البناء الديني.. مقوّماته وآثاره

البناء الديني.. مقوّماته وآثاره

المقدمة:

قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[1].

تحدّثت آيات عديدة عن أنّ الدين فطرة في الإنسان قد أودعها الله تعالى فيه، فهو سنّة الله تعالى في هذا الإنسان لا ينفك عنه ما دام إنساناً، في قبال من يدّعي أنّه من صنع الإنسان، حيث يعد الوسيلة لسدّ حاجاته الروحية والإجتماعية، وأنّه مرحلة من مراحل تطوّر الفكر الانساني وغيرها من الدعاوى التي كثرت في زماننا المعاصر، ثبتنا الله على دينه، (يا الله يارحمن يارحيم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، والحديث في إطار هذه الآية في مبحثين:

المبحث الأول: وفيه عدّة مطالب

المطلب الأول: معنى الفطرة لغة واصطلاحاً:

لغة: الابتداء والاختراع[2]، فطَر الشَّيءَ: اخترعه، أوجده، أنشأه، ابتدأه.

والروايات فسّرت معنى الفطرة في الآية بالتوحيد والإسلام، ففي معتبرة هشام بن سالم، قال: سألت الإمام الصادق×: ما المراد من قوله تعالى: {فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ...}[3] فقال: >هي التوحيد<. وعن الإمام الصادق× أيضاً حين سأله عن تفسير الآية المتقدمة فقال الإمام×: >هي الإسلام<[4].

المطلب الثاني: أهمية الموضوع

وبيانها في نقاط:

الأولى: من الظواهر الموجودة في زماننا الحالي عند الجيل الشاب وبالأخص المبتعثين إلى خارج البلاد الإسلامية، ظاهرة التخلّي عن المعتقدات الدينية والتراجع السريع أمام الشبهات المثارة حول المنظومة الاعتقادية والمعرفية، بحيث تجد البعض سريع التنازل وبشكل انهزامي أمام مجموعة من الأسئلة المليئة بالمغالطات.

الثانية: الغزو الفكري والثقافي الموجّه الذي يستهدف المنظومة الدينية والاعتقادية عند الناشئة، من خلال بثّ البرامج التلفزيونية المسمومة وتطبيقات الحاسوب والهواتف النقالة وغيرها.

هذان الأمران وغيرها مورد اهتمام فقهائنا الأعلامè، حيث أكّدوا على أهميّة البناء الديني خصوصاً لمرحلتيّ الناشئة والشباب[5]. ومن منطلق العمل بوصاياهم كان تدوين الأسطر التالية.

المطلب الثالث: كيف ينظر القرآن الكريم إلى الدين؟

عند استقراء آيات القرآن الكريم تجدها على نحوين:

الأول: آيات تصف الدين بالشريعة، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيه}[6]. فالدين منظومة تشتمل على أوامر الله تعالى ونواهيه.

الثاني: وأخرى تصفه بأنّه سنّة من سُنن التأريخ، بمعنى كونه قانون داخل في صميم تركيب الإنسان وفطرته، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا  فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا  لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ  ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ  وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[7]. فالدين ليس مجرّد تشريع وقرار إلهي وإنّما هو سُنّة الحياة والعنصر الأساس لكمال الإنسان وسعادته، لذلك الآية تشير إلى أهميّة الالتزام بالفطرة، ولهذا نصبت (فِطرَة الله) على الإغراء أي الزم الفطرة[8].

 الدين والفطرة سنّة من سنن التأريخ وجزء من أجزاء الإنسان لا يمكن انتزاعه وتبديله؛ لأنّه لو لم يكن كذلك لأمكن انتزاعه ولما كان فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولما صدق عليه (لا تبديل لخلق الله)، بل يكون من الأمور المكتسبة على مرّ التأريخ، يقول السيد الشهيد الصدر+: "القرآن يريد أن يقول بأن الدين ليس مقولة من هذه المقولات بالإمكان أخذها وبالإمكان إعطاؤها، الدين خلق الله (فطرة الله التي فطر الناس عليها) و(لا تبديل لخلق الله). هذا الكلام (لا) في الآية ليست ناهية بل نافية"[9]. وهذه النظرة هي التي يقول بها علماء النفس حيث يعتقدون أنّ التدين ضرورة قصوى من ضروريات الحياة البشرية[10].

قد تقول: كيف يكون الدين جزءً من الإنسان، والحال أنّ كثيراً من الناس انسلخوا عنه وخالفوا السنّة والفطرة؟ ويجاب: بأنّ السنّة على أنحاء منها:

النحو الأول: سنّة صارمة وقانون تكويني لا يختلف ولا يتخلّف كالغليان عند وصول درجة حرارة الماء إلى مائة درجة مئوية.

النحو الثاني: سنّة غير صارمة وقانون تشريعي يمكن للإنسان أن يتحداها، فمثلاً جعل الله تعالى الزواج سنّة لتكاثر النوع الإنساني، لكن قد تُخالف هذه السنّة الإلهية عن طريق الزنا والعياذ بالله، لكنّ مخالفتها على مدّة قصيرة يعاقَب مخالفُها ولا تضرّ بكونها سنّة إلهية.

كذلك الحال بالنسبة إلى مخالفة سنّة الدين، فالإلحاد مخالفة صريحة لسنّة الدين والفطرة المودعة عند الإنسان، فهو غمض العين عن شمس الحقيقة والفطرة ولا يعني ذلك عدم وجودها، فهو كالزبد لا يبقى إلا فترة قصيرة {أَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً}[11].

وإن شئت قلت: هناك فرق بين الاتجاه الطبيعي وبين القانون الصارم:

أمّا الأول فيمكن تحدّيه ولكن على فترة وشوط قصير؛ لأنّه سرعان- بمعنى السرعة التأريخية- ما يفاجِئَه عقاب السُّنن التأريخية التي تفرضه على من يريد تبديل خلق الله تعالى.

وأمّا الثاني -القانون الصارم- فهو لا يقبل التحدّي، والمُنسَلِخ عن دينه خالف الأول دون الثاني، وهذا لا يعني أنّ الدين ليس سُنّة من سُنن التأريخ[12].

المطلب الرابع: ما هي منبِّهات الفطرة؟

ذكر علماء التربية أنّ هذه الفطرة المودعة عند الإنسان، يمكن تحويلها إلى عقيدة راسخة وحصن حصين يقي المؤمن من الانحراف والانهزام  أمام الشبهات، ويحصل ذلك بإثارتها وتحفيزها منذ الطفولة، وهذا ما أشارت إليه روايات أهل البيت^، حيث ورد عن الإمام علي×: >فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ<[13] حيث يستفاد منها ومن غيرها عدّة منبِّهات:

الأول: التلقين للمبادئ الدينيّة

فقد أشارت عدّة روايات إلى تلقين الطفل المبادئ الأساسيّة للدين منذ الساعات الأولى لولادته، فمثلاً تلقينه الأذان في الأذن اليمنى والإقامة في اليسرى، فقد ورد عن رسول الله|: >من ولد له مولود فليؤذِّن في أذنه اليمنى بأذان الصلاة، وليقم في أذنه اليسرى، فإنّها عصمة من الشيطان الرجيم<[14]. فالأذان والإقامة تلقين بالتوحيد والنبوّة وبالفرائض، هذا من شأنه إثارة الفطرة وتنبيهها، ممّا يوجب حصول الأنس بها والتفاعل معها خصوصاً عند تكرارها.

كذلك قراءة الأمّ القرآن والأذكار حين الرضاعة له أثره البالغ.

يُنقل عن السيد هاشم الحداد¦ -وهو من العرفاء المعروفين- في كتاب (دلشده) أنّه يعتقد أنّ سبب وصوله إلى ما وصل إليه من مقامات هو أنّ والدته عندما كان في بطنها كانت تقرأ زيارة عاشوراء عقيب كلّ صلاة صبح.

الثاني: السيرة العمليّة لأهل البيت^

فلكلّ مرحلة عمرية مثير من مثيرات الفطرة، فبعد مرحلة الرضاعة يبدأ الطفل-في مراحله المختلفة حتى المتأخّرة- يتلقّى المعرفة من سلوك الوالدين والأقرباء بنحوين قولي وفعلي:

أما القولي: فمن خلال الاستشهاد بسيرة أهل البيت^ التي تبيِّن أنّ الدين ليس مجرّد أوامر ونواهٍ، بل هو أخلاق حسنة وسلوك عملي راقٍ. كذلك بيان أنّ الدّين أمر مُعاش في جميع مفاصل الحياة وهو طريق للرقي به.

وأما العملي: فبتطبيق تعاليمهم^ وتجسيدها في التعامل مع الطفل بل الشاب أيضاً، فإنّه سيتربَّى عليها وتكون جزءً من شخصيته؛ لأنّه يستقي السلوك من خلال ملاحظته لسلوك القريبين منه، فيعمل طبقاً لتلك السلوكيات مقلّداً معتقداً بصحّتها.

وإن شئت قلت: كلّما كان التزام الوالدين والمقرّبين من الطفل بالتعاليم الإسلامية كبيراً؛ كانت درجة تأثّر الأبناء كبيرة، وكانت درجة تنبّه الفطرة كبيرةً أيضاً.

ينقل صاحب كتاب (ما وفرزندان ما): "إنّ أوّل صورة يرسمها الطفل في ذهنه عن الله تعالى تنبع من علاقته مع والديه، كذلك أوّل فكرة ترتسم في مخيّلته عن الطاعة والسماح والاستقامة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسلوك الأسرة"[15]، هذا بالنسبة إلى مرحلة الطفولة المبكّرة والمتوسّطة، وأمّا  بالنسبة إلى من هم في سِن الطفولة المتأخّرة فيتعامل معهم بأسلوب يتناسب ومرحلتهم العمرية، ولعلَّ أفضل أسلوب لذلك هو الإقناع بواسطة الحوار والنقاش.

الثالث: التدبّر في الآيات الكونية

مما يحوّل المعرفة الفطرية إلى إيمان تفصيليّ راسخٍ هو العقل والتفكّر في أسرار الخلق، بحيث يتفكّر الوالدان مع الأبناء بشكلٍ جماعيٍّ من خلال إثارة بعض الأسئلة المرتبطة بالكون والمخلوقات والتي يُتوصَّل من خلالها إلى معرفةٍ بالخالق تتناسب مع مرحلة الأبناء العمرية، فمثلاً يتعاون الوالدان بطرح أسئلة معدّة سلفاً حول الخالق الذي خلقهم بهذه الصورة الجميلة والكاملة، لماذا خلقهم؟ ولماذا سخَّر لهم هذه الموجودات؟ ما هي أهمية وجوده؟ من أين هذه الأشياء التي نمتلكها؟ وغيره من الأسئلة التي تُحرّك فيهم الفطرة وتعلِّق قلبهم به. هذا بالنسبة إلى الطفولة المتأخّرة.

وأمّا الأطفال من سِن الرابعة تقريباً إلى سِنّ الثامنة، فيتمّ التفكّر والتدبّر بالاستعانة بواسطة الحواس، كأن يُغْمِض عينَ طفله عن صورةٍ أو مشهدٍ يعلم الوالد بأنّ ابنه يحبّ تلك الصورة أو ذلك المشهد، ثم يرفع يده ثم يسأله عن نعمة البصر لو لم تكن تُبصر أكنت ترى هذه الصورة الجميلة؟ يا ترى من الذي جعلك تبصر؟! ويسترسل معه شيئاً فشيئاً، وغيرها من الطرق التي تُثير فطرته.

المطلب الخامس: مراحل تطوّر الشعور الديني

هناك ثلاث مراحل ينبغي الالتفات إليها عند البناء الديني، حيث إنّ كلّ مرحلة لها أساليبها الخاّصة وطرقها.

الأولى: مرحلة التصوّر الخيالي للمفاهيم الدينية: وهذه تكون في السن (3-6) سنوات، وفيها يتصوّر الطفل الإله بصورة خيالية لا صلة لها بالواقع.

الثانية: المرحلة الواقعية: وهذه تكون في السن (7-14)، وفيها تتكوّن المفاهيم الإعتقادية -والدينية كالجنة والنار والملائكة والإله- حيث يشتقها من الواقع الحسّي الذي يعيشه ولكن بصورة أكثر تضخّماً، حيث يتصوّر الإله رجلاً ضخماً له صفاته الجسمانية الكبيرة، ويتصوّر الجنّة على أنّها حديقة من الحدائق الجميلة ... إلخ.

الثالثة: المرحلة الفردية: وهي فترة المراهقة، وفيها تتغيَّر نظرته عن الإله والجنّة والنّار؛ باعتبار نموّه الذهني والعقلي، فينظر إليها بنحو من التجرّد.

المبحث الثاني: المقومات العملية للنمو الديني وآثاره

المطلب الأول: المقومات العملية للبناء الديني

المقوم الأول: تعليم الطفل معرفة الله تعالى

بما أنّ الطفل مجبول بفطرته على الإيمان بالله تعالى، لذلك تجده يتسائل عن نشأته ونشأة والديه ومن يحيطون به، هذه الأسئلة تكشف عن استعداده لقبول فكرة الخالق والصانع، فيستثمر الوالدان هذه الحالة ويعرِّفونه بالله تعالى بما يتناسب ومرحلته العمرية. وكلّما كان ذلك وفقاً لبرنامج متسلسل مُعدٍّ مسبقاً، كانت المعرفة أبلغ وأثبت في قلبه.

وقد حدّد الإمام الباقر× المنهج في ذلك حيث قال: >إذا بلغ الغلام ثلاث سنين يقال له: قل لا إله إلا الله سبع مرات، ثم يترك حتى تتم له ثلاث سنين وسبعة أشهر وعشرون يوماً، فيقال له: قل محمد رسول الله سبع مرات، ويترك حتى يتم له أربع سنين ثم يقال له: قل سبع مرات صلى الله على محمد وآله، ثم يترك حتى يتم له خمس سنين ثم يقال له: أيّهما يمينك وأيّهما شمالك؟ فإذا عرف ذلك حول وجهه إلى القبلة ويقال له: اسجد، ثم يترك حتى يتم له سبع سنين فإذا تم له سبع سنين قيل له اغسل وجهك وكفيك فإذا غسلهما قيل له صلّ ثم يترك، حتى يتم له تسع سنين، فإذا تمت له تسع سنين علم الوضوء وضرب عليه وأمر بالصلاة وضرب عليها فإذا تعلّم الوضوء والصلاة غفر الله عزّ وجلّ له ولوالديه إن شاء الله<[16]. وقد أثبت علماء النفس التربوي صحّة هذا المنهج، ففي الفترة العمرية (2-3) سنوات يكتسب كلام الطفل طابعاً مترابطاً مما يمكِّنه من التعبير عن فهمه وعن الأشياء من حوله، وفي نهاية السنة الثالثة يصبح قادراً على استخدام الكلام، ويصنع جملاً أولية وصحيحة. كما أنّه في هذه المرحلة يكون الطفل مقلّداً لوالديه في كلّ شيء بما فيها عبادتهما وسلوكهما.

وفي (3-6) سنوات إضافة إلى تقليد والديه فإنّه يرسم في مخيّلته صورة عن الإله الذي يحدثانه عنه، وفي هذه المرحلة يميل إلى علاقات المحبّة والمودة والرقة، فيُفضَّل تأكيد صفات الله الخاصّة بالرحمة والحب والعفو وتجنّب صفاة العقاب والانتقام؛ لكي ترتسم في ذهنه صورة جميلة عن الله تعالى ويزداد تعلّقه به[17].

وهنا ملاحظة مهمة: لا يصحّ في هذه المرحلة-عند مخالفته لأوامر الوالدين- تهديد الطفل بالعقوبة الإلهية وتوجيه نظره إليها -كما هو المتعارف بيننا-؛ لأنّ الطفل فيها يحب الحرية ويميل إلى من يبادله الحب والحنان، فالتهديد بالعقوبة الإلهية يوجب نفور الطفل وعدم تعلّقه بالله تعالى.

وفي (7-14) سنة ينمو عقله وتتّسع مداركه، فيدرك من خلال تعليم الوالدين الجزاء والعقاب وأنّ الله تعالى رحيم رؤوف محبّ للمطيعين، معاقب العاصين والمخالفين. وهنا أيضاً عند مخالفته لوالديه لا تأتي نوبة التهديد بالعقوبة الإلهية إلا بعد نصحه ومعاقبته عقوبة معنوية يعلّل الوالدان سببها له.

المقوم الثاني: تربية الطفل على واقعية التشريع الإسلامي

خلق الله تعالى الإنسان وجعل له منظومة تشريعية تتناسب وواقعه المعاش من جميع الجوانب والأبعاد، فتنسجم مع واقع الذكر والأنثى، الصغير والكبير السليم والمريض... وهكذا.

وتربية الطفل على هذه الواقعية-كلٌ بحسب إدراكه- له أثر كبير على تقبّل المبادئ الدينية بل تجذّرها وثباتها في نفس الطفل والشاب، فمثلاً: هناك أحكام خاصة بذوي الأعذار كالمعاق والمريض تختلف عن الإنسان السليم، والمسافر تختلف أحكامه عن الحاضر، فالشارع المقدس كلّف كلاً بحسب قدرته وطاقته {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[18]. فتُقدَّم له هذه الأمثلة بأسلوبٍ مبسّطٍ وجذّابٍ وعلى فتراتٍ متعدّدةٍ وبطرقٍ مختلفة.

المقوم الثالث: تربيته على الطاعات

ففي كلّ مرحلة من مراحل الطفولة يحتاج إلى تدريب على العبادة والطاعة، فقد ورد عن النبي|: >مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً، واضربوهم عليها إذا بلغوا تسعاً، وفرِّقوا بينهم في المضاجع إذا بلغوا عشراً<[19]. وهنا لا بد أن يُلحظ فيه الاستعداد النفسي وحالات الإقبال والإدبار عنده، وكذلك الاستعداد البدني مع مراعات التدرج معه، وسعة الصدر وطولة البال.

المقوم الرابع: التركيز على حبّ النبي| وأهل بيته^

فقد ورد عن النبي|: >أدبوا أولادكم على ثلاث خصال حب نبيكم وحب أهل بيته وعلى قراءة القرآن<[20] ويكون ذلك بذكر:

الآيات النازلة في حقهم على شكل قصص بأسلوب مبسّط ومشوّق.

الوقوف مع الأبناء في مناسبات أهل البيت^، بحيث يعطى نبذة عن حياة صاحب المناسبة، وأخذ العبر منها، كذلك يسأل الولد عن مقدار حبّه لهم^، والسبب في مشاركته في مناسبتهم بحيث يحاور طفله عنهم^ ولا يكتفي بتلقينه.

السفر معه إلى مشاهدهم المشرّفة واستثمار ذلك في تربيتهم تربية عملية يعكس من خلالها أخلاقهم ومعارفهم^. وغيرها من الطرق  التي لها الأثر الكبير على سلوك الإنسان في حياته.

المطلب الثاني: الآثار الواقعية للنمو الديني:

ذكر علماء التربية آثاراً عديدة للبناء الديني عند الطفل منها:

قوّة الإرادة وسموّ الروح، فتظهر على الطفل علامات الصلاح والإيمان، فهذا القرآن يقصّ علينا حال النبيّ يوسف بن يعقوب‘، حيث حصل على تربية نقيّة خالصة برز أثرها عندما حاول إخوته التخلّص منه، فرموه في الجُبّ ومن ثم باعوه وهو ابن لتسع سنين، ومع ذلك تجده صابراً ثابتاً على دينه ومعتقده[21].            

2ـ تجسيد العقيدة في سلوك الإنسان، فالسلوك القويم والعاطفة السليمة انعكاس لهذه العقيدة، بل هي الحد الذي في إطاره تتشكّل أفعال الإنسان.

فمثلاً: عندما يغذّي الأبوان الطفل بمسألة الإيمان بالمعاد على أنّه منسجم مع تطلّعات الإنسان -من هناك يوم يجازي الله تعالى المؤمن بالجنة، وكذلك يجازي الصابر والقنوع ويعوضه في الآخرة.....إلخ- فإنّ ذلك له أثر على سلوكه فتراه صابراً عند المحنة، متفهّماً لواقعه فيتأقلم مع من حوله، فلو كان هذا الطفل فقيراً لا يوجد عنده ما يأكله، فهو إمّا أن يسرق ويسدّ جوعه وإمّا أن يصبر. فإذا سرق لم تتجسّد هذه العقيدة في سلوكه، بخلاف من يصبر على فقره معتقداً بأنّ هناك رازقاً لا يغفل عن عباده يعوّضهم على صبرهم وتحمّلهم[22]، فقد ورد عن رسول الله|: >ما أصاب من نصبٍ ولا وصبٍ ولا حُزنٍ حتى الهم يهمّه، إلا كَفَّرَ الله به عنه سيّئاته<[23].

وهنا؛ لا بأس بالتأكيد على مسألة وهي أنّ تغذية الطفل بالتعاليم الإسلامية يراعى فيها المرحلة العمرية للطفل، بحيث يكون التدرج فيها إلى أن تتحوّل إلى واقع يعيشه الطفل والشاب، فيكون حصناً منيعاً من الانحراف والتأثّر السلبي نتيجة الغزو الفكري والثقافي الموجّه إلى هذه الفئة العمرية بالخصوص.

الخاتمة:

من خلال ما تقدّم اتّضحت أهمية البناء الديني ومقوّماته العملية، ولعلّ من أهمّها البناء العملي عن طريق تجسيد الدين في حياة الوالدين والقريبين من الأبناء، وتوفير بيئة إيمانية للطفل بقدر المستطاع، ناهيك عن ربطه بالعبادة خصوصاً القرآن الكريم، وكذلك بأهل البيت^ بالبرامج المتنوعة والمختلفة بما يتناسب مع مرحلته العمرية. يقول الإمام زين العابدين×: >وأما حقّ ولدك فأن تعلم أنّه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، وأنّك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربّه§ والمعونة له على طاعته، فاعمل في أمره عمل من يعلم أنّه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه<[24].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الروم: 30.

[2] لسان العرب: ج11، ص197.

[3] سورة الروم: 30.

[4] الكافي، الكليني، ج1، ص10، باب فطرة الخلق على التوحيد.

[5] نقل ذلك سماحة العلامة السيد منير الخباز عن سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني=.

[6] سورة الشورى: 13.

[7] سورة الروم:30.

[8] تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج16، ص183.

[9] المدرسة القرآنية، السيد محمد باقر الصدر، ص99.

[10] فلسفة في التربية والحرية، د.علي ماضي، ص121.

[11] سورة الرعد: 17.

[12] المدرسة القرآنية، ص99.

[13] نهج البلاغة (تعليق صبحي الصالح)، ص43.

[14] وسائل الشيعة، ج15، ص136.

[15] الطفل بين الوراثة والتربية، د. علي قائمي، ج2، ص144.

[16] من لا يحضره الفقيه، ج1، ص182، باب الحد الذي يؤخذ فيه الصبيان بالصلاة.

[17] دراسات إسلامية في علم نفس النمو،  ص221.

[18] سورة البقرة: 286.

[19] مستدرك الوسائل، الميرزا النوري، ج٣، ص19.

[20] شرح إحقاق الحق، السيد المرعشي، ج24، ص608.

[21] انظر: الطفل بين الوراثة والتربيةج2، ص144.

[22] دراسات إسلامية في علم نفس النمو، ص229.

[23] تحف العقول، ص127.

[24] من لا يحضره الفقيه، ج‏2، ص622 / باب الحقوق ص، 618.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا