام: أنا. قال الإمام: >لم ذلك؟< قال الغلام: لأجلب لك الهمّ والغمّ. فتبسّم، وقال له: >لأسرّك<، فأعتقه وأجزل له في العطاء[19].

2ـ ما روي في قصّة الشّامي الّذي تعامل مع الإمام بغلظة وسوء خلق وقابله الإمام برحابة صدر وصفح عن هذ السّوء، حتى لاطفه فحار الشّامي وخجل من فعله إلى أن بكى وقال: أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته وكنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ والآن أنت أحبّ خلق الله إلي.. وصار معتقداً لمحبّتهم[20].

ما ورد على لسان بعض أصحاب الإمام وغيرهم من عبارات مثل: "أما والله لوددت أنّك متّ في ذلك اليوم ومتنا معك"[21] فلم يردّ عليه الإمام ولم يوضح له الأمر إلا بعد أن اختلى به فقال له موضحاً: >يا حجر! قد سمعت كلامك في مجلس معاوية وليس كلّ إنسان يحبّ ما تحبّ ولا رأيه كرأيك وإنّي لم أفعل ما فعلت إلا إبقاء عليكم والله تعالى كلّ يوم هو في شأن<، و"أخرجتنا من العدل إلى الجور"[22]، "السلام عليك يا مذلّ المؤمنين"[23]، و"يا بن رسول الله أذللت رقابنا، وجعلتنا معشر الشّيعة عبيداً، ما بقي معك رجل. قال: >ومم ذلك؟< قال: بتسليمك الأمر لهذا الطاغية"[24]. وغيرها

ولك أن تقف مستفهماً عن سبب ردّ الفعل من الإمام في تسامحه، ليتّضح أنّ تسامح الإمام نابع من شدّة الحكمة التي بلغها، ويكشف عن ضرورة أن يكون التّسامح سيدّ الموقف، وذلك عندما تبرز الصّورة الكلّية للحدث فإنّ المتسامح يقدّر نوع ومستوى التّسامح ولذا قيل: "إنّ مما يساعد على اتخاذ الموقف الحليم فهم الطّرف المقابل ومعرفة الظّرف النّفسيّ، والفكري الّذي يحيط به، فإذا فهمت أنّه مضلل، أو معبّأ وأنّه هو الآخر ضحيّة لعدو واحد، كنت أقدر على السّيطرة على الموقف وتحويله لصالحك لا لصالح عدوكما"[25].

خاتمة:

لكي يصل الواحد منّا إلى المستوى الرّاقي من التّسامح ويطبّق هذه القيمة الرّاقية تطبيقاً صحيحاً ودقيقاً فإنّه في حاجة ماسّة من إلى رفع مستوى الفهم والإدراك للأشياء حوله فقد ورد "بوفرة العقل يتوفّر العلم" فالمدرك لما حوله يمتلك قدرة على تفهّم سلبيّات الغير أفراداً كانوا أو جماعات.

والحمد لله ربّ العالمين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] من قبيل العبارات المعروفة مثل: "أخرجتنا من العدل إلى الجور، يا مذلّ المؤمنين، يا عار المؤمنين، أذللت رقابنا، لوددت أنّك متّ في ذلك اليوم ومتنا معك".

[2] https://dorar.net/akhlaq/673 اطلع عليه بتاريخ 4/4/2018م

[3] الأمالي، الصّدوق، ص262، المجلس الثاني والخمسون، ح5.

[4] تحف العقول عن آل الرسول|، ابن شعبة الحرّاني، ص225. ووردت نفس الرواية وأمثالها عن الإمام الحسن المجتبى× وغيره من الأئمّة^ بنفس النّص ممّا يعني وجود التّأكيد الدّائم في الإسلام على مثل هذا المبدأ.

[5] ورد في مستدرك الوسائل، للميرزا النوري، ج12، ص11، عن أمير المؤمنين×: >الغضب شرّ إن أطلقته دمّر<.

[6] في مفهوم التّسامح وإشكالات، أ. عبد الحسين شعبان، ص3- 4.

[7] يكفي أن تعود للتّاريخ القريب لتعرف المراد، فراجع مجازر البوسنة والهرسك والشيشان ومجازر فلسطين، ومن قبلها ما فعله هتلر قُبيل الحرب العالميّة الثّانية وغيرها، وكذا ما حصل في سجون غوانتنامو وغيرها فهذه إداراتها لا تعرف الإسلام ولا الدّين! والأمثلة على ذلك كثيرة ليس المقام حصرها.

[8] كما ورد في الكافي، الكليني، ج2، ص358، باب الرواية على مؤمن، ح1. عن الإمام الصّادق×: >من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروءته ليسقط من أعين النّاس أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان< وغيرها من الروايات.

[9] في مفهوم التسامح وإشكالات، أ. عبد الحسين شعبان، ص2.

[10] للمزيد من الاطّلاع على هذا الأمر انظر: فلسفتنا، السّيّد محمد باقر الصدر، ص125.

[11] والأمثلة على ذلك كثيرة، يكفي الإشارة إلى أطفال فلسطين ومقدار المعاناة التي يعيشونها من قتل وتشريد وسجن بمرأى من الجميع، ويطالعنا البعض بضرورة الانفتاح مع الصّهاينة بحجّة التّسامح والتّعايش.

[12] ومنها عند التّبشير إلى معتقداتهم -مع كفالة حقّهم في ممارسة عباداتهم بما ثبت عندهم- والالتزام بقوانين الدّولة الإسلاميّة فلا يمارسون محلّلاً عندهم جهاراً وهو محرّم في الإسلام، وهكذا.

[13] سورة الأعراف: 199.

[14] تفسير الأمثل، الّشيخ ناصر مكارم، ج4، ص607 في تفسير الآية 199 من سورة الأعراف.

[15] بحار الأنوار، المجلسيّ، ج72، ص244.

[16] سورة آل عمران: 159.

[17] سورة الفرقان: 63.

[18] سورة النحل: 125.

[19] حياة الإمام الحسن×، الشّيخ باقر شريف القرشي، ج1، ص214. نقلاً عن: http://www.erfan.ir/arabic/87932.html. 

[20] بحار الأنوار، المجلسيّ، ج43، ص344.

[21] وردت على لسان حجر بن عدي. مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج3، ص197.

[22] الأخبار الطوال، ابن قتيبة الدينوري، ص220.

[23] مقاتل الطالبيين، أبي الفرج الأصفهاني، ص44.

[24] الاحتجاج، الشيخ الطبرسي، ج2، ص12

[25] https://www.saffar.org/?act=artc&id=702 اطلع عليه بتاريخ 6-4-2018م.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا