الارتكازات العقلائية ودورها في عملية الاستنباط «الشهيد الصدر (قدِّس سرُّه) نموذجاً» (1) (القسم الأول)

الارتكازات العقلائية ودورها في عملية الاستنباط «الشهيد الصدر (قدِّس سرُّه) نموذجاً» (1) (القسم الأول)

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على المبعوث رحمة للعالمين محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين..

مقدمة

عملية الاستنباط الفقهي ممارسة علمية دقيقة، وعُقدها كثيرة يصعب فكّها وحل مشاكلها؛ إلا أنّها في نهاية المطاف -بفضل عقول وقّادة وأدمغة فعّالة لعلماء الأمّة وفقهائها- ترتقي سلّم مدارج العلم وترفد الجامعة الإسلامية بجديدها وإبداعاتها..

ولا يخفى ما للارتكازات العقلائية من دور مهم وخطير على جهات كثيرة في عملية استنباط الأحكام الشرعية، ولا يخفى أيضاً ما انعكس لها من آثارٍ على هذه العملية(2)؛ حيث إنها سدّت شرخاً واسعاً كان المعول الأصولي عند المتأخرين قد هدمه، حتى قيل إنّها الدليل الخامس في الفقه(3)؛ لأنّها أداة استنباطية ترافق الفقيه في جميع مراحل الاستنباط، وهي في الوقت الذي تستوعب فيه مساحة كبيرة من هذه العملية تحتاج إلى دقة عالية في تطبيقها. فالبحث فيها بحث في غاية الأهمية والحساسية حيث يمثّل -اليوم- ركيزة وعموداً من أعمدة البحث الفقهي والأصولي، فإنّ الدراس والباحث لا يجد مبحثاً من مباحثهما إلا ولهذا البحث فيه يد من قريب أو بعيد؛ ومع ذلك لا تجد بحثاً مستقلاً فضلاً عن كتاب بهذا العنوان أو بمضمون المعنون، ولو كانت هناك سابقة معتبرة لهذا البحث لبانت؛ سيما ونحن في عصرٍ جَعلتْ منه وسائلُ الاتصال الحديثة جهازاً الكترونياً تنال يدُك أيَّ شيء لو أرادت..

ولم أجد مَن طرق هذا البحث وطبّقه في دراسات الفقه والأصول وغيرها كالسيد الشهيد (قدِّس سرُّه)، فهو مدرسة –بناءً على بعض تحديداتها- لها مبانيها تميّزت بالإبداع والابتكار، وبالتجديد والأصالة، وبالدقّة والتحقيق، وقد ذكر هذه الحقيقة أحد تلامذته عند ذكره لمختصاته ومميزاته (قدِّس سرُّه): "ما جاء به متفرداً عند البحث عن سيرة العقلاء وسيرة المتشرعة... فكان السبّاق إلى إبراز أسس كشفها والقوانين التي تتحكم فيها، والقوانين التي ينبني الاستدلال بها على أساسها بأسلوب فريد، ومنهج رفيع، وبيان متين"(4) ولا غرابة في ذلك فهو الذي جمع بين العمق والدقّة العلمية وبين الحسّ العقلائي والعرفي المرهف حيث من الصعوبة بمكان أن يجمع بينهما أحد؛ إذ الدقة والعمق والإغلاق في المطالب يجمد بالإنسان ويبعده -أحياناً- عن الفهم العرفي والروح الأدبية، ولهذا ذكرها السيد محمود الهاشمي في مقدمة تقريراته «بحوث في علم الأصول» كمميّزة من مميزات السيد الشهيد(5).

ديباجة: لمحة تاريخية حول هذا البحث

الارتكازات العقلائية لم تبحث كبحث مستقل تحت هذا العنوان في كتاب من كتب السيد الشهيد فضلاً عن غيره، وإنما تبحث أوسع ما تبحث في بحث «السيرة العقلائية»، من هنا فإنّ تاريخ هذا البحث يمكن تعليقه وربطه ببحث السيرة وتاريخه، فمتى كان أول بحث السيرة؟

لم يكن بحث السيرة العقلائية قد تبلور في العصر الثاني -من عصر الشيخ الطوسي (رحمه الله) (385-460هـ) إلى ما قبل عصر الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) (1214- 1281هـ)- ولذا لا تجد له عيناً ولا أثراً في كتب الأصول القديمة كالمعالم والقوانين، وبدايات هذا البحث قد تأسست وتشكّلت على يد الشيخ الأنصاري (قدِّس سرُّه) حتى تبلور أكثر واتضحت معالمه على يد مَن تلاه من الأصوليين، وقد ذكر هذه الحقيقة السيد الشهيد نفسه عند الحديث حول تجديد المتأخرين في البحوث الأصولية وعدم تجاوزهم للنتائج الفقهية التي تعدّ من المسلّمات:

"ومن هنا نجد أنّ المحققين المتأخرين عن الشيخ الأنصاري بدأوا محاولة جديدة لتأسيس قواعد أصولية تعوّض عمّا هدموه؛ لأنّه لا يمكن الالتزام بتلك المسلّمات من دون وجود دليل عليها، ومن هنا خطر على بال المحققين المتأخرين أنّ السيرة العقلائية يمكن أن تكون تعويضاً مناسباً عمّا هُدم بمعول الصناعة العلمية من تلك القواعد، ولذلك نرى أنّ السيرة العقلائية كان لها دور كبير وواسع في كتب المتأخّرين وخصوصاً السيد الخوئي، وأصبحت السيرة هي الدليل على إثبات كثير من تلك المسلّمات، وهذا ما يفسّر لنا رواج السيرة العقلائية في كتب المتأخرين بخلافه في كلمات السابقين حيث لم تلق هذا الرواج..."(6).

بناءً على هذا يمكن أن يقال: إن بحث الارتكازات العقلائية بحث مستحدث، إذ هو وليد بحث السيرة الذي لم تشيّد صروحه إلا عند المتأخرين بل المعاصرين، مع وجود إشارات بعيدة له في كلمات المتقدمين إلا أنّه ولعدم حاجتهم إليه لقربهم من زمن النص وسيرة المتشرعة من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) لم يبحث بشكل مستقل وبهذا التوسّع الذي نجده اليوم، فهذا البحث من مقتضيات الفاصلة الزمانية بيننا وبين زمن النص وفقدان القرائن الحالية والسياقية للنصوص وأجواء التشريع والزمن المتاخم لعصر حضور المعصوم (عليه السلام)، فالفاصلة الزمانية أدّت وأفضت إلى الإبداع والابتكار والتجديد وإيجاد الحلول للمشكلات التي يولدها رحم الحاجة إلى فهم النصوص الشرعية، فهي من أسباب حداثة تاريخ موضوع هذا البحث وقد ذكر السيد الصدر (قدِّس سرُّه) تحت عنوان «مصادر الإلهام للفكر الأصولي» ما نصّه: "عامل الزمن: وأعني بذلك أنّ الفاصل الزمني بين الفكر الفقهي وعصر النصوص كلّما اتسع وازداد تجدّدت مشاكل وكلّف علم الأصول بدراستها، فعلم الأصول يمنى نتيجةً لعامل الزمن وازدياد البُعد عن عصر النصوص بألوانٍ من المشاكل، فينمو بدراستها والتفكير في وضع الحلول المناسبة لها"(7).

وهذا ما جعل لبحث السيرة والارتكاز اليوم أهميةً وخصوصيةً في بحوث المتأخرين فصار بحثاً محورياً وأساسياً وآلةً لا يستغني عنها الفقيه بل ذخيرة مهمة في مقام الاستنباط والاستدلال وقد ذكر السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) هذا الأمر تحت عنوان «التحرّج عن الإفتاء وفق الصناعة» أن هناك حالة نفسية عند كثير من الفقهاء تمنعهم عن إعمال مرّ الصناعة وأنّها السبب وراء البحث والتفتيش عن أساليب استدلالية تلائم تلك الحالة النفسية كدعوى حجية الشهرة والإجماع المنقول والسيرة والارتكاز...إلخ إلى أن يقول: "بل قد جاء في كلمات الشيخ (رحمه الله) ما هو أشد من ذلك حيث يقول في بعض الروايات الصحيحة: إنه لا يمكن الأخذ بها لكونها على خلاف القواعد، وموجبة لتخصيصها فلا يؤخذ بها ما لم تعتضد بعمل المشهور، ولعل من القواعد التي اصطنعت على هذا الأساس هي مسألة السيرة والارتكاز... ففي كل مورد منعتهم حالة التحرّج عن الإفتاء فيه بمر الصناعة ولا يمكنهم التمسّك بمثل الاجماعات المنقولة يتمسكون بأذيال السيرة والارتكاز"(8).

المدخل: الارتكاز العقلائي في اللغة والاصطلاح

ها هنا كلمتان «الارتكاز، والعقلائي» فلا بد من البحث عن معنييهما أولاً للوصول لمعرفة المراد من هذا التركيب لغة ثم اصطلاحاً.

أولاً: معنى الارتكاز ثم معنى العقلائي في اللغة:

الارتكاز: من مادة (ركز) وهو كما جاء في كتب اللغة الأساسية كالصحاح بمعنى «غرز» قال: "ركز: ركزت الرمح أو ركزه ركزاً: غرزته في الأرض، وارتكزت على القوس، إذا وضعتُ سيتها بالأرض ثم اعتمدت عليها. ومركز الدائرة: وسطها. ومركز الرجل: موضعه. يقال أخل فلان بمركزه. والركز: الصوت الخفي، قال تعالى: {أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا}(9)، والركاز: دفين أهل الجاهلية، كأنّه ركز في الأرض ركزا، وفي الحديث: «في الركاز الخمس"(10) تقول منه: أركز الرجل إذا وجده"(11).

وأمّا ابن منظور في لسان العرب فقال في مادة (ركز): "ما رأيت له ركزة عقل أي ثبات عقل... والركز: صوت خفي من بعيد كركز الصائد إذا ناجى كلابه... والركز: [غرزك شيئاً منتصباً كالرمح]. ركزت الرمح وغيره أركزه ركزا، إذا غرزته منتصباً في مركزه. والمرتكز من يابس الحشيش: أن ترى ساقاً قد تطاير ورقها وأغصانها عنها" (12).

يستفاد من مجمل ما ذكر من معاني وأمثلة: أنّ معنى «الركز واشتقاقاته» يتضمّن ويحوي ثلاث جنبات: جنبة الخفاء وجنبة الثبات وجنبة الاعتماد، وإحداها أظهر في هذه المادة ومشتقاتها واستعمالاتها من الأخريين ألا وهي الخفاء، إذ استفيدت منها في الآية الكريمة على أنّها الصوت الخفي، وفي الرواية الشريفة أنّها الكنز المخفي، وفي استعمال الجاهلية إلى ما يدفن في الأرض، فالخفاء أوضح فيها من الثبات والاعتماد، وإنْ كانا ظاهرين من الأمثلة أيضاً؛ إذ يستفادا من مثل: (الغرز، والاعتماد..).

والخلاصة: أنّ المعنى اللغوي للارتكاز هو المعنى القابع في الأذهان ويظهر من خلال الاستعمالات العرفية كأنّه مستلٌّ منها بل وجامع بينها، بمعنى أنّ معنى الارتكاز هو: الأمر المخفي المستقر والثابت في الذهن والذي هو محل اعتماد.

العقلائي: نسبة إلى العقلاء، لا إلى العقل، و«عقلاء» وزنها الصرفي هو «فعلاء» والذي يأتي بمعنى وصف لذات كـ«خيلاء» وهو وصف الكبر لذات شخص معيّن، وهو وزن من موازين ألف التأنيث الممدودة، ولذلك فهو ممنوع من الصرف(13).

ثانياً: معنى الارتكاز العقلائي في الاصطلاح:

المعنى الاصطلاحي هو معنى مستقى من المعاني اللغوية ويدور في فلكها ليس أكثر:

فالارتكاز اصطلاحاً: يمكن أن يقال: إنّه مصداق المقولة: «توضيح الواضحات من أشكل المشكلات» إذ أنّ الارتكاز معنىً مستقرّ في الأذهان؛ لذلك لا نجد من يسأل عن معناه! ولم يتطرّق أحد من أصحاب المعاجم التخصصية إلى معنى «الارتكاز العقلائي» إلا ضمناً عند تعريف السيرة العقلائية(14)، ولهذا فقد ذكر بعض من كتب حول الشهيد(15) أن هذا الاصطلاح «المرتكزات والارتكاز»(16) من المصطلحات المحدثة أو النادرة الاستعمال قبل السيد الشهيد.

أمّا العقلائي: فحيث إن هناك فرقاً بين العقلي والعقلائي؛ إذ الأول ما يستقل العقل بإدراكه من دون حاجة إلى فعله خارجاً من قِبل العقلاء أو تبانيهم عليه؛ لأنّه ثابتٌ في لوح الواقع بقطع النظر عن تبانٍ من أحد أو اعتبار معتبر؛ والقرينة على ذلك عدم الاختلاف فيه، أمّا الثاني فهو تباني العقلاء على شيء وقد لا يكون وراء اعتبار العقلاء له واقع، وهو قسم من أقسام المشهورات المنطقية بالمعنى الأعم والتي هي «قضايا لا واقع لها إلا تطابق الآراء عليها، وهذا هو أساس التصديق بها»(17) وبعبارة أخرى: «قضايا اشتهرت بين الناس وذاع التصديق بها عند جميع العقلاء، أو أكثرهم، أو طائفة خاصة... لا واقع لهذه القضايا وراء تطابق الآراء عليها، بل واقعها ذلك»(18) فـ«المشهورات هي القضايا التي تطابقت على صحة مضمونها آراء العقلاء جميعاً أو آراء ملة منهم أو تمّ التباني على قبول مضمونها عند أهل صناعة فيما بينهم دون أن يكون ذلك التباني ناشئاً عن إدراك العقل..»(19).

ويؤيِّد ذلك ما ذكره الشيخ الأصفهاني (رحمه الله) في تعريف الأحكام العقلائية حيث قال إنّها: "عبارة عن القضايا المشهورة التي تطابقت عليها آراء العقلاء حفظاً للنظام وإبقاءً للنوع"(20) والأحكام العقلائية عبارة أخرى عن ارتكازات العقلاء ونظراتهم.

وبناءً على هذا يمكن أن نعرِّف الارتكاز العقلائي بأنّه: "حالة ثابتة في صقع النفس عند العقلاء، وأنّها نشأت من غرائز فطرية عندهم أو من التباني عليها منهم، وهم إما أنّهم قد جروا على تلك الحالة الراسخة جرياً عملياً، أو أنّها بقيت مكنونة في داخلهم يلتفتون إليها ويعلمون بها تفصيلاً بأدنى إشارة وتنبيه، ودوره يظهر على مستويين إما على شكل سلوك اجتماعي أو في فهم كلام ألقي إلى عرف عام"(21).

الفصل الأول: وفيه خمسة مباحث:

المبحث الأول: مناشئ تكوّن الارتكازات العقلائية:

"لا يخفى أنّ السيرة العقلائية كثيراً ما يمكن لنا بما نحن عقلاء أن نحدس منشأها وأساسها"(22) لأنّها تنشأ عن ارتكازاتٍ عقلائية وفطرية وعرفية، وهذه الارتكازات لها أسسها ومبرراتها ومناشىء لتكوّنها؛ فيمكن أن يكون لها أحد منشأين:

1. إمّا أن تكون ناشئة من غرائز فطرية جُبلت عليها النفس البشرية وأودعها الله سبحانه وتعالى فيها، وهذه التي تسمّى بـ(الارتكازات العقلائية القطعية) وهي التي يشترك فيها كل الناس وتعم جميع الناس باختلاف أديانهم وتوجهاتهم، وله أمثلة متعددة وتطبيقات كثيرة في كلمات الفقهاء، وقد ذكره الشهيد (قدِّس سرُّه) عند تعريفه للقرض بـ: "التملّك فيه بالحيازة ويكون الضمان باليد، فيما شغل المالك تعيين لون اليد ونوعها" وقد أسهب في توضيحه إلى أن قال: "الأمر الثاني: كون قوام القرض بالقبض؛ فإن هذا أيضاً أمر ارتكازي عقلائي على طبق القاعدة، فإنّه وإن أمكن أحياناً كون القبض شرطاً تعبدياً في بيع الصرف، لكن من البعيد جداً كونه كذلك في باب القرض؛ فإنّ لزوم القبض أمرٌ تطابقت عليه الاتجاهات الفقهية -الشيعية وغير الشيعية- وكذا القوانين العقلائية منذ آلاف السنين الرومانية والفرنسية والألمانية إلى يومنا هذا، وهو المرتكز في ذهننا العقلائي، ومن البعيد جداً كونه أمراً تعبدياً حصل التطابق العجيب عليه صدفةً بين الاتجاهات الفقهية جميعها مع اختلافها، والقوانين العقلائية على تضاربها"(23).

2. وإمّا أن تكون ناشئة من أمرٍ خارجي عنها وهذه على قسمين أيضاً:

الأول: التي تنشأ من التباني بين العقلاء عليها لوجود مصلحة ما؛ ومن هنا أرجعنا الأمور العقلائية إلى المشهورات في المنطق وأنّها ما لا يكون لها واقع وراء تطابق الآراء عليها بل واقعها ذلك، "فالتباني والتطابق [فيها] قد يكون ناشئاً عن مصلحة عامّة مقتضية لذلك، وقد يكون التطابق على ذلك المضمون ناشئاً عن تناسبه مع مقتضى الطبع أو الانفعال..."(24) وحيث.

الثاني: التي تنشأ لأسباب أدون من ذلك كداعي الغفلة والصدفة والأغراض الشخصية والتأثُّر الساذج وغيرها؛ ولذا فإنّنا قلنا بأنّ «العقلائي» ليس ما يدركه العقلاء بمحض عقولهم -إذ نعبّر عن هذا بـ(العقلي)- إنما هو ما قد يتبانى عليه العقلاء من غير هذا من المناشئ، وقد تكرر هذا عن السيد الشهيد مراراً "إن السيرة العقلائية ليست عقلية بحتة بل هي متأثرة بعوامل كثيرة غير عقلية..."(25)، بل يظهر من خلال التأمّل في بعض عبارات السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) هنا وهناك أنّ الأكثر في كيفية نشوء الارتكازات هو هذا القسم، وهذا وجه تسميتها أحياناً بـ(الارتكازات العرفية)(26).

ويؤكد ما ذكرناه -من كون أكثر مناشئ الارتكازات هي العوامل غير العقلية البحتة أو العقلائية بما هي- نفس عبائر السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) في مواضع متعددة على مستوى الارتكازات المثبتة لحكم شرعي أو المنقّحة لصغراه:

مناشئ الارتكازات المثبتة للأحكام الكلية:

منها قوله (قدِّس سرُّه): "والفقيه الذي يحصل له الاطمئنان بأن هذه السير [المعاصرة لنا] كانت موجودة في أيامهم (عليهم السلام) بمجرّد أنّها معاشة له مثل هذا الفقيه غير مطّلع على طبيعة تكوّن هذه الارتكازات العقلائية في المجتمعات البشرية وما تتأثر به من عوامل فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية، فلو كان يقف على تلك العوامل لَعَلِم أن كثيراً من هذه القناعات الاطمئنانية لا مجال لها"(27) ويقول كذلك بشكل أصرح: "إن السلوك العقلائي ليس منبثقاً دائماً عن نكاتٍ فطرية مشتركة، بل يتأثّر بالظروف والبيئة والمرتكزات الثقافية إلى غير ذلك من العوامل المتغيّرة..."(28).

وهكذا في رده على الشيخ الأصفهاني (رحمه الله) من كون حجية السيرة تتوقف على «إحراز عدم الردع» لا ما ذهب إليه من كفاية «عدم إحراز الردع» قال (قدِّس سرُّه) في رد المقدمة الأولى للإصفهاني: "إن السيرة العقلائية وإن كان معناها أنّها سيرة العقلاء لكن لا يلزم أن تكون سيرة العقلاء دائماً نابعة من حاق العقل، فإنّ العقلاء ليسوا عقولاً رياضيةً بحتةً ليقال: إنّ سيرهم دائماً ينبع من حاق عقولهم بل هم مجموع خليط من عقل وعواطف وانفعالات وارتكازات ونحو ذلك"(29) ويذكر في مورد آخر "بل قد تكون مبتنية مثلاً على غرض شخصي تطابقوا فيه صدفة، وعندئذ من المحتمل أن لا تكون حالة الشارع مطابقة في ذلك لحالتهم... حتى لو كانت سيرتهم قائمة على نكتة ثابتة عندهم بقريحتهم العامّة فليس من الواجب أن تكون تلك النكتة عقليّة بحتة دائما، بل قد تكون راجعة إلى باب الانفعالات والعواطف ونحو ذلك من الأمور الخارجة عن دائرة العقل المؤثرة في سلوك العقلاء"(30).

مناشئ ارتكازات فهم النصوص:

ويظهر هذا أيضاً من كلماته (قدِّس سرُّه) أنّ الارتكازات التي تعتبر قرائن عرفية لفهم النصوص تنشأ من مناشئ غير عقلائية صرفة عندما تحدّث حول تأثّر اللغة بالتغيّرات الفكرية والتطوّر المعرفي وتوهّم العرف ثباتها -والتي سيأتي تفصيل الكلام حولها- وأنّ الارتكازات العقلائية تنشأ بأدنى شيء كتجربة شخصية محدودة قصيرة العمر تعمّم حتى تصير ارتكازاً وبناءً عقلائياً.

وقد تقول: كيف للشارع أن يمضي ما يكون منشأه الغفلة، أو تتساءل: هل أنّ الشارع قد غفل عمّا غفل عنه العرف من تكوّن ارتكاز عندهم منشأه الغفلة حتى يمضيه؟

يجيبك السيد (قدِّس سرُّه): "ليس معنى إمضاء هذه النكتة أنّ الشارع غفل عمّا غفل عنه العرف، بل المراد أنّه أمضى هذه الحجية الموجودة في أذهان العقلاء وإن لم تصح مبانيها النظرية؛ لعدم وجود الملازمة بين إمضاء الحجية وقبول مبانيها النظرية"(31).

فإن قلت: إذن ما هو الذي يجعله يمضي مثل هذا الارتكاز؟

قلنا: إن الشارع قد رأى بحكمته البالغة أنّ إرجاع الناس إلى هذا الارتكاز أصلح من ارجاعهم إلى مرجع آخر، وبذلك نستكشف إمضاء الشارع قدر هذا الارتكاز وأنّه هو الحجة دون ذلك الأساس النظري المغلوط.

وهذا لا ينافي ما ذكره الميرزا النائيني (رحمه الله) حول منشأ الارتكاز؛ بل قد يكون مؤيداً لما ذكرنا من كيفية تكوّن الارتكازات وإمكان تأثّرها بالظروف الزمكانية، فقد ذكر (رحمه الله) في بحث (طريقة العقلاء) ويقصد به سيرتهم وارتكازاتهم: "فإنّ مبدأ الطريقة العقلائية لا يخلو: إما أن يكون لقهر قاهر وجبر سلطان جائر قهر جميع عقلاء عصره على تلك الطريقة واتخذها العقلاء في الزمان المتأخر طريقة لهم واستمرت إلى أن صارت من مرتكزاتهم، وإما أن يكون مبدئها أمر نبي من الأنبياء بها في عصر حتى استمرت، وإما أن تكون ناشئة عن فطرتهم المرتكزة في أذهانهم حسب ما أودعها الله تعالى في طباعهم بمقتضى الحكمة البالغة حفظاً للنظام. ولا يخفى بُعد الوجه الأول بل استحالته عادةً، وكذا الوجه الثاني؛ فالمتعين هو الوجه الثالث..."(32). إذ على الأول يحتاج الارتكاز إلى أرضية صالحة تتقبله لينعكس على سلوكها ويستمر، وعلى الثاني حيث قلنا بأنها طريقة العقلاء بما هم عقلاء ولا دخل للشارع والنبي فيها فالفرض أنه ارتكاز عقلائي لا متشرعي فيتعيّن أن يكون منشؤه الثالث.

المبحث الثاني: تقسيمات الارتكاز العقلائي:

يتّضح مما سبق أنّ للارتكازات العقلائية تقسيمات متعددة بلحاظات مختلفة وإن كان بينها تداخل في مقام التطبيق، ولا مانع من ذلك حينما كان كلّ واحد منها من زاوية وعلى أساسٍ مغاير فبعضها بلحاظ المنشأ وبعضها بلحاظ القصد وعدمه والمعاصرة وعدمها إلى غير ذلك ونذكر منها:

التقسيم الأول: بلحاظ القدم والحدوث:

مرّ بنا أن الارتكاز قد يكون محرزاً كونه معاصراً للمعصوم (عليه السلام) وأخرى غير محرز أنه كذلك وثالثة محرز عدمه، فهنا ثلاث حالات للارتكاز:

1. ارتكاز معاصر للمعصوم (عليه السلام).

2. ارتكاز يُشك في معاصرته، وهذا يمكن إثبات معاصرته ببركة الأصل العقلائي (أصالة الثبات في اللغة).

3. ارتكاز يعلم بحدوثه بعد عصر المعصوم (عليه السلام)، وهذا ما لا يمكن الاستدلال به، إلا إذا أحرزنا إمضاء نكتته.

التقسيم الثاني: بلحاظ نوع تأثيره في الاستدلال:

1. ما يكون دليلاً لاثبات حكم شرعي: وهو الذي يحتاج إلى إمضاء أو ببركة أصالة الثبات.

2. ما يكون دخيلاً في تنقيح صغرى الدليل الشرعي: ومنه البناءات العقلائية في باب المعاملات.

يقول (قدّس سرّه): "الأولى: سيرة تنقّح موضوع الحكم الشرعي. إمّا ثبوتا كالسيرة على الإنفاق على الزوجة بمستوى معين بحيث لو أنفق عليها بمستوى أقل من ذلك عدّ إمساكا ومعاشرة بغير معروف، فهذه السيرة تنقّح موضوع الإمساك والمعاشرة بالمعروف للزوجة الواجب شرعا. وإمّا إثباتا كالسيرة القائمة على خيار الغبن مثلا التي تشكّل ظهورا عرفيا لكلام المتعاقدين في عدم قبول البيع الغبني إلاّ مع الخيار، وهذا ينقّح موضوع الشرط في دليل إنّ المؤمنين عند شروطهم. وفرق السيرة التي تنقّح الموضوع ثبوتا عن التي تنقّحه إثباتا، هو أنّ من شذّ عن السيرة العقلائية الموجدة للموضوع فشذوذه لا يؤثّر في فاعلية السيرة التي تحقّق الموضوع ثبوتا بشأنه فمن لم ير للزوجة احتراما وتقديرا تستحقّ معه ذاك المستوى من الإنفاق يجب عليه أن يلتزم بذاك المستوى من الإنفاق، أمّا من شذّ عن السيرة العقلائية الكاشفة عن الموضوع كما في المثال الثاني فالسيرة لا تكشف عن الموضوع بالنسبة إليه. وهذا القسم من السيرة حجّيتها ثابتة على القاعدة وتكفي فيها السيرة المعاصرة لزماننا. بل لو ثبتت سيرة معاصرة لزمان المعصوم ثم انتفت في زماننا انتهى مفعولها بانتهائها.

الثانية: السيرة التي تنقّح فهمنا للدليل فإنّ البناءات والارتكازات: تشكّل قرائن لبّية متّصلة دخيلة في تكوين الظهور للدليل، فلو تمّ الدليل على حجّية الظهور فلا بدّ من أخذ هذه السيرة بعين الاعتبار. فمثلا لو دلّ الدليل على أنّه (لو جاء بالثمن خلال ثلاثة أيام وإلاّ فلا بيع بينهما) فإن جمدنا على حاق اللّفظ فهمنا من ذلك بطلان البيع، وأنّه لا بيع، لازماً ولا متزلزلاً، بينما بناء على أخذ المرتكزات العقلائية بعين الاعتبار قد يقال: إنّ المفهوم من ذلك هو نفي البيع اللازم وثبوت خيار التأخير"(33).

التقسيم الثالث: بلحاظ العموم والخصوص:

قد مرّ بنا ذكْر بعض الارتكازات والسير الخاصة بفئة معيّنة كسيرة الموالي العرفيين على الأخذ بقول اللغوي، أمّا الأكثر من بين الارتكازات فهي عامّة، والعامة أيضاً على قسمين ما لا يشذّ عنها أحد وما يمكن أن يشذّ عنها أحد كالبناءات العقلائية في جزئيات المعاملات: فتقسيمها كالتالي:

1- الارتكازات الخاصة. 2- الارتكازات العامة، وهذه على نحوين: * المتفق عليها. * ما قد يشذّ عنها.

ومنشأ هذا الفرق بين ما يمكن أن يشذ عنه وعدمه هو أن الارتكاز إن كان كاشفاً عن الموضوع فيمكن أن يشذ عنه أما إذا كان موجداً له فلا يكون كذلك(34).

وقد ذكر (قدِّس سرُّه) تقسيماً آخر لسعة ارتكاز واختصاص آخر ببعض الموارد حين كان يتحدّث عن النهي المتوجه لبعض العقود فيقول: "تارة لا تكون له نكتة عقلائية ارتكازية فيقتصر على مورده، وأخرى تكون له نكتة عقلائية ارتكازية، لكنها محتملة الاختصاص بالمورد، بحيث لا يوجد ارتكاز عقلائي على عدم الفرق بين ذلك المورد ومورد آخر، وهنا -أيضاً- يقتصر على المورد الخاص، وثالثة يوجد ارتكاز عقلائي يحكم بعدم الفرق؛ فيتولّد لكلام الشارع ظهور ثانوي في العموم والإطلاق؛ فيتعدّى، وهذا ليس قياساً؛ إذ في القياس لا يفرض قيام ارتكاز على عدم الفرق بين مورد النص والمورد الآخر، وإنما ظنٌ خارجي بعدم الفرق، غاية ما هناك أن تكون كبرى القياس نفسها أماريته ارتكازية مثلاً، وهذا لا يولّد للكلام ظهوراً نأخذ به، بخلاف فرض ارتكاز عدم الفرق؛ حيث يولّد الظهور المذكور"(35).

التقسيم الرابع: بلحاظ القصد وعدمه:

1. الارتكاز التعيّني: وهو الارتكاز الذي ينشأ من تبانٍ ساذج من غير توجّه له -كما مرّ-.

2. الارتكاز التعييني: وهو الذي ينشأ من تبانٍ مقصودٍ قد توجّه إليه العقلاء في ظرف معيّن وزمان معيّن؛ وذلك لادراكهم مصلحة ما -ولو آنية- فيه وتأثّر بشيء أو غفلة أو صدفة فهذا على قسمين:

"القسم الأوّل - اتفاق العقلاء في أعمالهم ومسالكهم على شي‏ء إيمانا منهم ولو ارتكازا بنكتة عامّة موجودة في قريحة تمام العقلاء، فلو شذ أحدهم عن هذه الطريقة كان من قبل العقلاء موردا للملامة أو الاستغراب والسؤال ونحو ذلك بحسب اختلاف الموارد.

القسم الثاني - اتفاقهم على شي‏ء لا لإدراكهم ولو ارتكازا نكتة كان المترقّب عندهم ممن يشذّ أن يدركها، بل لحالات وأغراض شخصيّة عمّت صدفة غالب الناس، من دون فرض ملازمة بين ثبوتها عند بعض الأفراد وثبوتها عند البعض الآخر. فقد يتّفق العقلاء مثلا على استعمال شي‏ء من (الفيتامينات) أو غيرها لاحتياج أمزجتهم وأجهزتهم البدنيّة إلى ذلك، ويوجد شخص يختلف مزاجه عن أمزجة الآخرين فيخالف هذه الطريقة من دون أن يعاب عليه، أو يلام، أو يسأل عن أنّه كيف لم يدرك النكتة العامّة"(36).

المبحث الثالث: طُرُق اكتشاف الارتكازات العقلائية:

لكي يكون استدلالنا بهذا العنصر المهم وهذه الأداة الأصولية صحيحاً وفي محلّه يأتي السؤال: كيف نتعرّف وكيف نقف على حقيقة مرتكزات العقلاء؟ ولذا فإنّ مما ينبّه عليه هذا البحث ويلفت إليه هو طرق الوصول للارتكازات وكيفية اكتشافها والتعرف عليها والوقوف على حقيقتها للاستدلال بها أو الاستعانة بها فيه.

وإن طرق الوصول لها ليست من الأمور المعقّدة والصعبة جداً بحيث يعسر علينا تصيّدها ولو في الجملة إذ "لا يخفى أنّ السيرة العقلائية كثيراً ما يمكن لنا بما نحن عقلاء أن نحدس منشأها وأساسها، فإذا حدسنا المنشأ والأساس ورأيناه من الجهات المشتركة أي مما لا يحتمل وقوع تغيّر فيه بلحاظ الفوارق الحاصلة بين الأجيال بسبب مرور الزمان ثبت أنّ السيرة العقلائية كانت محقّقة في زمان الإمام (عليه السلام) مثلاً: بالنسبة للعمل بخبر الثقة إن ثبتت في زماننا سيرة عقلائية عليه فهي بسبب أنّ درجة كشفه النوعيّ عن الواقع إذا قيست بدرجة اهتمام العقلاء في الغالب بأغراضهم ناسبت الالتزام بالعمل بخبر الثقة. ونحن لا نحتمل اختلاف زمان الأئمّة (عليهم السلام) عن زماننا في ذلك وكذلك بالنسبة لقيام السيرة العقلائية على العمل بالظهور القائمة على أساس عدم وجود طريق آخر أفضل منه لتنظيم التفاهمات وتناسب الالتزام به لدرجة الاهتمام بالأغراض لا نحتمل الفرق في ذلك بين زماننا وزمان المعصوم (عليهم السلام) وهذا في الحقيقة طريق سادس لكشف السيرة في زمان المعصوم غير الطرق الخمسة التي بينها رضوان اللَّه عليه"(37).

وحيث إنه قد اتضح لنا من طيات ما سبق إن القسمين المهمين من الارتكازات اللذين هما في الحقيقة مدار النقاش ومحط البحث والأكثر تداولاً في عملية الإستنباط هما:

1. الارتكاز الذي يكشف بعد إمضائه عن حكم شرعي.

2. الارتكاز المنقح لصغرى أو المتحكم في ظهور النص.

فإننا سنسلط الضوء عليهما، وإنّ لكلٍّ من هذين القسمين طُرُقه الخاصة به لاستكشافه والتي لم تُبيّن بشكل جلي ولم تُبرَز بشكل واضح ولم تُفرَد لها بحوث ولهذا أصبحت غامضة ويتم تطبيقها عشوائياً من دون ضابطة أو معيارٍ محدد، حتى صارت دليلاً لطرفين متقابلين، بمعنى أننا نرى فقيهين مختلفين في مسألة واحدة كلٌّ منهما دليله الارتكاز وخصوصاً في القسم الثاني.

نعم، كانت هناك محاولة تفرّد بها السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) خاصة بالقسم الأول حيث ذكر طُرُقاً لاثبات معاصرة السيرة التي نعيشها للمعصوم (عليه السلام)، وسنذكر بعضها هنا.

كواشف الارتكاز من القسم الأول:

لا بد من التنبيه هنا على نقطتين:

الأولى: إنّ الكواشف من هذا القسم متوقفة في حجيتها على عدم صدور ردعٍ لما ثبت بها بل على إحراز عدم الردع وليس عدم إحراز الردع فحسب.

الثانية: إنّنا لن نذكر كل ما ذكره السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) من طرق لاثبات معاصرة السيرة إما لأنه ردّ بعضها ولم يقبلها -كإثبات الارتكاز والسيرة المعاصرة للشارع عن طريق السيرة المعاصرة لنا بروحيّة الاستصحاب القهقرائي- أو لإحساسنا بأنّها أقرب لكونها سيرة عملية من كونها ارتكاز نظري.

وعلى أيِّ حالٍ فإنّ كواشف هذا القسم على نحوين أيضاً، عامة وخاصة:

أما العامة فذكرت طريقين مهمّين:

1. النقل التاريخي: ونقصد به الأعم من الروايات الخاصة بأهل البيت وبالأحكام الشرعية والروايات العامة عن غيرهم وفي غير الأحكام الشرعية، وهو الطريق الأوضح والأهم والأوسع لتلقي ما كان عليه واقع عصور الأئمة (عليهم السلام) إلا أننا بحاجة للاعتماد عليه كمستند لاثبات حكم شرعي "إمّا أن يكون كمّا وكيفا بنحو يوجب الاطمئنان من كثرة نقله واستفاضته، ومن كيفية اقترانه بخصوصيات وشواهد للصدق، وعدم اقترانه بما يكسره. فلو نقل التاريخ مثلا استخراج الفرد للنفط وتملّكه في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله) لم نصدقه لدلالة تاريخ أدق على أنّ معرفة الناس بعين النفط كانت متأخّرة عن ذلك.

وإمّا أن يكون جامعا لشرائط الحجّية التعبّدية كخبر الواحد الثقة بناء على حجّيته في الموضوعات فيدلّ ذلك الخبر بالمطابقة على السيرة المعاصرة للمعصوم وبالالتزام على ما يلازمها من الحكم الشرعي"(38) وحتى فتاوى الجمهور في نطاق المعاملات باعتبارها منتزعة أحياناً عن الوضع العام المرتكز عقلائياً(39).

وهكذا النقول التاريخية للحوادث المختلفة التي تعكس صوراً عن ذلك الزمن وبعض حيثياته التي لا يحتمل فيه الوضع والكذب ويزداد الوثوق بها والاطمئنان بتحققها خصوصاً مع تعدد النقول ومن مؤرخين مختلفي المشارب والتوجهات الفكرية والعقائدية.

2. استقراء حالة العقلاء في المجتمعات العقلائية المختلفة استقراءً ناقصاً: أو ما عبّر عنه الشهيد الصدر (قدِّس سرُّه) بـ"الملاحظة التحليلية الوجدانية» حيث يبدأ الإنسان بعرض المسألة على وجدانه ومرتكزاته العقلائية فيرى أنّه منساق بوجدانه وبشكل تلقائي إلى اتخاذ موقف معيّن من دون تأثّره بخصوصيات زمانية مكانية بل لا يجد اختلافاً بين العقلاء فيه وأنه حالة عامة لديهم ومنها يبدأ باستقراء حالة العقلاء في مجتمعات عقلائية مختلفة للتأكد من هذه الحالة العامة: «بأن تستقرء مجتمعات كثيرة في أمكنة مختلفة وأزمنة متغايرة فيرى ثبوت هذه السيرة لجميعهم فيستكشف من ذلك ثبوتها في زمن الشارع على حدّ الاستشكاف الثابت في تمام موارد التجربة"(40)، وهذا طريق قد يحصل للإنسان الوثوق بسببه(41).

وأمّا الخاصة:

وهي وجوه متناثرة ليست لها ضوابط عامة يمكن حصرها بها، وبالتالي يصعب تعدادها ومن أمثلتها البارزة:

ألسنة الروايات وأجوائها، وجهات التركيز فيها؛ كعدم إعارة السؤال وتجاوزه إلى أمور أخرى، وهكذا الجواب من قبل الإمام؛ كل ذلك يكشف عن السيرة والارتكاز في كثير من الأحايين إثباتاً ونفياً -ولهذا استفاد السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) وتبعه جلّ تلامذته من الأدلّة التي يتمسّك بها على نجاسة أهل الكتاب أنّ السيرة وقتئذٍ لم تكن قائمة على نجاسة أهل الكتاب- إلى غير ذلك من الخصوصيّات الحديثيّة والتاريخيّة التي يمكن تصيّدها بالتتبع(42).

وقد ذكر السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) صغرىً لهذه الكبرى وهي كون جواب الإمام وجو الرواية كاشفان عن بعض الارتكازات وذلك في بحث "هل أن الحق مما يقبل الإسقاط من صاحب الحق أو لا" حيث يقول (قدِّس سرُّه): "يمكننا أن نستفيد من بعض الأدلة الشرعية في إمضاء هذا الارتكاز العقلائي أيضاً وإمضاء كبرى أن الحق في المقام قابل للإسقاط بحيث يفرض أنّ قابليته له من شؤون الحقية لا أنّ الحقية من شؤون القابلية، وذلك مثل ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (عليه السلام) في كتاب القصاص والديات، قال: «قلت له: رجل جنى إلى (عليّ) أعفو عنه أو أرفعه إلى السلطان؟ قال: هو حقّك، إن عفو (ت) عنه فحسن، وإن رفعته إلى الإمام فإنما طلبت بحقك، وكيف لك بالإمام» فإنّ ظاهر قوله: إن عفوت فحسن وإن... أنّه بيان لحقه وتفريع مبني على هذا الحق، فحينئذٍ إن شئت تعفو وإلا فاشكه إلى السلطان، وظاهر هذا التفريع أنّ الاسقاط من شؤون الحقية، فيكون الإمام قد بيّن الصغرى في المقام، وأما الكبرى وهي "أنّ كل حق قابل للإسقاط" فأحاله إلى الارتكاز العقلائي والفهم العرفي كما هو الحال في كثير من التعليلات، من قبيل قوله: العمر وابنه ثقتان أو قوله: آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني و.. فهذا بيان للصغرى، وأما الكبرى -كل ثقة تؤخذ عنه معالم الدين فهي حقيقة ارتكازية وعقلائية. ولهذا استغنى عن بيانها في المقام فهذه الصحيحة بنفسها دالة على أن الكبرى -بوجودها العقلائي والارتكازي- منظورة للشارع وممضاة منه"(43).

كواشف الارتكاز من القسم الثاني:

كثيرٌ من ظهورات الأدلة اللفظية إنما هو حصيلة الارتكازات العرفية والعقلائية لا الأوضاع اللغوية القاموسية وهذه الظهورات حجّة؛ "لأنّ الارتكاز يكسب النص ظهوراً في المعنى الذي يتّفق معه، وهذا الظهور حجة لدى العقلاء كالظهور اللغوي؛ لأنّ المتكلّم بوصفه فرداً لغويّاً يفهم كلامه فهماً لغوياً، وبوصفه فرداً اجتماعياً يفهم كلامه فهماً اجتماعياً، وقد أمضى الشارع هذه الطريقة في الفهم"(44).

ولكشف هذه الارتكازات لمن ابتعد عن عصر النص لجأ الأصوليون إلى بلورة أصل عقلائي أسموه بـ«أصالة عدم النقل» وهو: "أصل لفظي يتمسّك به في حالات الشّك في هجران المعنى الموضوع له اللفظ إلى معنى آخر، وأنّ المصحح للرجوع إلى هذا الأصل هو البناء العقلائي القاضي باعتماد ما يظهر من اللفظ دون الاعتناء باحتمال هجران المعنى المستظهر إلى معنى آخر"(45)، أو بـ«الاستصحاب القهقرائي» لأنّه يشبه الاستصحاب ولكن مع تقدّم المشكوك على المتيقّن زماناً، وقد سمّاه السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) «أصالة الثبات في اللغة»، وهو أن الظهور الفعلي المعاصر لنا هو نفس الظهور المنعقد في عصر الصدور.

تمييز عنوان البحث عن غيره

يتّسم عنوان البحث بقربه من بعض العناوين وشبهه ببعض المصطلحات المتداولة كثيراً على ألسنة الفقهاء وفي مطاوي البحوث والاستدلالات، وكذلك تداخله في كلماتهم مع غيره من العناوين والمصطلحات؛ فلكي نحرر محلّ كلامنا ونستجلي الصورة لعنوان بحثنا لا بد من تمييزه عن بعض المفاهيم المقاربة له وفرزه عنها حتى لا يحصل لبس وخلط بينها، وهو من المسائل المهمة التي نستنتجها من التعريف الذي ذكرناه آنفاً، وسأذكر هنا فروقاً بينه وبين:

1. السيرة العقلائية.

2. الارتكاز أو السيرة المتشرعية.

المبحث الرابع: الفرق بين الارتكاز العقلائي والسيرة العقلائية:

رغم إنّ السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) قد دمج بين هذين الاصطلاحين على ما قُرّر عنه في بحثه(46) بتوسيعه لمعنى السيرة حتى تشمل الارتكاز، أو أنّه جعلهما قسمين لمقسم واحد وهو «الموقف العقلائي» حيث قال: "ونقصد بالسيرة ما هو الأعم من السلوك والفعل الخارجي بحيث يشمل المرتكزات العقلائية ولا يختص بخصوص التصرف العملي الخارجي، والجامع هو «المواقف العقلائية" (47) ومع وضوح التداخل بينهما في كلماته إلا أنّ هناك فوارق بينهما لم أجد من استجلاها من العلماء إلا أنّها تظهر بالتأمّل نحاول بيانها تباعاً:

أوّلاً: إنّهما يختلفان في حقيقتهما ومن حيث المفهوم؛ فمفهموم الارتكاز ومعناه الذي هو حالة ثابتة مستقرة لها نحو خفاءٍ تظهر بالتوجّه والالتفات يغاير مفهوم السيرة ومعناها والتي هي السلوك الخارجي، فالارتكاز لا يلازم الجري العملي والتطبيق الخارجي بينما السيرة هي جري عملي خارجي، والدليل على هذا الاختلاف ما سيأتي من الخلاف وأنّ الامضاء منصب على السيرة أو على النكتة الارتكازية، ويظهر هذا الفارق من كلمات السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) ويفهم من كلمات بقية العلماء كبعض المعاصرين في بحث الاستصحاب حيث قال: "لا تتوقف ارتكازية التعليل على بلوغ الارتكاز حداً يقتضي العمل بنفسه ليكون ملازماً للسيرة، بل يكفي فيه إدراك العقلاء للجهة المناسبة للجعل الشرعي، بحيث يكون الجعل مألوفاً لهم مقبولاً عندهم بسبب التعليل" (48)فيمكن أن تكون هناك نكتة ارتكازية تُدرك دون وجود سيرة عملية على وفقها.

إلا أن السيرة معلولة للارتكاز، حيث لا توجد سيرة غالباً إلا وتكشف إنّاً عن وجود ارتكاز في مرحلة سابقة، لأنّها لا تنشأ جزافاً وعبثاً وإنما لكل سيرة مبررات ومناشئ عقلائية عادةً تُحقق نكتة التباني بين العقلاء.

ثانياً: بناءً على الفرق السابق: فإن إمضاء الارتكاز سيكون أوسع من إمضاء السيرة، لأنّنا إذا استظهرنا إمضاء الشارع للنكتة العقلائية التي نشأت على أساسها السيرة يعني ذلك أنه بإمكاننا تسرية الحكم إلى كل حالة قد استجدت ولو بعد عصر المعصوم (عليه السلام)(49) يعني ما يعمّ ما وقع في عصر المعصوم فعلاً وما يشتمل على النكتة وإن كان بالقوّة من دون حاجة إلى إثبات معاصرتها له وإمضائه لها بالخصوص؛ وذلك لمجرد توفرها على النكتة العقلائية الممضاة سابقاً.

هذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ الممضاة هي السيرة الخارجية على نهج القضية الخارجية لا على نهج القضية الحقيقية، فإنا إذا استظهرنا إمضاء السيرة لا النكتة يجب علينا الجمود على مقدار السيرة الممضاة فقط؛ لأنّها موقف عملي صامت لا لسان له فيقتصر فيه على القدر المتيّقن.

وقد وقعت هذه المسألة -مسألة توجّه الإمضاء للنكتة الارتكازية أو لنفس السلوك الخارجي- محلاً للاختلاف بين الأعلام، وقد اختار السيد الصدر (قدِّس سرُّه) الأول وأنّ الممضاة هي النكتة وقد ذكر ذلك بقوله: "والإمضاء المستكشف بالسكوت ينصب على النكتة المركوزة عقلائياً لا على المقدار الممارس من السلوك خاصة"(50)، وسيأتي ذكر وجهه(51)، ويترتّب على هذا: أن أغلب المباحث التي يستدلّ عليها بالسيرة العقلائية مستندها النكات الارتكازية؛ إذ هي مصبّ الامضاء الشرعي(52) وسيأتي بيان ضابط تسرية النكتة للأفراد المستجدة.

ثالثاً: إن الارتكاز العقلائي لا يحتاج في بعض حالاته إلى إمضاء خلافاً للسيرة فهي دائماً تفتقر للاستدلال بها إلى إمضاء الشارع، فالارتكاز الذي يساهم في فهم الدليل ويكشف عن حدود مدلوله لا يحتاج إلى إمضاء بل ليس مورداً له، حيث إنَّ للمتبنّيات العقلائيّة والمرتكزات العرفيّة دوراً في تبلور الظهور للأدلّه اللفظيّة(53)، وانَّ الظهور لا يتحدّد بالمداليل اللغويَّة فحسب بل إن المتبنيات العقلائيّة تشكّل قرائن لبيَّة متّصلة يتحدّد بواسطتها ما هو المراد الجدِّي من الأدلة اللفظيّة(54)، و"إنّ الظهور كثيراً ما يتدخل في تكوينه واقتناصه من الدليل المرتكزات العرفية والبناءات العقلائية وهي تشكّل قرائن لبية متصلة، فكما أنَّ القرائن اللفظية المتصلة تتدخل في ظهور الدليل فكذلك اللبية المتصلة"(55) بخلاف السيرة التي يتوقف الاستدلال بها دائماً إلى معاصرتها للمعصوم (عليه السلام) وإمضائه لها، بالإضافة إلى أنّه يمكن جعل الارتكاز -في بعض الموارد- دليلاً قائماً برأسه من دون حاجة لإثبات إمضائه وإنما بالاستعانة بأصالة الثبات المعروفة بأصالة عدم النقل، والمعبّر عنها -أيضاً- بالاستصحاب القهقرائي.

رابعاً: إن السيرة العقلائية تثبت حكماً شرعياً كلياً لكن الارتكاز تارة: يقوم مقامها فيثبت حكماً كلياً، وتارة أخرى: يحدد وينقح صغريات لحكم شرعي كلي(56) ولذا قسّم السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) -في الحلقة الثالثة في أواخر بحث السيرة- السيرة العقلائية إلى قسمين:

1. السيرة العقلائية التي يُراد بها إثبات حكم شرعي كلي، والكشف بها عن دليل شرعي على ذلك.

2. السيرة العقلائية التي لا تكشف عن حكم شرعي كلي، وإنما تحقق صغرى لحكم شرعي كلي قد قام عليه الدليل في المرتبة السابقة. وهذا القسم هو الذي نعبّر عنه بالارتكازات العقلائية حيث علّق (قدِّس سرُّه) على هذا القسم بقوله: "وإلى هذا النحو من السيرة ترجع -على الأغلب- البناءات العقلائية التي يراد بها تحليل مرتكزات المتعاملين ومقاصدهما النوعية في مقام التعامل بنحو يحقق صغرى لأدلة الصحة والنفوذ في باب المعاملات، ومثال ذلك ما يقال من انعقاد السيرة العقلائية على اشتراط عدم الغبن في المعاملة بنحو يكون هذا الاشتراط مفهوماً ضمناً، وإن لم يصرح به"(57).

خامساً: بناءً على الفرق السابق يتفرّع فرقٌ مهمٌ ألا وهو الإلزام في السيرة وعدمه في الارتكاز، فالسيرة العقلائية -التي تكشف عن حكم شرعي كلي- تكون نتيجتها ملزمة لكل المكلّفين مَن اتفق معها ومَن شذَّ عنها، أمّا الارتكاز العقلائي في حيثية من حيثيات المعاملة فلو لم يتّفق أحد المتعاملين عليها لم تكن ملزمة له، لأنّ عدم موافقته عليها يعني عدم ثبوت الصغرى في نظره فلا موضوع فلا حكم شرعي بالنسبة إليه.

يقول السيد الشهيد (قدِّس سرُّه): "فإن السيرة التي يستكشف بها دليل شرعي على حكم كلي تكون نتيجتها ملزمة حتى لمن شذ عن السيرة. فلو فرض أن شخصاً لم يكن يرى - بما هو عاقل - أن طيب نفس المالك كاف في جواز التصرف في ماله، وشذ في ذلك عن عموم الناس، كانت النتيجة الشرعية المستكشفة بسيرة عموم الناس ملزمة له لأنها حكم شرعي كلي. وإما السيرة التي تحقق صغرى لمفاد دليل شرعي فلا تكون نتيجتها ملزمة لمن شذ عنها، لان شذوذه عنها معناه أن الصغرى لم تتحقق بالنسبة إليه فلا يجري عليه الحكم الشرعي، ففي المثال المتقدم لخيار الغبن إذا شذ متعاملان عن عرف الناس وبنيا على القبول بالمعاملة والالتزام بها ولو كانت غبنية، لم يثبت لأي واحد منهما خيار الغبن، لأنَّ هذا يعني عدم الاشتراط الضمني، ومع عدم الاشتراط لا يشملهما دليل (المؤمنون عند شروطهم) مثلا"(58).

وعليه فالفوارق خمسة وهي:

1. اختلافهما من حيث المفهوم.

2. أن الإمضاء أوسع منه بناء على النكتة منه على السيرة.

3. عدم احتياج بعض أقسام الارتكاز للمعاصرة بخلافه في السيرة.

4. أن الارتكاز يثبت حكماً كلياً وأخرى صغرى حكم كلي بخلافه السيرة فتثبت حكم كلي فقط.

5. أن الارتكاز في قسمه الثاني ليس ملزماً بخلاف السيرة.

المبحث الخامس: الفرق بين الارتكاز العقلائي والارتكاز المتشرعي:

الارتكاز العقلائي هو ما مرّ بيانه وأنّه عبارة عن ميل عام عند العقلاء نحو سلوك معين دون أن يكون للشرع دور إيجابي في تكوين هذا الميل(59) أو ما تبانى عليه العقلاء من أي منشأ كان ولكن ليس للشارع دور في تكوّنه، أمّا الارتكاز المتشرعي فيمكن تصيّده من كلمات السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) وأنّه أحد معنيين:

الأول: هو تطابق آراء حملة الحديث والأصحاب الذين يعيشون أجواء النص وعصور المعصومين (عليهم السلام) الكاشف عن ارتكاز متشرعي عندهم.

الثاني: سيرة المتشرعة الذين عاصروا الأئمة (عليهم السلام) ولا مبرر لسيرتهم هذه إلا تلقيهم إياها من المعصوم (عليه السلام).

ويمكن استفادة هذين المعنيين من كلامه (قدِّس سرُّه) في بحث الاجماع فهو يرى أن الوسيط بين اجماع الفقهاء الاُول والدليل الشرعي هو الارتكاز المتشرعي بين الرواة القائم آنذاك أو سيرتهم المتلقاة من الشارع، لذا يقول: "وجوهر النكتة في المقام هو: افتراض الوسيط بين اجماع اهل النظر والفتوى من فقهاء عصر الغيبة والدليل الشرعي المباشر من المعصوم، وهذا الوسيط هو: الارتكاز لدى الطبقات السابقة من حملة الحديث وامثالهم من معاصري الائمة، وهذا الارتكاز هو الكاشف الحقيقي عن الدليل الشرعي، ولهذا فان أي بديل للاجماع المذكور في إثبات هذا الوسيط والكشف عنه يؤدي نفس دور الاجماع، فإذا أمكن ان نستكشف بقرائن مختلفة ان سيرة المتشرعة المعاصرين للائمة والمخالطين لهم واقتناعاتهم ومرتكزاتهم كانت منعقدة على الالتزام بحكم معين كفى ذلك في اثبات هذا الحكم»(60).

وقد قسّم السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) القسم الثاني -من هذين القسمين- إلى قسمين أيضاً بلحاظ كونه مناسباً لما يقتضيه الطبع العقلائي وعدمه وهما السيرة المتشرّعية:  بالمعنى الأعم: وهي ما تحمل شوب العقلائية. وبالمعنى الأخص: وهي ما لا يمكن أن يكون لمحض العقلائية اقتضاء لها.

نعم اتفاقهم على ما لا اقتضاء للطبع العقلائي في تكوّنه أو أكثر من ذلك كاتفاقهم على ما يكون منافياً لما هو مقتضى الطبع العقلائي اتفاقهم على مثل هذا النوع من السيرة يوجب اكتسابها دلالة أوضح على تلقِّي السلوك من الشارع، إذ لمَّا كان هذا السلوك منافياً للطبع العقلائي أوجب انتفاء احتمال جريان المتشرعة على مقتضى طبعهم باعتبارهم عقلاء؛ حيث لا دخل للعقل في تكوّنه، وبذلك يتعيَّن تلقي المتشرعة لهذا السلوك عن الشارع وإلاّ فلا موجب لصدوره عنهم بعد افتراض منافاته للطبع العقلائي. يقول الشهيد (قدِّس سرُّه) على ما قُرِّر عنه: "وينبغي أن يعلم أنّ ما نجعله سيرة متشرعة له أحد معنيين:

1. سيرة المتشرعة بنحو يكون تشرعهم حيثية تعليلية للسيرة، نظير: سيرتهم على الجهر بصلاة الظهر من يوم الجمعة لو فرضت، وهذه «سيرة المتشرعة بالعنى الأخص».

2. السيرة التي مارسها بالفعل المتشرعة وجروا عليها سواء كان ذلك لتشرعهم أو بمقتضى طبعهم، ومثاله: سيرة المتشرعة من أصحاب الأئمة على العمل بأخبار الثقات خارجاً، من دون جزم لنا بأنّ هذا العمل هل هو من باب عقلائيتهم أو لأجل تشرعهم وتلقيّهم ذلك عن المعصومين (عليهم السلام)، وهذه «سيرة المتشرعة بالمعنى الأعم».

وكلا المعنيين للسيرة المتشرعية تكون حجة بملاك كشف المعلول عن علّته إلا أنّ السيرة بالمعنى الأول أقوى دلالة من المعنى الثاني؛ إذ لا يحتمل فيه أن تكون ناشئة من الطبع العقلائي.."(61)

أمّا الفوارق بين الارتكازين العقلائي والمتشرعي فهي:

أولاً: إنّ أهمّ فارق بين الارتكاز العقلائي والارتكاز المتشرعي أنَّ دليلية الارتكاز العقلائي منوطة -في الأغلب- بالإمضاء القولي أو السكوتي من الشارع، أما الارتكاز المتشرعي فهو بنفسه كاشف بنحو الإن عن وجود الدليل الشرعي.

ثانياً: مما سبق يظهر فارق آخر مهم في مقام الاستدلال بالارتكازين، فالارتكاز المتشرعي منوطة دليليته وحجيّته بمعاصرته للمعصوم (عليه السلام)، أيّ عندما نريد الاستدلال به لابدَّ من إحراز أنَّ له امتداد يتصل بعصر المعصوم (عليه السلام) وإلاّ لم يكن صالحاً للدليليّة والكاشفيّة عن الحكم الشرعي، أمّا الارتكاز العقلائي لا يلزم إثبات معاصرته  للمعصوم (عليه السلام) دائماً.

ثالثاً: بشكل طبيعي فهما يختلفان في الحاجة إلى الردع أوالامضاء وعدمهما، فإنَّ حجيّة الارتكاز المتشرعي غير منوطة بإحراز عدم الردع؛ إذ لا حاجة له بعد كونه كاشفاً بنحو الإن عن وجود دليل شرعي هو في الواقع مستنده، بخلاف الارتكاز العقلائي فيحتاج للاستدلال به إلى إمضاء الشارع له، يقول (قدِّس سرُّه): "فإن سيرة المتشرعة بما هم كذلك تكون عادة وليدة البيان الشرعي، ولهذا تعتبركاشفة عنه كشف المعلول عن العلة... وأن السيرة العقلائية لا تكشف عن البيان الشرعي كشف المعلول عن العلة، وإنما تدل على الحكم الشرعي عن طريق دلالة التقرير"(62).

رابعاً: من الفروق الدقيقة واللطيفة والذي بحاجة إلى بحث –خصوصاً في الارتكازات المتشرعية- هو الفرق بين مقدار ما يثبت بكلٍ منهما، وقد مرّ أنّ الصحيح –بحسب متبنّى الشهيد (قدِّس سرُّه)- بالنسبة إلى الارتكاز العقلائي هو إمضاء النكتة الارتكازية التي نشأ على أساسها الارتكاز، ولكن ما يحتاج إلى بحث هو: ما هي حدود حجية السيرة والارتكاز المتشرعي؟ هل هو السلوك بما هو أو النكتة الارتكازية للعمل؟ وتظهر ثمرة هذا في معرفة الوجه في النية وأنّها الوجوب أو الاستحباب أو الأعم منهما -وهو الجواز- فيما لو استقر المتشرّعة على إتيان فعل معينٍ، فإن قلنا أن الحجية ثابتة للنكتة الارتكازية كان بإمكاننا استكشاف الوجه وأنّه على نحو الوجوب أو الاستحباب أو الأعم، إلا أنّ إثبات هذا أو ذاك -النكتة أو السلوك- راجع إلى وجود مؤثّرات خارجية غير الشارع وعدم وجود مؤثرات خارجية، فلو فرض وجود دواع خارجية كوجود عرف عام مثلاً على فعل ما، لا يمكن أن يستكشف مطلوبية الشارع لهذا الفعل وأنّ المحرّك نحو فعله هو محض التعبّد، أمّا لو فرض عدم وجود داعٍ من هذا القبيل دلّ ذلك على مطلوبية هذا الفعل من الشارع ولو بدرجة الاستحباب.

يقول السيد (قدِّس سرُّه): "لأنّ السيرة العملية المتشرعية إن أحرزت نكتتها الارتكازية وعنوان عمل المتشرعة فيها كأنْ عُلِمَ أنهم يعملون ذلك على وجه الاستحباب والأفضلية فنفس ملاك حجية السيرة جاء بلحاظ النكتة المتفق عليها في السيرة، وإلا بأن كان وجه العمل المتشرعي مجملاً غير واضح، فتارة: يفرض وجود دواع خارجية طبيعية للالتزام بذلك الفعل كالعرف العام مثلاً؛ فلا يمكن أن يستكشف من انعقاد العمل المطلوبية إذ لعله على أساس ذلك الداعي الخارجي، وأخرى: يفرض عدم وجود داع كذلك فيكشف ذلك لا محالة عن أصل المطلوبية ولو بدرجة الاستحباب"(63)

وتوجد بينهما فوارق عملية أخرى في مقام الاستنباط لاختلاف طبيعتهما، وموارد إمكان الاستدلال بهما، نتركها ابتعاداً عن الاطالة وروماً للاختصار.

وعليه فالفوارق أربعة وهي:

1. أنَّ دليلية الارتكاز العقلائي منوطة –في الأغلب- بالإمضاء أما الارتكاز المتشرعي فهو بنفسه كاشف الدليل الشرعي.

2. وجوب معاصرة المتشرعي وعدم لزوم معاصرة العقلائي للمعصوم (عليه السلام).

3. احتياج العقلائي على بعض أقسامه في الإمضاء دون المتشرعي.

4. ما يثبت به العقلائي هو النكتة أما ما يثبته المتشرعي فبحاجة للبحث وهل هو السيرة أو النكتة.

 

(القسم الثاني والأخير يأتي في العدد القادم إن شاء الله تعالى).

 

* الهوامش:

(1) هذا البحث هو مختصر رسالة تخرج للكاتب لمرحلة البكلريوس في جامعة أهل البيت (عليهم السلام) بقم المقدسة، وقد نال فيها درجة الامتياز.

(2) وسيأتي بيانها.

(3) الحيدري، السيد كمال، لا ضرر ولا ضرار، ص291.

(4) حسن، عبدالساتر، مناهج أعيان الملة ج13: 19.

(5) ن.م ج1: 11.

(6) الحيدري، السيد كمال، لا ضرر ولا ضرار، ص57، (لاحظ بحوث في علم الأصول: ج4 ص233).

(7) السيد محمد باقر، الصدر، المعالم الجديدة للأصول: 116.

(8) السيد كاظم، الحائري، مباحث الأصول ج2 ق2: 131.

(9) مريم: 98.

(10) وورد من طرقنا: «كل ما كان ركازاً ففيه الخمس» محمد بن الحسن، الحر العاملي، وسائل الشيعة، الباب 3 وجوب الخمس في المعادن كلها ج9: 391.

(11) اسماعيل بن حماد، الجوهري ج3: 746.

(12) لسان العرب ج6: 214.

(13) أحمد، الحملاوي، شذى العرف في علم الصرف: 17.

(14) كالمعجم الاصولي لصنقور، والمصطلحات الأصولية للمشكيني، وفرهنگ اصطلاحات أصول، إلا الشيخ محمد علي الأنصاري صاحب (الموسوعة الفقهية الميسرة) في ملحقها الأصولي ولكن باقتضابٍ شديد.

(15) حيدر حب الله، مجلة فقه أهل البيت (عليهم السلام)، العدد20، ص235، وذكر الشيخ محمد علي الأنصاري في ذيل بحثه حول مصطلح (ارتكاز) تحت عنوان (مظانّ البحث) ما نصّه: "ليس للبحث عن الارتكاز موطن خاص، وإنما يتطرّق له بالمناسبة، ومن جملة ذلك البحث عن دليليّة السيرة على حجية خبر الواحد، لكن فتح السيد الصدر باباً مستقلاً لحجية السيرة في مبحث الظن". الموسوعة الفقهية الميسرة ج2: 392.

(16) قد ذكر الشهيد (قدِّس سرُّه) في بحث (علامات الحقيقة)، ردّاً على إشكال الدور على علامية التبادر) تعريفاً آخر للعلم الاجمالي -يختلف عن التعريف المعروف لذلك المعرّف المبحوث عنه في الأصول العملية- يمكن أن يقرّبنا من معنى الارتكازي: "المراد بالإجمالي العلم التفصيليّ الارتكازي البسيط وهو علم غير مقرون بالتفات النّفس إليه فعلا". السيد محمود الهاشمي، بحوث في علم الأصول: ج1 ص164. أو "العلم الارتكازيّ البسيط بالوضع، وهو: أن يعلم الإنسان بالوضع من دون أن يعلم بعلمه; وذلك لغفلته وعدم التفاته، فيكون العلم ثابتاً في أعماق النفس دون أن يعلم به هو". السيد كاظم، الحائري، مباحث الأصول ق1 ج1 ص270.

(17) السيد محمد باقر، الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء، مبادئ الاستدلالات الأخرى في المنطق الأرسطي ج1: 473.

(18) محمد رضا، المظفّر، محمد، المنطق، ص340.

(19) محمد، صنقور، أساسيات المنطق: 419.

(20) محمد حسين، الأصفهاني، نهاية الدراية في شرح الكفاية ج3: 18.

(21) ذكر الشيخ محمد علي الأنصاري تعريفاً للارتكاز الأعم من العقلائي والمتشرعي وأنّه: "عبارة عن رسوخ بعض المفاهيم في ذهن الناس، وتارة تقوم على وفقه سيرة عملية وتارة لا تقوم -لأنّها مفاهيم نظرية- ومنشأ الارتكاز تارة يكون الفطرة والغريزة، وتارة القدرة التشريعية". الموسوعة الفقهية الميسرة ج2: 391.

(22) السيد كاظم، الحائري، مباحث الأصول ق2 ج1 (هامش): 101.

(23) السيد محمد باقر، الصدر، الاجتهاد والتجديد، العدد3: 18.

(24) محمد، صنقور، أساسيات المنطق: 419.

(25) حسن، عبدالساتر، بحوث في علم الأصول ج9: 228.

(26) لاحظ: السيد كاظم، الحائري، مباحث علم الأصول ق2 ج2: 97.

(27) السيد كمال، الحيدري، لا ضرر ولا ضرار: 291.

(28) السيد محمد باقر، الصدر، دروس في علم الأصول ج1، الحلقة الثانية: 283.

(29) حسن، عبدالساتر، بحوث في علم الأصول، ج9: 227.

(30) السيد كاظم، الحائري، مباحث علم الأصول ق2 ج2: 128.

(31) السيد كمال، الحيدري، لا ضرر ولا ضرار (الهامش): 289.

(32) محمد علي، الخراساني، فوائد الأصول ج3: 193.

(33) السيد كاظم، الحائري، مباحث الأصول ق2 ج1: 101.

(34) لاحظ: حسن، عبدالساتر، بحوث في علم الاصول ج9: 195.

(35) السيد محمد باقر، الصدر، الاجتهاد والتجديد، العدد 4: 16.

(36) لاحظ: السيد كاظم، الحائري، مباحث علم الأصول ق2 ج2: 97.

(37) السيد كاظم، الحائري، مباحث الأصول ق2 ج1 (هامش): 101.

(38) السيد كاظم، الحائري، مباحث الأصول ق2ج2: 107.

(39) السيد محمد باقر، الصدر، دروس في علم الأصول ج1، الحلقة الثانية: 283.

(40) السيد كاظم، الحائري، مباحث علم الأصول ج2 ق2: 113.

(41) السيد محمد باقر، الصدر، دروس في علم الأصول ج1، الحلقة الثانية: 285.

(42) لاحظ الحائري، السيد كاظم، مباحث علم الأصول، ق2ج2، ص118 في الهامش رقم 2.

(43) السيد محمد باقر، الصدر، الاجتهاد والتجديد، العدد1: 40.

(44) ن.م: 191.

(45) محمد صنقور، البحراني، المعجم الأصولي ج1: 258.

(46) السيد محمود، الهاشمي، بحوث في علم الأصول ج4: 234، وحسن، عبدالساتر، بحوث في علم الأصول ج9: 193.

(47) حسن، عبدالساتر، بحوث في علم الأصول ج9: 193.

(48) السيد محمد سعيد، الحكيم، المحكم في أصول الفقه ج5: 29.

(49) أوسعية الارتكاز من هذه الجهة، أمّا من جهة أخرى فالنسبة بين الارتكاز والسيرة فهي -بناءً على أحد تقسيمات السيد الشهيد للسيرة- العموم والخصوص من وجه: فيجتمعان ويفترق كل منهما عن الآخر في موارد، وما ذكرناه أولاً وثالثاً مصداق لموارد افتراق الارتكاز عن السيرة، وما ذكرناه ثانياً مصداق ومورد الاجتماع، أمّا موارد افتراق السيرة فهو ما ذكره السيّد الشهيد (قدِّس سرُّه) كقسم من أقسام السيرة وهو السلوك الذي تعارف عليه العقلاء إلاّ أنَّ خروج أحدهم عن مقتضاه لا يستوجب توبيخهم، وهو يعبِّر عن عدم نشوء هذا السلوك عن نكتة عقلائيّة وليست متبلورة، بمعنى أنَّه ناشئ اتفاقاً ولأغراض شخصيّة إلاّ انَّها خلقت حالة عامة تستوجب استظهار أو حدس صدور ذلك السلوك عن كلّ أحد. ومثاله: تعارف العقلاء الذين هم في موقع المولويّة على اعتبار قول اللغوي حجة على عبيدهم بمعنى اعتبار قول اللغوي، وهذا النحو من السلوك إنَّما نشأ عن أغراض شخصيّة تتّصل بكلِّ واحد من أفراد العقلاء اللذين هم في موقع المولويّة، إذ أنَّهم ولغرض التحفظ على أغراضهم يُصيغون أوامرهم بألفاظ متناسبة مع قول اللغوي، وهذا هو الذي دعاهم للأمر باعتماد قول اللغوي في مقام التعرُّف على مقاصدهم.(لاحظ الحلقة الثالثة: بحث السيرة).

(50) السيد محمد باقر، الصدر، دروس في علم الأصول ج1، الحلقة الثانية:270.

(51) تحت عنوان (دليل حجية الارتكازات العقلائية).

(52) من هنا فإنّا سنحاول بيان الارتكازات وأقسامها ودورها من خلال بحث السيرة، خصوصاً السير التي هي في الحقيقة ارتكازات عقلائية اشتهرت بعنوان السيرة العقلائية، وقد عبّر هو (قدِّس سرُّه) عن السير بالارتكازات العقلائية وكأنّهما شيء واحد في بحث لا ضرر، تقرير السيد كمال الحيدري: 291.

(53) وقد ذكر السيد الشهيد (قدِّس سرُّه) في مقالٍ حول الفهم الاجتماعي للنص في كتاب فقه الإمام الصادق (عليه السلام) للعلامة مغنية قاعدة لتعيين موارد الفهم الاجتماعي عند مغنيّة (رحمه الله) مفادها: "إن كان النصّ مرتبطاً بمجال حياتي اجتماعي من قبيل المعاملات ووُجد ارتكاز عام يوسّع من مدلوله أو يضيّق فإنّا نأخذ بهذا الارتكاز، وإن كان النص مرتبطاً بالعبادات فلا مجال للارتكازات والفهم الاجتماعي للنص فيه، بل يجب فهم هذا النوع من النصوص على أساسٍ لغوي ولفظي فقط، ولا يجوز أن يفهم على أساس ارتكاز اجتماعي مسبق؛ لأنّ الأول للناس فيه ارتكازات مشتركة حددتها الخبرة والتعايش والممارسة القديمة حتى قبل التشريع، أمّا الثاني فلأنّ نظام العبادات نظام غيبي استحدثه الشارع ولا صلة للارتكازات الاجتماعية به". (لاحظ: ومضات: 190).

(54) البحراني، محمد صنقور، المعجم الأصولي ج2: 184.

(55) عبد الساتر، حسن، بحوث في علم الأصول ج9: 197.

(56) وهذا من الموارد الواضحة لاستعمال لفظ السيرة في مورد هو ارتكاز في الحقيقة.

(57) السيد محمد باقر، الصدر، دروس في علم الأصول ج2، الحلقة الثالثة: 143.

(58) ن.م.

(59) السيد محمد باقر، الصدر، دروس في علم الأصول ج1، الحلقة الأولى: 116.

(60) السيد محمد باقر، الصدر، دروس في علم الأصول ج2، الحلقة الثالثة: 162.

(61) السيد محمود، الهاشمي، بحوث في علم الأصول، ج4: 247.

(62) السيد محمد باقر، الصدر، دروس في علم الأصول ج1، الحلقة الأولى: 115.

(63) السيد محمود، الهاشمي، بحوث في علم الأصول ج4: 246.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا

أعداد المجلة

© كافة الحقوق محفوظة لمجلة رسالة القلم | يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر.