اشتراط الزوجة ألا يتزوّج.. صحّته أو فساده

اشتراط الزوجة ألا يتزوّج.. صحّته أو فساده

 بحث الكاتب في هذه المقالة مسألة ما إذا اشترطت الزوجة على من تريد الزواج منه أن لا يتزوّج عليها في عقد نكاح أو غيره. فعرض الأقوال في المسألة وهي بين صحّة الشرط أو بطلانه، مبيّناً أنّ المنشأ في اختلافهم هي اختلاف الأخبار عارضاً للعموم الفوقاني والأصل العملي المقتضي لفساد الشرط، وعرض الأخبار الدالة على كلا القولين لينتهي إلى القول بفساد شرط الزوجة ألا يتزوّج عليها.

مقدّمة:

          لا إشكال في بطلان الشرط المخالف للمشروع؛ للمستفيض المخصّص لعموم لزوم الوفاء بالشرط بعدم المخالفة للكتاب ([1])، وعدم تحليل الحرام وتحريم الحلال ([2]).

          [الأقوال في المسألة:]

وقد وقع الكلام في صحّة اشتراط الزوجة ألا يتزوّج عليها في عقد النكاح أو غيره، قال العلامة+ في المختلف: >المشهور أنّه لو شرط في العقد ألا يتزوّج عليها أو لا يتسرّى كان الشرط باطلا، وبه قال ابن حمزة أيضاً، لكنّه قال: إن أعتق عبده وشرط عليه حال عتقه أن يتزوّج جاريته منه على ألا يتزوّج عليها ولا يتسرّى لزم..<([3])،([4])، بل ادّعى الشيخ& في الخلاف وابن زهرة في الغنية الإجماع على فساد هذا الشرط([5])، وادّعى صاحب الحدائق: اتفاق الأصحاب على الحكم المذكور([6])، والمعروف إلى حقبة (وسيلة النجاة) والتعليقات عليها([7])- فساد الشرط أيضاً، وذهب جمع من الأعلام- منهم السادة الحكيم، والخوئيّ، والشهيد الصدر، والسيستانيّ، والحكيم السبط، والهاشميّ الشاهروديّ، والسيّد الحائريّ، والميرزا التبريزيّ- إلى صحة هذا الشرط([8]).

[مقتضى القاعدة:]

          ومنشأ خلافهم هو اختلاف الأخبار، وقبل أن نعرضها لا بدّ أن نتعرّف على مقتضى القاعدة والأصل في مثل مسألتنا، فقد أفاد الشيخ الأعظم+ أنّ مثل هذا الشرط من مخالف الكتاب؛ ذلك لأنّ المتّصف بمخالفة للكتاب تارةً يكون المشروط والملتزم، وأخرى يكون نفس الالتزام، ولو كان التزام ترك المباح كالتزوّج الثابت إباحته بالكتاب([9]).

          ويلاحظ عليه أوّلاً: أنّه ليس في شرط ترك المباح أيّة مخالفة للكتاب وحكمه؛ فإنّ الإباحة لا تمنع من الترك- فعليّةً كانت أم طبعيّة-، بل لا دليل على المنع تكليفاً من التزام فعل الحرام- فضلاً عن التزام فعل أو ترك المباح-، والكتاب والسنّة إنّما يمنعان عن نفس ارتكاب الحرام.

          وثانياً: أنّه يلزم كون المراد من الشرط المخالف للكتاب والسنّة نفس الاشتراط والالتزام مرّةً، وذلك في شرط ترك المباح أو فعل الحرام، وكون المراد به الملتزَم مرّةً أخرى فيما إذا كان المشروط مخالفاً لهما، واستعمال اللفظ وإرادة معنييه الحقيقيّ والمجازيّ في استعمال واحد وإن كان ممكناً بل واقعاً، إلا أنّه خلاف الظاهر، فلا يصار إليه بلا قرينة.

وثالثاً: أنّ لازم القول بمخالفة شرط فعل المباح أو تركه للكتاب هو بطلان غالب الشروط، فيلغو ما دلّ على أنّ (المؤمنون عند شروطهم)؛ لتعلّق الشروط غالباً بفعل المباح أو تركه، وينحصر مورد الدليل في اشتراط فعل الواجبات أو ترك المحرّمات، إلا أنّ الظاهر منه هو الاشتراط المتعارف عندهم من فعل المباح وتركه، دون خصوص فعل الواجب وترك الحرام، ولك أن تقول بأنّ اشتراط فعل المباح أو تركه هو القدر المتيقّن من شروطهم، فيستهجن خروجه من تحت الدليل.

          ثمّ إنّ الشيخ الأعظم+ قد انتقل إلى أنّ شرط ترك المباح منطَبق لعنوان محرّم الحلال، ومحصّل ما أفاده مكرَّراً في المراد من الحلال في العنوان هو الحلال المطلق- بحسب دليله- حتى مع الشرط، دون ما كان حلالاً لو خلّي وطبعَه بحيث لا تنافيه حرمته بطروّ عنوانٍ آخرَ يُلزِم بفعله أو تركه([10]).

          وقد يعزّز ما أفاده- من انطباق عنوان محرّم الحلال على شرط ترك المباح- الملازمة بين صدق عنوان محلّل الحرام على شرط فعل الحرام وصدق عنوان محرّم الحلال على شرط ترك المباح.

          وقد أورد عليه بأنّ أدلّة الإباحة تدلّ على الحلّيّة الفعليّة المطلقة، والمنبّه على إطلاقها أنّا لا نتوقّف في ثبوتها بعروض الشرط لو قطعنا النظر عن دليل نفوذه، فيلزم عدم صحّة مطلق شرط ترك المباح، وهو ممّا لا يلتزم به أحد([11]).

          ولكن قد يعتذر للشيخ+ بأنّ مراده من إطلاق الحلّيّة إطلاقها بلحاظ جميع العناوين الطارئة.

وأنّ الشرط المخالف للكتاب هو المخالف لما عبّر عنه أحد الأعاظم قدّس سرّه بالحكم الاقتضائيّ، وأضاف بـ "أنّ كون الحكم اقتضائيّاً أو غير اقتضائيّ لما لم يكن طريقٌ إليه شرعاً تعيّن الرجوع إلى المرتكزات العقلائيّة؛ إذ لولا ذلك كان البيان المذكور خالياً عن الفائدة؛ إذ لا طريق إلى تشخيص الموضوع سواه. وبالجملة: مقتضي الاطلاق المقاميّ الرجوع إلى المرتكزات، كما أن مقتضاه الرجوع إليها في تشخيص مفاهيم موضوعات الأحكام الشرعية. نعم إذا توقّف العرف في تشخيص الحكم الاقتضائيّ واللا اقتضائيّ تعين الرجوع إلى الأصل، وهو أصل عدم كون الشرط مخالفا، بناء على جريان الأصل في العدم الأزليّ بنحو مفاد ليس الناقصة، كما هو الظاهر([12]).

          ثمّ إنّ الشيخ الأعظم+ قد استدلّ على تناول عنوان مخالف الكتاب أو محرّم الحلال للأعمّ من الملتزَم والالتزام بموثّقة إسحاق بن عمّار- بغياث بن كلوب([13])- عن جعفر عن أبيه‘: إنّ عليّ بن أبي طالب× كان يقول- في حديث- :ـإنّ المسلمين عند شروطهم إلا شرطاً حرّم حلالا، أو أحلّ حراماً([14]). بدعوى صراحتها في فعل الشارط، فإنّه الّذي يمنع باشتراطه عن المباح الشرعيّ؛ إذ المراد من التحريم ما هو من فعل الشارط لا الشارع([15]).

          ويلاحظ عليه أوّلاً: إنّه بموجب تفسير التحريم في العنوان بالالتزام يعود دليل نفوذ الشرط لغواً- كما تقدّم-؛ إذ متعلّق غالب الشروط بل جميعها هو فعل أو ترك المباح، فإذا خرج اشتراطهما من تحت دليل الشرط فلم يبقَ تحته إلا ما يندر اشتراطه، وهو فعل الواجب وترك الحرام.

          وثانياً: إنّه ليس في غير هذه الرواية من روايات أدلّة الشرط عنوان ما حرّم حلالاً([16])، على أنّها من متفرّدات الشيخ& في التهذيب([17])، وهي غير مشمولة لأدلّة حجّيّة الخبر، بناءً على أنّ ملاك حجّيّته هو الوثوق أو ما لم يقم ظنٌّ نوعيّ أو مطلق الاحتمال العقلائيّ على خلافه، كما أوضحنا ذلك في بعض الكتابات([18])، على أنّ الشيخ ذكرها في الزيادات من نكاح التهذيب، فتأمّل([19]).

          ولكن فيما يخصّ عدم ورود (إلا شرطاً حرّم حلالاً) إلا في هذه الموثّقة وحدها- أقول: إنّ هذا المضمون قد ورد في روايات باب الأيمان، فقد استفاض >لا تجوز يمين في تحريم حلال<([20])، ومن رواياته ما هو تامٌّ سنداً([21])، وهذه الروايات وإن وردت في باب الأيمان إلا أنّها تشدّ عضد الموثّقة وإن وردت في باب الشرط؛ فإنّ فرق التزام ترك المباح بالشرط عن التزام تركه باليمين ليس فارقاً، على أنّ بعض روايات باب اليمين قد عللّت عدم نفوذ اليمين في تحريم الحلال بأنّه ليس لك(له) أن تحرّم(يحرّم) ما أحلّ الله، واستشهدت بقوله: {لا تُحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم}، وقوله: {يا أيّها النبيّ لِمَ تُحرّم ما أحلّ الله لك}([22]).

ومن كلّ هذا يعرف الجواب أيضاً عن موهنيّة تفرّد الشيخ& بنقل الموثّقة، وكذا موهنيّة سلكه إيّاها في باب الزيادات لو كان أصل ذكر الرواية في باب الزيادات مؤذناً بقلّة الاعتبار.  

كما استدلّ الشيخ الأعظم+ بمرسلة الغُنية: الشرط جائز بين المسلمين ما لم يمنع منه كتاب ولا سنة([23])، ([24]). فإنّ الشرط فيها ظاهر في نفس الاشتراط والالتزام لا المشروط والملتَزم، كما أنّ الجواز فيها بمعنى النفوذ والمضيّ، وهما من شؤون وأوصاف الالتزام دون متعلّقه، فلا يقال في شرط خياطة الثوب: إنّ الخياطة- كملتزَم- نافذة وماضية، بل يقال لالتزامها: هو نافذ وماضٍ.

          ويلاحظ على الاستدلال بها- مضافاً إلى ضعفها سنداً بالإرسال- أوّلاً: أنّ الضمير في قوله في الذيل: (ما لم يمنع منه كتاب ولا سنة) قرينةٌ على إرادة الملتزَم والمشروط من لفظ الشرط، فإنّه هو الّذي يتعلّق به المنع دون الالتزام.

وثانياً: سلّمنا تعلّق المنع بالالتزام إلا أنّ القضيّة لا تثبت موضوعها؛ فإنّ من اللازم أن يثبت المنع عن التزام فعل أو ترك المباح في رتبة سابقة على الاستدلال بالمرسلة لكون التزام ترك المباح أو فعله غير نافذ.

وثالثاً: ظاهر لفظ الشرط وجوازه إرادة نفس الاشتراط والالتزام- كما تقدّم-، وظاهر الذيل إرادة المشروط والملتزم- كما أسلفنا- فإن لم تكن قرينيّة الذيل مقدّمة على قرينيّة الصدر- ولو للتدافع بين قرينيّة الذيل على إرادة الملتزَم وبين جواز ونفوذ الشرط الظاهر في إرادة الالتزام- فتعود معه الرواية مجملةَ الدلالة.

 فتحصّل أنّ التزام ترك المباح كالتزوّج ليس مخالفاً للكتاب والسنّة، كما إنّه ليس من تحريم الحلال في ضوء تفسير الشيخ الأعظم+ للحلال في العنوان بالحلّيّة والإباحة المطلقة دون الطبعيّة، إلا أن يدلّ دليل على إطلاق الحلّيّة، وهو خُلْف بحث المسألة على مستوى القاعدة.

وثمّة تفسيران للحلال في العنوان، وبموجبهما التُزم بكون التزام ترك المباح كالتزوّج- من تحريم الحلال، أحدهما: ما ذكره المحقّق النائينيّ+([25]) من أنّه الحلال المأخوذ في دليل الحكم بالإباحة، وبيانه: أنّ الالتزام بترك المباح تارةً يكون التزاماً بترك مصداق منه، أو بتركه مطلقاً في برهة من الزمان، وهذا لا بأس به؛ لعدم مخالفته للكتاب لا من حيث الالتزام ولا الملتَزم، وأخرى يكون التزاماً بترك دائميٍّ لنوعٍ مباح، وحينئذٍ يكون التزامه محرّماً لما أحلّه الله.

وقد استفاد ذلك ممّا ورد في جملة من النّصوص في باب اليمين من إطلاق تحريم الحلال على تحريم الطبيعة، مثل صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله× قال في رجل قال: امرأته طالق، ومماليكه أحرار إن شربت حراماً أو حلالاً من الطِلا([26]) أبداً، فقال: >أمّا الحرام فلا يقربه أبداً، إن حلف أو لم يحلف، وأمّا الطِلا فليس له أن يحرّم ما أحلّ الله عزّ وجلّ؛ قال الله عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك}، فلا تجوز يمين في تحريم حلال، ولا تحليل حرام، ولا قطيعة رحم<([27])، ورواه العياشيّ في تفسيره بأدنى اختلاف، وفي ذيله: >وأمّا الحلال فلا يتركه؛ فإنّه ليس لك أن تحرّم ما أحلّ الله؛ لأنّ الله يقول: {لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُم}<([28])،([29]).   

          وقد سبقه إلى ذلك المحقّق القمّيّ+ فقال: "ومن أمثلة ما يكون التزامه والاستمرار عليه من المحرّمات هو فعل المرجوحات وترك المباحات وفعل المستحبّات- إلى أن قال: - الظاهر من تحليل الحرام وتحريم الحلال هو تأسيس القاعدة، - وقال: - فالمراد من تحليل الحرام وتحريم الحلال المنهيّ عنه هو أن يُحدِث قاعدة كلّيّة ويُبدِع حكماً جديداً مثل تحريم التزويج والتسرّي وإن كان بالنسبة إلى نفسه فقط.. مع أنّ عدم التزويج وعدم التسرّي وإن كان مباحاً، لكنّ التزامه مرجوح.. بل حرام كما ذكروه في تركِ جميع المستحبّات، بل وتركِ صنفٍ منها رأساً كالجماعة أو النوافل"([30]).

          ومحصّلة هذا التفسير أنّ التزام ترك المباح نوعاً وبصورة دائمة هو تحريم للحلال، بخلاف ما لو التُزم تركُ بعض مصاديقه أو تركُه نوعاً ولكن لبرهةٍ من الزمان.

          ويلاحظ عليه: أنّ التزام ترك مباحٍ بجميع مصاديقه الطوليّة والعرضيّة وإن كان تحريماً للحلال([31]) ولو بموجب نصوص باب اليمين، ولكنّها ليست بصدد جعل المعيار والضابطة لما هو من تحريم الحلال وما ليس كذلك، بحيث لا يعود التزام ترك المصداق الطوليّ أو العرضيّ للحلال أيِّ حلالٍ من تحريم الحلال، كما لو كانت حلّيّته مطلقةً وبجميع العناوين الطارئة، وإن لم نعرف له مصداقاً، وقد اعترف بذلك المحقّق النائينيّ+ بقوله: "ثمّ إنّـ[ـه] بناءً على هذا التفصيل فالقدر المسلّم من صحّة الالتزام ما إذا كان على بعض مصاديق المباح أو نوعه في برهة قليلة من الزمان، ومن عدم صحّة الالتزام ما إذا كان على نوع المباح دائماً، وأمّا الالتزام على بعض مصاديقه دائماً، أو على نوعه في مدّة متمادية فيكون من موارد الشكّ، فالمرجع إلى الأصل" ([32]).

          التفسير الثاني: ما ذكره المحقّق الإصفهاني+- وقال عنه: بأنّه أحسن ما قيل في المقام-و"هو أنّ متعلّق الشرط تارةً يكون مباحاً قبل العقد والشرط، وبالشرط يكون حراماً، وهو من تحريم الحلال كشرط ترك التسرّي والتزويج، فإنّهما مباحان قبل العقد على المرأة المشروط لها، فيكون شرط تركهما محرّماً للحلال، وأخرى لا يكون مباحاً للشارط إلا بالعقد، فإذا كان العقد متضمّناً لشرط تركه لم يثبت حلال حتى يكون محرَّماً بالشرط، بل في الحقيقة وقع ما هو غير حلال بالعقد فعلا، كاشتراط عدم إخراج الزوجة من البلد، فإنّ إخراجها من البلد قبل عقد الزواج لم يكن حلالاً للزوج ولا له سلطان عليها، وإنّما يحلّ له إخراجها بالعقد ويكون له السلطان عليها به، فإذا انعقد العقد مشروطاً بعدم الإخراج لم يثبت سلطنةٌ له على الإخراج، ولا حَلَّ له بعقده إخراج حتى يحرّمه شيء"([33]).

          ولكن من البعيد أن يَلتزِم& بإطلاق ذلك لشرط ترك المباح لبرهة من الزمن وإن كان هذا المباح مباحاً قبل العقد والشرط، كما لو شرط ألا يتزوّج إلى ساعة مثلاً، هذا.

          ورغم إشكال وإعضال تحديد المراد من الحلال في قوله: (إلا شرطاً حرّم حلالا)، إلا أنّ مقتضى القاعدة في مثل مسألتنا- وهي التزام ترك مباحٍ بجميع مصاديقه الطوليّة والعرضيّة- كونه من تحريم ما أحلّه الله سبحانه، فالتزام ترك التزوّج من تحريم الحلال، فلا يصحّ.

          [مقتضى الأصل العمليّ:]

          هذا كلّه على مستوى القاعدة والعموم الفوقاني، ولكن لو وصلت النوبة إلى ما يقتضيه الأصل في فرض الشكّ في صحّة ونفوذ شرط ترك التزوّج؛ للشكّ في مخالفته للكتاب وعدمها أو في كونه محرّماً للحلال أم لا فإنّ الأصل- كما في كلمات الشيخ الأعظم+- هو أصالة عدم المخالفة، فيرجع إلى عموم (المؤمنون عند شروطهم)([34]).

وفيه أنّه محكوم باستصحاب عدم ترتّب الأثر المشكوك ترتّبه، ومقتضاه فساد الشرط، وهو المعبّر عنه في باب المعاملات بإصالة الفساد، ومعه لا تصل النوبة إلى أصالة عدم المخالفة ([35])، هذا.

وقد تبيّن ممّا قدّمنا أنّ مقتضى الأصل- كما القاعدة- في مسألتنا هو الفساد.

          [أخبار المسألة:]

          ولكنّ النوبة لا تصل إلى مقتضى القاعدة الأوّليّة فضلاً عن الأصل لو تمّ ما روي بالخصوص في المسألة- سنداً ودلالةً وجهةً- إن على صحّة شرط ترك التزوّج أو بطلانه، فلنولّي وجوهنا شطر روايات المسألة- الّتي عقد لها الشيخ الحرّ& الباب العشرين من أبواب المهور، وغيرها-، ونصنّفها إلى طائفتين:

          الطائفة الأولى: ما يستفاد منها فساد شرط الزوجة عدم التزوّج عليها وكذا شرط عدم التسرّي والهجر، ويظهر منها على تقدير تماميّتها في ذلك أنّه ليس تعبّداً في خصوص ترك المذكورات فيها، بل هو من باب مخالفة الكتاب؛ لظهور التعليلات في ذلك، فلاحظها، وهي جملة روايات:

الأولى: رواية حمّادة بنت الحسن أخت أبي عبيدة الحذّاء قال: >سألت أبا عبد الله× عن رجل تزوّج امرأة وشرط لها أن لا يتزوّج عليها ورضيت أنّ ذلك مهرها، قالت: فقال أبو عبد الله×: هذا شرط فاسد، لا يكون النكاح إلا على درهم أو درهمين<([36]).

وقد قيل عنها بأنّها أجنبيّة عن مسألتنا؛ لورودها فيما لو جُعِل عدم التزوّج على الزوجة مهراً لها([37])، ولكن قد يقال عليه- مضافاً إلى أخذه فيها وفي معتبرة زرارة الآتية بالصراحة- بأنّ شرط عدم التزوّج لو كان فاسداً لكان المناسب نسبة الفساد إليه؛ لأنّ التعليل بالذاتيّ أولى من التعليل بالعرضيّ، وهو جعل نفس ترك التزوّج عليها مهرا([38]).

وفيه أنّه مع ذلك لا تستفاد صحّة شرط عدم التزوّج بأيّ دلالة عرفيّة؛ فإنّ التعليل بالأمر العرضيّ أعمّ من صحّة الشرط في نفسه، ولو بملاحظة أنّ المتكلّم قد يكون مضطرّاً إلى ترك التبرير بالأمر الذاتيّ.

وعلى أيّ حال فالرواية ضعيفة السند بحمّادة؛ إذ لم يرد فيها توثيق، ولا أعرف وجه التعبير عنها- في بعض الكلمات([39])- بالمعتبرة.

الرواية الثانية: معتبرة زرارة أنّ ضريساً كانت تحته بنت حُمران فجعل لها أن لا يتزوّج عليها ولا يتسرّى أبداً في حياتها ولا بعد موتها، على إن جعلت له هي أن لا تتزوّج بعده أبداً، وجعلا عليهما من الهدي والحجّ والبُدن وكلّ مال لهما في المساكين إن لم يفِ كلّ واحد منهما لصاحبه، ثمّ إنّه أتى أبا عبد الله× فذكر ذلك له فقال: >إنّ لابنة (لأبيها) حمُران لحقّاً، ولن يحملنا ذلك على أن لا نقول لك الحقّ، اذهب فتزوّج وتسرَّ؛ فإنّ ذلك ليس بشيء، وليس شيء عليك ولا عليها، وليس ذلك الّذي صنعتما بشيء، فجاء فتسرّى ووُلِد له بعد ذلك أولاد<([40]).

ولا يعيب سندها- بنقل الشيخ الكليني&- اشتماله على موسى بن بكر؛ فإنّه وإن لم يرد فيه توثيق بالخصوص، إلا أنّه يمكن البناء على وثاقته بتوثيق عامّ؛ إذ قد صحّت رواية كلٍّ من أحمد بن محمّد بن أبي نصر وصفوان بن يحيى ومحمّد بن أبي عمير عنه، بل الأخيران هما راويتا كتابه ([41])، وكبرى وثاقة من روى عنه أحدهم تامّة على المختار، هذا.

وقد بنى الإمام الخوئيّ+ على وثاقته بالخصوص، فقال في المعجم: "الظاهر أنّه ثقة؛ وذلك لأنّ صفوان قد شهد بأنّ كتاب موسى بن بكر ممّا لا يختلف فيه أصحابنا، وقد روى محمّد بن يعقوب عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمّد بن سماعة قال: دفع إليّ صفوان كتاباً لموسى بن بكر، فقال لي: هذا سماعي من موسى بن بكر، وقرأته عليه، فإذا فيه: موسى بن بكر عن عليّ بن سعيد عن زرارة، قال(صفوان): هذا ممّا ليس فيه اختلاف عند أصحابنا.. الحديث. الكافي: الجزء7، كتاب الميراث2، باب ميراث الولد مع الزوج19، الحديث3، وسند الرواية قويّ، ويؤكّد ذلك أنّ جعفر بن سماعة قد اعتمد على رواية موسى بن بكر، أنّ المختلَعة يتبعها الطلاق ما دامت في العدّة، وقد روى محمّد بن يعقوب عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمّد بن سماعة قال: وكان جعفر بن سماعة يقول: يتبعها (المختلعة) الطلاق في العدّة، ويحتجّ برواية موسى بن بكر عن العبد الصالح×. الكافي: الجزء6، كتاب الطلاق2، باب الخلع63، الحديث9"([42]).

ولكنّ الظاهر كون المشار إليه في قول صفوان: (هذا ممّا ليس فيه اختلاف عند أصحابنا) ليس هو الكتاب، بل الحديث الّذي ذكر سنده ولمّا يذكر متنه- ولا أقلّ من احتمال ذلك-، فلا يعود لكلام صفوان عندئذٍ ظهورٌ في توثيق ابن بكر، كما أنّ الاحتجاج برواية راوٍ لا يساوق وثاقته، بل هو أعمّ؛ لاحتمال حصول الوثوق بالمروي ولو بالقرائن غير الوثاقة.

هذا كلّه فيما يرجع إلى سند الرواية، وقد خلصنا إلى وثاقة موسى بن بكر، فتكون الرواية من حيث السند معتبرة، وقد رواها الشيخ& بإسناده عن عليّ بن الحسن ([43])، وفي سندها بنقله محمّد بن خالد الأصمّ، ولكن لا توثيق له.

وأما فيما يرجع إلى دلالتها فإنّها أجنبيّة عن مقامنا؛ فإنّ ظاهرها كون الاشتراط في ضمن العقد، ولكنّ موردها هو ما إذا كان شرط عدم تزوّج الرجل في مقابل ألا تتزوّج المرأة بعده أبداً، فشرطُ ترك التزوّج قد اتفق من الطرفين، فإلغاؤه في الشريعة لا يلازم إلغاءه لو كان من طرف الزوجة؛ إذ لعلّ إلغاء شرط ترك الزوج للزواج لمقابلته بشرط ترك الزوجة للزواج بعده، لو كان هو اللاغي في الشرع، بحيث لولا المقابلة لصحّ شرطها عليه عدم التزوّج، ولعلّه لهذا أو ما هو قريب منه قال في الجواهر: "وربما يومئ أيضا إلى بطلان الشرطين الأولين (يعني شرط عدم التزوّج والتسرّي) ما رواه زرارة"([44]).

وقوله× في ذيلها: >فجاء فتسرّى ووُلِد له بعد ذلك أولاد< وإن كان ناظراً إلى صحّة التسرّي وكون الأولاد صحيحي النسب إلا أنّ ذلك لا يعيّن كون ذلك من جهة فساد الشرط محضاً، فهو وإن كان محتملا إلا أنّ من المحتمل كون الفساد من جهة الشرط المتبادل، أو الشرط المقابل محضاً- كما تقدّم-.

الرواية الثالثة: مرسلة العياشيّ في تفسيره عن ابن مسلم عن أبي جعفر× قال: >قضى أمير المؤمنين× في امرأةٍ تزوّجها رجلٌ، وشرط عليها وعلى أهلها إن تزوّج عليها امرأةً أو هجرها أو أتى عليها سُرِّيَّة فإنّها طالق، فقال: شرط الله قبل شرطكم، إن شاء وفى بشرطه، وإن شاء أمسك امرأته ونكح عليها، وتسرّى عليها، وهجرها إن أتت بسبيل ذلك؛ قال الله تعالى في كتابه: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث ورباع}، وقال: أحلّ لكم {ما ملكت أيمانكم}([45])، وقال: {والّلاتي تخافون نشوزهن} الآية<([46]).

وبمضمونها صحيحة محمد بن قيس- ولعلّهما تتحدّثان عن واقعة واحدة- عن أبي جعفر× (قال: قضى عليّ×) في رجل تزوّج امرأةً وشرط لها إن هو تزوّج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سُرِّيَّة فهي طالق، فقضى في ذلك أنّ شرط الله قبل شرطكم، فإن شاء وفى لها بما اشترط (بالشرط) وإن شاء أمسكها واتّخذ عليها ونكح عليها([47]).

ودلالتهما- وكذا دلالة الروايتين اللاحقتين- على أخذ ترك الزواج وإن لم تكن بنحو مباشر وبالصراحة على حدّ أخذه في روايتي زرارة وحمّادة المتقدّمتين إلا أنّه ظهور عرفيّ ولو بقرينة الجواب فيها، هذا.

ودلالتهما على بطلان شرط ألا يتزوّج تتوقّف على إرادته من قوله×: (شرط الله قبل شرطكم، إن شاء وفى بشرطه)، ويشهد لذلك أمران:

أوّلهما: الاستشهاد بـ {فانكحوا ما طاب..} في ذيل المرسلة، فإنّه ظاهر في كون مضمون الآية هو شرط الله في مقابل شرطهم عدم النكاح عليها.

والثاني: أنّ شرط الطلاق بنحو النتيجة- الّذي هو ظاهر الروايتين- لا يتأتّى الوفاء به مع كونه باطلاً، فتتعيّن إرادة شرط ألا يتزوّج؛ فإنّه مع بطلانه يتأتّى الوفاء به.

ولكن يردّ الشاهد الأوّل إرسال الرواية، ويردّ الثاني احتمال أنّ الشرط هو شرط فعل الطلاق؛ ذلك لأنّه- هو الآخر- قابل للوفاء به مع عدم صحّته، ويشهد له قوله: >وإن شاء أمسك امرأته<؛ فإنّه لا تتصوّر مقابلته لـ >إن شاء وفى لها بالشرط< حين يراد به ألا يتزوّج.

          إذن دلالة الروايتين على فساد شرط ألا يتزوّج ليست تامّة.

          الرواية الرابعة: رواية ابن سنان عن أبي عبد الله× في رجل قال لامرأته: إن نكحت عليك أو تسرّيت فهي طالق، قال: >ليس ذلك بشيء؛ إنّ رسول الله’ قال: من اشترط شرطاً سوى كتاب الله فلا يجوز ذلك له ولا عليه<([48]).

          وهذه الرواية- مع ضعف سندها بجهالة طريق الشيخ& إلى عليّ بن إسماعيل الميثميّ- قاصرة الدلالة- كما المرسلة وصحيحة ابن قيس- عن إفادة بطلان شرط ألا يتزوّج عليها.

          الرواية الخامسة: صحيحة الحلبيّ عن أبي عبد الله× أنّه سئل عن رجلٍ قال لامرأته: إن تزوّجت عليك أو بِتّ عنك فأنت طالق، فقال: >إنّ رسول الله’ قال: من شرط لامرأته شرطا سوى كتاب الله عزّ وجلّ لم يجز ذلك عليه ولا له<. الحديث([49]).

          وسبيلها من حيث الدلالة هو سبيل سابقاتها الثلاث.

          أقول- وعلى خلاف ما تقدّم من مناقشات وملاحظات وردود على دلالة الروايات الأربع الأخيرة على فساد شرط الزوجة أن لا يتزوّج عليها-: إنّ تعليل الفساد فيها بـ (شرط الله قبل شرطكم) بإضافة الشرط إلى الله سبحانه يصرف عن إرادة حصول البينونة قهراً من شرطهم؛ لعدم تعرّض الكتاب العزيز لبطلان الطلاق بنحو شرط النتيجة ولو معلّقاً على شيء مستقبل، فالمراد بشرطهم المحكوم بالفساد هو شرط عدم الزواج، وقد تبيّن من خلال ما ذكرناه في مقتضى القاعدة في مسألتنا أنّ شرط ترك الزواج محرّم للحلال ومخالف للكتاب ولو في ضوء روايات باب اليمين. كما أنّ تعليل الفساد فيها بـ أنّه (سوى كتاب الله) وعلى خلافه يعيّن المخالف في شرط عدم الزواج؛ لعين ما قدّمت، هذا.

          وروايتان من الأربع تامّتان سنداً، وهما صحيحة محمّد بن قيس- وقد علّلت فساد الشرط بـ(شرط الله قبل شرطكم) -، وصحيحة الحلبيّ- وقد علّلته بكونه (سوى كتاب الله) -، فتحصّل تماميّة الدليل على فساد شرط الزوجة ألا يتزوّج عليها.  

الطائفة الثانية: ما يستفاد منها صحّة شرط الزوجة عدم التزوّج عليها- وهي جملة روايات-:

 الأولى: صحيحة منصور بزرج عن عبد صالح× قال: قلت له: إنّ رجلاً من مواليك تزوّج امرأةً ثمّ طلّقها فبانت منه فأراد أن يراجعها فأبت عليه إلا أن يجعل لله عليه ألا يطلّقها ولا يتزوّج عليها، فأعطاها ذلك، ثمّ بدا له في التزويج بعد ذلك، فكيف يصنع؟ فقال: >بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه بالليل والنهار، قل له: فليفِ للمرأة بشرطها؛ فإنّ رسول الله| قال: المؤمنون عند شروطهم<([50]).

وهذه الرواية مما لا إشكال في سندها بطريق الشيخ الكلينيّ&، ولذا عبّرنا عنها بالصحيحة([51])، وهي تامّة سنداً بطريق الشيخ& أيضاً، وهو طريقه إلى عليّ بن الحسن بن فضّال، وإن كان فيه عليّ بن محمّد بن الزبير؛ لما ذكرناه في بعض الكتابات من شهرة كتب بني فضّال سيما عليّ بن الحسن بحيث يعود ذكر الطريق إليها تبرّكيّاً محضاً([52]).

ودلالة هذه الصحيحة على نفوذ شرط نفس ترك التزوّج عليها ممّا لا ينكر- كما في بعض الكلمات ([53])-، وقد حملها الشيخ& في التهذيب على الندب مرّة، وعلى النذر أخرى ([54])، ولكن ينافيهما الاستشهاد بما دلّ على لزوم الوفاء بالشرط من حيث إنّه شرط- كما أفاد في الرياض ([55])، سيما أنّه جاء في الصحيحة في نقل الكافي: >وقالت المرأة: لا والله لا أتزوّجك أبداً حتى تجعل الله لي عليك ألا تطلّقني ولا تزوّج علَيّ<، فليس الشرط أن ينذر ترك ذلك.

ولو سلّمنا ظهورها في اشتراط الزوجة على الزوج أن ينذر عدم الطلاق والتزويج، لا اشتراط عدمهما، ووفاؤه لها بشرطها يكون بنذر عدمهما على نفسه، إلاّ أنّه لمّا كان المستفاد منها أنّ نذرهما صحيح، ولازمه عدم كون المنذور مخالفاً للكتاب وإلاّ بطل، يستفاد منها أنّ شرطهما أيضاً غير مخالف- كما أفاد ذلك السيّد الإمام+([56])، ونعم ما أفاد-.

كما يكفينا- لو سلّمنا ظهورها في النذر- عموم التعليل بـ: (المؤمنون عند شروطهم)، فهو يتناول الشرط الاصطلاحيّ ([57]).

إذن الصحيحة تامّة الدلالة على صحّة شرط الزوجة عدم التزوّج عليها.

الرواية الثانية: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما× في الرجل يقول لعبده: أعتقتك على أن أزوّجك ابنتي فإن تزوّجت عليها أو تسرّيت فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك، وزوّجه فتسرّى أو تزوّج، قال: >لمولاه عليه شرطه الأول<([58]).

ويلاحظ عليها عدم ظهورها في أخذ ترك الزواج، نعم صريحها إلزامه بمائة دينار إن تزوّج عليها، فأمضى الإمام× شرطه، نعم من شأن شرط المائة دينار- بحسب قوّة الدينار الشرائية يومذاك- تعجيزه عن الزواج عليها، ولكنّ التعجيز عن الزواج شيء، والالتزام بعدم الزواج شيء آخر.

وهذه الملاحظة آتية على الروايات الثلاث الآتية أيضاً، على أنّ الثالثة مرسلة من مرسلات تفسير العياشيّ.

الرواية الثالثة: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله أنّه سأل أبا عبد الله× عن رجل قال لغلامه: أعتقك على أن أزوّجك جاريتي هذه، فإن نكحت عليها أو تسرّيت فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك فنكح أو تسرّى أعليه مائة دينار ويجوز شرطه؟ قال: >يجوز عليه شرطه<([59]). على تأمّل في تناول طريق الصدوق& في مشيخته إليه لمثل ما ابتدأه بقوله: (وسأله عبد الرحمن بن أبي عبد الله).

الرواية الرابعة: صحيحة إسحاق بن عمّار وغيره عن أبي عبد الله× قال: سألت عن الرجل يعتق مملوكه ويزوّجه ابنته ويشرط عليه إن هو أغارها أن يردّه في الرّق، قال: >له شرطه<([60]).

الرواية الخامسة: رواية زرارة عن أبي جعفر×- في حديث- أنّه قال: >من تزوّج امرأة فلها ما للمرأة من النفقة والقسمة، ولكنّه إن تزوّج امرأة فخافت منه نشوزاً أو خافت أن يتزوّج عليها فصالحت من حقّها على شيء من قسمتها أو بعضها فإنّ ذلك جائز لا بأس به<([61]).

          فتحصّل أنّ التامّ من روايات صحّة شرط ترك الزواج، هي صحيحة منصور بزرج.

          [الجمع العرفيّ بين الطائفتين:]

          ثمّ بعد تماميّة الطائفتين واختلافهما فلا بدّ من علاج الاختلاف ومن الجمع بينهما بالتصرّف الموضوعيّ أو الحكميّ، وقد أفاد أحد المحقّقين+ بأنّ مقتضى الجمع هو حمل روايات الطائفة الأولى على اشتراط عدم الفعل وعدم صحّته، وحمل صحيحة منصور بزرج على اشتراط نفس عدم الفعل لا عدم صحّته، كما هو المناسب لجعله في سياق عدم التطليق([62]).

          ويلاحظ عليه أن مورد الطائفة الأولى- كما هو مورد صحيحة منصور بزرج- هو اشتراط عدم الفعل لا عدم صحّته، ويشهد لذلك تعليق الطلاق على الفعل في صحيحتي ابن قيس والحلبيّ- الّلتين هما عمدة الطائفة الأولى-، فلو لم يصحّ الفعل لما كان للطلاق المعلّق عليه محلٌّ.

          هذا فيما يرجع إلى التصرّف الموضوعيّ، وقد تقدّم ما في حمل (فليفِ للمرأة بشرطها) في صحيحة منصور بزرج على الندب، وهو التصرّف الحكميّ.

[المرجِع أو المرجِّح:]

ثمّ لمّا لم يوجد جمع عرفيٌّ بين الطائفتين وبعد استقرار التعارض فيتساقطان والمرجع هو العموم الفوقاني وما اقتضته القاعدة من فساد الشرط؛ لمخالفته للكتاب أو كونه محرّماً للحلال، هذا إن لم يتمّ المرجّح لإحدى الطائفتين على الأخرى.

 ولكنّ الطائفة الأولى موافقة للكتاب، فتتقدّم بموجبها على صحيحة منصور بزرج، وقد حمل الشيخ& في الاستبصار صحيحة منصور مرّةً على الندب، وقد تقدّم ما فيه، وأخرى على التقيّة([63]).

إلا أنّ النوبة لا تصل إلى المرجّح الثاني إلا في طول عدم تماميّة المرجّح الأوّل.

وثمّة إشكال على صحيحة منصور، وهو أنّها غير معمول بها([64]).

وهذا الإشكال لو تمّ لأخرجها من كلّ المعادلات المتقدّمة من الجمعِ العرفي بينها وبين الطائفة الأولى، وتساقطِهما والرجوع إلى العموم الفوقانيّ، وتعادلِهما والترجيح بأحد مرجّحات باب التعارض، ولكن لعلّ عدم العمل بها لأجل تقديم الطائفة الأولى ولو لشهرتها في نفسها أو شهرة العمل بها كما تقدّم أو موفقتها للكتاب أو مخالفتها للعامّة، وعدمُ العمل إنّما يوهّن لو لم يوجد منشأ اجتهاديّ لعدم العمل.

[زبدة المخض:]

فتحصّل أن ما لا يُعرف الخلاف فيه بين القدماء من فساد شرط الزوجة أن لا يتزوّج عليها- بل هو المشهور- هو المختار والمنصور.

والحمد لله أوّلاً وآخرا، وصلّى الله على محمّد المصطفى وآله النجباء.

([1]) وسائل الشيعة18: 16 ب6 من أبواب الخيار ح1- 4.

([2]) وسائل الشيعة18: 16 ب6 من أبواب الخيار ح5.

([3]) مختلف الشيعة7: 172.

([4]) ولعلّ سرّ تعبيره بـ (المشهور) المستبطن لوجود خلاف ولو من واحد، والحال أنّا لم نقف على مخالفٍ منّا في المسألة إلى زمن العلامة+ (نعم لعلّ السرّ) هو عدم تعرّض جمعٍ إلى هذه المسألة.

([5]) انظر: الخلاف4: 388، غنية النزوع: 349.

([6]) الحدائق الناضرة24: 529.

([7]) وسيلة النجاة وبهامشه تعاليق بعض الأعلام2: 478.

([8]) انظر: منهاج الصالحين للإمام الحكيم+ وبهامشه تعاليق السيّد الشهيد الصدر+2: 296(المسألة3)، منهاج الصالحين للإمام الخوئيّ+ وبهامشه الشيخ الوحيد الخراسانيّ’3: 314 (المسألة1359)، وقد استشكل الشيخ الوحيد في صحّة هذا الشرط، منهاج الصالحين للإمام السيستانيّ’3: 103 (المسألة333)، منهاج الصالحين للمرجع السيّد محمّد سعيد الحكيم’3: 39 (المسألة149)، منهاج الصالحين للميرزا التبريزيّ+2: 353 (المسألة1359)، منهاج الصالحين للسيّد الهاشميّ الشاهروديّ+2: 392 (المسألة1359)، منهاج الصالحين للسيّد الحائري’: 496، ك. النكاح، الفصل السابع في المهر، المسألة3، ولكنّه بحسب ما تحت الخطّ عدل إلى بطلان هذا الشرط.

([9]) انظر: كتاب المكاسب6: 25.

([10]) انظر: كتاب المكاسب6: 26، 27، 33، 34، 41.

([11]) انظر: المرتقى إلى الفقه الأرقى (ك. الخيارات)2: 217.

([12]) مستمسك العروة الوثقى١٣: ٢٧٥.

([13]) فإنّه عامّيّ، وقد ذكر الشيخ& في عدّة الأصول-1: 56-: أنّ الطائفة عملت بروايات العامّة إذا لم يكن لها معارض من طريق الحقّ، وعدّه منهم، وظاهر كلامه& أنّ العمل برواياته لكونه ثقة، ولكنّ السيد الخوئيّ+ نفى ظهور كلام العدّة في ذلك- انظر: التنقيح في شرح المكاسب5= موسوعة الإمام الخوئيّ+40: 33-، ولكنّه+ عدل عن ذلك إلى استفادة الوثاقة في معجمه- 14: 254 (9302)- وفي سائر موارد تعرّضه لحاله، ومنها في صلاة الجماعة- انظر: مستند العروة الوثقى (الصلاة7)= موسوعة الإمام الخوئيّ+17: 339-.

([14]) وسائل الشيعة18: 16 ب6 من أبواب الخيار ح5.

([15]) انظر: كتاب المكاسب6: 25، 26.

([16]) انظر: مصباح الفقاهة5: 289، التنقيح في شرح المكاسب5= موسوعة الإمام الخوئيّ+40: 33

([17]) تهذيب الأحكام7: 468 (1509).

([18]) انظر: مجلّة فقه أهل البيت^ العدد90، (حلّيّة أو حرمة ما مات من السمك في مصيدته)، بقلمي.

([19]) فقد استفاد بعض الإعلام الخدشة في الرواية وقلّة اعتبارها حيث تورد في الزيادات، انظر: غاية المراد في شرح نكات الإرشاد4: 501، مجمع الفائدة والبرهان2: 278، 281، 283، 6: 5، استقصاء الاعتبار5: 210، 6: 289، النجعة في شرح اللمعة4: 172، ولكنّ آخرين يدفعون ذلك، انظر: كتاب الخمس- تقرير بحث المحقّق الداماد+، بقلم الشيخ الجوادي الآمليّ’-: 285، النجعة في شرح اللمعة8: 363، مدارك العروة الوثقى للاشتهارديّ+9: 134.

([20]) وسائل الشيعة23: 219 ب11 من أبواب كتاب الأيمان ح6، 7.

([21]) وسائل الشيعة22: 44 ب18 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه ح2.

([22]) انظر: وسائل الشيعة23: 244 ب19 من أبواب كتاب الأيمان ح2، 22: 44 ب18 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه ح2.

([23]) غنية النزوع: 215.

([24]) انظر: كتاب المكاسب6: 26.

([25]) انظر: منية الطالب في شرح المكاسب، تقرير بحث الميرزا النائينيّ+، بقلم الشيخ موسى الخوانساري&3: 198.

([26]) هو ما طبخ من عصير العنب فذهب ثلثاه.

([27]) وسائل الشيعة22: 44 ب18 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه ح2.

([28]) وسائل الشيعة23: 244 ب19 من أبواب كتاب الأيمان ح2.

([29]) راجع للمزيد: وسائل الشيعة23: 219 ب11 من أبواب كتاب الأيمان ح6، 7.

([30]) رسائل الميرزا القمّيّ- رسالة في الشرط ضمن العقد- 2: 918- 921.

([31]) فإنّ التزام عدم الزواج من أي امرأة لمدّة شهر أو سنة مثلاً هو التزام بترك المباح في بعض مصاديقه الطولية أي بلحاظ الزمان، فلا يحرم. كما أنّ التزام ترك الزواج من هند مثلاً بصورة دائمة هو التزام بترك المباح في بعض مصاديقه العرضية أي بلحاظ الأفراد من هند ودعد وغيرهما، فلا يحرم أيضا. ولكن لو التزم ترك الزواج من هند وغيرها من الأفراد وبصورة دائمة فهو التزام بترك مباح بجميع مصاديقه العرضيّة (الزواج من هند ودعد وغيرهما) والطوليّة ( أي في كلّ قطعات الزمان المتوالية)، فيحرم.

([32]) منية الطالب3: 198.

([33]) حاشية كتاب المكاسب للإصفهاني+5: 150، 151.

([34]) كتاب المكاسب للشيخ الأعظم الأنصاري+6: 31.

([35]) انظر: منية الطالب3: 209، مصباح الفقاهة5: 303، التنقيح في شرح المكاسب5= موسوعة الإمام الخوئيّ+40: 42.

([36]) وسائل الشيعة21: 275 ب20 من أبواب المهور ح1.

([37]) انظر: فقه الصادق22: 199، حلقات الفقه الفعّال للشيخ عليّ أكبر السيفيّ المازندرانيّ2: 167.

([38]) انظر: نظام النكاح في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء للشيخ السبحاني’2: 253.

([39]) انظر: مهذّب الأحكام في بيان الحلال والحرام25: 161.

([40]) وسائل الشيعة21: 276 ب20 من أبواب المهور ح2.

([41]) معجم رجال الحديث20: 31 (12767).

([42]) معجم رجال الحديث20: 33، 34 (12767).

([43]) وسائل الشيعة21: 276 ب20 من أبواب المهور ح3.

([44]) جواهر الكلام31: 96.

([45]) إشارة إلى مضمون الآية الثالثة من سورة النساء.

([46]) وسائل الشيعة21: 277 ب20 من أبواب المهور ح6.

([47]) وسائل الشيعة21: 296 ب38 من أبواب المهور ح1 بإسنادٍ، وبإسناد آخر في22: 35 ب13 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه ح2، والإسنادان معتبران.

([48]) وسائل الشيعة21: 297 ب38 من أبواب المهور ح2.

([49]) وسائل الشيعة22: 35 ب13 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه ح1.

([50]) وسائل الشيعة21: 276 ب20 من أبواب المهور ح4.

([51]) ولا أدري ما سرّ ما قاله الأستاذ السيّد الحائري’ من عدم خلو سندها من ضعف- منهاج الصالحين: 497، ك. النكاح، الفصل السابع في المهر، المسألة3-.

([52]) انظر: مجلّة فقه أهل البيت^، العدد91، (مسجد الاعتكاف)، بقلمي.

([53]) كتاب النكاح للمرحوم الشيخ محمّد عليّ الأراكيّ+: 644.

([54]) انظر: تهذيب الأحكام7: 371، ذيل الحديث(1503).

([55]) رياض المسائل10: 448.

([56]) انظر: كتاب البيع للإمام الخمينيّ+5: 260.

([57]) انظر: كتاب النكاح للمرحوم الأراكيّ+: 644.

([58]) الكافي6: 179 باب الشرط في العتق ح4، وعنه في وسائل الشيعة21: 296 ب37 من أبواب المهور ح1، بأدنى تفاوت.

([59]) وسائل الشيعة23: 27 ب12 من كتاب العتق ح1.

([60]) وسائل الشيعة23: 27 ب12 من كتاب العتق ح3.

([61]) وسائل الشيعة21: 351 ب11 من أبواب المهور ح7.

([62]) انظر: ابتغاء الفضيلة في شرح الوسيلة، للمرحوم المحقّق الشيخ مرتضى الحائريّ+5: 149.

([63]) الاستبصار3: 232، ذيل الحديث (835).

([64]) انظر: كتاب البيع، تقرير بحث الإمام الخمينيّ+ للشيخ القديريّ&: 103.

 


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا