التكافل الاجتماعي.. فرض أم نفل؟

التكافل الاجتماعي.. فرض أم نفل؟

مقدمة:

ورد عن سيدنا ومولانا أبي الحسن الكاظم× أنَّه قال: >من قصد إليه رجل من إخوانه مستجيرا به في بعض أحواله، فلم يجره بعد أن يقدر عليه، فقد قطع ولاية الله§<[1].

لمفهوم المسؤولية حضورٌ فاعلٌ في معادلة الحياة، حيث إنَّ هذا المفهوم هو الذي يُشعر الإنسانَ بقيمته أمام ذاته، وكذلك أمام مجتمعه، وكون الإنسان مسؤولاً هو الذي يُبعده عن حياة العبث واللاهدفية، وذلك بغض النظر عن مصدر المساءلة الذي يعتدُّ به المسؤول، فقد يكون المُسائِل الذي يجعل الإنسانُ مساءلتَه ميزاناً في تقييم أدائه هو الله سبحانه، أو هو مَن دونه، فنفس استشعار المسؤولية يجعل الإنسان هادفاً في عمله، مقيماً ومقوماً له، وكذلك محاسباً فيه.

هذا أصلٌ متَّفقٌ عليه، غير أنَّ موضع الخلاف انصبَّ في جهة من جهاته، متمثلةً في السؤال التالي: ما هو متعلَّق هذه المسؤولية؟!

وبعبارة أوضح: الإنسان المسؤول، ينبغي أن يكون مسؤولا عن ماذا؟! وهنا تتعدَّد الاحتمالات، فقد يقال: إنَّ الإنسان مسؤول عن نفسه فقط وفقط، وقد يقال: هو مسؤول عن نفسه وعن غيره مطلقاً على حدٍّ سواء، أو عن بعضٍ من غيره، وهناك احتمال آخر، وهو: أنَّ الإنسان مسؤول عن نفسه وعن غيره لا بحدِّ الاستواء، فهو عن نفسه مسؤول أولاً، وعن غيره ثانياً، وربما تجد من يقول: هو مسؤول عن غيره بدرجة أولى، وعن نفسه بدرجة ثانية، وهكذا تتعدَّد الاحتمالات.

ولا شكَّ في أنَّ الإسلام يلغي احتمال التمحُّض في الذاتية تجاه المسؤولية، كما أنَّه يلغي احتمال التمحُّض في الغيرية تجاهها، وأنَّه يثبت ضرورة أن تكون المسؤولية ذات جهتين، نفسية، وغيرية، ومع تتبّع النصوص نجد في بعض الحالات أنَّ الشارع يرى الأولوية للالتزام بمسؤولية النفس، فيقدّمها على المسؤولية تجاه الغير في مورد التزاحم، وكذلك الأمر بالعكس في بعض الحالات الأخرى، وأمَّا في الحالات التي لا يكون الأمرُ فيها من موارد التزاحم، فإنَّنا نجد الإسلام يهتمُّ بتفعيل المسؤولية بجهتيها معاً، مع تركيزٍ -في بعض الأحيان- على المسؤولية تجاه الغير؛ معالجةً لإغفالها الحاصل لدى كثيرين، وهذا ما ولّد لنا التنبُّه إلى عنوان (التكافل الاجتماعي)؛ ذلك لأنَّه عنوان يفعِّل جانب المسؤولية في خصوص بعدها الغيري، وقد ركَّزت عليه النصوص، فنجده عنواناً حاضراً، وفاعلاً، وملموساً في أدبيات وتشريعات الإسلام، ولهذا سنتناوله ضمن ثلاث نقاط:

الأولى: حول معنى التكافل الاجتماعي.

الثانية: حول مستنده ودليله بحسب الرؤية الدينية.

الثالثة: في الحديث حول ملاكه، وما يترتب عليه من آثار.

النقطة الأولى: معنى التكافل الاجتماعي

ينبغي أن نسأل أولاً: ما هو المقصود من التكافل الاجتماعي؟

والجواب: أنَّ (التكافل) على وزن: (تفاعل)، وهي صيغة تفيد: المشاركة في مادة الفعل بين طرفين، والتكافل من مادة: (كفل)، أي: ضمن، أو أعال، أو: قام بالأمر، والشأن[2]. وعليه يكون معنى التكافل لغة هو: التشارك في ضمانة الآخرين، فيكون أفراد المجتمع بعضهم ضامنو بعض، ومعيلو بعض، ويقيم كلُّ واحد منهم شأن الآخر، فيجد نفسه معنيا به، وبكلِّ ما يصلح حال الآخرين، ويسدُّ عوزهم.

ونرى أنَّ (التكافل) في هذا المصطلح مضاف إلى كلمة: (الاجتماعي)، بمعنى أنَّ المقصود هنا من التكافل هو ما يكون في البعد الاجتماعي، أي: ما يرتبط مباشرة بجانب العلاقات بين أفراد المجتمع، والروابط التي تجمع بينهم، بمختلف عناوينها، ولكثرتها ينبغي تحديد الجامع بينها مما ينبغي لها أن تؤول إليه، وهذا الجامع الذي هو في مورد الحديث هو: إطار الإيمان، والانتساب إلى الدين.

والنتيجة النهائية هي: أنَّ المقصود من (التكافل الاجتماعي) -من الناحية المفهومية- هو: التضامن، والتكاتف بين أفراد المجتمع المؤمن، ويكون ذلك من الناحية العملية الصدقية: بأن يعدَّ كلُّ مؤمن نفسَه مسؤولاً عن شؤون غيره من المؤمنين، مما يرتبط بالحاجة، والنقص، وذلك بما لا يقتصر على مستوى الشعور فقط، بل يتعدَّاه إلى مستوى ترتيب الأثر العملي، بحيث يعدُّ نفسَه ضامناً -حسب استطاعته- لكلِّ من تلبَّس بعنوان الإيمان، معيلا ومعينا له، ومعْنيّاً بأمره، وقاضياً لحاجاته، ساعياً في إنجازها، سواء كانت مالية، أم اجتماعية، أم أمنية، أم معيشية، أو غير ذلك، فكما يكون الإنسان ضامنا، وكفيلا، ومسؤولا عن أبنائه، فبدرجة ما هو أيضا مسؤول عن كلِّ من تلبَّس بالإيمان، من بلده كان أم لا، من عرقه كان أم لا، من أقربائه كان أم لا.

وهذا المصطلح بهذا المعنى، وإن لم يكن قرآنياً أو روائياً من جهة لفظه، حيث لا تجد نصَّ هذا الاستعمال في لسان الشارع المقدَّس لا قرآناً ولا روايةً، إلا أنَّه كذلك -بلا شكّ- من جهة دلالته، ومضمونه، ومعناه، ومن هنا نحن نحاول أن نثبت حثّ الشارع -بشكل وبآخر- أتباعَه على هذا النوع من التكافل، وهذا يحتاج إلى إثبات؛ حيث فيه كلفة زائدة، فهو تكليف تترتب عليه الكثير من الآثار، ولذلك ينبغي علينا أن نسأل: ما هو مستند مطلوبية هذا المصطلح بهذا المعنى الواسع في الرؤية الدينية؟ وما هو دليله؟ وهذا ما نتناوله إن شاء الله في النقطة الثانية.

النقطة الثانية: مستند التكافل

السؤال هنا: لماذا أكون معنياً بغيري من المؤمنين، مسؤولاً عنه، فأُعدُّ مقصِّراً معه إذا لم أسعَ في حاجاته -إن كنت قادرا على ذلك-، ومؤاخذاً على هذا التقصير؟! ما هو الدليل على ذلك؟!

والجواب: من الممكن أن يكون من خلال وجوه متعددة، أختار منها ثلاثة، وذلك لوقوع هذا الموضوع في منطقة الإهمال لدى الكثيرين، رغم حساسيته، وخطورته كما سوف يتَّضح من هذه الوجوه الثلاثة:

أولا: الوجه العقلائي: وهو البعد الذي يعتمد على حكم العقل العملي لدى العقلاء تجاه هذا المفهوم القيمي، وهذا الحكم يعتمد على مقدمتين:

الأولى: أنَّ في التكافل بالمعنى المذكور مصلحةً تلزم من تفويتها مفسدة اجتماعية عظيمة، وتتمثَّل هذه المصلحة في أنَّ نظم أي مجتمع يعتمد على وجود ظاهرة التكافل بين أفراده، حيث إنَّ انعدام حالة التكافل يعني تكسُّرا في الروابط الاجتماعية، وذوبانا في الأنانية، وتكريسا لحالات العوز، وتوسيعا لفوهة الاحتياج، وبالتالي: تزاحماً على المصالح رغبةً في استجلابها على حساب الآخرين، مما يستوجب عراكاً، واستنزافاً، وحرباً، وقتالاً، وسحقاً، وسرقة، وظلماً، وعدواناً، وهذا كلُّه يعني: اختلال النظم.

إذاً: التكافل الاجتماعي فيه تفعيل لحالة الإنسانية، والتعاضد، والتعاون، وسد الحاجات، واقتلاع جذور الجريمة، وأسباب التعدي، وهذا ما يحفظ نظم المجتمع، وبهذا يظهر من المقدمة الأولى أنَّ نظم المجتمع مصلحة مترتبة على التكافل، وهي من المصالح العظيمة.

الثانية: أنَّ العقل العملي يلزم بعدم جواز تفويت المصالح العظيمة، وإلا خرج المفوِّت لها عن اتزانه، وصار محطاً لمعاتبة العقلاء، ولومهم، وتقبيحهم لتفويتها.

والنتيجة: لا يجوز عقلائياً ترك التكافل الاجتماعي، ولو ما كان منه بدرجة حفظ النظم الاجتماعي على الأقل.

ثانيا: الوجه الفطري: وهو يعتمد أيضا على مقدمتين:

الأولى: أنَّ الإنسان -كما يتبنَّاه بعضُ المحققين- مدنيٌّ واجتماعيٌّ بالفطرة، فهو من طبيعة خلقته يتجه إلى تكوين العلاقات الاجتماعية، ومع افتقادها يكون فاقداً لحاجة فطرية ملحة، ولذلك كان من أنواع العقوبات المتعارفة: السجن الانفرادي، الذي يُفقِد الإنسانَ هذه الحاجة الفطرية لديه، فيصلح بذلك للعقاب في نظر المعاقب -بغض النظر عن حقانيته في عقابه من عدمها-.

الثانية: أنَّ من أهم ما يسهم في إيجاد هذه العلاقات الاجتماعية أولاً، والمحافظة عليها ثانياً: التكافل الاجتماعي، وهذا واضح لا يحتاج إلى دليل، فكلُّنا نعيش ضمن مجتمع، ونرى وجدانا أنَّه كلَّما زادت درجة حسِّ التكافل لدى الآخر، كان ذلك أدعى للميل إليه، والتمسُّك به، والعكس صحيح، بل إنَّ ملاك استمرار العلاقات كثيراً ما يكون متمثِّلاً في درجة حس التكافل الاجتماعي الذي يمتلكه طرفا العلاقة.

والنتيجة: أنَّ التكافل الاجتماعي يبني العلاقات الاجتماعية، ويحافظ عليها، ويكاد يكونُ هو الطريق الأبرز في بناء العلاقات، والمحافظة عليها، فيلبي بذلك الحاجة الفطرية، ومع فقده تبقى هذه الحاجة شاغرة، مما يتسبب بجملة من المشاكل الخطيرة؛ ذلك أن الطرف الذي يرى هذه الحاجة الفطرية معطّلةً عنده، قد يتّجه إلى سدّها ولو بالطرق غير المشروعة، وبذلك نستطيع أن نقول: إنَّ الفطرة تقضي بلزوم تفعيل حالة التكافل بين أفراد المجتمع.

ثالثا: الوجه التعبّدي: وهذا يعدّ من أهم الوجوه، وبه ينكشف ولو وجهٌ من ملاك التكافل الذي أوجب القول بمطلوبيته، فإنَّه بالنظر إلى أقوال الشارع المقدَّس، نفهم أنَّ هذا النوع من التكافل مطلوب بدرجة شديدة، تجعل المكلَّف في وارد المساءلة والمؤاخذة على تقصيره تجاهه، وها هنا بعض النصوص التي تدلُّ على ذلك:

1- عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >اختبروا شيعتي بخصلتين: المحافظة على أوقات الصلاة، والمواساة لإخوانهم بالمال، فإن لم تكونا فأعزبَ ثمّ أعزبَ، ثم أعزبَ<[3]، أي: إن لم يتوفَّر على خصلة المواساة بالمال، فقد بعد عن حظيرة الولاية والتشيُّع، ونرى هنا بوضوح أنَّ من علامات الإيمان على مستوى السلوك: المواساة بالمال، التي هي من أبرز مصاديق التكافل الاجتماعي، فمتى ما وجد الإيمان، دعا بطبيعته صاحبَه إلى المواساة، ومتى ما فقد، فإنَّ ذلك يكشف عن وجود خلل في الإيمان.

2- ورد عن سيدنا الصادق× أنَّه قال يوماً لأصحابه: >ما لكم تستخِّفون بنا؟< فانبرى إليه رجل من أهل خراسان فقال له: معاذ الله أن نستخفَّ بك أو بشيء من أمرك، فأجابه الإمام× وهو مغيظ قائلاً له: >إنَّك أحد من استخفَّ بنا<، فقال: معاذ الله أن أستخفَّ بك! فقال×: >ويحك! ألم تسمع فلاناً ونحن بقرب الجحفة وهو يقول لك: احملني قدر ميل فقد والله أعييت، والله ما رفعتَ له رأساً، لقد استخففت به، ومن استخفَّ بمؤمن فبنا استخف، وضيَّع حرمة الله§<[4]، وهذا مثال آخر للتكافل، متمثِّلا في الإعانة، ولو بغير المال، وواضح أنَّ الذي يأنف عن تقديم الإعانة إلى إخوانه، ولو كانت بهذا المستوى البسيط، فإنَّه مستخفٌّ بأمرهم، وهذا يعني الاستخفاف بالأئمة، مما يوجب تضييع حرمة الله تعالى! وعليه: فحفظ حرمة الله مرهون بالتكافل بين إخوة الإيمان، وهذا ما أكَّد عليه حديث آخر عنه×: >من عظّم دين الله عظّم حقَّ إخوانه، ومن استخفَّ بدينه استخفَّ بإخوانه<[5].

3- سئل الصادق× عن أدنى حقِّ المؤمن على أخيه، فقال×: >ألا يستأثر عليه بما هو أحوج إليه منه<[6]، وفي هذا الحديث ضابطة عامة في حدِّ التكافل، تمثل أدنى مستوياته، وقد عبَّرت عن ذلك بالحق، ودلالته لا تخفى.

4ـ عن الكاظم×: >من قصد إليه رجل من إخوانه مستجيراً به في بعض أحواله فلم يجره بعد أن يقدر عليه فقد قطع ولاية الله§<[7]، فالمحافظة على الولاية الحقيقية متوقِّفة على التكافل.

5ـ وعن الكاظم× أيضاً: >إنَّ من واجب حق أخيك ألا تكتمه شيئاً تنفعه به لأمر دنياه وآخرته، ولا تخلِّ بينه وبين عدوه من الناس<[8]، فخذلان الأخ المؤمن مع قدرتك على نصرته، ومعاونته، وحمايته، تضييع لحقه، واستخفاف بأمره.

ومن جملة ما تقدَّم نفهم: أنَّ المؤمن لكي يكون مؤمناً حقيقياً لا بدَّ من أن يتلبَّس بالإيمان نظراً وعملاً، بأن يؤدي ويلتزم بما يقتضيه الإيمان، ومما يقتضيه الإيمان: تحقيق علاقة الأخوّة حقيقة بين المنتسبين إليه، ثمَّ هذه الأخوّة تلزم بالتكافل، والتعاون، والاهتمام، والإجارة، والحماية، والتباذل، والمساعدة، والإيثار، فحقيقة الأخوّة هي التكافل، فإذا ترك الإنسان التكافل، أخلَّ بعلاقة الأخوّة، مما يعني بأنَّه أخلَّ بإيمانه المتَّصل بجزئية الإخلال على الأقل.

وبهذه الأدلة وغيرها يظهر مدى اهتمام الشارع بالتكافل، حتى انعكس ذلك على الكثير من أحكامه الشرعية بشكل واضح وملموس، وهذا بحدِّ ذاته يكشف عن وجود ملاك ومصلحة يطلب بها مفهوم التكافل، فهو من المفاهيم القيمية ذات المطلوبية لدى الشارع المقدس، وقد يظهر مما تقدَّم أنَّ هذا الملاك يصل إلى حدِّ الإيجاب؛ إذ يتوقَّف الإيمان والولاية على التكافل، وأنَّ من لا يتكافل يستخفُّ بأمر الله تعالى والعياذ بالله، ولكننا لا نجد من فقهائنا من يوجب هذا النوع من المواساة بهذا الوضوح، وبهذه السعة، وأنَّهم يقتصرون على إيجاب بعض الأحكام الشرعية التي لوحظ فيها مضمون عنوان التكافل من ناحية التشريع، كالزكاة، والخمس، والكفارات، ووجوب إنقاذ المؤمن، وحفظ حرمته، وغير ذلك، وأمَّا المساحة الباقية، فإنَّهم يقتصرون على الإفتاء باستحبابها وندبها غالباً، ومن هنا ينشأ هذا التساؤل: ما هي درجة مطلوبية هذا الملاك؟ هل تقتصر على الندب والاستحباب دون إلزام؟ أم أنَّها تصل إلى حدِّ الوجوب؟ والجواب عن هذا السؤال سيكشف عن مدى أهمية المسألة في نظر الشارع..

النقطة الثالثة: ملاك التكافل

عندما نفتِّش في فقه الشريعة، فإنَّنا سنجد -فيما يرتبط بعنوان التكافل الاجتماعي- إلزاماً تارة، واستحباباً تارة أخرى، وما نتكلَّم عنه هنا من مصاديق للتكافل قد وقع أغلبه تحت عنوان المندوب والمستحب، لا تحت عنوان الواجب إلا في حالات قليلة، ونادرة، فمثلاً: مواساتي أخي المؤمن بمالي حين أعلم أنَّه محارب في رزقه، وإيوائي لطريد أو مستجير يلاحقه عدوُّه لينكِّل به، ومدّي يد العون لمريض محتاج يشارف على الموت مع توفِّر العلاج له، والمساهمة في تعليم من وقع ضحية لمشاريع التجهيل، ومساعدتي لمدين لا ينام الليل من كثرة ديونه وملاحقة دائنيه، وتزويجي للأعزب، وغير ذلك من أمثلة لا تحصى، هذا كلُّه مطلوبٌ على نحو الفرض؟ أم النفل؟

الظاهر أنَّ أغلب ما ذُكر في أغلب حالاته مطلوب على نحو الندب لا الوجوب، وهكذا يتعامل معه أغلب الناس..

وقد يقول قائل: إنَّ مقدار ما أوجبه الشارع مما يحقِّق عنوان التكافل كافٍ في نفسه للخروج عن عهدة المسؤولية تجاه هذا العنوان، بعبارة أوضح: قد يقول قائل: إنَّ التزامي بالزكاة، والخمس، وغير ذلك من الأحكام الواجبة المحقِّقة لعنوان التكافل، يبرئ ذمتي، ويخلي مسؤوليتي أمام الله©، وإلا لو لم يكن ذلك كافياً، لأوجب الله تعالى عليَّ غيرَه، والفرض أنَّه لم يفعل، وعليه: لا عيب في الاقتصار على الأحكام الواجبة في تفعيل عنوان التكافل، ولا ينبغي أن نُوجب في هذا العنوان ما لم يوجبه الله تعالى..

وهذا الكلام على إطلاقه غير صحيح، وذلك قد اتَّضح من بعض الأحاديث المتقدِّمة؛ حيث إنَّ ترك بعض السلوكيات -ولو كانت مستحبة- إذا كان مآلُه إلى الخدش في أصلٍ عقائدي، فإنَّ تركها يحرمُ من هذه الجهة، وهو يكون كاشفاً عن خللٍ في الإيمان من هذه الجهة، وترك التكافل مع المؤمنين -مع القدرة عليه- قد يكون في كثيرٍ من الأحيان مسبَّباً عن الاستخفاف، وهذا يكون حراماً لجهة الاستخفاف بأمر المؤمن، الذي يعني استخفافاً بأمر الإمام، وتضييعاً لحرمة الله، وقطعاً لحبل الولاية.

وكثيراً ما يكون ترك التكافل متلازما مع هذه العناوين، وحينئذ لا يُقال: إنني سأكتفي بما أوجبه الله تعالى عليّ؛ لأنَّ تركي أخي المؤمن في حاجته -مع قدرتي على نفعه واستنقاذه ورفع حاجته- يعني خللاً في الإيمان.

ويؤكِّد هذه الفكرة ما قد يُفهم من بعض النصوص -ودلَّت عليه بعض الروايات- أنَّ ملاك التكافل الاجتماعي بهذه السعة المذكورة، إنما هو ملاك يصل في حدِّ ذاته إلى الوجوب بحسب أهميته في نفس الأمر والواقع، إلا أنَّ هناك مصلحةً أخرى تعارضه، أوجبت التخلِّي عن إيجاب التكافل بهذه السعة حتى لا يقع المكلَّف بحسب نوعه في محذور أكبر، وقد تكون هذه المصلحة الأخرى هي مصلحة التسهيل؛ أي: التخفيف عن هذه الأمَّة حتى لا تقع في محذور ارتكاب المحرَّم من خلال وقوعها في مظنَّة المخالفة، وقد ورد في ذلك عن الإمام الصادق×: >قال رسول الله|: ثلاثة لا تطيقها هذه الأمّة [ومنها:]: المواساة للأخ في ماله<[9]، ولذلك جُعل التكافل مستحباً أكيداً رغم توفُّر مقتضى الوجوب فيه، ثمَّ بقيَت الحالات الضرورية على ملاكها الأول -الوجوب-، لا أنَّها أُوجِبَت لطرو مِلاك الضرورة كما قد يُظَن.

وعليه: لم يدّخر أهل البيت^ جهداً في بيان الآثار الأخروية المترتبة على عنوان التكافل -فضلاً عن الدنيوية منها- ترغيباً لأتباعهم في ممارسته، وأقتصر على ذكر بعض الأحاديث التي تكشف بعض الآثار المهمة، والمطلوبة:

الحديث الأول: عن الصادق×: >من نفَّس عن مؤمن كربة نفَّس الله عنه كرب الآخرة، وخرج من قبره وهو ثلج الفؤاد، ومن أطعمه من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقاه شربة سقاه الله من الرحيق المختوم<[10].

الحديث الثاني: عن الأمير×: >من كفّارات الذّنوب العظام: إغاثة الملهوف، والتّنفيس عن المكروب<[11].

الحديث الثالث: عن الباقر×: >تنافسوا في المعروف لإخوانكم، وكونوا من أهله، فإنَّ للجنَّة باباً يقال له المعروف لا يدخله إلا من اصطنع المعروف في الحياة الدنيا، فإنَّ العبدَ ليمشي في حاجة أخيه المؤمن فيوكِّل الله§ به ملكين، واحد عن يمينه، وآخر عن شماله، يستغفران له ربَّه، ويدعوان له بقضاء حاجته<[12]، وعنه×: >لا يرى أحدكم إذا أدخل على مؤمن سروراً أنَّه عليه أدخله فقط، بل والله علينا، بل والله على رسول الله|<[13]..

وفي الطرف المقابل أيضا: من يقصّر في التكافل وهو قادر عليه، يلقى آثاراً وخيمةً في الآخرة، فعن الصادق×: >أيّما مؤمن منع مؤمناً شيئاً مما يحتاج إليه -وهو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره-، أقامه اللهُ يوم القيامة مسودًّا وجهُه، مزرقّةً عيناه، مغلولةً يداه إلى عنقه، فيقال: هذا الخائن الذي خان الله ورسوله، ثمَّ يؤمر به إلى النار<[14].

ويترتب على ذلك:

أنَّه لا ينبغي أن يُصغى إلى محاولات الاستحواذ على ظاهرة التكافل الاجتماعي، وتجريمها، والتخويف منها، كما لا ينبغي التقصير تجاه مسؤولية هذا الواجب الأخلاقي بحجة ما قد يُدخله من ضرر، بل ينبغي أن تُقاوم محاولات تعويق هذا المشروع الإلهي بشتَّى السبل المشروعة، وذلك بملاحظة طبيعة الظروف المختلفة، والتكيّف معها بما لا يوجب تخليًّا عن أصل هذه المسؤولية العظيمة.

والحمد لله أولا وآخرا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الكافي، الكليني، ج2، ص366.

[2] الصحاح، الجوهري، ج5، 187، وقال: (كفل) يدل على تضمن الشيء للشيء، انظر: لسان العرب، ابن منظور، ج11، ص589.

[3] مستدرك نهج البلاغة، الشيخ هادي كاشف الغطاء، ص163، وفي كتاب مصادقة الإخوان للشيخ الصدوق، ص47: عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله× >اختبر شيعتنا في خصلتين، فأن كانتا فيهم وإلا فاعزب، ثم اعزب<، قلت ما هما؟ قال: >المحافظة على الصلوات في مواقيتهن، والمواساة للأخوان وإن كان الشيء قليلا<.

[4] الكافي، الكليني، ج8، ص102.

[5] الأمالي، الطوسي، ص98.

[6] الخصال، الصدوق، ص8.

[7] الكافي، الكليني، ج2، ص366.

[8] نفس المصدر: ج8، ص126.

[9] مصادقة الإخوان، الصدوق، ص38.

[10] الكافي، الكليني، ج2، ص200.

[11] نهج البلاغة، ج4، ص7.

[12] الكافي، الكليني، ج2، ص165.

[13] نفس المصدر، ج2، ص189، ومصادقة الإخوان، الصدوق، ص60.

[14] الكافي، الكليني، ج2، ص367.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا