الإمام الرضا حجّة الخلق وواسطة الفيض... حوار مع سماحة الشيخ يوسف أحمد السلطان

الإمام الرضا حجّة الخلق وواسطة الفيض... حوار مع سماحة الشيخ يوسف أحمد السلطان

حاوره: الشيخ منصور إبراهيم الجبيلي

إنّ من لطف الله علينا نحن البشر أن خلق لنا وسائط لنزول رحمته، ولأجل هداية الإنسان الّذي بطبعه كفور وينسى شكر هذه النّعمة كغيرها، بل هناك من البشر من يرفض تلك النّعمة بل يحاربها جهلاً واتّباعاً للهوى، ونعمة الإمامة من أعظم النّعم الإلهيّة العظيمة الّتي لم يعرف كثير من البشر قيمتها، فحاربها الطّغاة من الأمويّين والعبّاسيّين وغيرهم بشتّى الوسائل والحِيَل، إلّا أنّهم لم يستطيعوا ولن يستطيعوا حجب نور شعاع هداية البشر الّذي يشعّ من الأئمّة^، ومن بين الطّواغيت الّذين حاولوا أن يقفوا دون وصول النّور الإلهيّ هو المأمونr، واستطاع الإمام الرّضا× أن يقلب حِيَله ومكائده حفرةً يدفن فيها، ومهما حاول المأمون تشويه صورة الإمام× إلّا أنّ الإمام أعلى وأرفع من أن تشوّه صورته، كيف لا وهو نور الله في أرضه وحجّته على خلقه[1]. 

وفي هذا الحوار مع سماحة الشيخ يوسف السلطان نسلّط الضوء على عدد من الجنبات المتعلّقة بالإمام الرضا×، كما نوجّه للشيخ خالص الشكر على تلبية الدعوة لإجراء هذا الحوار. 

واسطة الفيض: 

* هل اختصّت بركات وإفاضات الإمام الرّضا× بشيعته ومواليه أم أنّها عمّت حتّى غيرهم؟ 

أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم بسم الله الرّحمن الرّحيم والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطّاهرين واللّعن الدّائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدّين. 

الكلام حول بركات الإمام الرّضا× على أنحاء متعدّدة نتكلم هنا عنها بنحو عامّ كمقدمة وكبرى تنطبق على كلّ إمام بما فيهم الإمام علي بن موسى الرّضا×. 

فنقول: الحديث عن البركات بشكل عامّ، وذلك بلحاظ وجود هذا المعنى في كلّ إمام من الأئمّة المعصومين^، فإنّه ممّا لا شكّ فيه عندنا أنّ الإمام× واسطة في الفيض من قبل الله©، باعتبار أنّ العالم -ولو بنحو الموجبة الجزئيّة- ليس فيه قابليّة أنْ يتلقّى الفيض الإلهيّ بشكل مباشر وبلا واسطة. 

قال تبارك وتعالى: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسيلَةَ وَجاهِدُوا في‏ سَبيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون‏}(المائدة: 35). 

وقال سبحانه: {أُولئِكَ الَّذينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى‏ رَبِّهِمُ الْوَسيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورا}(الإسراء: 57). 

فإنّه لا عجز في ساحة الخالق الفاعل (جل وعلا) أنْ يُوصِلَ الفيض مباشرة للمخلوق القابل، بل العجز من القابل لا من الفاعل سبحانه. 

وهذا فيه بحث مفصّل ذكرنا منه مقدار الحاجة فقط. 

فالنّتيجة: إنّ هذا المعنى من الفيض الإلهيّ المحتاج إلى واسطة في التّلقي ثابت لكلّ الأئمّة المعصومين^. 

فقد روى الشّيخ الكلينيّ+ في الكافي الشّريف، في إحدى زيارات الإمام الحسين×، قوله: >...مَنْ أَرَادَ الله بَدَأَ بِكُمْ، بِكُمْ يُبَيِّنُ الله الْكَذِبَ، وَبِكُمْ يُبَاعِدُ الله الزَّمَانَ الْكَلِبَ، وَبِكُمْ فَتَحَ الله، وَبِكُمْ يَخْتِمُ الله، وَبِكُمْ يَمْحُو مَا يَشَاءُ وَبِكُمْ يُثْبِتُ، وَبِكُمْ يَفُكُّ الذُّلَّ مِنْ رِقَابِنَا، وَبِكُمْ يُدْرِكُ الله تِرَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ يُطْلَبُ بِهَا، وَبِكُمْ تُنْبِتُ الْأَرْضُ أَشْجَارَهَا، وَبِكُمْ تُخْرِجُ الْأَشْجَارُ أَثْمَارَهَا، وَبِكُمْ تُنْزِلُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا وَرِزْقَهَا، وَبِكُمْ يَكْشِفُ الله الْكَرْبَ، وَبِكُمْ يُنَزِّلُ الله الْغَيْثَ، وَبِكُمْ تَسِيخُ الْأَرْضُ‏ الَّتِي تَحْمِلُ أَبْدَانَكُمْ وَتَسْتَقِرُّ جِبَالُهَا عَنْ مَرَاسِيهَا، إِرَادَةُ الرَّبِّ فِي‏ مَقَادِيرِ أُمُورِهِ‏ تَهْبِطُ إِلَيْكُمْ وَتَصْدُرُ مِنْ بُيُوتِكُم...<‏[2]. 

وكذلك روى الشّيخ الصّدوق+ في من لا يحضره الفقيه، في الزّيارة الجامعة المباركة قوله: >...بِكُمْ فَتَحَ الله، وَبِكُمْ‏ يَخْتِمُ‏، وَبِكُمْ‏ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَبِكُمْ‏ يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ‏ إِلَّا بِإِذْنِهِ‏، وَبِكُمْ يُنَفِّسُ الهَمَّ، وَيَكْشِفُ الضُّرَّ، وَعِنْدَكُمْ مَا نَزَلَتْ بِهِ رُسُلُهُ، وَهَبَطَتْ بِهِ مَلَائِكَتُه...<[3]‏. 

وهذا المعنى ثابت في كثير من الرّوايات والزّيارات. 

الولاية التّكوينيّة: 

بل إنّ الله© قد أعطى للإمام إمامة على الكون بإذن الله سبحانه جلّ شأنه، ففي عقيدتنا أنّ الإمام ليس فقط إماماً للتّشريع بل هو إمام للتّكوين، وهذا المعنى يتجلّى بوضوح في كثير من النّصوص الواردة عن أهل بيت العصمة والطّهارة. 

منها الرّوايات الّتي دلّت على أنّ الأرض لولا الإمام لساخت. 

فقد روى الشّيخ الكلينيّ& في الكافي الشّريف في باب >أنّ الأرض لا تخلو من حُجّة< مجموعة من الرّوايات تدلّ على هذا المعنى. 

منها ما رواه بإسناده عن أبي حمزة قال: "قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله× أَتَبْقَى الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ؟ قَالَ: >لَوْ بَقِيَتِ الْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَسَاخَتْ<"[4]. 

فإنّ الرّحمة والفيض من الله، وممّا لا شكّ فيه أنّ رحمة الله© وسعت كلّ شيء، البشر وغيرهم، المطيعين والعاصين، بل حتّى الكفّار، وهذا ما يُعبّر عنه بـ (الرّحمة الرّحمانيّة) وهي العامّة، و(الرّحمة الرّحيميّة) وهي الخاصّة. 

فإذا جئنا لتطبيق (وسائط الفيض) على الأئمّة وعلى الإمام الرّضا× بالخصوص، الّذي هو محلّ الكلام، فلا شكّ أنّ الإمام أحد هذه الوسائط ولا خلاف في ذلك، فالرّحمة الرّحمانيّة الإلهيّة بواسطته تعمّ جميع البشر، وهذا ثابت في الرّوايات الكثيرة، وأنّ الرّحمة الرّحمانيّة تصدر من الإمام لجميع النّاس، الشّيعة وغيرهم، الموالين وغيرهم، العاصي وغير العاصي، بل حتّى الحيوانات، وتطبيق ذلك كثير في الرّوايات وأنّ الإمام كان يتعامل مع المخالفين بمنتهى الرّحمة ومنتهى اللّطف، وما ذلك إلّا لأنّ الإمام مظهر لتجلّي الرّحمة الرّحمانية العامّة لكلّ العالمين، قال تبارك وتعالى: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمين}(الأنبياء: 107). 

والشّواهد على ذلك كثيرة فيما وَرَدَ عن بعض حالات بعض المعصومين^. 

منها ما روي في قضية الشّامي الّذي جاء للإمام الحسن المجتبى× وكان يلعن الإمام×، وذلك فيما رواه ابن شهرآشوب في المناقب، ونقله عنه العلّامة المجلسيّ في البحار: 

"أَنَّ شَامِيّاً رَآهُ رَاكِباً فَجَعَلَ يَلْعَنُهُ وَالْحَسَنُ لَا يَرُدُّ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ الْحَسَنُ× فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَضَحِكَ. 

فَقَالَ: >أَيُّهَا الشَّيْخُ، أَظُنُّكَ‏ غَرِيباً، وَلَعَلَّكَ شَبَّهْتَ، فَلَوِ اسْتَعْتَبْتَنَا أَعْتَبْنَاكَ، وَلَوْ سَأَلْتَنَا أَعْطَيْنَاكَ، وَلَوِ اسْتَرْشَدْتَنَا أَرْشَدْنَاكَ، وَلَوِ اسْتَحْمَلْتَنَا أَحْمَلْنَاكَ، وَإِنْ كُنْتَ جَائِعاً أَشْبَعْنَاكَ، وَإِنْ كُنْتَ عُرْيَاناً كَسَوْنَاكَ، وَإِنْ كُنْتَ مُحْتَاجاً أَغْنَيْنَاكَ، وَإِنْ كُنْتَ طَرِيداً آوَيْنَاكَ، وَإِنْ كَانَ لَكَ حَاجَةٌ قَضَيْنَاهَا لَكَ، فَلَوْ حَرَّكْتَ رَحْلَكَ إِلَيْنَا، وَكُنْتَ ضَيْفَنَا إِلَى وَقْتِ ارْتِحَالِكَ كَانَ أَعْوَدَ عَلَيْكَ؛ لِأَنَّ لَنَا مَوْضِعاً رَحْباً وَجَاهاً عَرِيضاً وَمَالًا كَثِيراً<. 

فَلَمَّا سَمِعَ الرَّجُلُ كَلَامَهُ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ خَلِيفَةُ الله فِي أَرْضِهِ‏، {اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ}‏، وَكُنْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ أَبْغَضَ خَلْقِ الله إِلَيَّ! وَالْآنَ أَنْتَ أَحَبُّ خَلْقِ الله إِلَيَّ، وَحَوَّلَ رَحْلَهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ضَيْفَهُ إِلَى أَنِ ارْتَحَلَ، وَصَارَ مُعْتَقِداً لِمَحَبَّتِهِمْ"[5]. 

 فببركة هذا الفيض وهذه الرّحمة الرّحمانيّة الإلهيّة التي تَجَلَّتْ في الإمام× جعل الطّرف الآخر يُقِرُّ بأنَّ الإمام هو واسطة الفيض الإلهيّ. 

ومنها ما روي في قضية العُمَريّ مع الإمام موسى بن جعفر‘ وذلك فيما رواه الطّبري الشّيعيّ في كتابه دلائل الإمامة: "إِنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُؤْذِيهِ وَيَشْتِمُ عَلِيّاً×، وَكَانَ قَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُ حَاشِيَتِهِ: دَعْنَا نَقْتُلُهُ. فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَزَجَرَهُمْ أَشَدَّ الزَّجْرِ، وَسَأَلَ عَنِ العُمَرِيِّ، فَذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ يَزْرَعُ بِنَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ فِي مَزْرَعَتِهِ فَوَجَدَهُ فِيهَا، فَدَخَلَ الْمَزْرَعَةَ بِحِمَارِهِ، فَصَاحَ بِهِ الْعَمْرِيُّ: لَا تَطَأْ زَرْعَنَا. فَتَوَطَّأَهُ بِالْحِمَارِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَ وَجَلَسَ عِنْدَهُ، وَضَاحَكَهُ، وَقَالَ لَهُ: >كَمْ غَرِمْتَ فِي زَرْعِكَ هَذَا<؟ 

قَالَ لَهُ: مِائَةَ دِينَارٍ. 

قَالَ: >فَكَمْ تَرْجُو أَنْ تُصِيبَ فِيهِ<؟ 

قَالَ: لَا أَعْلَمُ‏ الْغَيْبَ‏. 

قَالَ: >إِنَّمَا قُلْتُ لَكَ: كَمْ تَرْجُو فِيهِ<؟ 

قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَجِيئَنِي مِائَتَا دِينَارٍ. 

قَالَ: فَأَعْطَاهُ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ: هَذَا زَرْعُكَ عَلَى حَالِهِ. 

قَالَ: فَقَامَ الْعُمَرِيُّ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، وَانْصَرَفَ. 

قَالَ: فَرَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ الْعُمَرَيَّ جَالِساً، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. 

قَالَ: فَوَثَبَ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا لَهُ: مَا قِصَّتُكَ؟! قَدْ كُنْتَ تَقُولُ خِلَافَ هَذَا! 

فَخَاصَمَهُمْ وَسَابَّهُمْ، وَجَعَلَ يَدْعُو لِأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى× كُلَّمَا دَخَلَ وَخَرَجَ. 

قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى× لِحَاشِيَتِهِ الَّذِينَ أَرَادُوا قَتْلَ الْعُمَرِيِّ: >أَيُّمَا كَانَ أَخْيَرَ: مَا أَرَدْتُمْ أَوْ مَا أَرَدْتُ؟ أَرَدْتُ أَنْ أُصْلِحَ أَمْرَهُ بِهَذَا الْمِقْدَارِ<[6]. 

وهذا لا يفرّق في ثبوته بين إمام وإمام، فإنَّ الكبرى ثابتة لكلّ الأئمّة^، إلّا أنَّه في الصّغريات وما وصلنا هو لبعض الأئمّة^. 

كما أنّه لخصوص الإمام عليّ بن موسى الرّضا× فيوضات عَمَّتْ الشّيعة وغير الشّيعة. 

تبقى الألطاف الإلهيّة الخاصّة وهي (الرّحمة الرّحيميّة) الّتي تتجلّى في عالم الإمكان بواسطة الفيض وهو الإمام، فهذه الألطاف لا شكّ أنّها ليست عامّة وإنّما تختصّ بنوع خاصّ من النّاس وهم الشّيعة، بل حتّى الشّيعة في هذه الرّحمة الخاصّة والفيض الخاصّ على مراتب بحسب معرفتهم واعتقادهم الصّحيح في الإمام، فالرّحمة الرّحيميّة خاصّة بالشّيعة ولكن الشّيعة بينهم تفاوت. 

* لا شكّ أنّ الإمام عليّ بن موسى الرّضا× مفترض الطّاعة عند الشّيعة الإماميّة، فما الّذي دعا بعض الشّيعة إلى إنكار إمامته، خصوصاً أنّ ذلك الإنكار كان من بعض حواريّي الإمام الرّضا× كما في رؤوس الوقف مثل عليّ بن أبي حمزة البطائنيّ وغيره؟ 

هذا يرتبط بمسألة مهمّة وهي أنّ جانب المعصية ممكن أنْ يصدر حتّى من أقرب المقربين للإمام، ونحن نرى من المسلمين من يخرج عن الدّين ويرتدّ ويكون ملحداً، فليس غريباً أنْ ينحرف بعض النّاس، فالمعصية قد تصدر من الأشخاص الّذين هم من أعبد العباد لله©، كيف لا وهذا إبليس قد عبد الله© آلاف السّنين ومع ذلك كفر بالله، فثبوتاً وإثباتاً لا إشكال في ذلك، كما هو واضح. 

وأمّا إنكار إمامة الإمام الرّضا× فهو يرجع لعدّة عوامل: 

منها طابع التّعلّق بالمادّة والأموال، كما هو الغالب على حركة إنكار إمامة الإمام الرّضا×، فالحركة الّتي خرجت من داخل التّشيّع لمجابهة الإمام الرّضا× وهي حركة الوقف، وكانت الحركة البارزة الّتي وقفت ضدّ الإمام.

 رؤوس الوقف

 ورؤوس الوقف هم الأساس في بروز هذه الحركة، حيث توجد مجموعة منهم يعلمون أنّ الإمام مفترض الطّاعة وأنّه هو خليفة الإمام الكاظم‘، ومع ذلك أنكروا إمامته، وذلك لأجل العامل المادّيّ بالدّرجة الأولى؛ باعتبار أنّ بعضهم كانت لديه وكالة من الإمام الكاظم× وكانت تُجْبَى إليهم الأموال لأنّهم وكلاء الإمام الكاظم×، فمع تسلّم الإمام الرّضا× لمنصب الإمامة الظّاهريّة لا بُدّ أنْ تُسَلَّمَ تلك الأموال إليه أو تبقى عندهم برضاه، وهذا ما لم يرتضونه، وبما أنَّ حبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة، فمن يتعلّق بالدّنيا ينكر إمامة الإمام، بل ينكر حتّى الله سبحانه.

 وقد صرّحت بعض الرّوايات بأنّ التّعلّق بالدّنيا والأموال هو سبب إنكار هؤلاء إمامة الإمام الرّضا×، وإن لم يكن ذلك هو تمام السّبب فلا أقلّ أنّه جزء أساسيّ في هذا الإنكار.

 فلاحظ ما رواه الشّيخ الكشيّ& بإسناده عن أَبي الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَمِّهِ [عمر بن يزيد]، قَالَ‏: "كَانَ بَدْءُ الْوَاقِفَةِ أَنَّهُ كَانَ اجْتَمَعَ ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ عِنْدَ الْأَشَاعِثَةِ زَكَاةَ أَموَالِهِمْ وَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهَا، فَحَمَلُوا إِلَى وَكِيلَيْنِ لِمُوسَى× بِالْكُوفَةِ أَحَدُهُمَا حَيَّانُ السَّرَّاجُ، وَالْآخَرُ كَانَ مَعَهُ، وَكَانَ مُوسَى× فِي الْحَبْسِ، فَاتَّخَذَا بِذَلِكَ دُوراً وَعَقَدَا الْعُقُودَ وَاشْتَرَيَا الْغَلَّاتِ، فَلَمَّا مَاتَ مُوسَى× وَانْتَهَى‏ الْخَبَرُ إِلَيْهِمَا أَنْكَرَا مَوْتَهُ، وَأَذَاعَا فِي الشِّيعَةِ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْقَائِمُ، فَاعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ وَانْتَشَرَ قَوْلُهُمَا فِي النَّاسِ، حَتَّى كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِمَا أَوْصَيَا بِدَفْعِ ذَلِكَ الْمَالِ إِلَى وَرَثَةِ مُوسَى×، وَاسْتَبَانَ لِلشِّيعَةِ أَنَّهُمَا قَالا ذَلِكَ حِرْصاً عَلَى الْمَالِ"[7].

 فتشكّلتْ حركة الوقف من هذا المبدأ المادّيّ والتّعلّق بالدّنيا.

 فإنّ من أسباب معصية الله© هو التّعلّق الشّديد بالأموال أو الأولاد أو الجاه وغيره، كما أشارت إلى ذلك مجموعة من الآيات القرآنيّة، منها قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنينَ وَالْقَناطيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالله عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآب‏}(آل ‏عمران: 14).

 وهناك عوامل كثيرة تجعل الإنسان يخرج عن دائرة طاعة الله© لسنا في صدد استقصائها.

 فهؤلاء الواقفة وإنْ كانوا يعلمون بإمامة الإمام الرّضا× إلّا أنّهم مع ذلك أنكروا إمامته×.

 فمِنْ حيثُ الإمكان ممكن أنْ يعصي شيعة الإمام الإمامَ، ومن حيث الوقوع قد وقع ذلك وثبتت معصيتهم للإمام وخالفوه وتعدّوا عليه.

 في الحال الّذي شكّل الإمام الرّضا× مواجهة لهذا الحركة بقوّة، وصدر من الإمام في حقّهم الشّيء الكثير، ما يكشف أنّ هؤلاء لم يكونوا مشتبهين، وإنّما كانت حركتهم وإنكارهم لإمامة الإمام الرّضا× عن علم ومعرفة بأنّه الإمام الحقّ المنصوب من قبل الله سبحانه وأنّه هو خليفة الإمام موسى بن جعفر‘، إلّا أنَّ حبّ الدّنيا وتعلّقهم بها جرّهم إلى إنكار الإمام الحقّ، {وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا..}(النّمل: 14).

 لذلك كان موقف الإمام الرضا× شديداً تجاههم.

 فقد صدرت منه ومن الإمام الجواد×، مواقفُ شديدة جداً تجاههم.

 منها ما رواه الكشّيّ في رجاله بإسناده عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى الرِّضَا× فَقَالَ لِي: >مَاتَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ<؟".

 قُلْتُ: نَعَمْ.

 قَالَ: >قَدْ دَخَلَ النَّارَ<.

 قَالَ: فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ.

 قَالَ: >أَمَا إِنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْإِمَامِ بَعْدَ مُوسَى أَبِي، فَقَالَ لَا أَعْرِفُ إِمَاماً بَعْدَهُ... فَضُرِبَ فِي قَبْرِهِ ضَرْبَةً اشْتَعَلَ قَبْرُهُ نَاراً<[8].

 ومنها: ما رواه أيضاً بإسناده عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ× يَقُولُ ـ وَقَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ـ: >لَعَنَ الله أَبَا الخَطَّابِ وَلَعَنَ أَصْحَابَهُ وَلَعَنَ الشَّاكِّينَ فِي لَعْنِهِ وَلَعَنَ‏ مَنْ قَدْ وَقَفَ فِي ذَلِكَ وَشَكَّ فِيهِ<.

 ثُمَّ قَالَ: >هَذَا أَبُو الْغَمْرِ وَجَعْفَرُ بْنُ وَاقِدٍ وَهَاشِمُ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ اسْتَأْكَلُوا بِنَا النَّاسَ، وَصَارُوا دُعَاةً يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى مَا دُعِيَ إِلَيْهِ أَبُو الخَطَّابِ، لَعَنَهُ الله وَلَعَنَهُمُ مَعَهُ وَلَعَنَ مَنْ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ.

 يَا عَلِيُّ، لَا تَتَحَرَّجَنّ مِنْ لَعْنِهُمْ، لَعَنَهُمُ الله! فَإِنَّ الله قَدْ لَعَنَهُمْ.

 ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله: مَنْ تَأَثَّمَ أَنْ يَلْعَنَ مَنْ لَعَنَهُ الله فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله<[9].

 وهذه الرّواية وإن لم تكن في خصوص الواقفة إلّا أنّها تكشف عن حالة المواجهة الّتي انتهجها الأئمّة^ في مواجهة التّيّارات المنحرفة بما فيهم الواقفة وغيرهم.

 وهذا قسم من النّاس الّذين هم أساس حركة الوقف الّتي تشكّلت في مواجهة إمامة الإمام الرّضا×.

 وقسم من النّاس قد اشتبه عليهم الأمر وذهبوا إلى حركة الوقف وأنكروا إمامة الإمام الرّضا×، لشبهة دخلت عليهم، وهؤلاء على قسمين:

 منهم من رجع بعد أنْ ثبت له الحقّ بجلسة مع الإمام أو كرامة أو بجلسة مع بعض أصحاب الإمام، وتبيّن لهم الحقّ وبطلان حركة الوقف فكانوا مضلَّلين.

 ومنهم مَن ليس عنده القابليّة لتقبُّل الحقّ، وبقي على القول بحركة الوقف ونكران إمامة الإمام×؛ فإنَّ قسماً من النّاس عندما تدخل عليه الشّبهة يكون من الصّعب جدّاً خروجها منه، وبمجرّد جعله في دائرة الشّكّ تستحكم عنده الشّبهة؛ فإنّ إخراجها يحتاج إلى قابليّة ذهنيّة ونفسيّة ووراثيّة وحتّى أخلاقيّة؛ لأنّ قابليّةَ تقبُّل الحقّ تحتاج إلى أرضيّة صالحة وتحتاج إلى عدم الموانع من تقبّل الحقّ، فإنّ بعض المعاصي تشكّل مانعاً من تقبّل الحقّ.

 فقسم منهم بقوا على هذه الشّبهة إلى أنْ ماتوا، من رؤوس الوقف وغيرهم.

 وهنا تجدر الإشارة إلى نقطة مهمّة وهي أنَّ الإمامة في تلك الأزمنة لم تكن بذلك الوضوح الّذي هو عندنا الآن، فلم يكن واضحاً عند بعضهم أنَّ الإمام مفترض الطّاعة؛ لعدّة عوامل:

 منها: ابتعادهم عن الإمام جغرافيّاً وقلّة اتّصالهم بالإمام.

 ومنها: أنَّ الإمام بسبب ظرف التّقيّة لا يستطيع أن يبيّن مكانة الإمامة في كلّ مكان، بل وصل الأمر عند بعض الأئمّة^ إلى درجة أنّه يقول لأصاحبه لا تسلّموا عليَّ كما روي ذلك عن الإمام أبي محمد الحسن العسكريّ× وذلك فيما رواه الرّوانديّ في الخرائج والجرائح، ورواه عنه في البحار: عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَلَبِيِّ، قَالَ: "اجْتَمَعْنَا بِالْعَسْكَرِ وَتَرَصَّدْنَا لِأَبِي مُحَمَّدٍ× يَوْمَ رُكُوبِهِ، فَخَرَجَ تَوْقِيعُهُ >أَلَا لَا يُسَلِّمَنَ‏ عَلَيَّ أَحَدٌ، وَلَا يُشِيرُ إِلَيَّ بِيَدِهِ، وَلَا يُومِئُ أَحَدُكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَأْمَنُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ<.

 قَالَ: وَإِلَى جَانِبِي شَابٌّ، قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنَ الْمَدِينَةِ. قُلْتُ: مَا تَصْنَعُ هَاهُنَا؟ قَالَ: اخْتَلَفُوا عِنْدَنَا فِي أَبِي مُحَمَّدٍ× فَجِئْتُ لِأَرَاهُ وَأَسْمَعُ مِنْهُ أَوْ أَرَى مِنْهُ دَلَالَتَهُ لِيَسْكُنَ قَلْبِي، وَإِنِّي مِنْ وُلْدِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ. فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَ أَبُو مُحَمَّدٍ× مَعَ خَادِمٍ لَهُ فَلَمَّا حَاذَانَا نَظَرَ إِلَى الشَّابِّ الَّذِي بِجَنْبِي.

 فَقَالَ: >غِفَارِيٌّ أَنْتَ<؟

 قَالَ نَعَمْ.

 قَالَ: >مَا فَعَلَتْ أُمُّكَ حمدويه‏ [حَمْدُونَةُ]<؟

 فَقَالَ: صَالِحَةٌ.

 وَمَرَّ فَقُلْتُ لِلشَّابِّ: أَكُنْتَ رَأَيْتَهُ قَطُّ وَعَرَفْتَهُ بِوَجْهِهِ قَبْلَ الْيَوْمِ؟

 قَالَ: لَا.

 قُلْتُ: فَيُقْنِعُكَ هَذَا؟

 قَالَ: وَمِنْ دُونِ هَذَا"[10].

 فهذه وغيرها من العوامل الّتي شكّلت أرضيّة لهذه الظّاهرة الّتي استغلّت من قِبَل رؤوس الوقف حيث روّجوا لهذه الدّعوى في مواجهة إمامة الإمام الرّضا×.

 

* كيف واجه الإمام الرّضا× حركة الوقف؟

 واجههم الإمام× بشكل عامّ وخاصّ. 

فمن جهة ظهرت على يَدَي الإمام الرّضا× معاجز وكرامات كثيرة لإثبات إمامته، وهذا واضح لا كلام فيه. 

وكذلك من جهة الرّوايات والاستدلالات والبراهين في الإمامة بشكل عامّ قد صدر عنه كثير من الرّوايات في هذا الشّأن، لا يسع المجال لذكرها، وبإمكان من أراد الاطّلاع على ذلك مراجعة كتب الحديث المعدّة لذلك، كأصول الكافيّ للشّيخ الكلينيّ&، وعيون أخبار الرّضا× للشّيخ الصّدوق &، وغيرهما. 

وأمَّا في إثبات إمامته بالخصوص فقد صدرت عنه روايات كثيرة، موجودة في كتب الحديث عن الإمام الرّضا وعن الإمام الكاظم‘. فالإمام من ناحية علميّة قد أقام الحُجّة عليهم. 

وفي جانب مواجهته بالخصوص لحركة الوقف ورؤوس الوقف أو مَنْ تبيَّن له الحقّ وأصَرَّ على العناد، فقد صدرت مواجهة شديدة من الإمام في شأن هؤلاء واستمرّت المواجهة حتّى من الإمام الجواد×، وقد تقدّم نقل بعض تلك الرّوايات، حيث أعطى الإمام× قاعدة كلّيّة لمواجهة هذه التّيّارات، وهذا نوعُ حربٍ إعلاميّة أعلنها الإمام بصراحة. 

وهؤلاء ما كانوا يقبلون كلام الإمام×، بل كانوا يلقّنون أنفسهم ومن يسمع منهم أنَّ الإمام موسى بن جعفر الكاظم×، هو الإمام المهديّ، وأنَّ الإمام الرّضا× ليس إماماً.

 وقد صدرت روايات عديدة تبطل مقولات الواقفة بأنّ الإمام الكاظم× حيٌّ لم يمت:

 منها: ما رواه الشيخ الكشي في رجاله بإسناده عن يونس‏ بن يعقوب، قال: قلت لِأَبِي الحسن الرضا×: "أُعْطِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَاكَ حَيٌّ مِنَ الزَّكَاةِ شَيْئاً؟".

 قَالَ: >لَا تُعْطِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ كُفَّارٌ مُشْرِكُونَ زَنَادِقَةٌ<.

 ومنها: ما رواه أيضاً بإسناده عن عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا× قَالَ: "سَمِعْنَاهُ يَقُولُ >يَعِيشُونَ شُكَّاكاً وَيَمُوتُونَ زَنَادِقَةً< [يعني الواقفة].

 قَالَ: فَقَالَ بَعْضُنَا: أَمَّا الشُّكَّاكُ فَقَدْ عَلِمْنَاهُ، فَكَيْفَ يَمُوتُونَ زَنَادِقَةً؟

 قَالَ: فَقَالَ: >حَضَرْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ وَقَدِ احْتُضِرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: هُوَ كَافِرٌ إِنْ مَاتَ مُوسَى بْنُ جَعْفَر<.

 قَالَ فَقُلْتُ: هَذَا هُوَ".

 ومنها: ما رواه أيضاً بإسناده عن عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الرِّضَا× يَقُولُ: >مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ<؟

 قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ وَأَيُّ آيَةٍ؟

 قَالَ: قَوْلُ الله§‏: {وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ}.

 قُلْتُ:‏ اخْتَلَفُوا فِيهَا.

 قَالَ أَبُو الْحَسَن×: >وَلَكِنِّي أَقُولُ نَزَلَتْ فِي الْوَاقِفَةِ؛ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا إِمَامَ بَعْدَ مُوسَى× فَرَدَّ الله عَلَيْهِمْ‏ {بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ}‏، وَالْيَدُ هُوَ الْإِمَامُ فِي بَاطِنِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِمْ لَا إِمَامَ بَعْدَ مُوسَى×<.

 ومنها: ما رواه أيضاً بإسناده عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عِيصٍ‏ [عيص بن القاسم]، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ خَالِي سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله×، فَقَالَ: >يَا سُلَيْمَانُ مَنْ هَذَا الْغُلَامُ؟

 فَقَالَ: ابْنُ أُخْتِي.

 فَقَالَ: >هَلْ يَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ<؟

 فَقَالَ: نَعَمْ.

 فَقَالَ: >الحَمْدُ لله الَّذِي لَمْ يَخْلُقْهُ شَيْطَاناً.

 ثُمَّ قَالَ: يَا سُلَيْمَانُ عَوِّذْ بِالله وُلْدَكَ مِنْ فِتْنَةِ شِيعَتِنَا<!

 فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَمَا تِلْكَ الْفِتْنَةُ؟

 قَالَ: >إِنْكَارُهُمُ الْأَئِمَّةَ وَغَرَضُهُمْ [ووقوفهم وعرضهم]‏ عَلَى ابْني مُوسَى×<.

 قَالَ: >يُنْكِرُونَ مَوْتَهُ وَيَزْعُمُونَ أَنْ لَا إِمَامَ بَعْدَهُ، أُولَئِكَ شَرُّ الْخَلْقِ<. 

ومنها ما رواه أيضاً بإسناده عن ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا×: "جُعِلْتُ فِدَاكَ، قَوْمٌ قَدْ وَقَفُوا عَلَى أَبِيكَ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ! 

قَالَ، قَالَ: >كَذَبُوا وَهُمْ كُفَّارٌ بِمَا أَنْزَلَ الله§ عَلَى مُحَمَّدٍ|، وَلَوْ كَانَ الله يَمُدُّ فِي أَجَلِ أَحَدٍ مِنْ بَني آدَمَ لِحَاجَةِ الخَلْقِ إِلَيْهِ لَمَدَّ الله فِي أَجَلِ رَسُولِ الله|<. 

هذه طائفة من الروايات التي مؤداها أن الإمام موسى بن جعفر الكاظم× لم يمت. 

وتوجد طائفة من الروايات مؤداها أنّهم يزعمون بأن الإمام موسى بن جعفر× هو الإمام المهدي، نذكر واحدة منها كي لا يطول بنا المقام: 

وهي ما رواه الشيخ الكشّيّ& في رجاله بإسناده عن عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ×، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَخِي× فَقَالَ لَهُ: >جُعِلْتُ فِدَاكَ مَنْ صَاحِبُ هَذَا الْأَمْرِ<؟ 

فَقَالَ: >أَمَا إِنَّهُمْ يُفْتَنُونَ بَعْدَ مَوْتِي، فَيَقُولُونَ هُوَ الْقَائِمُ، وَمَا الْقَائِمُ إِلَّا بَعْدِي بِسِنِينَ<. 

وتقدم نقل ما رواه الكشّيّ بإسناده عن عمر بن يزيد في بيان سبب نشوء حركة الوقف وفيه أنهم ادعوا بأن الإمام الكاظم× هو الإمام المهديّ. 

ولاية العهد

 * ما هي الأسباب الّتي دفعت المأمون (لعنه الله) إلى إكراه الإمام الرّضا×، لكي يقبل ولاية العهد؟

 وهل إكراهه له لأجل ميله إلى التّشيّع، كما ذهب بعضهم إلى ذلك؟ أم أنّ ذلك من ألاعيب السّياسة؟

 هذه شبهة حاول المأمون من خلالها أنْ يحقق غرضه، وهي أنّه شيعيّ وموالٍ للإمام الرّضا× في الإعلام وبحسب الظّاهر.

 ولأجل كشف هذه الشّبهة نقول:

 عندنا أصل مسلّم وهو أنّه >لا يجوز الرّكون إلى الظّالم<، قال¨: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ الله مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُون‏}(هود:113).

 ولا شك أنّ الإمام× هو المطبِّق الأوّل لهذا الأصل ولا يمكن أنْ يخالف هذا الأصل، فإنّ هذا أصل إسلاميّ.

 ومن جهة أخرى المأمون يعلم أنَّ الإمام الرّضا× يعتقد بهذا الأصل وأنّه لا يركن إلى الظّالم، والمأمون يعلم أنه ظالم.

 فالإمام× من المفترض ألّا يركن إليه.

 وحينئذٍ يريد المأمون أنْ يَقفِزَ على هذا الأصل، ويُبيّنَ للنّاس أنّه ليس بظالم، ولا يمكنه أنْ يحقّق ذلك بالكلام، بل لا بُدّ أنْ يثبتَ ذلك بالفعل، بحيثُ لا يمكن أنْ ينكر ذلك أحد.

 فيجعل الإمام يركن إليه بحسب الظّاهر وإعلاميّاً.

 فتكون النّتيجة أنّه ليس بظالم، وهذه من السّياسات الخبيثة الّتي ارتكبها المأمون، حتّى شبّه ذلك على بعض الشّيعة في هذا الأمر فضلاً عن غيرهم.

 وهذه نقطة مهمّة استفاد منها المأمون إعلاميّاً، حتّى يُبيّنَ للنّاس أنّه ليس بظالم، باعتبار أنّ الإمام× لا يمكن أن يخالف الأصل المذكور، فلا يركن إلى الظّالم، وإذا رأى النّاسُ الإمامَ قد ركن إلى المأمون، فسيقولون إنّ المأمون ليس بظالم، فإذا نجح المأمون في ذلك فيكون قد حقّق مكسباً كبيراً بالنّسبة إليه.

 ومن جهة ثالثة أنَّ الأرضيّة في تلك الفترة الزّمنيّة في الدّولة العباسيّة، أي فترة ما قبل المأمون وزمان المأمون وما بعده، كانت فترة ثورات، بل إنّ نفس المأمون وصل إلى سدّة الحكم بالثّورة على أخيه الأمين وقتله، فكانت السّاحة ميدانيّاً وعسكريّاً مضطربة ومهيّئة لأنْ تحصل ثورةٌ على المأمون، خصوصاً من القسم الأكبر الّذين يشكّلون خطراً أكبر عليه وهم العلويّون وأنصارهم، حيثُ حصلت في تلك الفترة ثورات وأخمدوها بالقوّة، وبقيت هذه النّار تشتعل تحت الرّماد، فتوجد في الأرضيّة قابليّة خروج ثورة على المأمون، فإذا ما خرجت ثورات متعدّدة في أقطار مختلفة فسوف تسقط الدّولة العباسيّة، وطريق تجاوز هذه الأزمة وهذه الأخطار سياسيّاً وعسكريّاً هو السّيطرة على القسم الأكبر من النّاس وهم العلويّون، الّذين يشكّلون خطراً كبيراً على حكومة المأمون، فإذا استطاع المأمون إعلاميّاً وسياسيّاً أن يخدع الرّأي العامّ وأن يبيّن لهم أنّه على وفاق مع الإمام الرّضا×، فيكون بذلك قد نزع فتيل الأزمة، ويكون في مأمن من الثورات المتوقّع حصولها عليه من قبل العلويّين أو أتباعهم ممّن ينادون بالرّضا من آل محمّد، وذلك لا يكون بالكلام؛ إذ لن يجد من يصدّقه، فيلبّس عليهم أنّ الإمام الرّضا× بجانب المأمون، فلا حُجّة لهم أنْ يثوروا عليه.

 وهذا من دهاء المأمون الّذي عُرِف به من بين خلفاء بني العبّاس، بل عُدّ من دواهي العرب، فمن الطّبيعيّ أنْ تصدر منه هذه الحيلة لخداع الرّأي العامّ، وبيان أنّه ليس بظالم وحينئذٍ لا يجوز الثّورة عليه.

 ومن هنا اشتبه بعضهم وقال بتشيّعه!

 مع أنّه ليس عنده حتّى ميل للتّشيّع في الواقع، وهواه على غير التّشيّع.

 ثمّ من جهة أخرى حاول أنْ يُبيّن نفسه للرّأي العامّ عالِماً وفقيهاً، وهذا يظهر من خلال الرّوايات المتعدّدة الّتي تتضمّن أسئلة وجّهها إلى الإمام الرّضا× مباشرة، وهي موجودة اليوم بعنوان أجوبة الإمام الرّضا× على المأمون، ومن خلال هذه الرّسائل حاول أن يكشف لعامّة النّاس بأنّه لم يكن شخصاً عاديّاً.

 فقد روى الشّيخ الصّدوق& الرّواية المعروفة برواية محض الإسلام، المتضمّنة سؤالاً من المأمون للإمام الرّضا×، في حديث طويل، بإسناده عن الفضل بن شاذان قال: سأل المأمون علي بن موسى الرضا× أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار.

 فكتب× له: >أَنَّ مَحْضَ الْإِسْلَامِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ إِلَهاً وَاحِداً أَحَداً فَرْداً صَمَداً قَيُّوماً سَمِيعاً بَصِيراً قَدِيراً قَدِيماً قَائِماً بَاقِياً عَالِماً لَا يَجْهَلُ قَادِراً لَا يَعْجِزُ غَنِيّاً لَا يَحْتَاجُ عَدْلًا لَا يَجُورُ، وَأَنَّهُ‏ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ، لَا شِبْهَ لَهُ وَلَا ضِدَّ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ وَلَا كُفْ‏ءَ لَه... الخ<[11].

 ولذلك استفاد من هذه الجهة وأنّه عالم وفقيه ومن جهات أخرى، وبالنّتيجة لا يمكن أن يقتل الإمام الرّضا×، فقتله ومشى في جنازته وذرف عليه دموع التّماسيح، ومشى في جنازته حافياً، وأقام العزاء على الإمام، حتّى تستمرّ هذه الحيلة ويُظهر أنّه بريء، والحال أنَّ تاريخه مليء بالظّلم والعدوان، ومن الشّواهد على ذلك قتله لأخيه الأمين، لا لأجل فساد أخيه، بل هو أفسد من أخيه، وإنّما لأجل السّلطة، فهو من أهل المجون والخمور، فأين هو من التّشيّع؟!

 نعم هو يحاول أن يَظْهَرَ بمظهر المتنسّك المتديّن العالم والقريب من الإمام!

 ولذلك اشتبه على بعضهم وقال بتشيّعه.

 فالمأمون أراد أنْ يوقع النّاس في هذه الشّبهة ليستفيد منها إعلاميّاً وسياسيّاً، لكي تبقى دولته؛ لأنّ دولته مهدّدة بثورات حتّى من قبل نفس العبّاسيّين؛ لأنّه حينما قتل أخاه الأمين –الّذي هو ابن زبيدة العربيّة العبّاسيّة، والمأمون ابن فارسيّة، فهما أبناء ضرّة- أدرك أنّ أخوال الأمين لن يسكتوا عن ذلك؛ ولذلك أبعدهم عن مفاصل السّلطة، وغيّر التّركيبة الوزاريّة، كما يُعبّر اليوم، فأزال الفضل بن الرّبيع، الّذي كان وزيرَ الأمين، ونصّب مكانه الفضل بن سهل.

 ولذلك أراد أنْ يحصّن نفسه سياسيّاً فأكْرَهَ الإمامَ× على قبول ولاية العهد، ولم يُظهر إعلاميّاً أنّه بصورة الإكراه، بل كان ذلك من وراء السّتار.

 * كيف استطاع الإمام الرّضا× أن يردّ كيد المأمونr ويبطل حِيَلَه ويجعله لا يحقّق ما يصبو إليه من توليته الإمام لولاية العهد أو على الأقلّ جعله لا يحقّق كلّ أهدافه؟

 بعد أنْ اتّضَحَ أنَّ هدف المأمون من تولية الإمام× ليس إلّا لتوطيد ملكه، خوفاً من خروج ثورات متوقّعة آنذاك من قبل العلويّين وأنصارهم ومن الطّرف المناوئ له من العبّاسيّين، وحيثُ إنَّ الأكثر خطورة عليه هم العلويّون كما هو واضح، فلو ثاروا لسقطت الدّولة العبّاسيّة بأكملها وكان الحكم علويّاً، فحاول المأمون أنْ يتجاوز مسألة ثورة العلويّين ليستتبَّ الوضع الدّاخلي له.

 وقد واجه الإمام الرّضا× هذا المخطّط، فإنّه لا يمكن أنْ تخفى عليه حِيَلُ المأمون، وقد روي في بعض الأخبار أنّ الإمام× رفض ولاية العهد، وأنّ المأمون دعاه إعلاميّاً لتولّي منصب الخلافة، وحاجّه الإمام في ذلك محاجّة شديدة، ثمّ تنزّل إلى طلب تولّي الإمام ولاية العهد، ورفض الإمام ذلك، وبعد أن أكره الإمام على قبولها، شرط عليه الإمام شروطاً وأعلنها لكلّ النّاس، منها أنّه لا يحلّ ولا يربط، وبيّن الإمام بذلك أنَّ ولايتَه ولايةٌ صوريّة وشكليّة؛ لكي يسأل النّاس أنّه لماذا جعل الإمام الولاية صوريّة ولم يجعلها حقيقيّة وبالتّالي يكون خليفة للمأمون بعد موته طبق المعمول به في ولاية العهد؟ فيبيّن بذلك للنّاس أنّ هذه الولاية الّتي أكرهه المأمون عليها وقبلها صورة وشكلاً لا حقيقة، وهذا يفسد مخطط المأمون الّذي يريد أن يبيّن للنّاس أنّ الولاية حقيقية، حتّى يحصل هدفه، فإذا ما أثبت الإمام× أنّ الولاية صوريّة بطل الهدف.

 فلاحظ ما رواه الشّيخ الصّدوق& في كتابه عيون أخبار الرّضا× بإسناده عن أبي الصّلت الهرويّ، قال: "إِنَّ الْمَأْمُونَ قَالَ لِلرِّضَا×: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَرَفْتُ عِلْمَكَ وَفَضْلَكَ وَزُهْدَكَ وَوَرَعَكَ وَعِبَادَتَكَ، وَأَرَاكَ أَحَقَّ بِالْخِلَافَةِ مِنِّي.

 فَقَالَ الرِّضَا×: >بِالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ§ أَفْتَخِرُ وَبِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا أَرْجُو النَّجَاةَ مِنْ شَرِّ الدُّنْيَا وَبِالْوَرَعِ عَنِ المَحَارِمِ أَرْجُو الْفَوْزَ بِالمَغَانِمِ وَبِالتَّوَاضُعِ فِي الدُّنْيَا أَرْجُو الرِّفْعَةَ عِنْدَ الله§<.

 فقال له المأمون: "فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَعْزِلَ نَفْسِي عَنِ الْخِلَافَةِ وَأَجْعَلَهَا لَكَ وَأُبَايِعَكَ".

 فقال له الرِّضَا×: >إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْخِلَافَةُ لَكَ وَالله جَعَلَهَا لَكَ فَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَخْلَعَ لِبَاساً أَلْبَسَكَ الله‏ وَتَجْعَلَهُ لِغَيْرِكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْخِلَافَةُ لَيْسَتْ لَكَ فَلَا يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي مَا لَيْسَ لَكَ<.

 فقال له المأمون: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَلَا بُدَّ لَكَ مِنْ قَبُولِ هَذَا الْأَمْرِ.

 فقالَ: >لَسْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ طَائِعاً أَبَداً<.

 فَمَا زَالَ يَجْهَدُ بِهِ أَيَّاماً حَتَّى يَئِسَ مِنْ قَبُولِهِ.

 فَقَالَ لَهُ: فَإِنْ لَمْ تَقْبَلِ الْخِلَافَةَ وَلَمْ تُجِبْ‏ مُبَايَعَتِي لَكَ فَكُنْ وَلِيَّ عَهْدِي لِتَكُونَ لَكَ الْخِلَافَةُ بَعْدِي.

 فَقَالَ الرِّضَا×: >وَالله لَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمؤْمِنِينَ× عَنْ رَسُولِ الله|: أَنِّي أَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا قَبْلَكَ مَسْمُوماً مَقْتُولًا بِالسَّمِّ مَظْلُوماً، تَبْكِي عَلَيَّ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَمَلَائِكَةُ الْأَرْضِ، وَأُدْفَنُ فِي أَرْضِ غُرْبَةٍ إِلَى جَنْبِ هَارُونَ الرَّشِيدِ<.

 فَبَكَى الْمَأْمُونُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَنِ الَّذِي يَقْتُلُكَ أَوْ يَقْدِرُ عَلَى الْإِسَاءَةِ إِلَيْكَ وَأَنَا حَيٌّ؟

 فَقَالَ الرِّضَا×: >أَمَا إِنِّي لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ‏ لَقُلْتُ مَنِ الَّذِي يَقْتُلُنِي<.

 فَقَالَ الْمأْمُونُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّمَا تُرِيدُ بِقَوْلِكَ هَذَا التَّخْفِيفَ عَنْ نَفْسِكَ وَدَفْعَ هَذَا الْأَمْرِ عَنْكَ لِيَقُولَ النَّاسُ إِنَّكَ زَاهِدٌ فِي الدُّنْيَا.

 فَقَالَ الرِّضَا×: >وَالله مَا كَذَبْتُ مُنْذُ خَلَقَنِي رَبِّي§ وَمَا زَهِدْتُ فِي الدُّنْيَا لِلدُّنْيَا وَإِنِّي لَأَعْلَمُ مَا تُرِيدُ<.

 فَقَالَ الْمأْمُونُ: وَمَا أُرِيدُ؟

 قَالَ: >الْأَمَانَ عَلَى الصِّدْقِ<؟

 قَالَ: لَكَ الْأَمَانُ.

 قَالَ: >تُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا× لَمْ يَزْهَدْ فِي الدُّنْيَا بَلْ زَهِدَتِ الدُّنْيَا فِيهِ، أَلَا تَرَوْنَ كَيْفَ قَبِلَ وِلَايَةَ الْعَهْدِ طَمَعاً فِي الْخِلَافَةِ<.

 فَغَضِبَ الْمأْمُونُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ تَتَلَقَّانِي أَبَداً بِمَا أَكْرَهُهُ وَقَدْ أَمِنْتَ سَطْوَتِي، فَبِاللَّهِ أُقْسِمُ لَئِنْ قَبِلْتَ وِلَايَةَ الْعَهْدِ وَإِلَّا أَجْبَرْتُكَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ فَعَلْتَ وَإِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَكَ!

 فَقَالَ الرِّضَا×: >قَدْ نَهَانِيَ الله تَعَالَى أَنْ أُلْقِيَ بِيَدِي إلى التَّهْلُكَة، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا فَافْعَلْ مَا بَدَا لَكَ، وَأَنَا أَقْبَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنِّي لَا أُوَلِّي أَحَداً وَلَا أَعْزِلُ أَحَداً وَلَا أَنْقُضُ رَسْماً وَلَا سُنَّةً، وَأَكُونُ فِي الْأَمْرِ مِنْ بَعِيدٍ مُشِيراً<.

 فَرَضِيَ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ عَلَى كَرَاهَةٍ مِنْهُ× بِذَلِكَ"[12].

 وأمّا عدم التفات النّاس إلى أنّ الولاية كانت صوريّة، فإنّه قد انطلت حيلة المأمون على مجموعة من النّاس، ولكن لم تنطل هذه الحيلة على باقي النّاس.

 ولأجل ذلك صدرت مجموعة من التّساؤلات حتّى من بعض المقربين من الإمام× وأجابهم الإمام× بأجوبة مختلفة.

 منها ما رواه الشّيخ الصّدوق& بإسناده عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا× فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، النَّاسُ يَقُولُونَ إِنَّكَ قَبِلْتَ وِلَايَةَ الْعَهْدِ مَعَ إِظْهَارِكَ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا!

 فَقَالَ×: >قَدْ عَلِمَ الله كَرَاهَتِي لِذَلِكَ، فَلَمَّا خُيِّرْتُ بَيْنَ قَبُولِ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْقَتْلِ اخْتَرْتُ الْقَبُولَ عَلَى الْقَتْلِ، وَيْحَهُمْ أَمَا عَلِمُوا أَنَّ يُوسُفَ×كَانَ نَبِيّاً وَرَسُولًا، فَلَمَّا دَفَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَى تَوَلِّي خَزَائِنِ الْعَزِيزِ {قالَ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}‏، وَدَفَعَتْنِي الضَّرُورَةُ إِلَى قَبُولِ ذَلِكَ عَلَى إِكْرَاهٍ وَإِجْبَارٍ، بَعْدَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْهلَاكِ، عَلَى أَنِّي مَا دَخَلْتُ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا دُخُولَ خَارِجٍ مِنْهُ، فَإِلَى الله المُشْتَكَى وَهُوَ المُسْتَعَانُ<"[13].

 ومنها ما رواه أيضاً بإسناده عن محمّد بن عرفة قال: قلت للرّضا×: "يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا حَمَلَكَ عَلَى الدُّخُولِ فِي وِلَايَةِ الْعَهْدِ؟

 فَقَالَ: >مَا حَمَلَ جَدِّي أَمِيرَ الْمؤْمِنِينَ× عَلَى الدُّخُولِ فِي الشُّورَى<"[14].

 إلى غير ذلك من الرّوايات الكثيرة الواردة في بيان وجه قبول الإمام× لولاية العهد.

 ولذلك بالرّجوع إلى التّاريخ نجد أنّه خرجت عدّة ثورات على المأمون حتّى من العلويّين في زمن توليته ولاية العهد للإمام×، وهذا يكشف أنّ الإمام× أفشل مخطّط المأمون.

 وكيف كان فإنَّ غرض المأمون من تولية الإمام هو تصوير أنّ هذه الولاية حقيقيّة.

 والإمام× نقض غرض المأمون بجعله ولاية العهد شكليّة وصوريّة، فهذه الشّروط الّتي وضعها الإمام جعلت الولاية صوريّة ظاهريّة، كما هو المذكور في الرّواية آنفة الذّكر وغيرها.

 ومن هنا لا يأتي الإشكال بأنَّ الإمام قَبِل ولاية العهد، فلو دار الأمر بين أن يقتل الإمام أو يقبل بولاية صوريّة، لا شك أنَّ حفظ الإمام أولى، ومن خلال هذه الولاية الصّوريّة يمرّر الإمام مجموعة من الأمور الّتي تفسد على المأمون مخطّطه، وليس للنّاس حقّ أن يُشْكِلوا على الإمام وأنَّه ليس له حقّ في جعل الولاية صوريّة؛ لأنّه من خلال هذه الولاية الصّوريّة يُحفظ الإمام ومن خلالها يمرّر الإمام أهدافه ويفسد على المأمون تمام مخطّطه.

 وفيما جاء من الرّوايات والأحداث الّتي حصلت في سير الإمام إلى خراسان، فكان كلّ تصرّف من الإمام في طول طريقه هو مسمار في نعش مخطّط المأمون؛ باعتبار أنّه يثبّت إمامته وأنّه مفترض الطّاعة وأنّ المأمون ليس له ولاية وليس له الحقّ أنْ ينصّب نفسه خليفة للمسلمين، بل وليس له الحقّ أنْ يجعلني خليفة؛ لأنَّ الإمامة هي جعل إلهيّ.

 * هل أنّ هذه الولاية الصّوريّة لم تتّضح لبعض الشّيعة، ولذلك استنكروا على الإمام قبوله لهذه الولاية الصّوريّة؟

 نعم، بعضهم اشتبه عليهم الأمر، ولكنّهم أقلّيّة من بين باقي الشّيعة، فإنّه بشكل عامّ عند الشّيعة الصّورة كانت واضحة، وأنّ هذه الولاية صوريّة، نعم قليل من الأشخاص على مَرّ التّاريخ اشتبه عليهم الأمر، ومن الطبيعي أنْ يكون هناك بعض الأشخاص تنطلي عليهم هذه الشّبهة فيقعون في مخطّط المأمون.

 * ينسب إلى بعض العلماء كالسّيّد عليّ ابن طاووس والإربليّ في كشف الغمّة، أنّ الإمام× مات حتف أنفه، فكيف تقول الشّيعة بأنّ الإمام× استشهد، وقتل مسموماً؟

 الرّأي المشهور عند الشّيعة ومن روى حادثة استشهاد الإمام× من العامّة، أنّه ماتَ مسموماً شهيداً.

 وقد دَلّت على ذلك بعض الأخبار، كما صرّح به جمعٌ من أعلام الطّائفة ونُقّاد الأخبار، من المتقدّمين والمتأخّرين، أمثال الشّيخ الصّدوق&، حيث روى مجموعة من الرّوايات تدلّ على ذلك في كتابه عيون أخبار الرّضا× الشّيخ المفيد& في كتابه الإرشاد، والعلّامة المجلسيّ& في كتابه بحار الأنوار.

 فمن الأخبار لاحظ ما رواه الشّيخ الصّدوق& بإسناده عن عبد السّلام بن صالح الهرويّ، قال: سمعت الرّضا× يقول‏: >إِنِّي سَأُقْتَلُ بِالسَّمِّ مَظْلُوماً، وَأُقْبَرُ إِلَى جَنْبِ هَارُونَ‏، وَيَجْعَلُ الله تُرْبَتِي مُخْتَلَفَ شِيعَتِي وَأَهْلِ مَحَبَّتِي، فَمَنْ زَارَنِي فِي غُرْبَتِي وَجَبَتْ لَهُ زِيَارَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي أَكْرَمَ مُحَمَّداً| بِالنُّبُوَّةِ وَاصْطَفَاهُ عَلَى جَمِيعِ الخَلِيقَةِ لَا يُصَلِّي أَحَدٌ مِنْكُمْ عِنْدَ قَبْرِي رَكْعَتَيْنِ إِلَّا اسْتَحَقَّ المَغْفِرَةَ مِنَ الله§ يَوْمَ يَلْقَاهُ، وَالَّذِي أَكْرَمَنَا بَعْدَ مُحَمَّدٍ| بِالْإِمَامَةِ وَخَصَّنَا بِالْوَصِيَّةِ إِنَّ زُوَّارَ قَبْرِي لَأَكْرَمُ الْوُفُودِ عَلَى الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَزُورُنِي فَيُصِيبُ وَجْهَهُ قَطْرَةٌ مِنَ الْماءِ إِلَّا حَرَّمَ الله تَعَالَى جَسَدَهُ عَلَى النَّارِ<[15].

 وغيرها من الرّوايات.

 وكذلك لاحظ ما ذكره الشّيخ المفيد& في كتاب الإرشاد، في الفصل الّذي عقده لبيان شهادة الإمام الرّضا×:

 (باب ذكر وفاة الرضا علي بن موسى× وسببها وطرف من الأخبار في ذلك) "وَكَانَ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى× يُكْثِرُ وَعْظَ الْمَأْمُونِ إِذَا خَلَا بِهِ وَيُخَوِّفُهُ بِاللَّهِ وَيُقَبِّحُ لَهُ مَا يَرْتَكِبُهُ مِنْ خِلَافِهِ، فَكَانَ الْمَأْمُونُ يُظْهِرُ قَبُولَ ذَلِكَ مِنْهُ وَيُبْطِنُ كَرَاهَتَهُ وَاسْتِثْقَالَهُ.

 وَدَخَلَ الرِّضَا× يَوْماً عَلَيْهِ فَرَآهُ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَالْغُلَامُ يَصُبُّ عَلَى يَدِهِ الْمَاءَ.

 فَقَالَ: >لَا تُشْرِكْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِعِبَادَةِ رَبِّكَ أَحَداً<.

 فَصَرَفَ الْمَأمُونُ الْغُلَامَ وَتَوَلَّى تَمَامَ وُضُوئِهِ بِنَفْسِهِ، وَزَادَ ذَلِكَ فِي غَيْظِهِ وَوَجْدِهِ.

 وَكَانَ× يُزْرِي‏ عَلَى الْحَسَنِ وَالْفَضْلِ ابْنَيْ سَهْلٍ عِنْدَ الْمَأْمُونِ إِذَا ذَكَرَهُمَا وَيَصِفُ لَهُ مَسَاوِئَهُمَا وَيَنْهَاهُ عَنِ الْإِصْغَاءِ إِلَى قَوْلِهِمَا، وَعَرَفَا ذَلِكَ مِنْهُ فَجَعَلَا يَحْطِبَانِ‏ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَأْمُونِ وَيَذْكُرَانِ لَهُ عَنْهُ مَا يُبْعِدُهُ مِنْهُ وَيُخَوِّفَانِهِ مِنْ حَمْلِ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَالا كَذَلِكَ حَتَّى قَلَبَا رَأْيَهُ. وَعَمِلَ عَلَى قَتْلِهِ×، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ أَكَلَ هُوَ وَالْمَأْمُونُ يَوْماً طَعَاماً فَاعْتَلَّ مِنْهُ الرِّضَا×، وَأَظْهَرَ الْمَأْمُونُ تَمَارُضاً.

 ثمّ ذكر الشّيخ المفيد رواية تبين كيفية سَمّ الإمام×، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ الله بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: "أَمَرَنِي الْمَأْمُونُ أَنْ أُطَوِّلَ أَظْفَارِي عَنِ الْعَادَةِ وَلَا أُظْهِرَ لِأَحَدٍ ذَلِكَ فَفَعَلْتُ، ثُمَّ اسْتَدْعَانِي فَأَخْرَجَ إِلَيَّ شَيْئاً شِبْهَ التَّمْرِ الْهِنْدِيِّ، وَقَالَ لِي: اعْجِنْ هَذَا بِيَدَيْكَ جَمِيعاً، فَفَعَلْتُ، ثُمَّ قَامَ وَتَرَكَنِي، فَدَخَلَ عَلَى الرِّضَا×، فَقَالَ: لَهُ مَا خَبَرُكَ؟ قَالَ: >أَرْجُو أَنْ أَكُونَ صَالِحاً<. قَالَ: لَهُ أَنَا الْيَوْمَ بِحَمْدِ اللَّهِ أَيْضاً صَالِحٌ، فَهَلْ جَاءَكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَرَفِّقِينَ فِي هَذَا الْيَوْمِ؟ قَالَ: >لَا<. فَغَضِبَ الْمَأْمُونُ وَصَاحَ عَلَى غِلْمَانِهِ، ثُمَّ قَالَ: خُذْ مَاءَ الرُّمَّانِ السَّاعَةَ؛ فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، ثُمَّ دَعَانِي فَقَالَ: ائْتِنَا بِرُمَّانٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَقَالَ لِي: اعْصِرْهُ بِيَدَيْكَ. فَفَعَلْتُ وَسَقَاهُ الْمَأْمُونُ الرِّضَا× بِيَدِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ وَفَاتِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَوْمَيْنِ حَتَّى مَاتَ×".

 ثمّ ذكر الشّيخ المفيد عَنْ أَبِي الصَّلْتِ الْهَرَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى الرِّضَا× وَقَدْ خَرَجَ الْمَأْمُونُ مِنْ عِنْدِهِ. فَقَالَ لِي: >يَا أَبَا الصَّلْتِ، قَدْ فَعَلُوهَا، وَجَعَلَ يُوَحِّدُ الله وَيُمَجِّدُهُ<‏.

 ثمّ ذكر رواية أخرى يبيّن فيها أنّ الإمام سمّ في عنب، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ الرِّضَا× يُعْجِبُهُ الْعِنَبُ فَأُخِذَ لَهُ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ فَجُعِلَ فِي مَوْضِعِ أَقْمَاعِهِ‏ الْإِبَرُ أَيَّاماً ثُمَّ نُزِعَتْ مِنْهُ وَجِي‏ءَ بِهِ إِلَيْهِ، فَأَكَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي عِلَّتِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَقَتَلَهُ وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ لَطِيفِ السُّمُومِ‏.

 وَلَمَّا تُوُفِّيَ الرِّضَا× كَتَمَ الْمَأْمُونُ مَوْتَهُ يَوْماً وَلَيْلَةً، ثُمَّ أَنْفَذَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُ فَلَمَّا حَضَرُوهُ نَعَاهُ إِلَيْهِمْ وَبَكَى وَأَظْهَرَ حُزْناً شَدِيداً وَتَوَجُّعاً وَأَرَاهُمْ إِيَّاهُ صَحِيحَ الْجَسَدِ، وَقَالَ: يَعِزُّ عَلَيَّ يَا أَخِي أَنْ أَرَاكَ فِي هَذِهِ الْحَالِ، قَدْ كُنْتُ آمُلُ أَنْ أُقَدَّمَ قَبْلَكَ فَأَبَى الله إِلَّا مَا أَرَادَ.

 ثُمَّ أَمَرَ بِغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَتَحْنِيطِهِ وَخَرَجَ مَعَ جَنَازَتِهِ يَحْمِلُهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ مَدْفُونٌ فِيهِ الْآنَ..."[16].

 نعم هناك من اشتبه عليهم الأمر، وقالوا بأنّ المأمون لم يسمّ الإمام× وإنّما مات حتف أنفه.

 ويظهر من تصريح الإربلي في كشف الغمّة أنّ سبب الشّبهة أنّه لو فرض أنّه قتل مسموماً فمن يتجرّأ على قتله غير المأمون، والمأمون -عندهم- لا يمكن أنْ يصدر منه ذلك؛ باعتبار بعض تصرفات المأمون الظّاهريّة، من احترامه للإمام وإعطائه ولاية العهد، فقالوا: بأنّ الإمام× مات حتف أنفه ولم يمت مسموماً.

 كما أنَّ نسبة القول بأنّ الإمام مات حتف أنفه إلى السّيّد رضي الدّين بن طاووس& هي في كلام الإربليّ في كتابه كشف الغمّة.

 حيث إنّه نقل كلام الشّيخ المفيد& في الإرشاد، الّذي فيه إثبات أنّ الإمام× مات مسموماً وأنّ الّذي سمّه هو المأمون، حيث قال ما نصّه:

 [قَالَ الشَّيْخُ الْمُفِيدُ& بَابُ ذِكْرِ الْإِمَامِ الْقَائِمِ بَعْدَ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى× وتَارِيخِ مَوْلِدِهِ وَدَلَائِلِ إِمَامَتِهِ وَمَبْلَغِ سِنِّهِ وَمُدَّةِ خِلَافَتِهِ وَوَقْتِ وَفَاتِهِ وَسَبَبِهَا وَمَوْضِعِ قَبْرِهِ وَعَدَدِ أَوْلَادِهِ وَمُخْتَصَرٌ مِنْ أَخْبَارِهِ.

 وَكَانَ الْإِمَامُ بَعْدَ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى× ابْنَهُ -أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى‏ الرِّضَا×- لِفَضْلِهِ عَلَى جَمَاعَةِ إِخْوَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَظُهُورِ عِلْمِهِ وَحِلْمِهِ وَوَرَعِهِ وَاجْتِمَاعِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ عَلَى ذَلِكَ فِيهِ ومعْرِفَتِهِمْ بِهِ مِنْهُ وَلِنَصِّ أَبِيهِ عَلَى إِمَامَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَإِشَارَتِهِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ دُونَ جَمَاعَةِ إِخْوَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ... الخ"[17].

 ثمّ استمرّ في نقل كلام الإرشاد بطوله، ثمّ عقّبه بتعليق منه عليه بقوله:

 "قال العبد الفقير إلى الله تعالى عبد الله علي بن عيسى جامع هذا الكتاب أثابه الله تعالى: بلغني ممّن أثق به أنّ السّيّد رضي الدّين علي بن الطاووس& كان لا يوافق على أنّ المأمون سقى علياً× ولا يعتقده، وكان& كثير المطالعة والتنقيب والتفتيش على مثل ذلك، والذي كان يظهر من المأمون من حنوه عليه وميله إليه واختياره له دون أهله وأولاده مما يؤيد ذلك ويقرره. وقد ذكر المفيد& شيئاً ما يقبله نقدي ولعلّي واهم، وهو أنَّ الإمام× كان يعيب ابني سهل عند المأمون ويقبح ذكرهما.. إلى غير ذلك. وما كان أشغله بأمور دينه وآخرته‏ واشتغاله بالله عن مثل ذلك. وعلى رأي المفيد& أنّ الدولة المذكورة من أصلها فاسدة وعلى غير قاعدة مرضية، فاهتمامه× بالوقيعة فيهما حتى أغراهما بتغيير رأي الخليفة عليه فيه ما فيه.

 ثمّ إنّ نصيحتَه للمأمون وإشارته عليه بما ينفعه في دينه لا يوجب أنْ يكون سبباً لقتله وموجباً لركوب هذا الأمر العظيم منه، وقد كان يكفي في هذا الأمر أنْ يمنعه عن الدّخول عليه أو يَكُفَّهُ عن وعظه.

 ثمّ إنَّا لا نعرف أنَّ الإبر إذا غُرِسَتْ في العنب صار العنب مسموماً ولا يشهد به القياس الطّبيّ، والله تعالى أعلم بحال الجميع وإليه المصير وعند الله تجتمع الخصوم‏"[18].

 ثمّ عقّب ذلك بنقل كلام من كتاب يعرف بكتاب النّديم، ونقل منه ما يؤيّد ما ذهب إليه من عدم سمّ الإمام الرّضا× على يد المأمون، فقال:

 "وَرَأَيْتُ فِي كِتَابٍ يُعْرَفُ بِكِتَابِ النَّدِيمِ لَمْ يَحْضُرْنِي عِنْدَ جَمْعِ هَذَا الْكِتَابِ: أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ كَتَبُوا إِلَى الْمَأْمُونِ يُسَفِّهُونَ رَأْيَهُ فِي تَوَلِّيهِ الرِّضَا× الْعَهْدَ بَعْدَهُ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهُمْ إِلَى بَنِي عَلِيٍّ× وَيُبَالِغُونَ فِي تَخْطِئَتِهِ وَسُوءِ رَأْيِهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ جَوَاباً غَلِيظاً سَبَّهُمْ فِيهِ وَنَالَ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ وَقَالَ فِيهِمُ الْقَبَائِحَ، وَقَالَ مِنْ جُمْلَةِ مَا قَالَ: وَبَقِيَ عَلَى خاطِرِي أَنْتُمْ نُطَفُ السُّكَارَى فِي أَرْحَامِ الْقِيَانِ... إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَذَكَرَ الرِّضَا× وَنَبَّهَ عَلَى فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ وَشَرَفِ نَفْسِهِ وَبَيْتِهِ"[19].

 وهذا وأمثاله ممّا يَنْفِي عن المأمون الإقدام على إزهاق تلك النّفس الطّاهرة والسّعي فيما يوجب خسران الدّنيا والآخرة، والله أعلم.

 ثمّ إنّ العلّامة المجلسيّ& تعرّض لهذا الكلام بالنّقض والرّدّ ببيان ذكره في بحار الأنوار تحت عنوان تذييل:

 [تذييل‏:

 اعلم أنّ أصحابنا والمخالفين اختلفوا أنّ الرّضا× هل مات حتف‏ أنفه‏ أو مضى شهيداً بالسَمّ؟

 وعلى الأخير هل سمّه المأمونr أو غيره‏.

 والأشهر بيننا أنّه× مضى شهيداً بسمّ المأمون.

 وينسب إلى السّيّد عليّ بن طاووس أنّه أنكر ذلك.

 وكذا أنكره الإربليّ في كشف الغمّة، ورَدَّ ما ذكره المفيد بوجوه سخيفة، حيث قال بعد إيراد كلام المفيد:

 ونقل كلام الإربليّ المتقدّم في كشف الغمّة ثمّ علّق عليه بقوله:

 "ولا يخفى وهنه إذْ الوقيعة في ابني سهل لم يكن للدّنيا حتّى يمنعه عنه الاشتغال بعبادة الله تعالى، بل كان ذلك لما وجب عليه من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ورفع الظّلم عن المسلمين مهما أمكن، وكون خلافة المأمون فاسدة أيضاً لا يمنع منه، كما لا يمنع بطلان خلافة الغاصبين إرشاد أمير المؤمنين إياهم لمصالح المسلمين في الغزوات وغيرها.

 ثمّ إنه ظاهر أنّ نصيحة الأشقياء ووعظهم بمحضر النّاس لا سيّما المدّعين للفضل والخلافة ممّا يثير حقدهم وحسدهم وغيظهم، مع أنّهr كان أوّل أمره مبنيّاً على الحيلة والخديعة لإطفاء نائرة الفتن الحادثة من خروج الأشراف والسّادة من العلويّين في الأطراف فلما استقرّ أمره أظهر كيده.

 فالحقُّ ما اختاره الصدوق والمفيد وغيرهما من أجلّة أصحابنا أنّه× مضى شهيداً بسمّ المأمون اللعين عليه اللعنة وعلى سائر الغاصبين والظّالمين أبد الآبدين"[20].

 خصوصية الإمام الرّضا×

 * ما هي الخصوصية الّتي اختصّ بها الإمام الرّضا×، من بين المعصومين^ الّتي جعلت زيارته توازي أو قد تفضل على زيارة سيّد الشّهداء الإمام الحسين×؟

 السّؤال عن الخصوصيّة إنْ كان المراد هو علّة الحكم، فهذا مرتبط بملاكات الأحكام وعللها، وهذا الأمر لا يعلمه إلّا الله سبحانه أو من أطلعه الله على ذلك، وإن كان عن الحكمة من ذلك، فيمكن أن نحوم حول الحمى ونحتمل عدّة احتمالات، كما سوف ننقل ذلك عن بعض شرّاح الحديث، أمثال العلّامة المجلسيّ&.

 نعم توجد رواية عن الإمام الجواد× في هذا الشّأن بالخصوص، حيث سُئِل× أيهما أفضل زيارة أبيك الرضا× أو زيارة الحسين بن علي×؟

 وهذه الرّواية قد رواها الشّيخ الكلينيّ& بإسناد معتبر عن عليّ بن مهزيار قال: قلت لأبي جعفر×: "جُعِلْتُ فِدَاكَ زِيَارَةُ الرِّضَا× أَفْضَلُ أَمْ زِيَارَةُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ×؟

 فَقَالَ: >زِيَارَةُ أَبِي‏ أَفْضَلُ‏؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الله× يَزُورُهُ كُلُّ النَّاسِ وَأَبِي لَا يَزُورُهُ إِلَّا الخَوَاصُّ مِنَ الشِّيعَة< ورواها عن الكلينيّ ابن قولويه في كامل الزّيارات، والشّيخ الطّوسيّ في التّهذيب[21].

 فإن فُهِمَ واستُظْهِرَ من قوله >وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَبْدِ الله× يَزُورُهُ كُلُّ النَّاسِ وَأَبِي لَا يَزُورُهُ إِلَّا الخَوَاصُّ مِنَ الشِّيعَة< عموم التّعليل -كما استظهره بعض الأعلام-[22] فيقال بأفضليّة زيارة الرّضا على زيارة الحسين‘ مطلقاً. وإلّا فيقال: باختصاص الأفضليّة بذلك الزّمان الّذي صدر فيه النّص، كما احتمل ذلك العلّامة المجلسيّ في شَرْحَيْهِ على التّهذيب والكافيّ، فذكر أكثر من احتمال، حيث قال في كتابه ملاذ الأخيار:

 "لعلّ هذا كان مختصّاً بذلك الزّمان، فإنَّ الشّيعة كانوا لا يرغبون في زيارته× إلّا الخواصّ منهم الّذين يعرفون فضل زيارته. فعلى هذا التّعليل في كلّ زمان يكون إمام من الأئمّة أقلّ زائراً يكون ثواب زيارته أكثر.

 أو المعنى: أنّ المخالفين أيضاً يزورون الحسين×، ولا يزور الرّضا× إلّا الخواّص وهم الشّيعة، فتكون >من< بيانيّة.

 أو المعنى: أنّ من فرق الشّيعة لا يزوره إلّا من كان قائلًا بإمامة جميع الأئمّة^، فإنّ من قال بالرّضا× لا يتوقّف في من بعده، والمذاهب النّادرة الّتي حدثت بعده زالت بأسرع زمان ولم يبق لها أثر.

 فالوجه في التّعليل: إمّا قلّة الزّائرين أيضاً، أو أنّ حضور المخالفين يصير سبباً لقلّة فضل الزّيارة، كما يومي إليه التّعليل المتقدّم في نظره تعالى إلى زوّار الحسين× قبل نظره إلى أهل الموقف"[23].

 وقال في كتابه مرآة العقول، الّذي هو شرح للكافي ما نصّه: "لا يبعد اختصاص هذا بذلك الزّمان؛ فإنّ الشّيعة كانوا لا يرغبون في زيارته× إلّا الخواصّ منهم الّذين يعرفون فضل زيارته، فعلى هذا كلّ إمام يكون في زمان من الأزمنة أقلّ زائراً يكون ثواب زيارته أكثر، أو المعنى أنّ المخالفين أيضاً يزورون الحسين× ولا يزورون الرّضا× إلّا الخواصّ الّذين هم الشّيعة بأن تكون >من< بيانيّة، أو لا يزوره إلّا خواصّهم فإنّ من قال بإمامته× قال بإمامة سائرهم^<[24].

 وأما بالنّسبة إلى أهمّيّة زيارة الإمام الرّضا×، وعناية الأئمّة بزيارته× بالخصوص؛ فإنّ ذلك يتجلّى من خلال الرّوايات الكثيرة الواردة عن الأئمّة المعصومين^ في الحثّ على زيارته×.

 فقد روي في فضل زيارته عن أبيه الكاظم‘ >من زاره كمن زار الله في عرشه< هذا المعنى والمضمون المعروف اشتهاره في زيارة الحسين×.

 فقد روى الشّيخ الكلينيّ& بإسناده عن يحيى بن سليمان المازِنيّ، عن أبي الحسن موسى× قال: >مَنْ زَارَ قَبْرَ وَلَدِي عَلِيٍّ كَانَ لَهُ عِنْدَ الله كَسَبْعِينَ حَجَّةً مَبْرُورَةً.

 قَالَ قُلْتُ: سَبْعِينَ حَجَّةً!

 قَالَ: >نَعَمْ، وَسَبْعِينَ أَلْفَ حَجَّةٍ<.

 قَالَ قُلْتُ: سَبْعِينَ أَلْفَ حَجَّةٍ!

 قَالَ: >رُبَّ حَجَّةٍ لَا تُقْبَلُ.

 مَنْ زَارَهُ وَبَاتَ عِنْدَهُ لَيْلَةً كَانَ كَمَنْ زَارَ الله فِي عَرْشِهِ.

 قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كَانَ عَلَى عَرْشِ الرَّحْمَنِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْآخِرِينَ، فَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الْأَوَّلِينَ: فَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى×، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ مِنَ الْآخِرِينَ: فَمُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُمَدُّ الْمِضْمَارُ، فَيَقْعُدُ مَعَنَا مَنْ زَارَ قُبُورَ الْأَئِمَّةِ×، إِلَّا أَنَّ أَعْلَاهُمْ دَرَجَةً وَأَقْرَبَهُمْ حَبْوَةً زُوَّارُ قَبْرِ وَلَدِي عَلِيٍّ×<[25].

 ويمكن أن يقال: الظّاهر -احتمالاً لا جزماً؛ لعدم علمنا بملاكات الأحكام- أنَّ فترة الإمام الرّضا× كانت فترة مفصليّة، فإمّا أنْ يبقى التّشيّع أو لا يبقى، كما كانت نهضة سيّد الشّهداء الإمام الحسين× في فترة مفصليّة، فيمكن أنْ تكون مرحلة الإمام الرّضا× شبيهة بمرحلة الإمام الحسين× من هذه الجهة؛ باعتبار أنّ هناك أخطاراً واجهت التّشيّع داخليّاً من قبل الواقفة، وأخطاراً من الخارج، وهي قوّة ودهاء ومكر المأمون.

 فإنّ هذه الأخطار وغيرها من شأنها أن تكون معول هدم تدمّر الدّين وتقضي على التّشيّع.

 فيمكن أنْ تكون أهمّيّة زيارة الإمام الرّضا× لهذه الخصوصيات وغيرها.

 فيكون التّركيز على زيارته×، لأنّه يربط هذه الحلقة في سلسلة الإمامة، ما قبل إمامة الإمام الرّضا× بما بعدها، ويقطع الطّريق على تيار الوقف الّذي قد يضلّ النّاس بسبب هذا الانحراف عن خطّ الإمامة، وإذا ما انتشر مكر المأمون وانطلت على النّاس خططه وحيله، فإنّه تنقطع حركة الإمامة، فالإمام× استطاع في هذه الفترة الحرجة أن يبطل تلك المخطّطات من الدّاخل والخارج، لتستمرّ حركة الإمامة في الأئمّة الّذين جاؤوا من بعده، ولذلك ورد التّأكيد على زيارته.

 ويبقى ما ذكرناه هنا تحليلاً؛ إذ إنّنا لا نعرف ملاكات الأحكام.

 كتاب الفقه الرّضويّ

 * هل أنّ كتاب الفقه الرّضويّ المنسوب للإمام الرّضا× هو معتبر عند العلماء، بحيث تُبْنَى على رواياته الأحكام؟

 أصل الكتاب مختلف في اعتباره وعدمه، بقطع النّظر عن كونه عن الإمام الرّضا× أو عن غيره، فبعضهم قال باعتباره وعدّه من مصادر الحديث، وبعضهم قال بعدم اعتباره.

 ومن قال باعتباره انقسموا إلى أقسام في درجة الاعتبار.

 وأما بالنّسبة إلى نسبته إلى الإمام الرّضا× أو لغيره أو هو مشترك فكذلك انقسموا إلى أقوال.

 المشهور عند المحقّقين من الأعلام عدم ثبوت نسبته إلى الإمام الرّضا×.

 وقد كُتِبت في تحقيق الحال في هذا الكتاب عدّة رسائل إمّا منفردة أو مدرجة ضمن كتاب.

 ومِنْ أجود مَنْ استقصى الأقوال والوجوه في شأن هذا الكتاب ما ذكره المحدث النّوري& في كتابه خاتمة المستدرك:

 "فقه‏ الرضا×: وقف عليه الأصحاب في عصر المجلسيّين، واختلفوا في صحّته، واعتباره، وحجّيته غاية الاختلاف، وصار معركة لآراء الناظرين، وإنكار المتبحّرين النقّادين: فبَيْن من صحّحه وجعله حجّة، ومن عدّه من الضّعاف المفتقرة إلى جابر ذي قوة، وثالث أخرجه من صنوف الأخبار، وأدرجه في مؤلّفات أصحابنا الأخيار.

 ولهم في تحقيق الحقّ كلمات في رسائل منفردة، وغير منفردة، ونحن نلخّص ما ذكروه، ونذكر ما عندنا ممّا يؤيّده أو يشينه، فنقول للأصحاب: فيه أقوال:

 الأوّل: القول بالحجيّة والاعتماد.

 ذهب إليه العلّامة المجلسيّ، ووالده المعظّم+...الخ".

 ثمّ نقل كلام العلّامة المجلسيّ في بحار الأنوار، ولم ننقله رعاية للاختصار.

 إلى أنّ قال:

 "الثّاني: عدم الاعتبار، لعدم كونه منه×، وجهالة مؤلّفه.

 ذهب إليه صاحب الوسائل، وتقدم أنّه عدّه من الكتب المجهولة، وجماعة من الفقهاء، كالسيّد السّند الجليل صاحب تحفة الأبرار. والمحقّق صاحب الفصول... وبعض السّادة الأجلاء من العلماء المعاصرين= وقد كتب في عدم حجّيّته ما هو كرسالة مستقلة".

 ثمّ نقل كلام صاحب الفصول‏.

 ومراده من بعض السّادة الأجلّاء السّيّد الخونساريّ.

 إلى أن قال:

 "الثّالث: أنّه مندرج تحت الأخبار القويّة، الّتي يحتاج التّمسّك بها إلى عدم وجود معارض أقوى منها، أو انجبارها بالشّهرة ونحوها، حسب اختلاف الأنظار في مراتب القوّة الحاصلة له بملاحظة القرائن الّتي ذكروها، من الشّدّة الى ما يقرّب الاطمئنان بصدوره، والضّعف إلى حدّ يدخله في سلك الضّعفاء...".

 وهذا القول نسبه إلى صاحب المفاتيح، ابن صاحب الرّياض، المعروف بالسّيّد السّند، وكذلك نسبه إلى الشّيخ الأعظم الأنصاري.

 إلى أن قال:

 "الرّابع: انّه بعينه رسالة عليّ بن بابويه إلى ولده الصّدوق، وهو المعروف بشرائعه...".

 ونقل عن صاحب رياض العلماء بأنّ هذا الكتاب هو بعينه رسالة ابن بابويه إلى ولده الصّدوق.

 ثمّ ذكر ملخّص هذه الأقوال الأربعة وذكر ما يعتقده في هذا الكتاب، حيث قال ما نصّه:

 "وملخّص هذه الأقوال: إنّ هذا الكتاب للرّضا× تأليفا، أو إملاء، أم لا؟ وعلى الثّاني هل هو داخل في جملة الأخبار القويّة أو الضّعاف، أو لا؟ وعلى الثّاني هل يعرف مؤلّفه أم لا؟ ذهب إلى كلّ واحد منها ذاهب، على حسب اختلافهم في الكثرة والقلّة، والّذي أعتقده أنّ إملاء بعض الكتاب منه×، والباقي لأحمد بن محمّد بن عيسى الأشعريّ، وهو داخل في نوادره...".

 إلى أن قال:

 "الخامس: ما في رياض العلماء، وتذكرة الشّعراء، في ترجمة ناصر خسرو، الحكيم الشّاعر المعروف، المدّعي انتهاء نسبه إلى الرّضا×، هكذا: ناصر بن خسرو بن حارث بن عليّ بن حسن بن محمّد بن عليّ بن موسى الرضا‘... إلى أن قال: وكتاب الشّامل، الّذي صنّفه جدّي عليّ بن موسى الرّضا‘... إلى أن قال: وقرأت نسخاً كثيرة من كتب الفقه، والأخبار المتداولة، انتهى.

 قال في الرّياض -بعد نقل تمام الرّسالة- ثمّ أقول: مراده من الكتاب الشّامل -الّذي نسبه نفسه إلى جدّه الرّضا×- على الظّاهر في الفقه، ليس إلّا كتاب الفقه الرّضويّ المشهور، كما قيل...".

 إلى أن قال:

 "السّادس: إنّ هذا الكتاب إمّا للإمام× تأليفاً أو إملاء، أو موضوع اختلقه بعض الواضعين، ولا ثالث لهما، فإنْ بطل الثّاني تعيّن الأوّل.

 بيان ذلك: أنّ فيه ما لا ينبغي صدوره إلّا من الحجج^، وما هو كالصّريح في أنّه منه×، وهو أمور...".

 ثمّ ذكر أحد عشر مورداً ممّا فيه دلالة عن كون الكتاب ليس صادراً عن المعصوم.

 ثمّ حاول نفي دعوى الوضع عن الكتاب بقوله:

 "ثمّ أنّه بعد ظهور ما نقلناه، أو صراحته في كون الكتاب من تأليفه أو إملائه×، يدور الأمر بين كونه منه فهو المطلوب، أو كونه موضوعاً. واحتمال الوضع فيه بعيد، لما يلوح عليه من حقيقة الصّدق والحقّ، ولأنّ ما اشتمل عليه من الأصول والفروع والأخلاق أكثرها مطابق لمذهب الإماميّة، وما صحّ عن الأئمّة^، ولا يخفى أنّه لا داعي للوضع في مثل ذلك، فإنّ غرض الواضعين تزييف الحقّ وترويج الباطل، والغالب وقوعه من الغلاة والمفوّضة، والكتاب خال عمّا يوهم ذلك...".

 ثمّ ذكر موافقة السّيّد الخونساريّ لما استظهره من كون الكتاب ليس موضوعاً.

 إلى أن قال:

 "السّابع من القرائن: ما ذكره بعضهم من مناسبته لما ورد في مواضع عديدة من كتب الرّجال، من كون الرّاوي ممّن له مسائل عن الرّضا×، أو ممّن له كتاب عن الرّضا×، أو صاحب كتاب الرضا×، وقد تقدّم كلام الشّيخ منتجب الدّين...".

 ثم ذكر مجموعة من القرائن من بعض التّراجم في رجال النّجاشيّ وفهرست الشّيخ، ما فيها دلالة على كون الكتاب للإمام الرّضا×.

 إلى أن قال:

 "الثّامن: ما ذكره بعضهم من موافقة أكثر فتاويه لفتاوي الصّدوقين، والمفيد، في رسالة الشّرائع، والمقنع، والمقنعة، وشدّة قربه من الرّسالة، فإنّ أكثر عباراته عباراتها، بل ظنّ بعضهم أنّه هو بعينه رسالة الشّرائع...".

 ثمّ ذكر ما يؤيد ذلك عن صاحب الفصول، واعتراضه عليه.

 إلى أن قال:

 "التّاسع: ما ذكره في الفصول أيضاً قال: وأيضاً مأخذ جملة من فتاوى القدماء، الّتي لا دليل عليها ظاهراً موجود فيه، فيظهر أنّه كان مرجعهم في‏ تلك الفتاوى، ومستندهم فيها، فيسقط عنهم ما أورده المتأخّرون عليهم من عدم الدليل عليها.

 وردّه بما احتمله سابقا في عبائر الصّدوقين، الغير المنافي للظّهور المذكور...".

 إلى أن قال:

 "هذا، واحتجّ أرباب القول الثّاني بوجوه من الاستبعاد، وقرائن تدلّ على عدم كونه من تأليفاته×‏"[26].

 وذكر سبعة وجوه احتجّ بها القائلون بعدم حجّية الكتاب وعدم كونه من تأليف الإمام×، وناقشها.

 ويظهر منه أن يتبنّى القول الأوّل القائل بحجّيّة الكتاب.

 فالنّتيجة أنّ المحدّث النّوريّ& ذكر تسعة أقوال وتبنّى القول الأوّل منها، كما يظهر من كلامه.

 وهناك من قال ـ مضافاً إلى الأقوال التّسعة ـ بقول عاشر، وهو أنّ كتاب فقه الرّضا، هو كتاب التّكليف للشّلمغانيّ، وهو محمّد بن علي الشّلمغانيّ، المعروف بابن أبي العزاقر. كما نسب ذلك إلى السّيّد حسن الصّدر في رسالة فصل القضاء[27].

 منهج المعصومين^ في مجابهة الظّالمين

 * ما هو أسلوب ومنهج أهل البيت^ في مواجهة الظّالمين، وكيف جابههم الإمام الرّضا×؟

 عندنا أصلان ومبدءان:

 الأوّل: لا يجوز الرّكون إلى الظّالم.

 والثّاني: مبدأ التّقيّة.

 فهذان المبدءان ينبغي أنْ نأخذهما بعين الاعتبار في معرفة تعامل الأئمّة مع الحكام الظّالمين، فجانب التّقيّة يختلف بحسب الظّروف، فتارة الإمام لأجل ظرف التّقيّة يسكت، وتارة يرتفع جانب التّقيّة فيتكلّم ويجابه، فبالنّظر إلى هذين العنصرين الأساسيّين، والإمام لا يمكن أنْ يركن إلى الظّالم، فإذا وجدنا مفردة أنْ الإمام ـ بحسب الظّاهر ـ ركن لهم، فهو ليس ركوناً للظّالم، وإنّما لظرف التّقيّة.

 ومن جهة أساسيّة في تصرّفات الأئمة^ لدينا أصل لا يختلف فيه اثنان، وهو أنّ الإمام المعصوم المفترض الطّاعة لا يمكن أنْ يصدر منه الخطأ.

 فإذا رأينا بعض التّصرّفات من الإمام ولم نتمكّن أن نعرف كنهها وسببها، فلا يجوز لنا أنّ ننسب الخطأ للإمام، وإنّما نقول نحن لم نعرف كنه ذلك التّصرّف من الإمام، ووظيفتنا حينئذٍ هي التّسليم، وليس لنا أنّ نحاكم الإمام× على بعض التّصرّفات الّتي لم نتمكّن ـ لقصور عقولنا ـ من فهم حقيقتها، الّتي قد تبدو لنا أنّها تصرّفات غير صحيحة.

 وشواهد ذلك متعدّدة في حياة الأئمّة^.

 منها: ما تقدّم ذكره من قبول الإمام الرّضا× لولاية العهد من قبل المأمون، الّذي ألجأ الإمام× أن يبيّن لمن سأله سبب ذلك.

 ومنها: ما ذكر في القضيّة المعروفة بصلح الإمام الحسن× مع معاويةr، حيث حصلت بعض الاعتراضات حتّى من المقرّبين من الإمام، وما ذلك إلّا لعدم معرفة النّاس به معرفة صحيحة.

 فلاحظ ما رواه الشّيخ الصّدوق& في كتابه العلل، بإسناده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَقِيصَا، قَالَ: "قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَ دَاهَنْتَ مُعَاوِيَةَ وَصَالَحْتَهُ؛ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْحَقَّ لَـكَ دُونَهُ وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ ضَالٌّ بَاغٍ!

 فَقَالَ: >يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَلَسْتُ حُجَّةَ الله تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَإِمَاماً عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَبِي×<؟

 قُلْتُ: بَلَى.

 قَالَ: >أَلَسْتُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ الله| لِي وَلِأَخِي: الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا<؟

 قُلْتُ: بَلَى.

 قَالَ: >فَأَنَا إِذَنْ إِمَامٌ لَوْ قُمْتُ وَأَنَا إِمَامٌ إِذْ لَوْ قَعَدْتُ[28].

 يَا أَبَا سَعِيدٍ، عِلَّةُ مُصَالَحَتِي لِمُعَاوِيَةَ عِلَّةُ مُصَالَحَةِ رَسُولِ الله| لِبَنِي ضَمْرَةَ وَبَنِي أَشْجَعَ وَلِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، أُولَئِكَ كُفَّارٌ بِالتَّنْزِيلِ وَمُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ كُفَّارٌ بِالتَّأْوِيلِ.

 يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِذَا كُنْتُ إِمَاماً مِنْ قِبَلِ الله تَعَالَى ذِكْرُهُ، لَمْ يَجِبْ أَنْ يُسَفَّهَ‏ رَأْيِي‏ فِيمَا أَتَيْتُهُ مِنْ مُهَادَنَةٍ أَوْ مُحَارَبَةٍ، وَإِنْ كَانَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَيْتُهُ مُلْتَبِساً.

 أَلَا تَرَى الخَضِرَ× لمَّا خَرَقَ السَّفِينَةَ وَقَتَلَ الْغُلَامَ وَأَقَامَ الْجِدَارَ سَخِطَ مُوسَى× فِعْلَهُ؛ لِاشْتِبَاهِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ فَرَضِيَ.

 هَكَذَا أَنَا سَخِطْتُمْ عَلَيَّ بِجَهْلِكُمْ بِوَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ، وَلَوْ لَا مَا أَتَيْتُ؛ لَمَا تُرِكَ مِنْ شِيعَتِنَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ<"[29].

 وغيره من النّصوص المتفرّقة يجدها المتتبّع في حياة الأئمّة المعصومين^.

 * هل المجابهة هي الأصل أو التّقيّة هي الأصل؟

 لا يوجد أصل ثابت في كل الأحوال، فلا التّقيّة دائمة ولا المجابهة دائمة، واتّضح من جواب السّؤال السّابق وضوح ذلك.

 وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ بعضهم يخلط في مسألة التّقيّة، ويقول: بأنَّ كلّ شيء عندنا واضح عند العامّة والمخالفين، فلا مكان للتّقيّة فيه، فموضوع التّقيّة ارتفع.

 وهذا اشتباه واضح، إنْ لم يكن عن عناد، ومن يقول ذلك لم يتّضح لديه موضوع التّقيّة المستفاد من الآيات والرّوايات؛ فإنَّ موضوع التّقيّة: الخطر على نفس شخص المؤمن أو على عرضه أو ماله، أو على نفس مؤمن آخر أو عرضه أو ماله، هذا هو موضوع التّقيّة، فمتى ما وُجِدَ هذا الخطر تحقّق موضوع التّقيّة، وتمام تفصيل ذلك موكول إلى محلّه في البحوث الفقهيّة.

 فقد يخالف الإمام مبدأ التّقيّة، كما إذا حصل تزاحم، كما إذا دار الأمر بين إمّا أن يحفظ الدّين وبين أن يُقتل مؤمناً، ولا شكّ أنَّ حفظ الدّين أهم، وتشخيص الأهمّ على المهمّ، أو المهمّ على غير المهمّ إنّما هو للمعصوم بالمرتبة الأولى، ثمّ للفقيه الجامع للشّرائط.

 فمن خلال هذين العنصرين (عدم الرّكون إلى الظّالم مع مبدأ التّقيّة) تدور الحركة في تصرّف الإمام، وهو العالم وهو من يشخّص، وليس لنا حقّ أن نحاكم الإمام أو ننتقد الإمام في أيّ تصرف يقوم به؛ باعتبار أنّه إمام معصوم ولا يتصوّر في حقّه الخطأ والاشتباه.

 نعم هناك من هم ضعاف العقيدة في ذلك الزّمان، وكذلك في هذا الزّمان، حيث يُطلقون لأنفسهم العنان بانتقاد بعض تصرّفات الإمام الّتي لا تكون واضحة لهم.

 ولذا نرى بعض الأقلام تضع تصرّفات وأفعال الإمام تحت دائرة النّقد والملامة، وأنّه إذا صدر من الإمام ما يخالف فكرَه المعوجّ فله حقّ الاعتراض والانتقاد والملاحظة!

 وهذا اشتباه كبير كان موجوداً من زمن الأئمّة^ بل كان من زمن النّبيّ|، وإلى يومنا هذا.

 ألم يعترض بعضُ الصّحابة على النّبي| على بعض أفعاله؟ وكذلك زمن أمير المؤمنين×، وكذلك زمن الحسن× بل هناك من المقربين للإمام الحسن× قد اعترض عليه، والحال أنّ الإمام الحسن× إمام مفترض الطّاعة فليس لهم أنْ يعترضوا عليه في مسألة الصّلح، ولا أن يعترضوا على الإمام الرّضا× في مسألة ولاية العهد، كما تقدّم ذكر ذلك.

 وهذا كلّه بسبب ضعف معرفتهم بمقام الإمامة.

 فكلّ إمام وظرفه، فما يشخّصه ويتصرّف على طبقه هو الصّحيح، فلو كان الإمام الحسن العسكريّ× مكان الإمام الحسين× لقام بنفس الدّور الّذي قام به الإمام الحسين×، ولو كان الإمام الحسين× مكان الإمام الرّضا× لقام بما قام به الإمام الرّضا×، وهذه هي عقيدتنا في الأئمّة^.

 والحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على سيّدّنا محمّد وآله الطّيّبين الطّاهرين.

 * نشكركم سماحة الشّيخ على قبول هذه الدّعوة وجزاكم الله خير الجزاء ونسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتكم.

 بارك الله بكم، تابعتُ بداية تأسيس مجلّتكم المباركة، وأنّها لتنشيط الأقلام في الجالية البحرانيّة، واستخراج مكنون الأفكار الّتي تبقى حبيسة الذّهن لولا ذلك، فبالكتابة تخرج من الذّهن، وهذه الفكرة جدّاً ممتازة، ومن طرق نشر العلم ما تفعلونه، فكلٌّ لديه أفكار حاصلة من مطالعات وتدريسات وكتابات، فإذا لم تخرج من القوّة إلى الفعل تبقى في الذّهن، بل قد تذهب وتضمحلّ شيئاً فشيئاً مع مرور الزّمن.

 أشدُّ على أيدي القائمين عليها، وأقول لهم: استخرجوا الطّاقات الفكريّة الكامنة في الجالية، فإنّها لا تنقص عن غيرها، ولا نكون فقط مستهلكين لأفكار الآخرين، كما هو حال بعض الشّعوب فقط مستهلِكة ولا تفكر، فالمنطقة فيها طاقات فكريّة كبيرة، وتاريخ المنطقة يشهد بذلك في مختلف المجالات وعلى مختلف العصور ومرور الدّهور، فلا نكون عالة فكريّة على الآخرين فإنّ ذلك غير صحيح، ومن هذه المشاريع تبرز هذه الطّاقات ونسجّل رقماً في السّاحة الفكريّة.

 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

ـــــــــــــــــــــــ

[1] سماحة الشيخ يوسف أحمد السلطان، ولد في الأحساء بقرية الرّميلة، والتحق بحوزة قم في سنة 1414ﻫ، وواصل دراسته بجدّ حتى وصل للبحث الخارج وحضر عند كلّ من:

 1ـ آية الله العظمى الشيخ جواد التبريزي.

 2ـ آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني.

 3ـ آية الله الشيخ باقر الأيرواني.

 4ـ آية الله الشيخ حسين نجاتي.

 وهو مستمر حالياً في تدريس السطح العالي في حوزة قم، وقد صدر له مجموعة مؤلّفات وتقريرات لأساتذته، منها:

 1ـ البشارة في كتاب الإجارة، تقريراً لدروس الشيخ الأيرواني.

 2ـ فقه البنوك، تقريراً لدروس الشيخ الأيرواني.

 3ـ شرح الخطبة الفدكية.

 وغيرها من الكتب، بالإضافة إلى تحقيق بعض المخطوطات المرتبطة بشروح زيارة عاشوراء.

 [2] فروع الكافي، الكليني، ج4، ص576، باب زيارة قبر الحسين×، ح2.

 [3] من لا يحضره الفقيه، ج‏2، ص 615.

 [4] أصول الكافي، الكليني، ج1، ص179، باب أن الأرض لا تخلو من حُجّة، ح10.

 [5] بحار الأنوار، المجلسي، ج43، ص344.

 [6] دلائل الإمامة، ص309، ورواه المفيد في الإرشاد، ص297، والخطيب في تاريخ بغداد، ج13، ص28، والطّبرسي ّفي إعلام الورى، ص306، والذّهبيّ في سير أعلام النّبلاء، ج6، ص271.

 [7] رجال الكشّيّ -اختيار معرفة الرّجال، ص455 / 871.

 [8] رجال الكشّيّ -اختيار معرفة الرّجال، ص444 / 833.

 [9] رجال الكشّيّ، ص528 / 1012.

 [10] الخرائج والجرائح، الراوندي، ج1، ص439، الباب 12 في معجزات الإمام الحسن بن علي العسكري×، وعنه في بحار الأنوار، المجلسي، ج50، ص269، ح34.

 [11] عيون أخبار الرّضا×، الصدوق، ج2، ص212.

 [12] عيون أخبار الرّضا×، الصدوق، ج2، ص139.

 [13] عيون أخبار الرّضا×، الصدوق.

 [14] نفس المصدر، ج2، ص139.

 [15] عيون أخبار الرّضا×، الصدوق، ج2، ص226.

 [16] الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، الشيخ المفيد، ج2، ص269.

 [17] كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (ط -القديمة) ، ج2، ص269.

 [18] كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (ط -القديمة)، ج2، ص 280.

 [19] نفس المصدر، ص284.

 [20] بحار الأنوار، المجلسي، ج49، ص311.

 [21] فروع الكافيّ، ج‏4، ص584. كامل الزيّارات، ص306. تهذيب الأحكام، ج‏6، ص84.

 [22] كما هو المعروف عن سيّد الطّائفة الخوئيّ عطر الله تربته في جواب استفتاء.

 [23] ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار، المجلسي، ج‏9، ص216.

 [24] مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، المجلسي، ج ‏18، ص312.

 [25] فروع الكافي، الكليني، ج ‏4، ص585.

 [26] مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، المحدّث النوري، ج ‏19، ص230 -266.

 [27] رسالة فصل القضاء، ص407.

 [28] هكذا في علل الشرائع المطبوع، ولكن في البحار ج44، ص2 عن العلل: >وأنا إمامٌ إذا قعدت<.

 [29] علل الشرائع، ج ‏1، ص210.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا