التراجع الروحي عند طالب العلم

التراجع الروحي عند طالب العلم

حاوره: الشيخ علي عقيل الجمري

والسيد فاضل السيد عباس الوداعي

خلق الله الإنسان وجعل له وساماً لا يطاله غيره، ولا يحرزه سواه، وهو تاج الكرامة الإلهية والخلافة الربانية على وجه الأرض ليكون مظهراً للتجلي الأعظم، قال الحكيم العليم: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}[1].

فأعطاه مع العقل الروح؛ ليشقّ بهما طريق النور ويحلّق بهما في سماء القرب، ومدارج الكمال، حتى يخرج إلى فضاء سعة رحمته، ولمعات برق القرب من آثار حمايته وعنايته، فكلّما اشتدّ أوار العقل وإشعاع الروح تعادلت كفّة ميزان السمو والرقي عند الإنسان، وإذا ما رجحت إحداهما على الأخرى أنبأ ناقوس الخطر وقُرِعَ جرس الحذر، وكانت النفس على شفا جرف هار!!.

وما أخطر الانزلاق في دنيا الإنسان! وما أسوأه في صفوف طلبة العلم الديني والمتلبسين بلباس العلم والتقوى؛ لأنّهم المعنيون بتربية أنفسهم ورسل الهداية لأبناء الأمّة، فكيف بهم إذا سقطوا في امتحان التربية الروحية؟!

وأيّ شيء يُرتجى منهم، وأيّ خطر يتهدّدهم ويهدّدون!!

فالتربية الروحية والسلوك العملي بـ (معيّة) التربية الفكرية والنمو العلمي: بمثابة صمّام الأمان وحزام السلامة عن الوقوع في أودية الظلام والانحراف.

ومن هنا ظفرت مجلة رسالة القلم بعلَم من أعلام الفضيلة والتُقى والأدب الرفيع، إذ كرّس الكثير من عمره مهتمّاً بتطوير الجانب الروحي لدى طالب العلم الديني (الحوزوي)، بالمطالعة والتحقيق في هذا البُعد من أبعاد الإنسان.

فما أحوجنا للوقوف بالنفس قبل قراءة هذه الأسطر النفيسة وهذا الحوار المُتلمّس حاجات الطالب مع فضيلة الشيخ عادل الشعلة (حفظه ورعاه).

ليكون محطّة (عملية فاعلة) بعد ذلك، فلا يكفي مجرّد الأمل والتمني في تهذيب النفس وإصلاحها، فلا يُدرك ذلك إلا بالسعي الحثيث والصبر والعزيمة.

السؤال1: كثير من الطلبة يشتكي من حالة التراجع الرّوحي عنده مع تقادم السنين في الدّراسة، فهل -يا ترى- طلبُ العلم يترك هذا الأثر؟! وما هي أسباب هذا التّراجع الرّوحي؟ وما هو علاج هذه الحالة الخطيرة؟

بسم الله الرحمن الرّحيم.

أولاً: المراد من التّراجع الرّوحي

ربّما يرد إلى الذهن من السؤال حول وضع التّراجع الروحي، هو التراجع عن المستوى الكمِّي للعبادات والطاعات التي كان يُمارسها طالب العلم قبل التحاقه بالحوزة، كاهتمامه بالنوافل، وصلوات الجماعات، والتعقيبات، وقراءة القرآن، وحضور فعاليات الاعتكاف والدّعاء، بينما هذه الممارسات كاشفة عن الوضع الرّوحي، والوضع الروحي مثل الإقبال والنشاط العبادي النابع من الحبّ ونشدان القرب.

فقد يكون هناك تراجع كمّي لكن قد يبقى التوقُّد الروحي مشتعلاً إقبالاً وشوقاً، وحبّاً ووصالاً، إخلاصاً يتحقّق في انطلاقة وممارسة كلِّ عمل، وذكراً يتفجَّر في مواقف الإثارة والغضب والاختلاف والنقاش، ولساناً لهجاً حال ذهاب الطالب وإيابه من وإلى درسه، وقلباً متيَّماً في لحظة انشداد قد تتوهَّج في فراغ تخلّل بين درس يُنتظر ابتداء أو أذان يُرفع.

ليس من ضيرٍ كبيرٍ في تراجع الممارسات الروحية -نافلة أو تلاوة أو تعقيب- حين يطرأ ظرفٌ يحول عن ممارسة عبادية مُستحبة بسبب حساب أولويات طارئة أو محسوبة، ولكن الضائر هو استمرارية هذا التراجع، والأخطر هو التراجع في الأحوال الروحية -الإقبال والحبّ والإخلاص ونحوها-؛ لأنّ الممارسات الروحية تُشعل الأحوال الروحية، فبالتلاوة وقيام الليل يتوهَّج الحبُّ والوصال، وكلَّما زادت الممارسات الروحية زادت الأحوال الروحية، وكلَّما زادت الأحوالُ الروحية زادت الممارسات الروحية، يتحوَّل الجلوس في الدرس إلى محراب، والسير إلى الدرس سير في المحراب؛ لأنَّه يستشعر أجنحة ملائكة السماء التي يطئها بأقدامه تعظيماً، بل حين يتنفَّسُ وهو مشتغلٌ بدرسه يتذكَّر -إن لم يستشعر- استغفار الطير له في الهواء، وحين يتحرَّك قلمُه في تأليف كتاب، يستشعر سيلان قطرات الجراحات في جهاد للشيطان والنفس والطّغيان، وهي قطرات إنْ كانت خالصة لله فسوف تفضّل على مداد الشّهداء في ساحات الحرب بالسلاح المادِّي، وهو ما يدفعه ليعيش الحماسة في الدفاع، والجدَّ في التصدِّي، وبذل الوقت والجهد على حساب راحته ورفاهيته، وكلُّها حالاتٌ روحية لا توازيها أحوال، وقس على ذلك. 

ثانياً: أسباب التّراجع الرّوحي

وهي كثيرة متعدِّدة:

منها: الذنوب التي قد يقع فيها طالبُ العلم من مثل: الغيبة، والحسد، والكراهية، وإيذاء الزوجة، أو التقصير في برّ بوالديه وغير ذلك، فإنْ لمْ يتخلَّص من الأمراض التي ابتلى بها القلب فلن يقترن العلمُ بالعمل، وسيكون سبباً في التخلُّف الرّوحي، ولو تأمَّلْنا قليلاً فيما ورد عن الحارث بن المغيرة النصري، عن أبي عبد الله× في قول الله§: {إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}[2]. قال(صلوات الله عليه): >يعني بالعلماء من صدَّق فعلُه قولَه، ومن لم يصدِّق فعلُه قولَه فليس بعالم<[3]. ومن الواضح أنَّ الخشيةَ وضعٌ روحي يستشعر فيه الخاشي عظمة الحقّ وهيبته، وخوف الحجب عنه، وهذا الوضع الروحي الخاص لا يحصل إلاّ لمن اطَّلع على جلال الكبرياء، وذاق لذّة القرب، وهذا الاطلاع والتذوّق، لا يحصلان إلاّ بطهارة الظاهر والباطن الحاصلة باقتران العمل بالعلم، كما يُشير إليه النّص المتقدم، فالذنوب تسبّب تراجعات كبيرة في أوضاع الإنسان الروحية.

ومنها: غياب المنهج الروحي والأخلاقي في الدراسات الحوزوية، وهو أمرٌ يتطلَّب وقفةً جادَّة وأساسية؛ إذ كما تتطلَّع الحوزة لصيانة لسان طالب العلم عن الخطأ في النطق، وكما تتطلَّع لصيانة عقله عن الخطأ في التفكير، أفلا ينبغي أنْ تتطلَّع لصيانة قلبه لتتحصّن جميعُ جوارحه عن الانحراف؟!

ومنها: إهمال الطالب نتيجة الغفلة والانشغال عن هذا الجانب، بما يشمل من مثل الانشغال العلمي؛ لأنّ المواد العلمية -بما هي مواد جافة- إلا القليل منها كمادة الفقه ودراسة آيات الأحكام والحديث، فإنْ ارتبطت جميعُها بالمقاصد، وكانت لدى طالب العلم نية حسنة في ذلك، فسوف يستشعر لذة الوصال.

ثالثاً: لعلاج تلافي التراجع الروحي

ينبغي القيام بالأمور الآتية:

الأمر الأول: وضع خطّة روحية وأخلاقية، ولا أقل تدوين الأولويات العبادية والأخلاقية والولائية، لتكون واضحة من جهة، ومحطّ الاهتمام التطبيقي اليومي أو الأسبوعي من جهة أخرى. فمن حدَّد زماناً خاصاً لزيارة المعصومة÷ مثلاً، فسوف يحرص على تحقيق ذلك، ولن يهمل الزيارة انشغالا بالارتباطات الأخرى، وقس على ذلك من مثل قيام الليل وتلاوة القرآن وغير ذلك.

الأمر الثاني: معاندة الظروف ومجاهدة النفس في تطبيق هذه الخطّة لتتحوَّل الممارسات إلى ملكات، وذكر الأخطار والأمراض التي ترغب في تلافيها في ضمن الخطّة، وأخذ قرارٍ بالتصدي لها أمر مهمٌّ في إدامة ذكر الله تعالى، وله تأثيرات روحية كبرى.

الأمر الثالث: تخصيص وقت يوميّ للتفكَّر، فمن شأن التفكُّر إيقاظ الإنسان من غفلاته، فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >أفكر تفق<[4]، ومن أفاق قام بما يجب القيام به؛ لأنَّ التفكُّر داعية، فعن ربعي قال: قال أبو عبد الله×: قال أمير المؤمنين×: >التفكُّر يدعو إلى البرّ والعمل به<[5].

فمن تفكَّر في عظمة الله وآلائه ونعمائه استحى، ومن تفكَّر في سكرات الموت وما بعده من العقوبات خاف، ومن تفكَّر في محن الدنيا وعدم وفائها وما فيها من المصائب والبليات وفي فناء أهلها قاده ذلك إلى الاستعداد، وكلّ ذلك موجب لترك الدنيا، والميل إلى الآخرة، ومحبة الحقّ، واستعمال الأعضاء الظاهرة والباطنة فيما خلقت لأجله.

ويمكن الإشارة إلى أمثلة من الأبواب التي ينبغي فتحها للتّفكِّر فيها:

الباب الأول: الأعمال: ومن موارد التفكُّر في الأعمال: أنْ تدرس طبائعها، وما إذا كانت نافعة أم لا، فعن× أنَّه قال: >تمييز الباقي من الفاني من أشرف النّظر<[6].

ويمكن إدخال مفهوم المحاسبة ضمن هذا النوع من التفكُّر، لدراسة النواقص والأخطاء وتدارك ما فات بالتوبة والاستغفار ونحو ذلك، والاستعداد لما ينبغي فعله.

الباب الثاني: الموت: يتفكَّر المؤمن في استعداداته للموت، والموانع التي تحول بين ذلك، وكيف يتلافى تلك الموانع، ونحو ذلك، ويمكن القيام بذلك في أحد المقابر ولو مرَّة في الأسبوع، وهذا يبيِّن ضرورة تحديد وقتٍ في الجدول لزيارة قبور المراجع والعلماء والشهداء، فعن الحسن الصيقل قال: سألت أبا عبد الله× عمَّا يروي النَّاس: >أن تفكر ساعة خير من قيام ليلة< قلت: كيف يتفكر؟ قال: >يمر بالخربة أو بالدار فيقول: أين ساكنوك، أين بانوك، مابالك لا تتكلمين<[7].

الباب الثالث: القرآن: فعن رسول الله| أنَّه قال: >اعطوا أعينكم حظّها من العبادة< قالوا: وما حظها من العبادة يا رسول الله؟ قال: >النظر في المصحف، والتفكُّر فيه، والاعتبار عند عجائبه<[8].

ولذا ينبغي للمؤمن أنْ يكون له حظٌّ يوميٌ -ليس من تلاوة القرآن والتفكُّر فيه، ومجاهدة النفس في التزامها ومواظبتها على ذلك-، بل في النّظر فيه، وهو سيقود لاستشعار مصدره ومكانته وتاريخه وغير ذلك، وهو موجب للخشوع والخضوع.

الباب الرابع: آلاء الله وآياته: فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >التفكُّر في آلاء الله نعم العبادة<[9].

وعنه× فيما أوصى به ابنه الحسن×: >لا عبادة كالتفكُّر في صنعة الله§<[10].

الأمر الرابع: مجالسة الرّوحانيين أو حضور مجالس الوعظ والإرشاد الأخلاقي والرّوحي، فعن الفضل ابن أبي قرة، عن أبي عبد الله× قال: >قال رسول الله|: قالت الحواريون لعيسى×: يا روح الله، من نجالس؟ قال: من يذكِّركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله<[11].

وعن رسول الله| أنَّه قال: >تذاكرُ العلم بين عبادي ممَّا تُحيى عليه القلوب الميتة إذا انتهوا فيه إلى أمري<[12].

السؤال2: أحياناً يشعرُ الطالب بأنَّ الوقت قد تضيّق عليه، إمّا لعدم إدارته الحكيمة للوقت أو لطارئ قد حصل له، فيجد نفسه أمام أحد أمرين: إمَّا أنْ يُكمل دراسته من تحضير وتقرير وغيرهما، أو أنَّه يوقف كلّ ذلك ويُمارس في هذا الوقت المتبقي عنده عبادَته التي يداوم عليها، كقراءة القرآن أو صلاة الليل مثلاً أو غيرها فماذا يصنع؟

بسم الله الرحمن الرّحيم.

إنْ لم يكن أحدُنا قادراً على تنظيم جدول شؤونه الدراسية أو غيرها فهو من التحدّيات التي ينبغي أن يضعها كهدف يتطلَّع إلى تحقيقه؛ إذ المفترض أنَّه قد وضع أنشطته وفق دراسةٍ تحقِّق الغايات، فإذا تأثَّر نشاطٌ معيَّن فلا ينبغي أن يتأثّر نشاط آخر، ليمسك بزمام بقية البرنامج ولا ينهار برنامجه كانهيار حجر الشطرنج، فالالتزام بالخطَّة الموضوعة يعني تحقيق أهدافك، فإذا تأثَّر شيءٌ فلا ينبغي أنْ ينسحب هذا التأثير على بقية الأشياء، بل سيقودُ إلى تقييم الالتزام بالخطَّة، وما إذا كانت تحتاجُ إلى بعض التعديلات.

نعم أحياناً هناك أولويات تقتضي تأثُّر أنشطة لاحقة، فلا يمكن إهمال مثل تحضير ما سيلقيه الأستاذ على طلابه، إن لم يكن النشاط اللاحق بمثل هذه الأولوية.

ولذا من أجل إدارة ناجحة للوقت، ينبغي التخطيط والتنظيم والتوجيه والمتابعة والتقييم الفعّال للأعمال والممارسات، ولتحقيق هذا الموضوع أشير لبعض الإجراءات الآتية:

أولاً: تحليل واقع الأعمال والأفعال التي تُمارس يومياً وأسبوعيا، فتُدوّن بشكل مفصَّل، وتُحصرُ الأوقات التالفة، كالوقت الذي يُقضى في استعمال برامج التواصل الاجتماعي عبر النت أو في مشاهدة برامج القنوات الفضائية أو في الحديث الجانبي بعد الانتهاء من الدّرس أو الصلاة، وبذلك سيتَّضح كيف يُقضى الوقت، ويُعرف مقدارُ الوقت الذي يتسرَّب يومياً من بين الأصابع دون أن يُتنبه إليه، ويُساعد على تحليل الأَولى والأهم من غيره.

ثانياً: وضع جدول يومي وأسبوعي، تحدّد فيه:

الأولويات الجسدية كالراحة والتجمُّل والأكل.

والأولويات العبادية كالفرائض والتعقيبات والنوافل وتلاوة القرآن وإحياء الليالي الفاضلة في الأسبوع والشهور.

والأولويات والولائية كزيارات النبي وأهل بيته(صلى الله عليهم أجمعين) وإحياء مناسباتهم.

والأولويات الأسرية لأداء حقوق الوالدين والزوجة والأولاد.

والأولويات العلمية والثقافية والتبليغية للقيام بما هو مسؤولية وواجب وتكليف، وهي واضحة للمعنيين بحسب اختصاصهم وتفرّغهم للفقاهة أو للتدريس أو للدراسة أو للخطابة أو للتأليف أو للإدارة أو للتّفقيه الاجتماعي أو غير ذلك.

طبعاً هناك قاعدة نافعة في تحسين مهارات تدبير الوقت وتُسمى بقاعدة "باريتو" نسبة إلى عالم الاقتصاد الإيطالي (فيلففريدو باريتو)، أو تُسمى بقاعدة "ثمانين عشرين"؛ باعتبار أنّ (باريتو) يدّعي أنَّ العالم لا يعرف مساواة في توزيع الثروات، وذلك لأنَّ 20% من البشر يملكون 80% من أموال العالم، وعمَّمت مجالات استعمالات القاعدة من عالم الاقتصاد والمال إلى كلِّ المجالات، وأطلق عليها اسم: "القلّة المؤثِّرة والكثرة الضعيفة"، باعتبار أنّ 80% من النتائج تنشأ عن 20% من الأسباب.

وإذا طبّقنا هذه القاعدة على موضوع تنظيم الوقت، فسنرى أنّ 20% مما نقوم به قد يستهلك 80% من الوقت. أو قل: 20% من المهام قد تكون مسؤولة عن 80% من النتائج. ووفق هذا تكمن أهمية تحديد 20% من المهام التي يمكن أن تدرَّ 80% من النتائج أو تستهلك 80% من الوقت، وتركّز عليها، لكي تستغل الوقت بطريقة فعّالة، وتصون المجهود من الهدر في أشياء غير مهمة.

إذاً فلنفكر في تلك الـ20% وإسهامها بشكل مؤثِّر في ما نريد تحقيقه من أهداف ونتائج، ولنبدأ بالتحليل والمراقبة لنعرف أيّ الـ 20% التي ينبغي أنْ نقوم بها في حياتنا وعلاقاتنا مع ربنا والمجتمع والدراسة وتحقّق 80% من النتائج التي نسعى لها.

وتعرف المهام الداخلة ضمن فئة الـ20% المؤثرة، من خلال اتصافها بالاستعجال والأولوية، ومما تحبّ القيام بها ولها تأثير في الوصول إلى الأهداف التي تتطلَّع إليها.

ولذا عليك أن تدوّن المهام التي عليك القيام بها خلال الأسبوع المقبل، وأنْ تقسِّم هذه اللائحة إلى جزئين: الأول تضعف فيه الأعمال التي تنتج 80 في المئة، والثاني للأعمال التي تنتج 20 في المئة فقط. وهكذا تخصّص أفضل أوقاتك للأعمال التي تنتج 80 في المئة، وبالتأكيد سوف يصبح إنتاجك أكبر بكثير من السابق.

السؤال3: تنتاب طالبُ العلمِ أحياناً حالةُ إدبار فتؤثِّر على تحصيله وروحيّته، فكيف يقوم بالتّصرف الحسن معها؟ وماذا لو طالت عنده هذه الحالة؟

بسم الله الرحمن الرّحيم.

الإقبال نوعان:

النوع الأول: إقبال في العمل: بمعنى حضور القلب وتفهّمه لما يفعل ويقول، وأوضاع وتحولات النفس بحسب طبيعة تفاعلات الأحوال والأقوال والأفعال، فمن تذكَّر عظمة من يخاطب ويتكلّم معه، وأنَّه ليس كسائر المُخاطَبين، فسوف يستشعر الهيبةَ منه، ومن لاحظ أنَّه مُقصِّر في أداءِ حقّه، فسوف تحصل له حالة حياء، ومنهم من يستشعر الخوف أو الرّجاء بملاحظة تقصيراته مع ملاحظة سعة رحمته تعالى. ومنهم من يُصلّي صلاة مودِّع مع ملاحظة موته.

ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الإقبال هو روح العمل وعمدة شرائط القبول؛ إذ مقدار القبول متوقِّف على مقدار القبول، ولذا فالطامع إلى الوصال ليس له إلاّ المجاهدة الدائمة في تخليص الفكر من المُشغلات الصارفات إلى أنْ يتوفَّق للسانٍ عامل من وراء قلب. وأعني بالمجاهدة الدائمة هي أنْ تكون قبل العمل، وفي أثنائه وما بعده، لتظلّ النّفس مستأنسة بالقربات والطاعات غير مستوحشة ولا نافرة.

النوع الثاني: إقبال على العمل: بمعنى الرغبة والنشاط، وحبّ التعبد والتهجد، والذّكر القرآني أو غيره.

وإنَّ للنفور والكسل والإدبار أسباب، منها الآتي:

السبب الأول: جفاف البيئة التي يعيشها، والأصحاب أحد مكونات هذه البيئة، فإن لم يتمتع الأصحاب بالنقاء النفسي، والتأجّج الروحي، فسوف يفقد المرء المحفزات والمشجعات والمنبهات، بل سيضطر لمعاندة هذا الواقع، فإمّا أنْ يتغلَّب عليه أو يغلبه فينساق مع تيار الجفاف الغالب.

ولا ريب أنَّ للأصحاب تأثير إيجابي أو سلبي، ومن شدّة هذه التأثيرات تجد أنَّ المرء يعضُّ أصبع الندم قائلاً: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً}[13].

وقال تعالى في بيان تأثيرات الأصحاب: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}[14].

السبب الثاني: افتقاد الطالب للمربي الذي يقوِّي من عزمه إذا فتر، ويحرِّك همَّته إنْ ضعفت، ويرشّده لموارد التأثيرات السلبية، ويقدِّم له مفاتيح التأثير الإيجابي لفتح أبواب القرب باستقرار وثبات.

السبب الثالث: تحميل النّفس ما يزيد على طاقتها دون أن تروّض على ذلك، كمن يُحمِّل نفسه في حال نشاطها بما لن يتمكّن من القيام به حال الفتور، كمن لم يكن برنامجه وحاله يساعده على تلاوة القرآن ثلاثة أجزاء لكنّه يشرع في هذا البرنامج حال إقباله ثمّ يتراخى تدريجياً لكونه فوق طاقته، ومنهج النبي وأهل بيته ^ هو تبني ما يمكنه الاستمرار عليه، فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >قليل تدوم عليه أرجى من كثير مملول منه<[15].

السبب الرابع: المعاصي، فيمكن وقوع طالب العلم في المعاصي، إمّا منه أو في المكان الذي يتواجد فيه، كأنْ يغتاب أو تصدر منه نظرة شهوية وغير ذلك، أو يستمع للغيبة ويرى المعاصي دون أن يحرِّك ساكناً قلبياً أو جوارحياً، ولكلّ ذلك تأثيرات سلبية على صفاء القلب وطهارته.

السبب الخامس: سوء إدارة شؤون تلبية الحاجات اليومية؛ كطريقة تعاطيه مع الطعام، فلذلك وأمثاله تأثيرات على النفس.

ووفق ما ذكر يمكن قول الآتي:

أولاً: هذه نماذج من الأسباب المؤثِّرة سلبياً، فإنْ كان شيئاً منها موجوداً في حياته فليسعَ جاهداً للتخلِّص منه، وإنْ لم يكن شيئاً منها ظاهراً فليتوسَّل إلى الله تعالى ليكشف له المؤثِّرات التي تصدر منه دون شعور، كإهانةٍ أو أذىً يسبِّبه لزوجته، أو أحد والديه دون التفات، بل ربَّما يعقُّ أبويه الميتين في حالة من الغفلة والنسيان، فقد ورد عن أبي عبد الله× أنَّه قال: >يكون الرّجلُ عاقّاً لوالديه في حياتهما، فيقوم عنهما بعد موتهما، ويصلي ويقضي عنهما الدين، فلا يزال كذلك حتى يكتب باراً، ويكون بارّاً في حياتهما، فإذا مات لا يقضي عنهما ولا يبرهما بوجه من وجوه البرّ فلا يزال كذلك حتى يكتب عاقّا<[16].

ولعلّ التّراجع الروحي بسبب بذور أمراض باطنية، فليتنبه إليها، فعن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر× قال: >قال رسول الله|: قال الله§: إنّ من عبادي المؤمنين عباداً لا يصلح لهم أمر دينهم إلاّ بالغنى والسعة والصحة في البدن، فأبلوهم بالغنى والسعة وصحة البدن فيصلح عليهم أمر دينهم، وإنّ من عبادي المؤمنين لعباداً لا يصلح لهم أمر دينهم إلاّ بالفاقة والمسكنة والسّقم في أبدانهم فأبلوهم بالفاقة والمسكنة والسّقم، فيصلح عليهم أمر دينهم، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر دين عبادي المؤمنين، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيتهجد لي الليالي، فيتعب نفسه في عبادتي فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظراً منّي له وإبقاء عليه، فينام حتى يصبح فيقوم وهو ماقت لنفسه، زارئ عليها، ولو أخلي بينه وبين ما يُريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك، فيصيِّره العجب إلى الفتنة بأعماله، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه، لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه، حتى يظنَّ أنَّه قد فاق العابدين، وجاز في عبادته حدّ التقصير، فيتباعد منّي عند ذلك، وهو يظنّ أنَّه يتقرَّب إليّ، فلا يتّكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي؛ فإنَّهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم وأفنوا أعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين، غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي، والنعيم في جناتي، ورفيع درجاتي العلى في جواري، ولكن برحمتي فليثقوا، وبفضلي فليفرحوا، وإلى حسن الظّن بي فليطمئنوا، فإنَّ رحمتي عند ذلك تداركهم، ومني يبلغهم رضواني، ومغفرتي تلبسهم عفوي، فإني أنا الله الرّحمن الرحيم، وبذلك تسميت<[17].

فهنا تراجعٌ عباديٌ بتدبير إلهي؛ لحفظ المؤمن من التّراجع الروحي، وإشارة إلى خطورة الإحساس بتوّهم التقدُّم والرّقي الروحي، بينما هو في عين التراجع الرّوحي والقربي، ولذا ينبغي دراسة أحوال النّفس وأمراضها ومعالجاتها لكي لا تؤدي إلى التّراجع العبادي أو الروحي في حال قد أوكلنا الله إلى أنفسنا، فليس للمؤمن إلاّ أنْ يراقب نفسه، ويتدبَّر في أحواله، ويتضرَّع إلى الله في أنْ يبصِّره أقواله وأفعاله، لعلَّ ذلك يفتح باباً من النّور المُرشد.

ثانياً: إنْ عَجَزَ المؤمنُ عن التّعرف على سبب ظاهر أو خفي في تراجعه العبادي والروحي، فليقم بما يمكنه تلافي بعض الخسارات العبادية والرّوحية، فيذهب إلى صلوات الجماعات، ويتصدَّق، ويكثر من أذكار الصلوات والحوقلات والتسبيحات والسّجودات، ودعوة مؤمن، وزيارة والديه أو الاتصال بهما لإبداء عنايته بهما إن كانا حيين أو إهدائهما بعض الأعمال الصالحة إنْ كانا ميتيين، وغير ذلك من أنحاء الطاعات والمقرِّبات للمولى الكريم.  

إنّ القلوب تتغيَّر وتتحوَّل، وما سمي القلب قلباً إلا لكثرة تقلّبه؛ قال الشّاعر:

قد سُمي القلب قلباً من تقلبّه * فاحذر على القلب من قلبٍ وتحويل

فلنكثر التضرُّع إلى الله تعالى بدعاء الغريق، فعن عبد الله بن سنان قال: "قال أبو عبد الله×: >ستصيبكم شبهة فتلقون بلا علم يُرى، ولا إمام هدى، ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق<، قلت: كيف دعاء الغريق؟ قال يقول: >يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك<"[18].

ثالثاً: أن يهتمَّ -سواء كان مهتماً سلفاً بالأعمال الصالحة المتقدمة أو لم يكن- بمراعاة النّفس وعدم إجبارها على النوافل والمستحبات، فعن علي بن معبد أو غيره، عن أحدهماp قال: >قال النبي| إنَّ للقلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فتنفّلوا، وإذا أدبرت فعليكم بالفريضة<[19].

وشبيهه ما ورد عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >إنّ للقلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فاحملوها على النّوافل، وإذا أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض<[20].

ولكن لا ينبغي الانسياق مع إدبارها حتى لا تتمادى، فإنْ استثقلت قيام نافلة الليل مرة، فلا ينبغي أن يُسمح لها في ليلة أُخرى، وإن كان ولا بدَّ من التّرك فلا أقل يُقام من نافلة الليل بعضها أو تُستبدل ببعض الأعمال العبادية كمجرد السّجود بين يدي الله تعالى شاكياً سوء الحال وحالة الإدبار، فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >وخادع نفسك في العبادة، وارفُق بها ولا تقهرها، وخذ عفوها نشاطها إلاّ ما كان مكتوباً عليكَ من الفريضة، فإنَّه لا بدّ من قضائها وتعاهدها عند محلّها<[21].

فقد يُستفاد من الحديث مطلوبية استخدام أسلوب المخادعة، فارفق بها ولا تقهرها، ولكن لا تهملها، لأنّ المخادعة تعني الوصول إلى ما لا يمكن الوصول إليه بشكل مُباشر، مما يعني السعي للإتيان بما يثقل على النّفس، بلطف ومداراة من غير عنف، لا أنْ تترك، فالنفس لحال رغبتها، فربما لن تتحقق الرغبة والإقبال من غير مخادعة وإكراه، وعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >إذا صعبت عليك نفسك فاصعب لها تذلّ لك، وخادع نفسك عن نفسك تنقد لك<[22].

وهناك فرق بين الإكراه الابتدائي الترويضي وبين الإكراه حال المداومة، فمن لم يكره نفسه ابتداء ويروِّضها فلن ترغب ولن تُقبل على ما ينبغي القيام بها، وهذا ما قد يُستفاد من مثل ما ورد عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >أفضلُ الأعمالِ ما أكرهتَ نفسكَ عَليْه<[23].

فحين يجد الإنسان إدباراً فليسعَ ليتداركه، لأنّ المداومة أمر مؤثِّر في الأعمال، فعن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله×: >إياك أنْ تفرض على نفسك فريضة فتفارقها اثني عشر هلالاً<[24]، فمن قرَّر القيام بطاعة من الطاعات المقرِّبة إلى الله تعالى فلا ينبغي مفارقتها لتعطي تأثيرها، وهذا يعني المداومة ومعاندة النفس حين يستمرُّ معها الكسل والخمول، فتروَّض لتلتزم لكي يُشكِّل العملُ الدّائمُ قاعدةً للرّقي إلى مراتب أرفع في القرب.

رابعاً: تذكير النّفس بما يجدِّد بصيرتَها، فإنْ استثْقَلتْ نفسي عن تلاوة القرآن، فعليّ النّظر في النصوص الحديثية التي تتكلَّم عن القرآن، وإن استثْقَلتْ نفسي عن صلاة الليل، فعليّ النظر في الروايات المعنيّة بصلاة الليل، وهكذا، فكلام النبي وأهل بيته^ نورٌ، ومن شأن هذا النور أنْ يبث الحياة إلى القلب من جديد، ويحرِّك الهمَّة ويشعل العزيمة.

وفي هذا الإطار ينبغي اختيار واستشعار بعض الثمار، لتكون منبهاً وحافزاً،  مثل اختيار هدف التقرُّب إلى الله تعالى للخروج من دائرة الكذَّابين، لكي يكون الهدف هذا دافعاً للقيام، أمَّا كون النافلة مثلاً موجبة للتقرُّب فمما ورد عن حماد بن بشير قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: >قال رسول الله|: -إلى أن قال- وما تقرّب إليّ عبدٌ بشيء أحبّ مما افترضت عليه، وإنَّه ليتقرب إليّ بالنافلة حتى أحبّه<[25]. وإمَّا كونُ النافلة مخرجة من دائرة الكذابين، فما ورد عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله× قال: >كان فيما ناجى الله§ به موسى بن عمران× أنْ قال له: يا بن عمران، كذب من زعم أنَّه يحبّني فإذا جنّه الليل نام عنّي، أليس كلُّ محبّ يحبّ خلوة حبيبه، ها أنا ذا يا بن عمران مُطّلع على أحبائي..<[26].

خامساً: التركيز على اجتناب ما يوجب قساوة القلب والقيام بما يُرقِّقه، فمن عالج قساوة قلبه صانه عن الإدبار، فكثرة الذنوب، والرغبة في عيش الغد، وكثرة الكلام، وكثرة الضّحك، وترك الذكر، وأمثال ذلك كلُّها موجبات لقساوة القلب، والقيام بنقيضها موجب لرقته، وإن ضُرِبَ ترك الذّكر مثالاً للمؤثِّر السلبي، فقد ورد عن رسول الله| أنَّه قال: >ترك الذكر يميت النّفس<[27]، بينما القيام به مرقِّقاً للقلب، كما ورد عن أبي جعفر× أنَّه قال: >وتعرَّضْ لرقة القلب بكثرة الذكر في الخلوات<[28].

السؤال4: الروايات عن الأئمة الطاهرين^ تُشير إلى وجود مرض الحسد بين طلبة العلم، ويلحظ هذا المرض عادة بشكل واضح بين الأقران، سواء كانوا في درس واحد أم منطقة واحدة أم غير ذلك، فكيف يحصّنُ الطالبُ نفسه من هذا المرض؟ وإذا وقع كيف يتخلَّص منه؟

بسم الله الرحمن الرّحيم.

من المهمّ للمؤمن تشخيص الحال الذي يعاني منه، فهل هو غيرة أو غبطة أو حسد، ولكلِّ حال حكم خاص، فإنْ كان غبطةٌ ومنافسة، بمعنى تمنّي مثل ما عند المغبوط؛ أي: يريد لنفسه مثل ما عند أخيه دون أن يريد زوال ما عند أخيه، فهذا الحال ليس مذموماً بل يدور حكمه مدار السبب، فإنْ كان دنيوياً، فعلّته حبُّ المباحات الدنيوية والتنّعم فيها، وهو وإنْ لم يكن حراماً، إلاّ أنَّه منافٍ للزهد والتوكّل والرضا، وإن كان السبب أمراً دينياً فعلّته حبُّ الله وحبّ طاعته، وهو أمر قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً، كلّ بحسبه، ويمكن شموله تحت قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[29].

طبعاً هذا كلُّه إنْ كان الأمرُ مقصوراً على مجرَّد الوصول إلى مثل ما للمغبوط لكونه من مقاصد الدين، أمَّا لو اقترن معه حبّ المساواة وكراهة التخلُّف والنقصان، ففيه خطر الوقوع في الحسد؛ لأنّ إرادة المساواة لغيره تفتح باب شهوة زوال النعم عن الغير عند العجز عن الوصول إليها؛ إذ بزوالها يزول شعوره بالتخلُّف والنقصان، بل قد يشعر بالارتياح أو الفرح والعياذ بالله.

ولعلّه لذلك عُبّر عن الغبطة بالحسد في بعض النصوص، وقد حمل معنى الحسد في هذه النصوص على الغبطة، باعتبار عدم انفكاكها عن أحدٍ، كما ورد عن النبي| أنَّه قال: >ثلاث لا يسلم منها أحد: الطيرة، والحسد، والظنّ<، قيل: فما نصنع؟ قال: >إذا تطيّرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق<[30]؛ أي: إنْ وجدت في قلبك شيئاً من الحسد فلا تعمل به، وكن كارهاً له.

وكيف كان فالسؤال عن الحسد، والحسد يعني تمني المرء لزوال نعمة الله تعالى عن أخيه المؤمن، مع ظنِّه بكون تلك النعمة التي يتمنَّى زوالها هي من صلاح ومصلحة المحسود، ولذا فإنْ كان باعثُه لذلك هو مجرَّد الحرص على وصول النعمة إلى نفسه فهو عائد إلى رداءة قوته الشهوية، وأمَّا إن كان الباعث مجرّد الرغبة في وصول المكروه إلى المحسود فهو من رذائل قوته الغضبية، ويكون من نتائج الحقد الناتج من الغضب، وأمَّا إنْ كان الباعثُ مركَّب من القوتين المذكورتين، فهو من نتائج رداءتهما معاً.

فالمعيار في كون المرء (حاسدا): أنْ يريد المرء للآخر ما يكرهه لنفسه، ويكره له ما يريده لنفسه، وهذا يكشف عن خبث في السريرة.

علاج الحسد:

وأشير إلى ثلاثة أدوية لعلاج هذا المرض:

الدواء الأول: أنْ يغيّر الحاسد طبيعة تفكيره الخاطئ، وذلك بأنْ يعرِف أنَّه سيقع فيما يريد الفرار منه، فإنْ كان يريد المصلحة لنفسه والضرر لمحسوده، فبالحسد سيحصل عكس ما يريد، فبالحسد سيضرُّ نفسَه، وينفع محسودَه، أمَّا ضرر نفسه فمن جهتين:

الجهة الأولى: أنَّ الحسد يسبِّب الأمراض الباطنية كالحزن والألم؛ إذ أنَّه يحزن ويتألم بكلّ نعمة يراها عند غيره، ونِعَمُ اللهِ تعالى لا تُحصى فآلامه وأحزانه لا تُحصى.

الجهة الثانية: انتقالُ صالح أعمال الحاسد إلى ديوان المحسود بسبب ظلمه لمحسوده، فعن النبي| أنَّه قال: >الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النّار الحطب<[31].

وأمَّا منفعةُ المحسود، فقد اتضحت من خلال ازدياد حسناته ورفع درجاته؛ إذ المظلومية التي تعرَّض لها كالعيب أو الغيبة أو التسقيط أو الإهانات أو غير ذلك، أوجبت حمل الحاسد لبعض معاصي المحسود، ونقل بعض من حسناته إليه.

الدواء الثاني: أنْ يُصفِّي رؤيتَه العقائدية من الشوائب والانحرافات؛ إذ أنَّ الحاسد ساخطٌ على إرادة الله تعالى، وشاكّ في حكمته، وإلاّ فلو كان مسلِّماً بقضاء الله تعالى وقدره، ومطمئناً بعلم وحكمة خالقه، لما اعترض أولاً: على وضعه، فإنّ الله تعالى قد أفاض نعمه عليه بحسب استعداده ومصلحته، وهما أمران لا يدركهما العبد من نفسه، ولما تمنَّى ثانياً: زوال النعم الإلهية عن عباد الله، لأنّ الله تعالى محبّ للخير، والحاسد مُحبٌّ للشرّ، فهو معاند لما يُحبُّه الله ويريدُه، وفي الكتب القديمة: >يقول الله§: الحاسد عدوّ لنعمتي، متسخِّط لفعلي (لقضائي)، غير راض بقسمتي (التي قسمت بين عبادي)<[32].

وقد ورد عن النبي| أنَّه قال: >قال الله§ لموسى بن عمران×: يا بن عمران، لا تحسد النَّاس على ما آتيتهم من فضلي، ولا تمدّنَ عينيك إلى ذلك، ولا تتبعه نفسك، فإنَّ الحاسد ساخطٌ لنعمي، صادّ لقسمي الذي قسمت بين عبادي، ومن يكُ كذلك، فلست منه وليس مني<[33].

فليطمئن الحاسدُ بأنَّ اللهَ تعالى عليم حكيم عادل، لا يظلم أحداً مثقال ذرةٍ، ولينظر بعين البصيرة إلى ما فضَّله اللهُ به على كثير من خلقه، فإنّ الجحودَ بفضل الله تعالى موجبٌ للهلاك؛ إذ الكثيرون ينظرون إلى ما حُرِمُوا منه، ولا ينظرون إلى ما رزقوا به، وهذا جحود للنعم.

الدواء الثالث: تطهير النّفس من الأمراض الباطنية، ومن الأمراض المولدة للحسد:

أولاً: حبُّ الرئاسة وطلب الجاه، فقد يحبّ المرء الثناء والمدح على شجاعته أو علمه أو عبادته أو جهاده أو رؤيته السياسية، ويكره أنْ يكون له نظير أو متفوِّق عليه في ذلك، فيتمنَّى زوال الصواب في الفكرة لتظهر صوابيّته، ويتمنَّى أنْ يغيبَ فلانٌ عن الساحة السياسية لتتفرّد وتسود قناعتُه ورؤيتُه، ويشتدُّ هذا الأمر خوفاً من المقاصد الواحدة، كتحاسد الضرَّات في مقاصد الزوجية، وتحاسد الأخوة في نيل المنزلة في قلب الوالدين، وتحاسد التلامذة في نيل المنزلة في قلب الأستاذ، وتحاسد العلماء والتيارات السياسية في نيل المقبولية الجماهيرية، أنت لا تجد تحاسداً بين أشخاص وجهات من بلدان بعيدة، وذلك لعدم تنافسهما على مقاصد واحدة يشاركه معه في مكان واحد.

ثانياً: التّكبر، فبعض النَّاس يشعر بالترفُّع العائلي أو العلمي ونحوهما، فيتوقّع متابعة تلامذته، فإذا تميّز أحدهم علمياً أو اجتماعيا لم يتحمَّل تفوُّق تلميذه عليه، فيتمنى زوال نعمة التفاف الجماهير وسيادة الرأي لتصل إليه، وقد يكون تكبُّره مدعاة لاستحقاره لتلميذه أو زميله، ويستنكر تقدَّمه وتميُّزه، فيحسده ويحبّ زوال ما لديه من نِعَم.

ثالثاً: الكراهية والبغضاء؛ إذ من عادى أو اختلف قد يفرح لزوال الدّعم والالتفاف الاجتماعي مع من يختلف معهم في الخيارات السياسية مثلاً.

والتطهير يحصل بالتخلُّص من الأمراض، فيرتفع في وضعه المعنوي والأخلاقي والروحي والفكري؛ لأنّ الحسد من صفات الهابطين المسجونين في سجن الأنا والذات، أمَّا المتخلِّصون من الحسد، فهم أهل العلو والرّفعة، {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ}[34]؛ فينظرُ لأصحاب النعم بالنظرة الإيجابية، فيفرح حين يجد المتحمّلين للمسئوليات في نصرة الدين، فيشكر الله تعالى أن وفق لمن يعينه على أداء رسالته، أو تخليصه من المسئوليات التي على عاتقه، وأنّ العزة التي صارت لفلان ليست عزة لشخصِه، بل هي عزّة للدين والمجتمع والوطن، فيعمل على مساندتها، وليس التخلّي عنها أو إضعافها.

السؤال5: نلاحظ أنَّ النَّاس في المجتمع يبالغون في المدح والمجاملة، وهذا المدح له آثاره الخطيرة كما في الروايات، فكيف أتعامل مع هذا المدح والمجاملات؟

بسم الله الرحمن الرّحيم.

المدح عملية ذبح، فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >مَنْ مَدَحَكَ فقدْ ذَبَحكَ<[35]، وإذا تعرَّض المؤمن لهذا الذبح، فينبغي اتخاذ المواقف المناسبة لمقاومة هذا الذبح، ومن هذه المواقف:

الموقف الأوَّل: أنْ يتوجَّه إلى الله تعالى مُستذكراً أحواله مع الله تعالى ليتصاغر في نفسه، وليصرّح بذلك علنياً من خلال الدعاء الذي ورد كـ(أمر، وصفةٍ، وسيرةٍ):

أمَّا كأمر: فلوروده عن النبي| أنَّه قال: >يا علي، إذا أُثني عليك في وجهك فقل: اللهم اجعلني خيراً مما يظنُّون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون<[36].

وأما كَصِفةٍ: فقد ورد عن أمير المؤمنين× أنَّه قال في بيان صفات المتقين لهمام: >إنْ زُكِّيَ أحدُهم خاف مما يقال له، فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم مني بنفسي، اللهمَّ لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنّون، واغفر لي ما لا يعلمون، فإنَّك علّام الغيوب، وستَّار العيوب<[37].

وأما كسِيرَةٍ: فقد ورد أنَّ أمير المؤمنين× كان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: >اللهمَّ إنّك أعلم منّي بنفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهمَّ اجعلني خيراً مما يظنّون، واغفر لي ما لا يعلمون<[38].

ونَقْل هذا الدعاء كسيرة يُبيِّن لنا بأنّ القول ليس إخفاتياً بل مسموعاً للمادح، وهي ردّة فعل موجبة لإخماد انتفاخ النّفس، وكأنَّه يقول لنفسه استذكري وضعك مع ربّك.

الموقف الثاني: استذكار الرؤية التي تصوغها الروايات للمادح لكي لا يستخف به المدح، عن رسول الله| أنَّه قال: >لو مشى رجلٌ إلى رجلٍ بسكين مرهف كان خيراً له من أن يثني عليه في وجهه<[39]، وفي هذا التّصوير إيضاحٌ لمدى خطورة التفاعل مع الإطراء، وأنّ الذبح به موجب لهلاكه؛ لأنّ للإطراء ريحاً خبيثة موجبة للوث القلب، فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >احترسوا من سورة الإطراء والمدح، فإنَّ لهما ريحا خبيثة في القلب<[40]، ومن صور الريح الخبيثة:

أولاً: الزهو: ما عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >كثرة الثناء ملق يُحدثُ الزهو، ويدني من العرة (العزّة)<[41].

ثانياً: الإعجاب بالعمل: عن أبي عبد الله× أنَّه قال: >ولا تغتر بقول الجاهل، ولا بمدحه، فتكبر وتجبر وتعجب بعملك، فإنَّ أفضل العمل: العبادة والتواضع<[42].

الموقف الثالث: دراسة طبيعة المدح المسموع لتتعامل النَّفسُ معه بوعي وبصيرة، فلو كان المذكور ليس في الممدوح، فليعرف بأنَّ المادح إنْ كان عالماً بذلك فهو مستهزئ، فقد ورد عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >مَنْ أُثني عَلَيْهِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ سُخِرَ بهِ<[43]، والموقف الاستهزائي يؤذِّي النفس ويستخفها ولا يفرحها، والمعزِّز للأذى أنّ هذا النمط من المادحين لا يؤمن جانبُهم ليفرح بإطرائهم، فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >من مدحك بما ليس فيك فهو خليقٌ أنْ يذمّك بما ليس فيك<[44].

وعنه× أنَّه قال: >مادحك بما ليس فيك، مُستهزئ بك، فإنْ لم تنفعه (تُسعفهُ) بنوالك، بالغ في ذمِّك وهجائكَ<[45].

وقريب منه ما ورد عنه× أنَّه قال: >إنَّ مادحك لخادع لعقلك، غاش لك في نفسك بكاذب الإطراء وزور الثناء، فإنْ حرمته نوالَك أو منعتَه إفضالك، وسَمَكَ بكلّ فضيحة، ونسبك إلى كلّ قبيحة<[46].

الموقف الرابع: كراهةُ المدح أو تكريه النفس له: عن رسول الله| أنَّه قال: >حبُّ الإطراء والثناء يعمي ويصم عن الدين، ويدع الديار بلاقع<[47]، فإنْ كانت هذه تأثيرات حبّ المدح، فلا يحبّه إلاّ جاهل، وقد ورد عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >أيُّها النَّاس! اعلموا أنَّه ليس بعاقل من انزعج من قول الزور فيه، ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه<[48].

الموقف الخامس: اعتبارُ المدح مذكِّراً ومقياساً للتوحيد والولاية، فحين يسمع أحدنا الإطراء فلينظر لباطنه، فإنْ رأى فرحاً وارتياحاً، فليجعله إنذاراً بالمرض الخطير المستشري في باطنه بصمت، فيستنفر جهده للتخلّص منه قبل الفوت، فعن أبي عبد الله× أنَّه قال: >لا يصير العبدُ عبداً خالصاً لله§ حتى يصير المدحُ والذمُّ عنده سواء؛ لأنَّ الممدوح عند الله§ لا يصير مذموماً بذمِّهم، وكذلك المذموم، فلا تفرح بمدح أحدٍ، فإنَّه لا يزيد في منزلتك عند الله، ولا يغنيك عن المحكوم لك، والمقدور عليك، ولا تحزن أيضا بذمِّ أحدٍ فإنَّه لا ينقص عنك به ذرة، ولا يحطّ عن درجة خيرك شيئاً، واكتفِ بشهادة الله تعالى لك وعليك، قال الله§: {وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً}[49]، ومنْ لا يقدر على صرف الذمِّ عن نفسِه، ولا يستطيع على تحقيق المدح له، كيف يرجى مدحه أو يخشى ذمّه، واجعل وجه مدحك وذمَّك واحداً، وقفْ في مقامٍ تغتنم به مدح الله§ لك ورضاه<[50].

وعن أبي جعفر× أنَّه قال لجابر بن يزيد الجعفي: >وإنْ مدحت فلا تفرح، وإنْ ذممت فلا تجزع، وفكّر فيما قيل فيك، فإنْ عرفتَ من نفسك ما قيل فيك، فسقوطك من عينِ الله§ عند غضبِك من الحقّ أعظم عليك مصيبة مما خفت من سقوطك من أعين النَّاس، وإنْ كنتَ على خلاف ما قيل فيك، فثوابٌ اكتسبته من غير أن يتعب بدنك، واعلم بأنَّك لا تكون لنا وليا حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا: إنّك رجل سوء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا: إنَّك رجلٌ صالحٌ لم يسرُّك ذلك، ولكن أعرض نفسك على كتاب الله، فإنْ كنتَ سالكاً سبيله، زاهداً في تزهيده، راغباً في ترغيبه، خائفاً من تخويفه، فاثبت وأبشر، فإنَّه لا يضرّك ما قيل فيك، وإنْ كنتَ مبائنا للقرآن فماذا الذي يغرّك من نفسك، إنّ المؤمن معني بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها، فمرة يقيم أودها، ويخالف هواها في محبة الله، ومرة تصرعه نفسه فيتبع هواها فينعشه الله فينتعش، ويقيل الله عثرته فيتذكّر، ويفزع إلى التّوبة والمخافة فيزداد بصيرة ومعرفة لما زيد فيه من الخوف، وذلك بأنَّ الله يقول: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}[51]<[52].

السؤال6: كيف يربي طالبُ العلم نفسه في الموقفين التاليين:

(أ) حينما يحتدم النّقاش في المباحثة قد تعترضُ النّفسَ بعضُ الخواطر بشكلٍ طارئ كحبّ الغلبة، والإصرار على الرّأي، وخوف المراء، والعجب بلطافة البيان، فكيف يمكن السيطرة على هذه الخواطر حتى لا يفلت الإخلاص من اليد؟

(ب) ما هو الحال الذي ينبغي أنْ يعيشه طالب العلم عند ثناء المدرس عليه أو على أحد آخر أمامه؟

بسم الله الرحمن الرحيم.

أولاً: فيما يتعلّق بتسرّب الخواطر الشائبة إلى النفس عند النقاش، فيمكن الإشارة إلى النقاط الآتية:

النقطة الأولى: من شعر من نفسه ذلك، فليعلم بتلوّث باطنه بمستوىً من المستويات، وهو ما يستدعي تمييز نوع المرض لعلاجه، فمرض حبّ الغلبة راجع إلى القوة الغضبية، ومرض العجب راجع إلى القوة الشهوية، ومرض الإصرار على الرأي راجع إلى القوة الشيطانية.

النقطة الثانية: أن نُعلِّم النّفس آداب الحوار مع الآخر، فتتعلّم أنْ تستمع ولا تُصاخب أو تُشاغب، ونقاش رفع الأصوات ليس صحيحاً على الإطلاق -وإنْ اقتضته الحكمة فهو بحاجة لتشخيص وليس انسياقاً لغضب النفس وشهوتها-، فإنْ كان الغرض إيصال الحقّ والصواب إلى الآخر أو كان الغرض فهم الحقّ أو تشخيصه فلن يتحقَّق بالانفعال المؤدِّي للصمم، وكم هو جميل ما ورد عن رسول الله| أنَّه قال: >ينبغي للعالم أنْ يكون قليل الضّحك، كثير البكاء، لا يمازح، ولا يصاخب، ولا يماري، ولا يجادل، إنْ تكلَّمَ تكلّم بحقّ، وإنْ صمتَ صمت عن الباطل، وإنْ دخل دخل برفق، وإن خرج خرج بحلم<[53].

وعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >إذا جلست إلى عالم فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلّم حسن الاستماع كما تتعلَّم حسن القول، ولا تقطع على أحد حديثه<[54].

وآداب الحوار -ما يشمل خلوصه ابتداء واستمرارا لله والحقّ- تتحقَّق من خلال تنبّه النّفس إلى أمراضها في حواراتها، ويشرع صاحبُها إلى ترويضها، ففي مثل التّحلِّي بالإخلاص فيمكن تعويدها على الصمت في الحالات التي لا يُوجب شبهةً وضرراً دينياً أو فكرياً أو نحو ذلك، فإنْ لم يكن شيئاً من هذا القبيل فيمكنه منعها عنه حين ترغب في الكلام وتشتهي النقاش والحوار، أو حين تشعر بالقدرة على إفحام الآخر، أو حين الشعور بصوابيّة الفكرة ووضوح خطأ فكرة الآخر، فالامتناع في مثل هذه الموارد يمكن من تقنين اللسان بالعقل، وبذلك يتجرَّد عن الشهوات الابتدائية أو الطارئة كشهوة الانتصار وغيرها.

ثانياً: في الأمر المتعلِّق بثناء الأستاذ:

فأمّا ثناؤه فإنْ كان ثناؤه عليَّ، فلا ينبغي أن يؤثِّر في النّفس سلبياً، لأنّ المدح كما أُشير إليه ذبح، وينبغي مقاومة هذا الذبح؛ لأنّ التسليم له موجب للهلاك والابتلاء بالأمراض، كمرض العجب، فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >إعجاب المرء بنفسه برهان نقصه، وعنوان ضعفه<[55].

فمن وجد فيه شيئاً من هذا الإحساس -كالعجب والفخر والزهو ونحوها- فليخاطب أستاذه في باطنه: عرفتَ شيئاً وغابت عنك أشياء.

ويستذكر في باطنه نواقص نفسه التي لا يعلم بها إلا هو، وهذا ما يمكن استفادته مما ورد عن أبي جعفر× أنَّه قال في وصيته لجابر الجعفي: >وسدّ سبيل العجب بمعرفة النّفس<[56]، فمعرفة النفس بموارد ضعفها وسلبياتها وتقصيرها مع ربّها موجب لسدِّ مثل هذه التوهّمات. ومن أبعاد معرفة النفس معرفة منشأها وأحوالها ومآلاتها، وهو أمر يشير ما عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >ما لابن آدم والعجب؟! وأوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو بين ذلك يحمل العذرة<[57].

ولو فرض أنْ نال المرءُ من الكمالات الجسمانية والإمكانات المالية ما من شأنها إيجاب العجب والفخر والزهو فليقل لنفسه:

أنت نعم المتاع لو كنت تبقى             غـــــير أنْ لا بقاء للإنسان

أنت خلو من العيوب وممــــا                تكره النّفس غير أنّك فان

فليعرف أحدُنا قدرَه لكي لا ينفش ريشه، وإن أراد نفشه، فلينفشه بعد أن يمرّ على الصراط، وحين يتكئ على سريره في جنان الخلد، أجارني الله وإياكم من غفلة النّفس.

وإن كان ثناء الأستاذ على زميل من الزملاء، فعليَّ اجتناب ما يُثير حسدي وكراهيتي وانزعاجي، بل أسأل الله تعالى أن يُكثر من أمثاله، ويوفقّه في مسيرته العلمية والعملية ليكون جنود الدين وحماته، بل لو تعرَّض المتميزون إلى ما يُعيق مسيرتهم العملية والعملية، وأمكنني المساعدة والإعانة في تذليل تلك العقبات لوجب عليَّ ذلك، لتمكينهم مما يجعلهم مرابطين في ثغر نصرة الدين وإعزاز المؤمنين.

أخيراً إنْ شعر طالبُ العلم بتميِّز كلطافة البيان ونحوه، فليعلم بأنّ ذلك من نعم الله تعالى ومننه، فلا يشعر بفضل منه، بل الفضل من الله تعالى، وكلّ ذلك موجب للشكر له سبحانه، فما بنا من نعمة إلا من الله تعالى.

وينبغي مراقبة النفس لكي لا تنسى فضل الله تعالى عليها، وليُصرف عن الذهن كلّ خاطر مريض.

السؤال7: هناك حالة عامة وهي: الغفلة عن الجانب الأخلاقي والرّوحي، سواء بين الأستاذ والطالب، أم بين الطلبة أنفسهم، فيترك هذا الأمر أثره على الطالب، فيصبح غير آبه، وغير مهتمّ بهذا البعد، فما هي الاقتراحات التي من الممكن أن تحدّ من هذه المشكلة الخطيرة؟

بسم الله الرحمن الرحيم.

سأعرض عن ذكر المقترحات التي تتعلَّق بدورنا تجاه البيئة السلبية العامة، وهي بيئة تتطلَّب سعياً جاداً لتغييرها؛ لأنَّنا نعيش فيها ونتعايش معها، فإنْ ظلَّت على حالها فلن نفلت من تأثيراتها السلبية.

وإن كان من مقترحات خاصة، فينبغي لطالب العلم الآتي:

أولاً: تنبُّهه إلى أنَّ العلم الحقيقي هو العلم الأخلاقي والروحي، وهذا ما أشارت إليه الكثير من الأخبار منها عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >رأسُ العلم التمييز بين الأخلاق، وإظهار محمودها، وقمع مذمومها<[58].

وعنه× أنَّه قال: >خيرُ العلم ما أصلحتَ به رشادك، وشرُّه ما أفسدتَ به معادك<[59].

وعن أبي جعفر× أنَّه قال لجابر الجعفي: >واعلم أنَّه لا علم كطلب السلامة، ولا سلامة كسلامة القلب<[60].

وعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >العلم يرشدك إلى ما أمرك الله تعالى به، والزهد يسهِّل لك الطريق إليه<[61].

وعن النبي| أنَّه قال: >إنَّ موسى× لقى الخضر× فقال: أوصني، -فأوصاه الخضر بوصايا إلى أن قال:- أشعر قلبك التقوى تنل العلم<[62].

فإذا كان هذا شأن العلم الأخلاقي والروحي وموقعيّته، فإنَّ التقصير في رأس العلم وخيره خلاف الرشّد والصواب.

ثانياً: تنظيم الشأن الأخلاقي والروحي وبرمجتهما ضمن المهمات والأنشطة اليومية درساً أو قراءة أو أعمالاً ونحوها كالاستعمال الدائم للمنبِّهات والمذكرِّات كمجالس الوعظ، وزيارة المقابر وأمثال ذلك، ومجاهدة النفس الدائم لتطبيق ما تمّ تبنِّيه من أمور في البرنامج اليومي.

وما لم ينظّم المرء ويدوِّن حاجاته الأخلاقية والروحية والعبادية والولاية، فسوف تضيع أو يغفل عنها في زحمة الانشغالات والارتباط، فمثلاً الأبعاد الولائية: كزيارة عاشوراء اليومية أو الزيارة المقنّنة والجادة للمعصومة (صلوات الله عليها)، فإنْ دُونّتا وتحولتا إلى مشروع ضمن البرنامج اليومي أو الأسبوعي أو غير ذلك، فلن يُحرم المرء من تأثيراتهما الكبرى، ولن تتحوَّل إلى روتين بارد، أو استقصاد عرضي إن لم يطويا في سجل الغفلة أو النسيان، فيكون جافياً مشمولاً لقول أبي عبد الله الصادق×: >ما أجفاكم بالحسين×<[63].

وهكذا الشأن في الأعمال العبادية كقيام الليل والنوافل اليومية وقراءة القرآن وما شابهها.

أو الأعمال الرّوحية كزيارة المقابر ومجالس الوعظ والإرشاد وقراءة كتاب وعظي أو المحاسبة والمراقبة والتفكُّر، فمثل المحاسبة والتفكُّر وحضور مجالس الوعظ والإرشاد، عملٌ روحي، يحرِّك رغبات النفس نحو القرب من الله تعالى، ويُشعل همّتها في التغيير.

هذا بعض ما ينبغي مراعاته لتلافي النقص العلمي والروحي والأخلاقي في هذا المجال.

السؤال8: ما هي الأمور التي يُعدُّ التمسّك بها بمثابة الضمانة من عدم الانزلاق في مستنقع الانحراف؟

صمَّامات الأمان التي ذكرها الإسلام كثيرةً جداً، ولها مسارات مختلفة كالصيانة عن الانحراف في علاقة الإنسان مع ربِّه، أو في علاقة الإنسان مع النَّاس وهكذا، ومثل هذا البحث يستحق دراسة ووقفة تحليلية جادّة، ولكن بما أنّ الظرف لا يسمح بذلك، فيمكن الاكتفاء بإشارات كخطوط عريضة لبعض النصوص الشريفة دون تعليق أو ترتيب أو تحديد لمسارات صماميّتها وما إذا كانت ذاتية أو اجتماعية؛ لأنها في الأعمّ شاملة وصمام عن الانحراف في جميع مناحي الحياة الذاتية والاجتماعية أسرية أو سياسية أو غير ذلك:

الصمام الأول: المعرفة: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >من جهل موضع قدمه زل<[64]، وعنه× أنَّه قال: >من استرشد بالعلم أرشده<[65].

وعنه× أنَّه قال: >العامل بجهل كالسائر على غير طريق فلا يجديه جدّه في السّير إلا بعداً<[66].

الصمام الثاني: صحة الدّيانة: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >من صحَّت ديانته قويت أمانته<[67].

الصمام الثالث: الخوف من الله تعالى: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >من خاف ربّه كفّ ظلمه<[68]. كفّ ظلمه لنفسه أو لغيره.

الصمام الرابع: التّذكر: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}[69].

هذه كلّها صمامات أمان عن الانحرافات في كل المجالات والشؤون، رزقني الله وإياكم التحلي بها.

الصمام الخامس: صدق الورع: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >من صدق ورعه اجتنب المحرمات<[70].

الصمام السادس: الإكثار من ذكر الموت: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >من أكثر من ذكر الموت نجا من خداع الدنيا<[71].

الصمام السابع: البكاء من خشية الله: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >البكاء من خشية الله ينير القلب ويعصم عن معاودة الذنب<[72].

الصمام الثامن: الزهد: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >من زهد في الدنيا حسن دينه<[73].

الصمام التاسع: امتلاك النفس: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >من لم يملك شهوته لم يملك عقله<[74].

الصمام العاشر: المراقبة: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >رحم الله امرأً راقب ربّه، وتوكف ذنبه، وكابر هواه، وكذب مناه<[75]. والتوّكف: التجنب. والمكابرة: المعاندة والمغالبة، وهو الصمام الآتي.

وعنه× أنَّه قال: >من راقب العواقب سلم<[76].

الصمام الحادي عشر: المجاهدة: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >منْ لم يجاهد نفسه لم ينل الفوز<[77].

الصمام الثاني عشر: المحاسبة: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >من حاسب نفسه سعد<[78].

الصمام الثالث عشر: الحكمة: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >الحكمة عصمة<[79].

الصمام الرابع عشر: التأني والثبت: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >المتأني مصيب وإن هلك<[80].

وعنه× أنَّه قال: >التّثبت خير من العجلة إلاّ في فرص البرّ<[81].

الصمام الخامس عشر: التحلّم: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >من حلم لم يفرط في الأمور وعاش حميدا في النَّاس<[82].

وعنه× أنَّه قال: >الحلم حجاب من الآفات<[83].

الصمام السادس عشر: الصبر: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >الصبر عن الشهوة عفّة، وعن الغضب نجدة، وعن المعصية تورع<[84].

الصمام السابع عشر: المشاورة: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >الشّركة في الرأي تؤدي إلى الصّواب<[85].

الصمام الثامن عشر: الاعتزال: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >من اعتزل سلم<[86].

وعنه× أنَّه قال: >من انفرد عن النَّاس صان دينه<[87].

الصمام التاسع عشر: الصمت: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >الصمت يكسيك ثوب الوقار ويكفيك مؤونة الاعتذار<[88].

وصماميّة كلّ أمر من الأمور المذكورة يرجع إلى مدى التّحلي به، فكلّما كان التّحلي به قوياً، كانت فاعليتُه وتأثيره أكبر في عصمة الإنسان.

السؤال9: ما النصيحة التي تقدمونها للطلبة كثيري الغياب عن الدرس؟

بسم الله الرحمن الرّحيم.

أخوكم أحوج إلى النصح من غيره، وإنْ كان من تعليق فيمكن القولُ بأنَّ الغياب عن الدّرس نوع من أنواع الحرمان، وينبغي دراسة أسبابه، ويخطر في البال ثلاثة أسباب:

السبب الأول: انعدام التوفيق: من الواضحات أنَّ التوفيق رأسُ النجاحات، فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >التوفيق رأس النجاح<[89]، وهذا النجاح لن يتحقّق إلاّ من خلال الإقبال الدافع للعمل، فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >التوفيق إقبال<[90]، وهذا الإقبال لا يُنال إلاّ بالاستقطاب الرّباني، >إلهي إن لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق، فمن السالك بي إليك في واضح الطريق<[91]، وعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >التوفيق من جذبات الرّب<[92]، والجذبات: رحمات وعنايات ونعم، فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >التّوفيق رحمة<[93]، وعنه× أنَّه قال: >التوفيق عناية<[94]، وعنه× أنَّه قال: >التوفيق أوّل النعم<[95].

وهذه الرحمات والعنايات والنعم أو قل التوفيق يناله العبد بالآتي:

أولاً: بعنايته لدينه، فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >كما أنّ الجسم والظّل لا يفترقان، كذلك التّوفيق والدّين لا يفترقان<[96]، فكلّما ازداد دين الإنسان، ازدادت عنايات الباري ورحماته وإفضالاته.

ثانياً: باجتهاده وسؤاله لربّه، فعن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >سلوا الله العفو والعافية وحسن التّوفيق<[97].

وعن أبي عبد الله× أنَّه قال: >ومفتاح العلم طلب تحصيل العلم بدلا من الجهل، والكمال بدلا من النقص، وينبغي أن يعلم أنّ سعيه مع عدم مساعدة التوفيق لا ينفع فيتوسل بجنابه تعالى ليوفقه<[98].

السبب الثاني: الكسل: فعن القداح، عن أبي عبد الله× قال: >عدو العمل الكسل<[99]، وهذا العدو يمكن دفعه يُدفع بالدّعاء، >فأسألك يا ربّ أن تملأ عزمي نور التوفيق<[100]، ولكنه الدّعاء المقرون بالمجاهدة والمصابرة والمرابطة.. بمعاندة النفس ومجاهدة خمولها وتثاقلها لتعتاد النشاط، فعن الرضا× أنَّه قال: >ومن سأل الله التوفيق ولم يجتهد فقد استهزأ بنفسه<[101].

السبب الثالث: القيام بما يحرم من الرّزق: إذ بما أنّ التحصيل العلمي نوعٌ من أنواع الرزق، فالحرمان منه حرمان من الرّزق، وهو ما يستدعي الالتفات إلى موجبات الحرمان من الرزق لتلافيها، ومن موجبات الحرمان عديدة، منها: نية الذنب، ففي رواية بكر بن محمد الأزدي، عن أبي عبد الله× قال: >إنّ المؤمن لينوي الذّنب فيحرم رزقه<[102].

وأمَّا حرمان الرزق بارتكاب الذنب فهو من باب أولى، وقد أشارت إليه العديد من الروايات.

وموجبات الرزق كثيرة أيضاً، أشير منها إلى الموجبات الآتية:

الموجب الأول: اجتناب موجبات الحرمان التي ذكرت.

الموجب الثاني: الدعاء للأخ المؤمن: وعن أبي عبد الله× أنَّه قال: >دعاء المؤمن للمؤمن يدفع عنه البلاء، ويدرّ عليه الرّزق<[103].

الموجب الثالث: دفع الصدقات: عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >استنزلوا الرّزق بالصّدقة<[104].

الموجب الرابع: ذكر الله تعالى بين الطلوعين: فعن رسول الله| أنَّه قال: >ذكر الله ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس أبلغ في طلب الرّزق من الضرب في الأرض<[105].

عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >أكثروا الاستغفار تجلبوا الرّزق<[106].

عن أمير المؤمنين× أنَّه قال: >عليكم بالسخاء وحسن الخلق فإنهما يزيدان الرزق ويوجبان المحبة<[107].

الموجب الخامس: المداومة على الطهارة الباطنية والظاهرية، فتطهير المقاصد والنوايا في طلب العلم مسألة لها أهمية كبيرة في نورانية العلم وتأثيراته على الدارس نفسه وعلى المجتمع من حوله، يتطهَّر من نوايا الدراسة لأجل الرغبة في التصدّر ولفت النّظر والبروز الاجتماعي أو العلمي وما شابه ذلك، وفي بعض المجتمعات أصبحت الحاجة لتصدي طلب العلم كبيرة في مناصب الدولة كالقضاء وغيرها، فكيف يتجرّد طالب العلم عن كلّ مقصد دنيوي، ويجعل طلبه لله وحده، لفهم دينه، للعمل به ولنصرته وتبليغه، فعن أبي الوليد حسن بن زياد الصيقل قال: قال أبو عبد الله×: >من صدق لسانُه زكي عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن برُّه بأهل بيته مدّ له في عمره<[108].

وعن النبي الأعظم| -لما قيل له- أحبُّ أن يوسع عليّ في الرزق، قال: >دُمْ على الطهارة يوسّع عليك في الرزق<[109].

السؤال10: طالبُ العلم مطالب بأنْ يُنمِّي الجانب الرّوحي في نفسه، وأنْ يسعى في بثّه بين النَّاس على اعتبار مسؤوليته كمُبلِّغ، وذلك لعدم اقتصار التبليغ على تعليم الأحكام وإبداء تعاليم الإسلام الحنيف، فكيف يسهم الواحد منّا في ترسيخ الجانب الرّوحي في أبناء المجتمع، سيَّما عند الرّجوع إلى البلد وممارسة الدور التبليغي فيها؟

بسم الله الرحمن الرحيم.

ورد عن رسول الله| أنَّه قال: >أوحى الله إلى عيسى بن مريم×: عظ نفسك بحكمتي، فإن انتفعت فعظ النَّاس، وإلا فاستحي منّي<[110]، فالشيء الوحيد النافع الذي ينبغي لي التركيز عليه في مسيرتي العلمية والتبليغية هو التّحلي بما نتعلّمه وبما نُريد نشره وترسيخه، وهذا ما أشار إليه تعالى في قوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[111]، فمن لم يكن مُنذرَاً كيف له أن يكون مُنذِرًا؟! كما أنّ الله تعالى قد قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}[112]، ونعم ما قيل:

لا تنه عن خُلقٍ وتأتي مثله               عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

إنّ العلم إنْ لم يتجاوز اللسان فهو في أوضع درجاته، وصاحبه كشجرة بلا ثمرة، لا نفع فيها، لأنّ ما يخرج من الفم لا تأثير حقيقي له، فعن أبي عبد الله× أنَّه قال: >إنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه، زلَّت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصّفا<[113].

أمّا إذا انتشر نورُ العلم على الجوارح وتحلّى به الطالب، فسوف يؤثِّر دون أنْ يتكلَّم، وهو الأمر الذي دعانا إليه المعصومون^، فعن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله×: >كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإنّ ذلك داعية<[114].

السؤال11: بماذا تنصحوننا ونحن على أبواب شهر العبادة؟

بسم الله الرّحمن الرّحيم.

أخوكم أحوج منكم للنصيحة من غيره، وإن كان من قول، فسوف أذكّر نفسي بما يتعلّق بشهري رجب وشعبان لتأثيرهما على شهر رمضان؛ إذ ينبغي للنفس في مثل هذه الأشهر أن تقوم بالكثير من الأشياء، ومنها الأمور الآتية:

الأمر الأول: ضرورة التعرّف على قيمة أشهر رجب وشعبن ورمضان، وتأثيرها في سعادة الإنسان وكماله، ولذا يُستحسن النّظر في الأخبار الشريفة، فإنّ لهذا النّظر تأثير نفسي وروحي، ومن الأمثلة: ورد عن رسول الله| أنَّه قال: >شعبانُ المُطهِّر، ورمضان المُكَفِّر، إنّ رجباً شهرُ اللهِ الأصمّ، وشعبان ترفع فيه الأعمال<[115].

وعن النبي| أنَّه قال: >أتدرون لم سمي شعبان؟ لأنَّه يتشعّب منه خير كثير لرمضان، وإنّما سُمّي رمضان؛ لأنَّه ترمض فيه الذنوب -أي: تحرق-<[116].

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله| وقد تذاكر أصحابُه  عنده فضائل شعبان-: >شهر شريف، وهو شهري، وحملة العرش تعظمُّه، وتعرف حقَّه، وهو شهرٌ تزاد فيه أرزاق المؤمنين كشهر رمضان، وتزيّن فيه الجنان، وإنما سمي شعبان لأنَّه تنشعب فيه أرزاقُ المؤمنين، وهو شهرٌ العملُ فيه مضاعف، الحسنة بسبعين، والسيئة محطوطة، والذنب مغفور، والحسنة مقبولة، والجبار® يباهي فيه بعباده، وينظر إلى صوّامه وقوّامه، فيباهي بهم حملة العرش<[117].

وهذه النّصوص واضحة في تأثير ودور هذه الأشهر الكبير على الإنسان وتكميله وكماله ورفع درجاته.

الأمر الثاني: اتخاذ وقتٍ خاصٍّ في أول ليلة من رجب لتنظيم شأن هذه الأشهر، واعتبار هذا الوقت وقتاً لمراجعة الذات وتلافي تقصيراتها، واكتشاف أمراضها وأخطاءها، والتوبة إلى الله تعالى، واتخاذ العزم على أنْ تكون الأشهر الآتية أشهراً خالية من المعاصي، ومميزة في القرب من الله تعالى. والتحديد بأول ليلة من شهر رجب، فلأنّها من ليالي الإحياء الوارد تفريغها للعبادة والذكر، كما سيأتي الإشارة إليه إنْ شاء الله، ومحاسبة النفس والتفكُّر في أحوالها من أعظم العبادات، فعن أَبِي حمزةَ عن عليِّ بنِ الحسين× قال: >كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ× يَقُولُ: إِنَّمَا الدَّهْرُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، أَنْتَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ، مَضَى أَمْسِ بِمَا فِيه فَلَا يَرْجِعُ أَبَداً، فَإِنْ كُنْتَ عَمِلْتَ فِيه خَيْراً لَمْ تَحْزَنْ لِذَهَابِه، وفَرِحْتَ بِمَا اسْتَقْبَلْتَه مِنْه، وإِنْ كُنْتَ قَدْ فَرَّطْتَ فِيه، فَحَسْرَتُكَ شَدِيدَةٌ لِذَهَابِه وتَفْرِيطِكَ فِيه، وأَنْتَ فِي يَوْمِكَ الَّذِي أَصْبَحْتَ فِيه مِنْ غَدٍ فِي غِرَّةٍ، ولَا تَدْرِي لَعَلَّكَ لَا تَبْلُغُه، وإِنْ بَلَغْتَه لَعَلَّ حَظَّكَ فِيه فِي التَّفْرِيطِ مِثْلُ حَظِّكَ فِي الأَمْسِ الْمَاضِي عَنْكَ، فَيَوْمٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ قَدْ مَضَى أَنْتَ فِيه مُفَرِّطٌ، ويَوْمٌ تَنْتَظِرُه لَسْتَ أَنْتَ مِنْه عَلَى يَقِينٍ مِنْ تَرْكِ التَّفْرِيطِ، وإِنَّمَا هُوَ يَوْمُكَ الَّذِي أَصْبَحْتَ فِيه، وقَدْ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ عَقَلْتَ وفَكَّرْتَ فِيمَا فَرَّطْتَ فِي الأَمْسِ الْمَاضِي مِمَّا فَاتَكَ فِيه مِنْ حَسَنَاتٍ أَلَّا تَكُونَ اكْتَسَبْتَهَا، ومِنْ سَيِّئَاتٍ أَلَّا تَكُونَ أَقْصَرْتَ عَنْهَا، وأَنْتَ مَعَ هَذَا مَعَ اسْتِقْبَالِ غَدٍ عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ مِنْ أَنْ تَبْلُغَه، وعَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنِ اكْتِسَابِ حَسَنَةٍ أَوْ مُرْتَدَعٍ عَنْ سَيِّئَةٍ مُحْبِطَةٍ، فَأَنْتَ مِنْ يَوْمِكَ الَّذِي تَسْتَقْبِلُ عَلَى مِثْلِ يَوْمِكَ الَّذِي اسْتَدْبَرْتَ، فَاعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ لَيْسَ يَأْمُلُ مِنَ الأَيَّامِ إِلَّا يَوْمَه الَّذِي أَصْبَحَ فِيه ولَيْلَتَه، فَاعْمَلْ أَوْ دَعْ، واللَّه الْمُعِينُ عَلَى ذَلِكَ<[118].

عن أبي عبد الله× أنَّه قال: >إنَّك قد جُعلتَ طبيب نفسك، وبُيّن لك الدّاء، وعُرِّفتَ آيةَ الصّحّةِ، ودُلِلتَ على الدواء، فانظر كيف قيامك لنفسك<[119].

وعن عنبسة العابد قال: قلت لأبي عبد الله× أوصني، فقال: >أعد جهازك، وقدّم زادك، وكن وصيّ نفسك، ولا تقل لغيرك يبعث إليك بما يصلحك<[120].

الأمر الثالث: الاهتمام العبادي في هذه الأشهر صياماً وقياماً وذكراً ودعاء، سيَّما نوافل الفرائض، فلها الأولوية في هذا المجال لكونها متمِّمات ما ينقص من الفرائض، وما أحرى بالنفس أنْ تتجاوز تقصيراتها في هذه الأشهر العظام، وكذا ينبغي التركيز على كثرة الاستغفار، فعن إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبد الله× قال: >قال رسول الله|: رجب شهر الاستغفار لأمتي، أكثروا فيه الاستغفار فإنه غفور رحيم، وشعبان شهري. استكثروا في رجب من قول: "أستغفر الله"، واسألوا الله الإقالة والتوبة فيما مضى، والعصمة فيما بقي من آجالكم. وأكثروا في شعبان الصلاة على نبيكم وأهله.

ورمضان شهر الله تبارك وتعالى، استكثروا فيه من التهليل والتكبير والتحميد والتمجيد والتسبيح، وهو ربيع الفقراء.

وإنما جعل اللهُ الأضحى لتشبع المساكين من اللحم، فأظهروا من فضل ما أنعم الله به عليكم على عيالاتكم وجيرانكم، وأحسنوا جوار نعم الله عليكم، وواصلوا إخوانكم، وأطعموا الفقراء والمساكين من إخوانكم، فإنّه من فطَّر صائماً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيئاً.

وسمّي شهر رمضان: شهر العتق؛ لأنَّ لله فيه كلّ يوم وليلة ستمائة عتيق، وفي آخره مثل ما أعتق فيما مضى.

وسمّي شهر شعبان: شهر الشفاعة؛ لأنَّ رسولكم يشفع لكلِّ من يصلّي عليه فيه.

 وسمّي شهر رجب: شهر الله الأصب؛ لأنَّ الرحمة على أمتي تصبُّ صباً فيه، ويقال: الأصم، لأنَّه نهى فيه عن قتال المشركين، وهو من الشهور الحرم<[121].

وهذا النّص وإن وصف شهر رجب بشهر الاستغفار، إلاّ أنَّ النصوص الواردة في الاستغفار في شهر شعبان كثيرة، وهو أمر يقتضي التركيز عليه في هذه الأشهر الثلاثة، ومن هذه النصوص ما عن الحسن بن فضال، عن الرضا× قال: >من استغفر الله تبارك وتعالى في شعبان سبعين مرة غفر الله ذنوبه، ولو كانت مثل عدد النجوم<[122].

وأشير إلى صيغتين للاستغفار:

الأولى: عن الريان بن الصلت قال: سمعت الرضا× يقول: >من قال في كلّ يوم من شعبان سبعين مرة: "أستغفر الله وأسأله التوبة"، كتب الله له براءة من النار، وجوازا على الصراط، وأحلَّه (وأدخله) دار القرار<[123].

الثانية: عن محمد بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله× قال: >من قال في كلِّ يوم من شعبان سبعين مرة: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الحي القيوم، وأتوب إليه"، كتب في الأفق المبين<، قال: قلت: وما الأفق المبين؟ قال: >قاع بين يدي العرش، فيها أنهار تطرد فيه من القدحان عدد النجوم<[124].

وميزة الاستغفار في مثل شهر شعبان: أنَّ الاستغفار يُضاعف فيه أضعافاً كثيرة، فعن إبراهيم بن ميمون في حديث عن شعبان قال: قلت له×: "فما أفضل الدعاء في هذا الشهر؟ فقال: >الاستغفار، إنَّ من استغفر في شعبان كلَّ يوم سبعين مرة، كان كمن استغفر في غيره من الشهور سبعين ألف مرة<، قلت: فكيف أقول؟ قال: قل: >أستغفر الله وأسأله التوبة<[125].

وواضح منه أنّ الاستغفار الواحد في شعبان يُعادل ألف استغفار في غيره من الشهور.

الأمر الرابع: تركيز الاهتمام الروحي والعبادي في الليالي الفاضلة كأول ليلة من رجب، وليالي الجمع، وليلة النصف من شعبان، وليالي القدر الشريفة، وليلة الفطر، فعن الحارث بن عبد الله، عن علي× قال: >إن استطعت أن تحافظ على ليلة الفطر وليلة النحر، وأول ليلة من المحرم، وليلة عاشورا، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان فافعل، وأكثر فيهن من الدعاء والصلاة وتلاوة القرآن<[126].

وعن أبي الحسن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه قال: >كان علي ابن أبي طالب× يقول: يعجبني أن يفرِّغ الرجل نفسه في السنة أربع ليال: ليلة الفطر، وليلة الأضحى، وليلة النصف من شعبان، وأول ليلة من رجب<[127].

وعن سعد بن سعد، عن أبي الحسن الرضا× قال: >كان علي× لا ينام ثلاث ليال: ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، وليلة الفطر، وليلة النصف من شعبان، وفيها تقسّم الأرزاق والآجال وما يكون في السنة<[128].

وعن النبي| أنَّه قال: >إنَّ لله§ خيارا من كلَّ ما خلقه -إلى أن قال:- وأمَّا خياره من الليالي: فليالي الجمع، وليلة النصف من شعبان، وليلة القدر، وليلتا العيدين<[129].

وعن ابن كردوس، عن أبيه قال: قال رسول الله|: >من أحيى ليلة العيد، وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب<[130].

الأمر الخامس: صيام هذه الأشهر لمن كان مستطيعاً، وأقلُّ الأمور التي لا ينبغي تركها، هو صيام ثلاثة الأيام من أولِّه ووسطه وآخره، عن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله× عما جرت به السنة في الصوم من رسول الله|؟ قال: >ثلاثة أيام في كلِّ شهر: خميس في العشر الأول، وأربعاء في العشر الأوسط، وخميس في العشر الأخير، يعدل صيامهن صيام الدهر لقول الله§: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}[131]، فمن لم يقدر عليها لضعف فصدقة درهم أفضل له من صيام يوم<[132].

ويظهر من بعض الأخبار أنّ العرض في الخميس الأخير من كلّ شهر، كما في خبر عنبسة العابد قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: >آخر خميس في الشهر تُرفع فيه الأعمال<[133].

وهذا يعني بأنّ من لم يهتم بصيام ثلاثة أيام لحيازة الشهر كلِّه وفقاً لقاعدة {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}[134]، فلا أقل صيام خميس العرض حياءً، وأربعاء النّار وقاءً، لتأصيل وتعميق فكرة حضور جهنّم واطلاع المولى§ وشهداءه على الخلق في العقل والقلب، فعن ابن سنان، عن أبي عبد الله×: >أنَّ رسول الله| سئل عن صوم خميسين بينهما أربعاء، فقال: أمَّا الخميس فيوم تعرض فيه الأعمال، وأمّا الأربعاء فيوم خلقت فيه النار، وأمَا الصوم فجنة (من النار)<[135].

وعن حريز قال: قيل لأبي عبد الله×: ما جاء في الصوم في يوم الأربعاء؟ فقال: >قال أمير المؤمنين×: إنّ الله§ خلق النار يوم الأربعاء، فأوجب صومه ليتعوّذ بالله من النار<[136].

ويستحسن لتعميق هذا الحضور تكرار الاستعاذة من النّار.. اللهم اغفر لي ما اطّلعتَ عليه منّي وخفي على خلقك، أستجير بالله من النّار.. أعوذ بالله من النّار.

فطوبى لمن توفّق لصيام هذه الأيام الثلاثة، فعن ابن صدقة قال: حدثني جعفر بن محمد، عن آبائه^ أنَّ النبي| قال: >دخلت الجنَّة فرأيت أكثر أهلها البله، يعني بالبله، المتغافل عن الشر، العاقل في الخير، والذين يصومون ثلاثة أيام في كل شهر<[137].

الأمر السادس: التّصدق: عن الحسن بن زياد، عن الصادق× قال: >من تصدَّق بصدقة في شعبان رباها الله§ له كما يربي أحدكم فصيله حتى توافي يوم القيامة وقد صارت له مثل جبل أحد<[138].

ومن الصدقات المميزة، هو التصدق عوضاً عن صيام الثلاثة الأيام المستحب صيامها في كلّ شهر، فلا ينبغي لمن تعذّر عليه الصيام ترك التصدق عنها، لما روي عن إبراهيم المثنى قال: قلت لأبي عبد الله× أنَّه قال: إني قد اشتد عليَّ صوم ثلاثة أيام في كلّ شهر، فما يجزي مكان كلِّ يوم بدرهم؟ فقال: >صدقة درهم أفضل من صيام يوم<[139]. 

وسأل عيص بن القاسم أبا عبد الله× عمن لم يصم الثلاثة كلّ شهر، وهو يشتد عليه الصيام، هل فيه فداء؟ فقال: >مدّ من طعام كلّ يوم<[140].

الأمر السابع: إنّ من لم يصنع انقلاباً في أحواله وأفعاله في أول ليلة من ليالي رجب الأصب، فلا عذر له في إهمال العناية بآخر جمعة من شهر شعبان، فينبغي أن يقف فيها وقفة جادة، فعن الهروي قال: دخلت على الرضا× في آخر جمعة من شعبان، فقال لي: >يا أبا الصلت، إنّ شعبان قد مضى أكثره، وهذا آخر جمعة منه (فيه)، فتدارك فيما بقي منه تقصيرك فيما مضى منه، وعليك بالإقبال على ما يعنيك، وترك ما لا يعنيك، وأكثر من الدعاء، والاستغفار، وتلاوة القرآن، وتب إلى الله من ذنوبك ليقبل شهر الله إليك وأنت مخلص لله§، ولا تدعنَّ أمانة في عنقك إلا أديتها، ولا في قلبك حقدا على مؤمن إلا نزعته، ولا ذنباً أنت مرتكبه إلا قلعت عنه، واتق الله، وتوكّل عليه في سرِّ أمرك وعلانيتك، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}<[141].

وأكثر من أن تقول فيما بقي من هذا الشهر: "اللهم إن لم تكن غفرت لنا فيما مضى من شعبان، فاغفر لنا فيما بقي منه، فإنّ الله(تبارك وتعالى) يعتق في هذا الشهر رقاباً من النّار، لحرمة شهر رمضان<[142].

والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ترجمة سماحة الشيخ عادل الشعلة:

بعد أن أتمّ دراسته الثانوية سنة 1986م هاجر سماحته إلى مدينة قم المقدسة بالجمهورية الإسلامية في إيران ملتحقاً بالحوزة الشريفة.

* أبرز أساتذته في السطوح العليا:

1. الشيخ باقر الإيرواني.

2. الشيخ هادي آل راضي.

3. الشيخ محمد صالح الربيعي.

* أساتذته في الخارج:

1. آية الله العظمى الشيح حسين الوحيد الخراساني•.

2. آية الله العظمى السيد كاظم الحائري•.

3. آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي•.

4. آية الله الشيخ باقر الإيرواني•.

5. آية الله الشيخ إبراهيم الأنصاري&.

* نشاطاته:

1. مسؤول الهيئة العلمية للطلبة البحرانيين بقم المقدسة.

2. مدير المكتب العلمائي الذي كان يمثل أصحاب السماحة: الفقيه الشيخ عيسى أحمد قاسم. وآية الله الشيخ حسين نجاتي. وسماحة العلامة السيد عبد الله الغريفي.

3. عضو الهيئة المركزية للمجلس الإسلامي العلمائي في أول دورة انتخابية عند تأسيسه.

4. عضو مؤسس في جمعية التوعية الإسلامية.

* ومن مؤلفاته:

1. مقدمة في علم تفسير القرآن.

2. المنهج القرآني في تفسير القرآن الكريم.

3. المنهج الروائي في تفسير القرآن الكريم.

4. القرص الممنوع (شرح رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) لعثمان بن حنيف.

5. الهدب (يعالج موضوع الحجاب).

6. الملاك (يعالج موضوع الإخلاص).

7. العلم النوري (شرح حديث عنوان البصري).

8. المنهج التفسيري عند الفقيه الشيخ عيسى أحمد قاسم.

9. المجتمع الراقي، أسسه وسماته وعوامله في نظر الفقيه آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم (دامت إفاضاته).

[1] سورة الإسراء: 70.

[2] سورة فاطر: 28.

[3] الكافي، الكليني، ج1، ص36، ح2.

[4] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص78.

[5] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ج2، ص55، ح5.

[6] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص201.

[7] الكافي، الكليني، ج2، ص54، ح2.

[8] البرهان في تفسير القرآن، البحراني، ج1، ص725، ح2029.

[9] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص29.

[10] الأمالي للطوسي: ص146، ح240.

[11] الكافي، الكليني، ج1، ص39، ح3.

[12] بحار الأنوار، المجلسي، ج1، ص203، ح17.

[13] سورة الفرقان: 28.

[14] سورة الزخرف: 67.

[15] نهج البلاغة للرضي (تحقيق صالح)، ص525، ح278.

[16] الدعوات للراوندي، ص126، ح311.

[17] الكافي، الكليني، ج2، ص60، ح4.

[18] كما الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص351، ح49.

[19] الكافي، الكليني، ج3، ص454، ح16.

[20] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج4، ص70، ح4538.

[21] نهج البلاغة للرضي (تحقيق صالح)، ص460، ح69.

[22] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص133.

[23] نهج البلاغة للرضي (تحقيق صالح)، ص511، ح249.

[24] الكافي، الكليني، ج2، ص83.

[25] الكافي، الكليني، ج2، ص352، ح7.

[26] الأمالي للصدوق، ص438، ح577.

[27] ميزان الحكمة، الريشهري، ج3، ح2612.

[28] تحف العقول، الحراني، ص285.

[29] سورة المطففين: 26.

[30] بحار الأنوار، المجلسي، ج55، ص320.

[31] كنز الفوائد، الكراجكي، ص57.

[32] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج1، ص317.

[33] الكافي، الكليني، ج2، ص307.

[34] سورة النور: 37.

[35] عيون الحكمة والمواعظ، الواسطي، ص429.

[36] تحف العقول، الحراني، ص12.

[37] التمحيص لابن همام، ص70، ح170.

[38] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص65.

[39] ميزان الحكمة، الريشهري، ج4، ح2861.

[40] عيون الحكمة والمواعظ، الواسطي، ص92.

[41] عيون الحكمة والمواعظ، الواسطي، ص289، وفي عهد الأشتر، قال×: >فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من العزة<، نهج البلاغة، خطب الإمام علي×، ج3، ص88.

[42] تحف العقول، الحراني، ص304.

[43] ميزان الحكمة، الريشهري، ج4، ح2862.

[44] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص440.

[45] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص489.

[46] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص158.

[47] تنبيه الخواطر لورام، ص441.

[48] الكافي، الكليني، ج1، ص50، ح14.

[49] سورة النساء: 79.

[50] بحار الأنوار، المجلسي، ج70، ص294، ح3.

[51] سورة الأعراف: 201.

[52] تحف العقول، ابن شعبة الحراني، ص285.

[53] ميزان الحكمة، الريشهري، ج3، ح2092.

[54] المحاسن للبرقي، ج1، ص233، ح187.

[55] ميزان الحكمة، الريشهري، ج3، ح1815.

[56] تحف العقول، الحراني، ص285.

[57] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص479.

[58] ميزان الحكمة، الريشهري، ج1، ص801.

[59] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص238.

[60] تحف العقول، الحراني، ص286.

[61] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص22.

[62] منية المريد، الشهيد الثاني، ص140.

[63] كامل الزيارات، ابن قولويه، ص48، ح735.

[64] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص424.

[65] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص424.

[66] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص55.

[67] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص431.

[68] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص446.

[69] سورة الأعراف: 201.

[70] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص445.

[71] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص449.

[72] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص21.

[73] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص449.

[74] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص427.

[75] تحف العقول، الحراني، ص208.

[76] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص424.

[77] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص445.

[78] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص424.

[79] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص36.

[80] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص29.

[81] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص58.

[82] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص424.

[83] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص24.

[84] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص58.

[85] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص58.

[86] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص428.

[87] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص428.

[88] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص22.

[89] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص41.

[90] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص27.

[91] مقطع من دعاء الصباح لأمير المؤمنين×.

[92] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص25.

[93] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص34.

[94] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص34.

[95] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص40.

[96] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص397.

[97] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص83.

[98] بحار الأنوار، المجلسي، ج1، ص93، ح25.

[99] الكافي، الكليني، ج5، ص85، ح1.

[100] مقطع مما يعقب به زيارة ياسين الواردة عن الحجة#، راجع المزار، محمد بن المشهدي، ص573.

[101] كنز الفوائد، أبو الفتح الكراجكي، ص153.

[102] المحاسن للبرقي، ج1، ص115، ح119.

[103] المؤمن لابن سعيد، ص54، ح139.

[104] نهج البلاغة للرضي (تحقيق صالح)، ص495، ح137.

[105] الإمامة والتبصرة لابن بابويه، ص37.

[106] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص93.

[107] عيون الحكم والمواعظ، الواسطي، ص342.

[108] الكافي، الكليني، ج2، ص105، ح11.

[109] ميزان الحكمة، الريشهري، ج2، ح1073.

[110] ميزان الحكمة، الريشهري، ج1، ح600.

[111] سورة التوبة : 122.

[112] سورة الصف : 2- 3.

[113] الكافي، الكليني، ج1، ج44، ح3.

[114] الكافي، الكليني، ج2، ص78، ح14.

[115] مستدرك الوسائل، النوري، ج7، ص544، ح8849.

[116] مستدرك الوسائل، النوري، ج7، ص484، ح8710.

[117] الأمالي للصدوق، ص75، ح43.

[118] الكافي، الكليني، ج2، ص453، ح1.

[119] الكافي، الكليني، ج2، ص454، ح6.

[120] الكافي، الكليني، ج7، ص65، ح29.

[121] النوادر للأشعري، ص17، ح2.

[122] الأمالي للصدوق، ص68، ح34.

[123] الأمالي للصدوق، ص727، ح994.

[124] الخصال للصدوق، ص582، ح5.

[125] فضائل الأشهر الثلاثة للصدوق، ص56، ح34.

[126] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج8، ص109، ح10190.

[127] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج8، ص109، ح10189.

[128] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج8، ص110، ح10191.

[129] تفسير الإمام العسكري× المنسوب للعسكري×، ص664.

[130] ثواب الأعمال للصدوق، ص77.

[131] سورة الأنعام: 160.

[132] الخصال للصدوق، ص160، ح209.

[133] علل الشرائع للصدوق، ج2، ص381، ح3.

[134] سورة الأنعام: 160.

[135] الكافي، الكليني، ج4، ص94، ح11.

[136] الكافي، الكليني، ج4، ص92، ح10.

[137] قرب الإسناد للحميري، ص75، ح243.

[138] الأمالي للصدوق، ص727.

[139] من لا يحضره الفقيه للصدوق، ج2، ص84، ح1794.

[140] من لا يحضره الفقيه للصدوق، ج2، ص83، ح1793.

[141] سورة الطلاق: 3.

[142] عيون أخبار الرضا× للصدوق، ج2، ص56، ح198.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا