اعتبار الفصل بين العُمرتين ومقداره وعدمه

اعتبار الفصل بين العُمرتين ومقداره وعدمه

 المقدمة: 

لا شبهة في أصل مشروعية واستحباب تكرار العمرة -كما الحجّ-، والروايات في الدلالة على ذلك بالمباشرة وبغيرها كثيرة جدّاً[1]. 

وإنّما الكلام في اعتبار الفصل بين العمرتين وعدمه، وفي مقدار الفصل على تقدير اعتبار أصل الفصل، ومنشأ الاختلاف في مقدار الفصل -وكذا في أصل الفصل- هو اختلاف الروايات، وبكلّ رواية قائل، وهي على طوائف ثلاث: 

الطائفة الأولى: ما ظاهره عدم مشروعيّة العمرة الثانية في السنّة الواحدة، وهي روايات ثلاث: 

إحداها: صحيحة الحلبيّ عن أبي عبد الله× قال: >العمرة في كلّ سنة مرّة<[2]. والثانية والثالثة: صحيحة حريز وزرارة بن أعين عن أبي عبد الله×، وعن أبي جعفر× قال: >لا يكون عمرتان في سنة<[3]. 

وهذه الروايات وإن كانت صحيحة السّند، إلا أنّها من متفرّدات الشيخ& في التهذيبين[4]، وقد حملها على عمرة التمتّع. 

وقد نسب العلامة+ في المختلف القول باعتبار تغاير السنّة إلى العماني&[5]، وحكى عنه قوله: "قد تأوّل بعض الشيعة هذا الخبر على معنى الخصوص، فزعمت أنّها في المتمتّع خاصّة، فأمّا غيره فله أن يعتمر في أيّ الشهور شاء وكم شاء من العمرة، فإن يكن ما تأوّلوه موجوداً في التوقيف عن السادة آل الرسول^ فمأخوذ به، وإن كان غير ذلك من جهة الاجتهاد والظنّ فذلك مردود عليهم، وراجع في ذلك كلّه إلى ما قالته الأئمة^"[6]، وهذا النّقل بمجرّده غير صريح فيما نسب إليه. 

وعلى كلّ تقدير فهذه الروايات من غير تأويل ممّا يقطع ببطلان مضمونها بالروايات المتضافرة والمستفيضة الآتية النّاصّة على أنّ لكلّ شهرٍ عمرة، بل قد ادّعي تواترها إجمالا[7]، وكذا بالسيرة العمليّة القطعيّة من المسلمين على تكرارها في السنّة الواحدة، وفي رواية ابن أبي حمزة الآتية: "لقد كان في عامي هذه السنّة ست عُمَر، قلت: ولِمَ ذاك؟ قال: كنت مع محمّد بن إبراهيم بالطائف، وكان كلّما دخل دخلت معه". 

الطائفة الثانية: ما استفاض من أنّ لكلّ شهرٍ عمرة، وهي جملة وافرة من الروايات، وأكثرها صحاح. 

أولاها: صحيحة عبد الرحمان بن الحجّاج عن أبي عبد الله× قال: >في كتاب عليّ× في كلّ شهرٍ عمرة<[8]. 

والثانية: صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله× قال: >كان عليّ× يقول: لكلّ شهر عمرة< [9]. 

والثالثة:صحيحة يونس بن يعقوب وموثّقته قال: سمعت أبا عبد الله× يقول: >كان عليّ× يقول: لكلّ (في كلّ) شهر عمرة< [10]. 

والرابعة: صحيحة إسحاق بن عمّار قال: قال أبو عبد الله×: >السنة اثنا عشر شهراً، يُعتَمر لكلّ شهرٍ عمرة< [11]. 

وقد نقلها في الجواهر مذيّلة بذيل رواية ابن أبي حمزة -المرويّة في الفقيه-[12]، ولكن لا وجود لروايةٍ بهذه الصورة فيما بأيدينا من مصادر، ولعلّ منشأ الاشتباه توالي الروايتين في الوسائل، فتمّ التلفيق بين صحيحة إسحاق وبين ذيل رواية البطائنيّ، والعصمة لأهلها. 

ومن روايات هذه الطائفة صحيحة إسحاق بن عمّار الآتية. 

ويؤيّد هذه الصحاح رواية قُرب الإسناد للحميريّ بسنده الصحيح عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا× أنّه قال: >لكلّ شهرٍ عمرة<[13]،[14]. 

وقد يناقش في دلالة هذه الطائفة على اعتبار الفصل بين العمرتين بشهر بأنّ المراد من قولهم^: >لكلّ شهرٍ عمرة< -بعد إرادة الشهر الهلاليّ من الشهر- كما يحتمل أن يكون عدم مشروعيّة عمرتين فيما بين الهلالين، وأنّ لكلّ شهر هلاليّ عمرة واحدة على ما فهمه سيّد الأعاظم+[15]، فيكون الفاصل بين العمرتين هو رؤية الهلال الّذي قد ينطبق على ثلاثين يوماً، وقد ينطبق على الأقلّ منه بكثير، بل ربما ينطبق على يوم واحد، كما لو اعتمر في اليوم الأخير من رجب ثمّ اعتمر في اليوم الأوّل من شعبان، فالاعتبار بصدق تعدّد الشهر حتى لو اعتمر في اليوم الأخير من رجب ثم اعتمر في ليلة اليوم الأوّل من شعبان. 

(نعم كما يحتمل ذلك) يحتمل أنّ المراد من قولهم^: >لكلّ شهرٍ عمرة< أنّ العمرة مشروعة في كلّ شهر، فينبغي الإتيان بها في كلّ شهر، وقد يستفاد ذلك من قوله× في صحيحة إسحاق: >يُعتَمر لكلّ شهرٍ عمرة<، ومن صحيحة ابن عمّار الآتية، ولا نظر له إلى الأقل من الشهر، فهو في مقابل ما عليه بعض العامّة من عدم مشروعيّتها لأكثر من مرّة في السنة، قال الشيخ& في الخلاف: "يجوز أن يعتمر في كلّ شهر، بل في كلّ عشرة أيام، وقال أبو حنيفة والشافعيّ: له أن يعتمر ما شاء، وقال مالك: لا يجوز إلا مرّة، وبه قال سعيد بن جبير والنّخعيّ وابن سيرين"[16]. 

ولكن يدفع هذا الاحتمال بعض ما يشهد لاعتبار تغاير الشهر رغم أن مورده فرض فصل عشرة أيام، وهو صحيحة زرارة الآتية. 

الطائفة الثالثة: ما دلّ على كفاية الفصل بعشرة أيام، وهما روايتان، الأولى: ما رواه في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مرّار عن يونس عن عليّ بن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن× عن الرجل يدخل مكّة في السنّة المرّة والمرّتين والأربعة كيف يصنع؟ قال: >إذا دخل فليدخل ملبّياً، وإذا خرج فليخرج محلا، قال: ولكلّ شهرٍ عمرة، فقلت: يكون أقلّ؟ فقال: في كلّ (لكلّ) عشرة أيام عمرة، ثمّ قال: وحقِّك لقد كان في عامي هذه السنّة ست عُمَر، قلت: ولِمَ ذاك؟ قال: كنت مع محمّد بن إبراهيم بالطائف، وكان كلّما دخل دخلت معه<[17]. 

قال الشيخ الحرّ& بعد أن أوردها، ورواه الصدوق بإسناده عن القاسم بن محمّد عن عليّ بن أبي حمزة مثله. إلا أنّ الّذي رواه الصدوق& منها هو صدرها خاصّة[18]. 

كما أنّ الشيخ& رواها في التهذيبين بإسناده عن محمّد بن يعقوب، ولكنّها في الاستبصار-المطبوع- بسنده عن محمد بن يعقوب عن رجل عن عليّ عن أبيه[19]، وقد رواها التهذيب بسنده عن محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم بلا توسط أحد[20]، كما هي في الكافي، بل كلّ روايات الكافي عن عليّ بن إبراهيم إنّما هي بالمباشرة، إذنْ فما في الاستبصار غلط. 

ثمّ في سند الكافي ابن مرّار، ولم يوثّق، وابن أبي حمزة، وهو البطائنيّ المعاند المفتري الفاجر، ولكن يمكن تجاوز كلتا المشكلتين، أمّا ابن مرّار فملخّص الكلام في وثاقته أنّه من رجال نوادر الحكمة، ولم يستثنِ روايته القمّيون -ابن الوليد وابن بابويه وابن نوح-، وبيان الصغرى، وجملة ما يتعلّق بوثاقة ابن مرّار قد تعرّضت لها في أحدى الرسائل[21]، كما أنّ تماميّة كبرى الوثاقة قد تعرّضت لها في ملحق لرسالة أخرى[22]، ولا طائل في الإعادة. 

وأمّا البطائنيّ فإنّه كان ثقة قبل الوقف، وروايته قبله معتبرة، ولكنّه بافترائه الوقف وإصراره عليها عاد كاذباً فاجراً، فما علينا إلا تمييز روايته قبل الوقف عن روايته بعده، ورواية أحد أجلاء الطائفة عنه شاهدٌ على كون الرواية سابقةً على الوقف؛ إذ قد اعتُزلت الواقفة سيّما فجّارها، والبطائنيّ أحدهم، من قبل أجلاء الطائفة ورجالالتها، ورواية المقام قد رواها عنه يونس، فهي قبل الوقف لا محالة، فهي معتبرة. 

وقد نوقشت دلالتها في بعض الكلمات بوجود مثل التهافت فيها، فإنّ المراد من قوله×: >لكلّ شهرٍ عمرة< إن كان أهميّة العمرة واستحبابها، وأنّها بمثابةٍ ينبغي أن يؤتى بها في كلّ شهر-فلا مجال للسؤال بـ: يكون أقلّ؟؛ إذ لا منافاة بين ما قاله الإمام× وبين الأقلّ من الشهر أصلاً؛ فإنّ التحضيض على عدم ترك العمرة في الشهر لا ينافي استحبابها في كلّ يوم، وفي اليوم الواحد متعدّدة، وإن كان المراد من قوله×: >لكلّ شهرٍ عمرة< بيان الضابطة، وأنّ مشروعيّة العمرة منحصرة بصورة فصل الشهر- لزم التهافت؛ لأنّ الحكم باعتبار الفصل بالشهر لا يجتمع مع تجويز الفصل بالأقلّ وبنحو الضابطة، وإلا لزم لغويّة الضابطة الأولى[23]. 

وفيه: أنّه على التقدير الأوّل لمّا لم يكن ثمّة تنافٍ بين مطلوبيّة العمرة في كلّ شهر ومطلوبيّتها في الأقل فإنّ دواعي السؤال مفتوحة، ولو عن رتبةٍ من المطلوبيّة أدنى من الأولى. وأنّه على التقدير الثاني قد كشف جواب الإمام× عن كون ما ذكره أولاً ليس ضابطةً لازمة، ليكون فصل شهر واجباً شرطيّاً لصحّة العمرة الثانية، بل هو -لو صحّ التعبير- ضابطة لرتبة عالية من استحباب العمرة، نعم ما ذكره× أوّلاً ضابطةٌ بالمعنى الأول لو خلّينا وإياه، وبقطع النّظر عن جواب السؤال. فلا يوجد على التقديرين مثل التهافت فضلاً عن نفس التهافت بين قوله×: >لكلّ شهرٍ عمرة< وبين السؤال عن الأقلّ. 

الرواية الثانية: ما رواه في الفقيه بإسناده عن عليّ بن أبي حمزة عن أبي الحسن موسى× قال: >لكل شهر عمرة<، قال: وقلت له: أيكون أقلّ من ذلك؟ قال: >لكلّ عشرة أيام عمرة< [24]. 

ولكنّها ضعيفة؛ فإنّ طريق الصدوق& إلى ابن أبي حمزة وإن كان فيه محمّد بن عليّ ماجيلويه، ولا توثيق له بالخصوص، إلا أنّه ممّن أكثر الصدوق& من الترضّي عنه، بل قلّما يذكره في كتبه من دون ترحّم عليه أو ترضٍّ عنه، والترضّي ليس محض دعاء بل هو تجليل واحترام للمترضّى عنه، فهو على نسق قولهم في حقّ بعض الأموات من العلماء: قدّس سرّه؛ فإنّه للتجليل[25]، ولا حاجة لتوثيق الراوي بعد ثبوت جلالته. 

نعم الرواية ضعيفة من جهة أنّه لم يثبت كون رواية البطائنيّ قبل الوقف؛ فإنّ الراوي لكتابه ولروايته هذه هو أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطيّ، وهو وإن كان أحد أجلاء الطائفة ورجالاتها إلا أنّه قد دخل في الوقف، وإن خرج عنه، فلا طريق لنا لتمييز ما رواه وقف عمّا رواه عنه بعده؛ إذ لعلّه تلقّى كتابه وروايته عنه حين كان هو الآخر واقفيّاً. 

الجمع العرفيّ بين الطائفتين: 

[الجمع الأوّل]: وبعد تماميّة إحدى روايتي الطائفة الثالثة فالكلام في التوفيق بين الطائفتين الأخيرتين، فقد جمع بينهما في الجواهر بأنّ ما دلّ على أنّ لكلّ شهرٍ عمرة لا يدلّ على عدم ذلك في الأقلّ، بل سؤال البطائنيّ عن الأقلّ كالصريح في عدم فهمه من العبارة المزبورة المنع عن غيره، خصوصاً بعد أنّ أقرّه الإمام× على ذلك، وقال: >لكلّ عشرة عمرة<[26]. 

وفيه أنّه لو لم يفهم من قوله×: >لكلّ شهرٍ عمرة< المنع عن غيره لكان ما فهمه هو مجرّد استحبابها في كلّ شهر، ولا وجه معه للسؤال عن الأقلّ من ذلك، فكأنّ السائل فهم من قوله× عدم جواز العمرة في أقلّ من شهر، ورغم ذلك سأله عن الأقلّ منه. 

[الجمع الثاني]: وقد جمع بينهما[27] بأنّ قولهم^: >لكلّ شهر عمرة< -بعد إرادة الشهر الهلاليّ من لفظ الشهر؛ لتبادره، ولقوله× في صدر صحيحة إسحاق: >السنة اثنا عشر شهراً<- وإن كان يدلّ على عدم مشروعيّة أكثر من عمرةٍ في الشهر الواحد، ولكنّ دلالته على ذلك بالإطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان، وهذه الدلالة من أضعف مراتب الدلالات العرفيّة، فتتقدّم عليها سائر المراتب، ولمّا كانت معتبرة البطائنيّ نصّاً في مشروعيّة أكثر من عمرة في الشهر الواحد، فهي بيانٌ ورافع للإطلاق الناشئ من السكوت، فتتقدّم عليه عرفاً، ولا يصل الدور إلى المعارضة بينهما. 

وهذا الجمع صحيح -لو بنينا على أنّ الشهر في معتبرة البطائنيّ هو الهلاليّ-. 

[الجمع الثالث]: ولكن يمكن القول: أوّلاً: إنّ ما دلّ على أنّ لكلّ شهرٍ عمرة وإن فهم منه عدم مشروعيّة العمرتين في الشهر الهلاليّ لا العدديّ، وهو الثلاثون يوماً، إلا أنّ الشهر في معتبرة البطائنيّ وروايته هو العدديّ؛ لظهوره فيه -بعد توسيط إمضاء الإمام× لفهم البطائنيّ-؛ فإنّ السؤال عن مشروعيّة العمرة في الأقلّ من شهر لا يلتئم مع فهم اعتبار تغاير الشهر من >لكلّ شهر عمرة<، وإنّما يتّسق مع فهم اعتبار فصل الشهر العدديّ بين العمرتين، وعليه فيعتبر الفصل بعشرة أيام، ولا يعتبر الفصل بثلاثين يوماً، وإن كان الفصل بها مستحبّاً. 

وثانياً: إنّ ظهور الشهر في روايتَي البطائنيّ في العدديّ لا يوجب التصرّف فيما دلّ على اعتبار تغاير الشهر الهلاليّ -سيّما صحيحة إسحاق بن عمّار- بأن يحمل الشهر فيها على العدديّ، كما أنّ ظهور الشهر فيما دلّ على أنّ >لكلّ شهر عمرة< في الهلاليّ لا يؤذن بالتصرّف في ظهور الشهر في الروايتين في العدديّ، بأن يحمل على الهلاليّ. 

وثالثاً:-وفي ضوء ما تقدّم- يكون لكلّ من الطائفتين إطلاق، ومقتضى إطلاق الروايتين كفاية فصل عشرة أيام بين العمرتين لتُشرع الثانية وإن لم يتغاير شهراهما، ومقتضى إطلاق ما دلّ على أنّ >لكلّ شهر عمرة< كفاية تغاير شهرَي العمرتين وإن لم يفصل بين العمرتين عشرة أيام. 

فنجمع بين الطائفتين بتقييد إطلاق كلّ منهما بالآخر، فكما يعتبر الفصل بعشرة أيام يعتبر تغاير الشهر، ولا يكفي الفصل بين العمرتين بعشرة أيام مع اتحاد شهريهما، ولا يكفي تغاير شهريهما -بأن تكون أُولى العمرتين في آخر الشهر، والثانية في أوّل الشهر اللاحق- من دون فصل عشرة أيام بينهما، هذا. 

وممّا يؤكّد اعتبار تغاير الشهر، بحيث لا يؤذن برفعِ اليد عن اعتباره والاكتفاءِ بفصل عشرة أيام عنه -مضافاً إلى ما تقدّم من ظهور الشهر في قولهم^: >لكلّ شهر عمرة< بحكم التبادر في الشهر الهلاليّ، وبحكم القرينة الخاصّة في صحيحة إسحاق عليه، ولتطبيقه عليه في صحيحته الأخرى قال: سألت أبا الحسن× عن المتمتّع يجيء فيقضي متعة، ثم تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة وإلى ذات عرق أو إلى بعض المعادن، قال: >يرجع إلى مكّة بعمرة إن كان في غير الشهر الّذي تمتّع فيه؛ لأنّ لكلّ شهرٍ عمرة، وهو مرتهن بالحجّ..<[28] (نعم ممّا يؤكّد اعتبار تغاير الشهر مضافاً لذلك)- مستفيضٌ من الروايات دالٌّ على ذلك، وبعضها -وهي الطائفة الثانية- موردها فصل عشرة أيام، وتلكم الروايات على مجموعات: 

المجموعة الأولى: روايات بطلان العمرة المفردة بالجماع قبل السعي فيلزمه قضاء العمرة في الشهر الداخل كصحيحة بريد بن معاوية العجليّ قال: سألت أبا جعفر× عن رجل اعتمر عمرة مفردة فغشي أهله قبل أن يفرغ من طوافه وسعيه، قال: >عليه بَدَنَة؛ لفساد عمرته، وعليه أن يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة<[29]، ومثلها صحيحة مسمع[30]، ومعتبرة أحمد بن أبي عليّ[31]. وأحمدُ هذا -وإن لم يوثّق بالخصوص بل لم يترجَم له- إلا أنّه ممّن روى عنه ابن أبي عمير هذه الرواية، وكبرى وثاقة من روى عنه ابن أبي عمير أو صفوان أو البزنطيّ تامّة على المختار. 

والمسترعي للالتفات اعتبار تغاير الشهر في مورد هذه الروايات رغم التصريح بفساد العمرة، فيعتبر التغاير وإن كانت السابقة فاسدة، فكيف حيث تكون صحيحة؟! 

المجموعة الثانية: روايات العدول بعمرة التمتّع إلى حجّ الإفراد، فيلزم بعده الإتيان بعمرة مفردة في غير شهر المتعة كصحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر× عن الرجل يكون في يوم عرفة، وبينه وبين مكّة ثلاثة أميال، وهو متمتِّع بالعمرة إلى الحجّ، فقال: >يقطع التلبية تلبية المتعة، ويهلّ بالحجّ بالتلبية إذا صلّى الفجر، ويمضي إلى عرفات، فيقف مع الناس، ويقضي جميع المناسك، ويقيم بمكّة حتى يعتمر عمرة المحرّم، ولا شيء عليه<[32]، ونحوها ما في التهذيب قال: وقالوا [أصحابنا وغيرهم] (وقال): قال أبو عبد الله×: >المتمتّع إذا فاتته عمرة المتعة أقام إلى هلال المحرّم واعتمر، فأجزأت عنه مكان عمرة المتعة<[33]. 

والمسترعي للالتفات في هذه الروايات -هي الأخرى- أنّه رغم العدول بعمرة التمتّع إلى حجّ الإفراد إلا أنّه لا تشرع العمرة المفردة إلا في الشهر التالي، وأنّ نفس الإهلال بعمرة التمتّع وإن عدل بها إلى حجّ الإفراد مانع من إنشاء عمرة مفردة في نفس شهرها. 

ومورد هذه المجموعة وإن كان هو فصل عشرة أيام، فيؤكّد اعتبار تغاير الشهر وإن فصلت العشرة، إلا أنّها لا تلغي اعتبار الفصل بالعشرة ما دام المورد هو ذلك. 

المجموعة الثالثة: ما دلّ على أنّ مَنْ جهل فخرج من مكّة -بعد عمرة التمتّع- بغير إحرام للحجّ فلا يشرع له الإحرام للمتعة إن رجع في شهر الأولى، وهي صحيحة حمّاد بن عيسى عن أبي عبد الله× قال: >من دخل مكّة متمتّعاً في أشهر الحجّ لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحجّ، فإن عرضت له حاجة إلى عسفان أو إلى الطائف أو إلى ذات عرق خرج محرماً, ودخل ملبّيا بالحجّ، فلا يزال على إحرامه، فإن رجع إلى مكّة رجع محرماً، ولم يقر بالبيت حتى يخرج مع الناس إلى منى على إحرامه، وإن شاء وجهه ذلك إلى منى<، قلت: "فإن جهل فخرج إلى المدينة أو إلى نحوها بغير إحرام، ثمّ رجع في أبان الحجّ في أشهر الحج، يريد الحجّ، فيدخلها محرماً أو بغير إحرام"؟ قال: >إن رجع في شهره دخل بغير إحرام، وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً..<[34]. 

فإن قلتَ: لعلّ دخوله بغير إحرام فيما لو رجع في شهره؛ لعدم لزوم الإحرام لا لعدم مشروعيّته، كما لعلّ دخوله محرماً فيما لو دخل في غير الشهر؛ للزوم الإحرام لا لمحض مطلوبيّته. 

قلتُ: لو كان دخوله بغير إحرام فيما لو رجع في شهره؛ لعدم لزوم الإحرام- لكان المناسب أن يقول: إن رجع في شهره فله أن يدخل بغير إحرام، ولكنّه× قال: >دخل بغير إحرام< وهو ظاهرٌ في تعيّن ذلك، وتعيّن الدخول بالإحرام هو الظاهر في فرض ما لو دخل في غير الشهر أيضاً. 

وكما يستفاد من هذه المجموعات لا سيما المجموعة الثانية اعتبار تغاير الشهر بنحوٍ لا يؤذن برفعِ اليد عن اعتباره والاكتفاءِ بفصل عشرة أيام عنه، ولكنّه لا يدفع اعتبار فصل عشرة أيام أيضاً، إلا أنّه يستفاد دفعه من المجموعة الثالثة فإنّها تدلّ على كفاية تغاير الشهر وإن لم تفصل عشرة أيام؛ فإنّ قول الصادق× في صحيحة حمّاد: >وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً< ظاهرٌ في ذلك بتوسّط التفصيل بين هذا الفرض وفرض ما إذا دخل في شهر عمرته، والتفصيل كما هو -من جهةٍ- قاطعٌ للشركة في الحكم وإلا لعاد التفصيل لغواً، فإنّه آبٍ عن التقييد من جهةٍ أخرى؛ ذلك لأنّه مع التفصيل يكون ما أخذ في الموضوع -كتغاير الشهر فيما نحن فيه- بمثابة العلّة الّتي يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، فإذا تغاير الشهر يدخل محرماً ولو لم تفصل عشرة أيام. 

وهذه الاستفادة تمنع من الجمع بين الطائفتين الأخيرتين بالجمع الثالث. 

زبدة المخض والمختار: 

فتحصّل مما قدّمنا أنّه لا مناص من اعتبار تغاير الشهر للعمرتين، وأمّا اعتبار الزائد عليه وهو فصل عشرة أيام أيضاً فلم يثبت بعد المعارضة بين معتبرة البطائني الدالّة على اعتباره وبين ما يستفاد من صحيحة حمّاد من عدم اعتباره. 

عدم اعتبار الفصل بشيء وما فيه: 

ومن كلّ ما تقدّم تعرف الخدشة فيما في الشرائع من جعله عدم اعتبار الفصل بشيءٍ أشبه[35]، وجعله في كشف اللثام أقرب[36]، وجعله في العروة أقوى[37]، وإن وافقه جلّ المعلّقين عليها، ومنهم الفقيه الحكيم+، فقد استظهر في المستمسك من قولهم^: >لكلّ شهر عمرة< أنّ ذلك من وظائف الشهر، فهي تتأكّد من حيث الزمان، ففي الشهر آكد منها في العشرة، وأنّ الارتكاز العرفيّ في باب الطاعات والخيرات يقتضي ذلك؛ فإنّها كلّما طال العهد بها اشتدّ تأكّدها، فلا مانع من الأخذ بإطلاقات الحثّ عليها والترغيب إليها الظاهرة في استحبابها مطلقاً، ومقتضاها الاستحباب في كلّ يوم، وفي اليوم أكثر من مرّة أيضاً[38].     

اعتبار الفصل بين العمرة المفردة والمتمتّع بها: 

كما أنّه ممّا تقدّم يعرف اعتبار الفصل بين عمرة التمتع والعمرة المفردة سيما صحيحة زرارة الدالّة على اعتبار تغاير شهر عمرة التمتّع المعدول بها إلى الإفراد عن شهر العمرة المفردة، فتدلّ بالأولويّة على اعتباره مع إتمامها متعةً، وكذا صحيحة معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبد الله× ونحن بالمدينة، إنّي اعتمرت في رجب، وأنا أريد الحجّ فأسوق الهدي، أو أفرد الحجّ، أو أتمتّع؟ قال: >في كلٍّ فضل، وكلٌّ حسن<، قلت: فأي ذلك أفضل؟ فقال: >إنّ عليّاً× كان يقول: لكلّ شهر عمرة، تمتّع فهو والله أفضل..<[39]. فقد دلّت على أنّ عمرة التمتّع مشمولة لقولهم^: >لكلّ شهر عمرة<.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: وسائل الشيعة14: 308، 309 ب6 من أبواب العمرة ح3، 8، الوسائل11: 251 ب4 من أبواب أقسام الحجّ ح18. 

[2] وسائل الشيعة14: 309 ب6 من أبواب العمرة ح6. 

[3] وسائل الشيعة14: 309 ب6 من أبواب العمرة ح7. 

[4] والكلام فيها قد تعرّضت له في رسالة حول (حلّيّة ما مات من السمك في مصيدته) المنشورة في العدد90 من مجلّة فقه أهل البيت^. 

[5] انظر: مختلف الشيعة4: 359. 

[6] مختلف الشيعة4: 359. 

[7] انظر: مستمسك العروة الوثقى11: 146، تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى9: 56. 

[8] وسائل الشيعة14: 307 ب6 من أبواب العمرة ح1. 

[9] وسائل الشيعة14: 308 ب6 من أبواب العمرة ح4. 

[10] وسائل الشيعة14: 308، 307 ب6 من أبواب العمرة ح5 ، 2. 

[11] وسائل الشيعة14: 309 ب6 من أبواب العمرة ح8. 

[12] جواهر الكلام20: 463. 

[13] وسائل الشيعة14: 309 ب6 من أبواب العمرة ح11. 

[14] وإنمّا جعلتها مؤيّدة لمشكلٍ يرتبط باعتبار كتاب (قرب الإسناد) تعرّضت له في رسالة (المسوخ وأحكامها) المنشورة في العدد23 من مجلّة رسالة القلم. 

[15] انظر: مستند العروة الوثقى (الحج) 2: 179. 

[16] الخلاف2: 261. 

[17] وسائل الشيعة14: 308 ب6 من أبواب العمرة ح3. 

[18] انظر: من لا يحضره الفقيه2: 239 (1141). 

[19] انظر: الاستبصار2: 326 (1158). 

[20] انظر: تهذيب الأحكام5: 434(1508). 

[21] انظر: رسالة في (أدنى الحلّ ميقات أيّ نسك)؟ المنشورة في العدد 50 من مجلّة (ميقات الحجّ) . 

[22] انظر: الملحق لرسالة (إجزاء الوقوف مع العامّة وعدمه) المنشورة في العدد 36 من مجلّة (رسالة القلم). 

[23] انظر: تفصيل الشريعة (ك الحجّ2) 12: 284. 

[24] وسائل الشيعة14: 309 ب6 من أبواب العمرة ح9. 

[25] وقد حدّثنا الأستاذ السيّد منير الخبّاز (دامت بركاته) عن أستاذه الميرزا جواد التبريزي+ عن أستاذه الميرزا عبد الهادي الشيرازي+ أنّه رأى أستاذه الميرزا النائيني+ في المنام، وقد استنكر عليه قوله: قدّس سرّه عند ذكره له، فاعتذر الميرزا الشيرازيّ& لذلك بأنّي أردت احترامك، فعارضه الميرزا النائينيّ& بأنّ النافع لي هو الترحّم عليّ لا قوله: قدّس سرّه، وبعدها أخذ السيّد& يترحّم على الميرزا& كلّما ذكره، ويشفعه بقوله: قدّس سرّه. 

[26] انظر: جواهر الكلام20: 464. 

[27] انظر: تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى9: 57. 

[28] وسائل الشيعة11: 303 ب22 من أبواب أقسام الحجّ ح8. 

[29] وسائل الشيعة13: 128 ب12 من أبواب كفّارات الاستمتاع ح1. 

[30] وسائل الشيعة13: 128 ب12 من أبواب كفّارات الاستمتاع ح2. 

[31] وسائل الشيعة13: 129 ب12 من أبواب كفّارات الاستمتاع ح4. 

[32] وسائل الشيعة11: 298 ب21 من أبواب أقسام الحجّ ح7. 

[33] وسائل الشيعة11: 297 ب21 من أبواب أقسام الحجّ ح5. 

[34] وسائل الشيعة11: 302 ب22 من أبواب أقسام الحجّ ح6. 

[35] انظر: شرائع الإسلام- ط. مؤسّسة المعارف الإسلاميّة- 1: 347. 

[36] انظر: كشف اللثام6: 299. 

[37] العروة الوثقى والتعليقات عليها- ط. مؤسّسة السبطين‘ العالمية-13: 222، فصل في أقسام العمرة م3. 

[38] انظر: مستمسك العروة الوثقى11: 146. 

[39] وسائل الشيعة11: 251 ب4 من أبواب أقسام الحجّ ح18.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا