التأثير الاستراتيجي لرحلة الخلود في الإعلام الحسيني

التأثير الاستراتيجي لرحلة الخلود في الإعلام الحسيني

المقدمة:

إنّ شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) قد أبرزت المقام السامي الذي كان يتمتع به الإمام (عليه السلام) وكشفت ما عنده من لياقة للمنصب الإلهي وبيَّنت كيف أنّه قام بدوره على أكمل وجه فالشهادة كانت تاجاً تكلّلت به الثورة الحسينية، الشهادة هي ثورة الدم، الشهادة لسان صادق للعطاء، الشهادة إعلام مدوي على مدى الأزمان، الشهادة بلاغ موجز بلا ألفاظ، الشهادة رسالة حبّ للكمال، الشهادة دعوة إلى الله تعالى.

ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن ثورة مفروضة أو اضطرارية أو ارتجالية أو غير مدروسة بل كانت ثورة فيها إعداد وتحضير، منظم ومخطط لها من جميع الأبعاد والجهات فكان الإمام الحسين (عليه السلام) يقود الثورة بشكل متقن مبهر واحترافية مذهلة وحكمة إلهية للوصول إلى أهداف معينة وواضحة من الهداية والنصرة والفوز والقيام بفريضتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحكيم القيم والمبادئ الإسلامية وإيقاظ ضمير الأمّة وتحكيم الكتاب والسنة وإثبات الحكم بوجوب القيام بوجه الظالم ورد الإشاعات الباطلة حول الثورة الحسينية (الخروج على ولي الأمر- طلب السلطة) وردّ التضليل الإعلامي الإغوائي.

وهذا ما يدعو إلى الاهتمام والتركيز على كيفية تخطيط الإمام الحسين (عليه السلام) الشامل الكامل للثورة، فإنّ من ضمن ما خطط له الجهة الإعلامية للثورة، لذلك سنتناول جزءا من الجانب أو البعد الإعلامي في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ونسلط الضوء عليه:

الإعلام هو عملية اتصال، الإعلام وسيلة وأداة تنموية أساسية ضرورية لها دور فاعل ثقافياً وتربوياً واجتماعياً وسياسياً على المستوى الإيماني في مواجهة الظلم ومحاورة الآخر وصيانة الوطن وتأمين الوعي والمعرفة للمجتمع(1)، وتكمن أهمية الإعلام في أنه اللسان المعبّر عن أي جهة سواء كانت الجهة الشعوب أو الحكومات أو غيرها. وتشتد أهمية الإعلام قوةً وضعفاً من خلال عاملين(2):

حجم الرسالة المراد إيصالها للآخرين.

مدى تعرض الرسالة إلى النقد والإشكاليات والإعلام المعادي والمسموم من قبل وسائل الإعلام الأخرى.

حدود المقال:

تم تحديد المقال بأطر لكون الفترة الزمانية التي مورس فيها الدور الإعلامي للثورة الحسينية من نبي الله آدم (عليه السلام) إلى الحاضر والمستقبل ولكون الأماكن أكثر من أن تحصى، لذلك قد قيل: كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء. وكذلك الحال فيمن مارس هذا الدور.

الإطار الزماني: فترة إمامة الإمام الحسين (عليه السلام).

الإطار المكاني: المدينة المنورة - مكة المكرمة - كربلاء المقدسة.

الشخصية المتناولة: الإمام الحسين (عليه السلام).

مكونات الإعلام:

● المرسل.

● الرسالة.

● الوسيلة.

● المرسل إليه.

ومن خلال بيان (العناصر المتعلقة بكل من هذه المكونات)(3)، نشرع في المقال:

العناصر المرتبطة بالرسول أو المرسل (صانع المحتوى):

1. تحديد الأهداف بدقّة، والوعي بالهدف المراد والمرغوب فيه.

حيث أفصح الإمام الحسين عن الأهداف بدقة من قبيل وصيّة الإمام الحسين (عليه السلام) لأخيه ابن الحنفية: ثم دعا الحسين (عليه السلام) بدواة وبياض وكتب هذه الوصية لأخيه محمد:

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن على بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفيَّة، أنّ الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له... وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي (صلَّى الله عليه وآله) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)»(4).

فكان الهدف واضحاً ودقيقاً وهو الإصلاح عن طريق فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي قام بها الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) وقام بها الإمام علي (عليه السلام) بل كانت من سيرتهما.

وأيضاً يتّضح ما مدى وعي الإمام الحسين (عليه السلام) بالهدف المراد إذ بيّن الطريق الذي يؤدّي إلى الهدف.

2. تفعيل مهارات التواصل كمهارة القراءة ومهارة الكتابة ومهارة الاستماع ومهارة السؤال ومهارة التحدّث ومهارة الكتابة.

حيث كان الإمام الحسين (عليه السلام) بارعاً في كل هذه المهارات، ويكفينا بيان مهارة السؤال، وكما يعلم القارئ أن للاستفهام معنى حقيقيّ هو (طلب الفهم) وله معانٍ مجازية منها: "التعجّب، الاستبطاء، التنبيه، الوعيد، التقرير، الانكار، التوبيخ، التهكّم، التحقير، الاستبعاد، الأمر، النهي، التسوية، النفي، التشويق والترغيب، الاستئناس، التهويل، التعظيم، التحسّر، التمنّي".

وقد استخدم الإمام الحسين (عليه السلام) عدّة معانٍ في استفهام واحد والمثال على ذلك كالتالي:

«عندما قال مروان بن الحكم إلى الوليد بن عتبة أمير المدينة: أنه - يقصد الإمام - لا يقبل ولو كنت مكانك ضربت عنقه، فردّ عليه الإمام (عليه السلام): ويلي عليك يا بن الزرقاء أنت تأمر بضرب عنقي؟ كذبت والله وأثمت»(5).

فإن فيه كل من: التنبيه على الباطل والخطأ والضلال، والإنكار، والتحقير، والاستبعاد، والنفي.

في خطبة للإمام (عليه السلام) يوم عاشوراء أنه قال: «أفهؤلاء تعضدون؟ وعنّا تتخاذلون؟»(6).

وفيه معاني: الانكار، التعجّب، التنبيه على الباطل، التحقير، والتهويل.

3. تفعيل مهارات التفكير العليا وهي: حل المشكلات، اتخاذ القرار، التفكير الناقد، والتفكير الإبداعي.

وما يدلّ على كلّ ذلك هذا التخطيط اللامتناهي في الدقة ومحاسبته للأمور ووزنها واستثمار كل الأمور والظروف والاستفادة منها أتمّ الاستفادة، وهذا ما سيتبيّن لنا في النقاط التالية.

تفعيل المهارات التقنية والفنية الخاصة بالوسيلة الإعلامية المستخدمة.

ومثال ذلك يأتي فيما يخص بالوسائل الإعلامية.

الوضوح في الإفصاح عن الهوية أو التعريف بالهوية لأن العملية الاتصالية الصادرة من مصدر مجهول لا تحظى بالثقة الكافية، ولا تعطي الأثر الفعّال.

ففي خطبة الإمام الحسين يوم عاشوراء ما نصّه:

«أما بعد: فانسبوني فانظروا من أنا؟! ثم ارجعوا إلي أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟! ألست ابن بنت نبيكم (صلَّى الله عليه وآله)، وابن وصيه وابن عمه، وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه، أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمي؟!

أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم: أن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟! فإن صدقتموني بما أقول، وهو الحق فوالله ما تعمدت كذبا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضر به من اختلقه... وإن كذبتموني فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبدالله الأنصاري، أو أبا سعيد الخدري، أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك، يخبروكم: أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لي ولأخي، أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟! فإن كنتم في شك من هذا القول، أفتشكون أثرا بعد؟ أما إني ابن بنت نبيكم؟ فو الله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم»(7).

الثقة بالنفس والتي تولّد ثقة في القول والفعل.

ففي حديثٍ له (عليه السلام) مع ابن الحنفية في المدينة المنوّرة: «يا أخي والله لو لم يكن ملجأٌ، ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية»(8).

وهذا القسَم من التوكيد بأنّه لن يبايع مهما كانت الظروف والحالات.

المعرفة بالموضوع أو الإحاطة به «عدم قول من دون معرفة» «عدم نقل مضمون من دون فهم».

ففي قوله (عليه السلام) لأمّ سلمة (عليها السلام) في المدينة المنوّرة عندما أراد الخروج منها: «أماه وأنا والله أعلم ذلك، وأني مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بد، وإني والله لأعرف اليوم الذي اقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي ادفن فيها، وإني أعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا أماه أريك حفرتي ومضجعي»(9).

الاتجاه نحو الموضوع إيجابيّ أو الإيمان والاقتناع بالموضوع، ليكون الاتصال فعّالاً.

وفي ما ذكر في الثقة بالنفس كفاية عن الإطالة.

4. الاتجاه نحو المتلقي إيجابي أو الاحترام والتعاطف حيث يصبح المتلقي أقل انتقاداً لرسائله، ويزداد احتمال تفهّمه واستيعابه للرسائل المقدّمة.

فعندما وصل الإمام منزل شراف ولقاؤه (عليه السلام) بالحر، قال لفتيانه: «اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشّفوا الخيل ترشيفاً»(10).

وهذا الموقف دليل على التعاطف وأما موقف الاحترام فإنه (عليه السلام) قال للحر: «أتريد أن تصلّي بأصحابك؟»(11).

وبالفعل فإن الرسالة وصلت وتفهّمها الحر واستوعبها.

6. بناء المصداقية لدى الجمهور (الخبرة في الموضوع - الاطلاع على تفاصيل - نقل الرسائل بأمانة بدون تحيز).

ففي منزل زبالة أخرج للناس كتاباً وقال: «بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإنه قد أتانا خبر قتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، وعبدالله بن يقطر وقد خذلنا شيعتنا فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج، ليس عليه ذمام»(12) مع ما في الخبر من تفرق الناس عنه إلا أنه نقل الرسالة بأمانة بدون تحيز.

7. الجاذبية والقرب من الجمهور في النواحي النفسية والاجتماعية، بناء جسور المودّة والألفة مع الجمهور ومساعدتهم على التخلّص من القلق والضغط والتوتر وعدم الأمان.

أيضاً تم الإشارة إلى ذلك ففي النقطة التاسعة في لقاء الإمام الحسين (عليه السلام) بابن سعد في كربلاء إذ أرسل الحسين إلى عمر بن سعد (لعنه الله): «إني أريد أن أكلّمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك»، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج الحسين في مثل ذلك، فلمّا التقيا أمر الحسين (عليه السلام) أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه أخوه العباس، وابنه علي الأكبر، وأمر عمر بن سعد أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له.

فقال الحسين (عليه السلام): «ويلك يا بن سعد أما تتّقي الله الذي إليه معادك أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟ ذَرْ هؤلاء القوم وكن معي، فإنّه أقرب لك إلى الله تعالى»، فقال عمر سعد: أخاف أن يهدم داري، فقال الحسين (عليه السلام): «أنا أبنيها لك»، فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي، فقال: «أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز»، فقال: لي عيال وأخاف عليهم، ثم سكت ولم يجبه إلى شيء، فانصرف عنه الحسين (عليه السلام) ودعا عليه(13).

العناصر المرتبطة بالرسالة أو المضمون (المحتوى):

الرسالة هي ما يصنعه المرسل ليعبّر عن أهدافه، فهي العبارات التي تقال، والمعلومات التي تقدّم، والاستنتاجات التي يُتوصل إليها، والأحكام التي تُقترح.

1. أما رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) فكانت في عباراتها ومعلوماتها واستنتاجاتها وأحكامها في هذه الخطبة في منزل ذات عرق: روي أنه صلوات الله عليه لمّا عزم على الخروج إلى العراق، قام خطيباً فقال: «الحمد لله وما شاء الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله وصلّى الله على رسوله وسلّم، خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير  لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني أكراشاً جوفا، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خط بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفّينا أجور الصابرين، لن تشذّ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حضيرة القدس تقرُّ بهم عينه، وتنجز لهم وعده، من كان فينا باذلاً مهجته موطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله»(14).

فأمّا العبارات فإنها قارعة، وأما المعلومات فإنها غيبية وأما الاستنتاجات فإنها حتمية وأما الأحكام فإنها واجبة.

2. اختيار الرسالة التي تتفاعل مع اهتمامات المتلقّي وتستجيب لمصالحه.

وفيما ذكرناه سابقاً من لقاء الإمام (عليه السلام) بابن سعد في كربلاء.

وفي خطبة الحسين (عليه السلام) عند نزوله بكربلاء: قال السيد (رحمه الله): فقام الحسين (عليه السلام) خطيباً في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: «إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإن الدنيا تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها ولم يبقَ منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه حقّاً حقّاً فإنّي لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما»(15).

3. وضوح الرسالة وبساطتها وقابليتها للفهم، قابلة للمشاهدة، وقابلة للقراءة، وقابلة للاستماع.

في قوله (عليه السلام) إلى الوليد بن عتبة في المدينة المنوّرة: «أيها الأمير! إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلنٌ بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أيّنا أحقّ بالبيعة والخلافة»(16).

4. واقعية الرسالة تعبّر عن الواقع وتجتنب استخدام التجريد، سواء في الأحداث أو الظروف أو المواقف.

عندما نزل الإمام كربلاء ونزل الحرّ بن يزيد حذاءه في ألف فارس ودعا الحسين بدواة بيضاء، وكتب إلى أشراف الكوفة ممن كان يظنّ أنه على رأيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شدّاد وعبدالله بن وائل وجماعة المؤمنين، أما بعد فقد علمتم أن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد قال: (من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يعتبر  بما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله) وقد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتولّوا عن طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وإنّي أحقّ بهذا الأمر؛ لقرابتي من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وقد أتتني كتبكم وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم، أنّكم تسلموني، ولا تخذلوني، فإن وفيتم لي ببيعكم فقد أصبتم حظّكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم وأهلي وولدي مع أهلكم وأولادكم فلكم بي أسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخلعتم بيعتكم فلعمري ما هي منكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي، والمغرور من اغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم، والسلام»(17).

5. قابلية الرسالة للتحقق وشمولها على جمل وعبارات عملية، يمكن اختبارها والتأكّد منها في الواقع.

خطبة الإمام (عليه السلام) في أصحاب الحر:

«أيها الناس، إنّي لم آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت عليَّ رسلكم، أن أقدم علينا فليس لنا إمام، لعلّ الله أن يجمعنا وإيّاكم على الهدى والحقِّ، فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فأعطوني ما اطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم، وإن لم تفعلوا، وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم»(18).

الخطبة الثانية:

«أما بعد أيها الناس، فإنّكم إن تتّقوا الله وتعرفوا الحقَّ لأهله يكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمد أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدَّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، فإن أبيتم إلاّ الكراهة لنا والجهل بحقّنا وكان رأيكم الآن على غير ما أتتني به كتبكم وقدمت عليَّ به رسلكم انصرفت عنكم».

فقال له الحرُّ: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرُّسل التي تذكر؟

فقال الحسين (عليه السلام) لبعض أصحابه: «يا عقبة بن سمعان أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليَّ» فأخرج خرجين مملوئين صحفاً فنثرت بين يديه(19).

6- استخدام وسائل تأثير عاطفية تخاطب المشاعر والقيم والعواطف والأحاسيس.

لمّا فجع الحسين بأهل بيته وولده، ولم يبق غيره وغير النساء والذَّراري نادى: «هل من ذابّ يذبُّ عن حرم رسول الله؟ هل من موحّد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟»(20).

7- استخدام وسائل إقناع عقلية بالأدلة والشواهد والمنطق.

يكفي ما تم ذكره في النقطة الخامسة من استجابة لطلب منهم ومن أدلة دامغة وشواهد حسية ومن اقتراح مقنع.

8- كون الرسالة ذات نتائج واضحة للمتلقي، ولا تكن مضمرة وضمنية.

«والله لا يدَعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي فإذا فعلوا سلّط الله عليهم من يذلّهم، حتى يكونوا أذلَّ فرق الأمم»(21).

9- استخدام المصادر الموثوقة للنقل عنها، مع الإشارة إليها بوضوح بأنّها مصدر المعلومات.

خطبة الإمام (عليه السلام) يوم عاشوراء: «أو لم يبلغكم ما قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لي ولأخي: هذان سيِّدا شباب أهل الجنّة؟ فإن صدَّقتموني بما أقول وهو الحقُّ، والله ما تعمَّدت كذباً مذ علمتُ أنَّ الله يمقت عليه أهله، وإن كذَّبتموني فإنَّ فيكم مَنْ إنْ سألتموه عن ذلك أخبركم، اسألوا جابر بن عبدالله الأنصاريَّ، وأبا سعيد الخدريَّ، وسهل بن سعد الساعديَّ، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟»(22).

10- الحرص على العناية بحقوق الملكية الفكرية واحترامها وعدم انتهاكها.

عندما قال الإمام (عليه السلام) إلى الحر:

«أفبالموت تخوّفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني، وما أدري ما أقول لك، ولكنّي أقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أين تذهب فإنّك مقتول، فقال له:

سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى      إذا مـا نوى حقــاً وجـاهد مسلماً

وآسـى الرِّجـال الصـالحين بنفسـه          وفــارق مــثبـوراً وودَّع مجرمــاً

فإن عشـت لَمْ أندَمْ وإنْ مـتُّ لم ألم         كفــى بـك أن تعيـش وتُرْغمـا(23)

11- الابتداء بمواد الرسالة الأهم والانتهاء بها لأنّها تكون أكثرها قبولاً للفهم والتلقي بينما التي في الوسط هي الأقل أهمية.

خروج الحسين (عليه السلام) من مكة إلى العراق:

ثمَّ جاء عبدالله بن عمر فأشار عليه بصلح أهل الضلال وحذّره من القتل والقتال، فقال (عليه السلام): «يا أبا عبدالرَّحمن أما علمت أنَّ من هوان الدُّنيا على الله تعالى أن رأس يحيى بن زكريّا أهدي إلى بغيٍّ من بغايا بني إسرائيل، أما تعلم أنَّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئاً، فلم يعجّل الله عليهم، بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام، اتق الله يا أبا عبدالرحمن ولا تدع نصرتي»(24).

12- تكرار الرسالة للحصول على أفضل تأثير، ولكن مع تنويع الشكل، والوسيلة، وطريقة الطرح والمعالجة.

منزل ذات عرق: «كأنّي بأوصالي يقطّعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلاء»(25).

منزل بطن العقبة: «والله لا يدَعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي»(26).

العناصر المتعلقة بنوعية الوسيلة وتقنياتها:

● اختيار الوسيلة المتناسبة مع الرسالة والفكرة، والمضمون، والهدف الذي يتم السعي لتحقيقه.

● اختيار الوسيلة المتناسبة مع الجمهور المستهدف، وعاداته الاتصالية، وطريقة تعرضه للوسيلة، وتفاعله معها، وتأثيرها عليه.

● اختيار الوسيلة المتناسبة مع القدرات، والمهارات، والاهتمامات، والإمكانيات المادية.

● اختيار الوسيلة المتناسبة مع عامل الوقت إذا كان الوقت مهمّا وفعّالاً بالنسبة إلى الموضوع والفكرة والهدف.

● اختيار الوسائل المكتوبة التي تتعامل مع النصوص التحريرية لتوصيل الرسائل الصعبة والمعقّدة فهي الأفضل في هذا المجال.

● اختيار الوسائل الصوتية للرسائل البسيطة السهلة التي تتطلب تنشيط الخيال.

العناصر المتعلقة بالطرف الآخر وهم المتلقي-الجمهور:

● تحديد الجمهور والتعرف عليهم، ما هي خصائصهم السكانية؟ ما هي خصائصهم النفسية؟ ما هي البيئة الإعلامية التي يعيشون فيها؟ والوسائل الإعلامية والتقنية التي تناسبهم؟

● عدم مطالبة الناس التفهيم والتفاعل قبل بذل قصارى الجهد لمحاولة فهمهم أولاً فهذا التفاهم المشترك الخطوة الأولى للتواصل.

● تحديد المضمون الذي يناسب الجمهور، ويلبي احتياجاتهم الحقيقية.

● اختيار الوسيلة التي تناسب الجمهور، دون تحملهم جهداً أو تكلفة إلا في الحد الأدنى.

● استخدام الكلمات والتعابير، والصور المألوفة للجمهور، ومحاولة إقامة روابط إيجابية معهم منذ بداية التفاعل الاتصالي.

● استخدام الرسائل بحسب موقف الجمهور من الرسائل الإعلامية، فهناك الجمهور المؤيد، والجمهور المعارض، والجمهور الذي لم يتخذ موقفاً.

● استخدام الرسائل بحسب سرعة وسهولة إقناعه والتأثير فيه، فهناك الجمهور الحسّاس: سريع الاقتناع والتأثر، مثل: الأطفال، وهناك الجمهور الناضج: الذي لا يستسلم لوسائل الإعلام ويتمتع بالوعي الإعلامي، وهناك الجمهور اللامبالي: وهو الذي يتعامل مع الرسائل الإعلامية بإهمال تام ولا مبالاة.

نذكر عدّة نصوص فيها ما ذكر من العناصر المتعلقة (بنوعية الوسيلة وتقنياتها) و(بالطرف الآخر وهم المتلقي-الجمهور):

«الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الدّيّانون»(27).

«عن الفرزدق أنّه قال: قال لي: أخبرني عن الناس خلفك؟ فقلت: الخبير سألت، قلوب الناس معك وأسيافهم عليك، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء.

 فقال: صدقت، لله الأمر (من قبل ومن بعد) وكل يوم (ربنا) هو في شأن، إن نزل القضاء بما نحب (ونرضى) فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد من كان الحق نيته والتقوى سريرته»(28).

«أمّا بعد: فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ وأوصل من أهل بيتي»(29).

«ويلكم ما عليكم أن تنصتوا إليّ، فتسمعوا قولي، وإنّما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من الراشدين، ومن عصاني كان من المهلكين، وكلكم عاص لأمري غير مستمع لقولي، قد انخزلت أعطياتكم من الحرام، وملئت بطونكم من الحرام، فطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟ ألا تسمعون؟»(30).

«يا بن أسعد، إنّهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق، ونهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك فيكف بهم الآن وقد قتلوا إخوانك الصالحين»(31).

أمور استثمرها الإمام الحسين  (عليه السلام):

● النداءات والاستغاثات في يوم العاشر (للتأثير العاطفي على الجمهور).

● الاستشهاد بآيات من القران الكريم (للهدف والفكرة والرسالة والمضمون).

● الاستشهاد بأحاديث الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) (للهدف والفكرة والرسالة والمضمون).

● الدعاء والمناجاة (للهدف والفكرة والرسالة والمضمون) (للتأثير العاطفي على الجمهور).

● الهيئة: هكذا أكون حتى ألقى جدي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأنا مخضوب بدمي، وأقول: يا رسول الله قتلني فلان وفلان.(32) (للتأثير العاطفي على الجمهور).

● الوقت:

- وقت الخروج من المدينة المنورة: بعد هلاك طاغية وتنصيب طاغية.

- وقت الخروج من مكة المكرمة: يوم التروية في الثامن من ذي الحجة أي خروج الحجاج لعرفة.

وكلاهما خروج يستدعي تساؤل كبير وإثارة للتعجب، والذي هو مدعاة بجلب أنظار الجمهور والالتفات والتوجه إليه.

● المكان:

- المدينة المنورة: ولا تخفى موقعيتها كعاصمة في الدولة الإسلامية.

- مكة المكرمة: حرم الله تعالى والذي هو أمنٌ للأحياء، وبالإضافة إلى توافد الحجاج إليه من كل فج عميق مما يساهم في إيصال الرسالة إلى أكبر عدد ممكن، وإلى أكثر من قبيلة وعشيرة وبلد ووطن.

● طلب تأجيل القتال.

● الوسائل الاتصالية:

- المراسلات المكتوبة.

- إرسال مبعوث.

- الخطابة.

- اللقاءات.

- الشعر.

وفي الختام بعد المحاولة من التقرب شيئاً ما للمعين الصافي وللمنهل العذب، نستذوق أهمية الدور الإعلامي ونستذوق التعلم والانتهاج والتأسي حين نشتغل بالإعلام الحسيني المحنَّك الذي استطاع العبور فوق الأزمنة والأمكنة، وغيرها من المحددات والحدود، استثمر كل الطاقات، ووظف كل القوى المؤثرة، واستفاد من كل الظروف والحالات، واستنفذ كل الوسائل، بحيث لا تغيب عنه لا شاردة ولا واردة، ولا غفل عن أدق التفاصيل، وما خفي أعظم تكشف بعضاً منه العقول المنيرة والأجيال القادمة والأزمان المستقبلة إن شاء الله، إذ لا سبيل لإدراك وتصور القدرات والطاقات والإمكانات الهائلة والعملاقة والجليلة للإمام المعصوم (عليه السلام)، الذي رسم بريشة الحكمة لوحة فنية فاخرة بلون الدم، وخطَّ فيها قلادة على جيد فتاة لا محيص لها عن يوم خط بالقلم، فجذب بها كل فطريّ، وسحر بها كل أنسيّ وجنيّ، فتاهت العقول واحتارت الألباب، وانكسر القلم، هذا ما جاد به الجواد الكريم المتفضل المنّان، والحمد لله رب العالمين.

***

 

* الهوامش:

(1) الإعلام الملتزم مبادئ وأهداف (بحث وتحقيق: المهندس محمد حمدان) صفحة5.

(2) المصدر السابق صفحة 7.

(3) التربية الإعلامية: كيف نـتعامل مع الإعلام؟ لفهد بن عبد الرحمن الشميمري صفحة 173-179.

(4) مقتل الحسين (عليه السلام) (عرض وثائقي موجز لأحداث واقعة كربلاء مختار من بحار الأنوار) إعداد مجمع الفكر الإسلامي صفحة 14-15.

(5) المصدر السابق صفحة 12.

(6) المصدر السابق صفحة 117.

(7) المصدر السابق صفحة 114-115.

(8) المصدر السابق صفحة 14.

(9) المصدر السابق صفحة 17.

(10) المصدر السابق صفحة 79.

(11) المصدر السابق صفحة 80.

(12) المصدر السابق صفحة 77.

(13) المصدر السابق صفحة 100-101.

(14) المصدر السابق صفحة70-71.

(15) المصدر السابق صفحة 89.

(16) المصدر السابق صفحة 12.

(17) المصدر السابق صفحة 90-91.

(18) المصدر السابق صفحة 80.

(19) المصدر السابق صفحة 81.

(20) المصدر السابق صفحة 160.

(21) المصدر السابق صفحة 78.

(22) المصدر السابق صفحة 114-115.

(23) المصدر السابق صفحة 82.

(24) المصدر السابق صفحة 67-68.

(25) المصدر السابق صفحة 70.

(26) المصدر السابق صفحة 78.

(27) المصدر السابق صفحة 93.

(28) المصدر السابق صفحة.

(29) المصدر السابق صفحة 104.

(30) المصدر السابق صفحة116.

(31) المصدر السابق صفحة 137.

(32) المصدر السابق صفحة 167.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا

أعداد المجلة

© كافة الحقوق محفوظة لمجلة رسالة القلم | يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر.