إشكاليّة الفجوة بين الخطاب الدّيني وبين آثاره

إشكاليّة الفجوة بين الخطاب الدّيني وبين آثاره

الملخّص:

يتعرّض الكاتب في مقالته إلى شبهة التّهافت بين النّظريّة والتّطبيق في الخطاب الدّينيّ، فيبدأ بعرض النّظريات في تحديد المعيار الأساس الّتي تبنى عليه تهذيب سلوكيّات المجتمع، فيذكر ثلاث نظريّات: القانونيّة، والذّاتيّة، والعقديّة الدّينيّة، ثمّ ينقد نظريّة القانون والذّات فيخلص إلى تماميّة النّظريّة الدّينيّة، ثمّ يورد إشكالات على النّظرية الدّينيّة من تهافت وتفرقة بين الشّعوب ومساعدة على الجريمة، ويُرجِع الكاتب منشأ الإشكالات إلى الفهم الخاطئ أو القاصر للدّين ووجود موانع بشريّة.

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطّاهرين.

المقدمة:

لا شكّ أنّ سلوك المجتمع يحتاج إلى ضبط من أجل تحصيل الاستقرار، ومن ثمّ ضمان الإنتاجيّة، وسيادة أجواء التّقدّم والنّماء، ومن هنا أُسّست مراكز عديدة تعنى بدراسة ومتابعة مؤشر الجريمة في المجتمع، واهتمّت بتقديم إحصائيّات سنويّة تكشف عن مدى انضباط السّلوك المجتمعيّ؛ من أجل ترتيب الآثار المتناسبة مع حالة المجتمع من هذه الجهة، وقد اهتمّت مراكز أخرى –في خطوة تكامليّة مع جهود مراكز الإحصاء والدّراسة- بإشاعة الأخلاق الفاضلة، ونشر المثل، ومتابعة كيفيّة تأثيرها على نظم المجتمع، واستقراره، وإنتاجيّته.

وقد وقع الخلاف الشّديد بين المنظّرين في تحديد ما يهذّب السّلوك الاجتماعيّ، ولا شكّ أنّ النّظريّة السّائدة في أوساط المجتمعات الإسلاميّة –والدّينيّة بشكل عامّ- هي نظريّة الميزان الدّينيّ والعقَديّ في ضبط السّلوك، وإنّ أعظم وسيلة تفعّل هذا التّنظير كانت –ولا زالت- هي وسيلة الوعظ، والإرشاد، والتّنظير، عبر المحاضرات، والمجالس، والنّدوات، وغيرها من الأنشطة الّتي يسيّرها ما يمكن أن نسمّيه بالخطاب الدّينيّ، مادّةً، وهيئةً، فهو –بعنوانه العريض- الوسيلة الأولى القديمة الحديثة، المستمرّة، رغم متغيّرات الظّروف والزّمان، إلّا أنّها حافظت على نفسها كوسيلة عظمى لبناء الذّات، والمجتمعات، فكريّاً، ومن ثمّ أخلاقيّاً وسلوكيّاً، فإن كان ثمّة خلل في الانعكاسات، والآثار، فلا شكّ أنّ نصيباً كبيراً من هذا الخلل مرجعه إلى طريقة تفعيل هذه الوسيلة خاصّة، إمّا من جهة مادّتها، وإمّا من جهة أسلوبها، أو هما معاً..

من هنا نجد أنّ هذه النّظريّة قد مُنيت ببعض الإشكالات النّقضيّة، والّتي صارت تهدّد الثّقة في الدّين، وتزعزع القناعة به عند بعض المنبهرين بالثّقافة الغربيّة التّحرّريّة، وذلك انطلاقاً من السّؤال القائل: إذا كان الدّين هو الميزان في تهذيب سلوكيّات المجتمع، فما هو السّبب فيما نلحظه من فجوة كبيرة في المجتمعات الدّينيّة بين الأصول الاعتقاديّة الّتي يدعو إليها الدّين في أدبيّات خطابه، وبين السّلوكيات العامّة الّتي تحكم تلك المجتمعات؟! إذ إنّنا نجدها بعيدة كلّ البعد عن مضامين ذلك الخطاب، وهذا ما تسبّب في النّفرة والضّجر منه، وعدم التّأثر به إلّا من خلال ما تمليه بعض ترسّباته وبقاياه البعيدة في جذور التّفكير والاعتقاد عند أبناء المجتمعات الدّينية، فأين هو الخلل؟!

وهذا ما نريد أن نقف عليه في هذه العجالة من خلال التّعرّض إلى جذور المسألة أوّلاً، ثمّ تقديم معالجة مختصرة لهذا التّساؤل ثانياً، وذلك عبر ثلاث نقاط:

الأولى: نستعرض فيها النّظريات الّتي قيلت في تحديد الميزان الّذي على أساسه تُهذّب سلوكيّات المجتمع.

الثّانية: في نقد تلك النّظريّات.

الثّالثة: في جواب السّؤال المتقدّم.

أوّلاً: في عرض النّظريّات

هناك عدّة نظريّات حاولت أن تعطي إجابة على السّؤال القائل: ما هو الميزان الّذي يتمكّن من ضبط الأخلاق، وتهذيب السّلوك في المجتمع؟ وأذكر منها ثلاثاً:

النّظرية الأولى: الميزان القانونيّ

وحاصل هذه النّظريّة: أنّ القانون نفسه -وبغض النّظر عمّا يعبّر عنه من مصالح ومفاسد- قادر على ضبط السّلوك الاجتماعيّ، وذلك بفرضه لتنظيم التّوجّهات السّلوكيّة لدى المجتمع عبر إجراءات مراحله الثّلاث: التشريعيّة أوّلاً، والتّنفيذيّة ثانياً، والقضائيّة ثالثاً، فتتمّ بذلك عمليّة التّهذيب للسّلوك الاجتماعيّ، سواء شكّل هذا القانون بالنّسبة إلى أفراد المجتمع قناعة أم لا، فليس ذلك بالأمر المهمّ، ما دامت النّتيجة على الأرض هي انضباط هذا السّلوك.

النّظريّة الثانية: الميزان الذّاتيّ

وحاصلها: أنّ ما يقوم بضبط السّلوك الاجتماعيّ هو: نفس الاطّلاع على المصالح والمفاسد الّتي ينطلق منها القانون، فتنشر كثقافة عامّة تؤثر في الآراء العامّة، إلى أن تشكّل قناعات لدى أفراد المجتمع، فتجد طريقها للتّطبيق والتّفعيل، دون الحاجة بعدئذٍ إلى عصا القانون، إذ الفرض أنّ أفراد المجتمع سوف تنطلق ذاتيّاً لإصابة تلك المصالح، واجتناب المفاسد.

النّظريّة الثالثة: الميزان العقَديّ والدّينيّ

وهو ميزانٌ يعتمد على الممازجة بين الذّاتيّة والخارجيّة في ضبط السّلوك، انطلاقاً من تقويم العقيدة، وما يترشّح عنها من منظومة أخلاقيّة، وتشريعيّة، وسُننيّة، وهي نظريّة الإسلام في هذا المجال، وملخّص الفكرة هنا أنّنا بحاجة إلى ضبط السّلوك من الجهة الذّاتيّة أوّلًا، وذلك بأن يحمل الفرد عقيدة صائبة عن قناعة تامّة، تدعوه بطبيعتها إلى تفعيلها، والالتزام بمُثُلها.

وهذا ما عدّه بعض المحقّقين من جملة أنماط الحكومات البشريّة، الّتي تؤثّر على سلوكهم تأثيراً كبيراً، يفوق سلطة القانون في كثير من الأحيان؛ لأنّ الانبعاث فيه ذاتيّ، لا مفروض من جهة خارج الذّات، قال شهيد المحراب السّيّد محمّد باقر الحكيم+ في تفسير سورة الحمد: "إنّ دراسة المؤثّرات المختلفة على سلوك المجتمع توضّح لنا أنّ تأثير (العرف العامّ) الّذي لا يمثّل قانوناً ولا شريعة.. على سلوك النّاس، قد يكون أشدّ تأثيراً من أثر القانون والشّريعة في بعض الأحيان..، ومع أنّ تحديد وضبط السّلوك البشريّ قد أوكل إلى الشّريعة والوحي الإلهيّ في النّظريّة الإسلاميّة، إلّا أنّ الشّريعة ذاتها قد اهتمّت بالعرف العامّ؛ نظراً لما له من أهمّيّة خاصّة، وجعلته أداةً لتحقيق الضّبط السّلوكيّ والقانونيّ للإنسان، وعملت على إيجاد الأعراف الّتي تنسجم مع السّلوك الّذي يراد تربية الإنسان المسلم عليه من قبل الشّريعة"[1].

ثم نحن بحاجة أيضاً إلى ضبط السّلوك من الجهة الموضوعيّة، والخارجيّة، بحيث تكون جهة مكمّلة للجهة الأولى، تحمل الفرد على الالتزام وإن لم يصل إلى مرحلة القناعة بالعقيدة، وما يترشّح عنها من منظومة معرفيّة وسلوكيّة.

يقول الشّهيد الصّدر+: "والتّحديد الإسلاميّ للحرّيّة الاجتماعيّة في الحقل الاقتصاديّ على قسمين:

أحدهما: التّحديد الذّاتيّ الّذي ينبع من أعماق النّفس، ويستمدّ قوّته ورصيده من المحتوى الرّوحيّ والفكريّ للشّخصيّة الإسلاميّة.

والآخر: التّحديد الموضوعيّ الّذي يعبّر عن قوّة خارجيّة، تحدّد السّلوك الاجتماعيّ وتضبطه.

أمّا التّحديد الذّاتيّ: فهو يتكوّن طبيعيّاً في ظلّ التّربية الخاصّة، الّتي ينشئ الإسلام عليها الفرد في المجتمع الّذي يتحكّم الإسلام في كلّ مرافق حياته (المجتمع الإسلاميّ). فإنّ للإطارات الفكريّة والرّوحية الّتي يصوغ الإسلام الشّخصيّة الإسلاميّة ضمنها، حين يعطي فرصة مباشرة واقع الحياة وصنع التّاريخ على أساسه.. إنّ لتلك الإطارات قوّتها المعنويّة الهائلة، وتأثيرها الكبير في التّحديد ذاتيّاً وطبيعيّاً من الحريّة، الممنوحة لأفراد المجتمع الإسلاميّ، وتوجيهها توجيهاً مهذّباً صالحاً، دون أن يشعر الأفراد بسلب شيء من حرّيّتهم، لأنّ التّحديد نبَع من واقعهم الرّوحي والفكريّ، فلا يجدون فيه حدّاً لحرّيّاتهم.

ولذلك لم يكن التّحديد الذّاتيّ تحديداً للحرّيّة في الحقيقة، وإنّما هو عمليّة إنشاء للمحتوى الدّاخليّ للإنسان الحرّ، إنشاءً معنويّاً صالحاً، حيث تؤدّي الحرّيّة في ظلّه رسالتها الصّحيحة.

وقد كان لهذا التّحديد الذّاتيّ نتائجه الرّائعة، وآثاره الكبيرة في تكوين طبيعة المجتمع الإسلاميّ ومزاجه العامّ، وبالرّغم من أنّ التّجربة الإسلاميّة الكاملة كانت قصيرة الأمد، فقد آتت ثمارها، وفجّرت في النّفس البشريّة إمكاناتها المثاليّة العالية، ومنحتها رصيداً روحيّاً زاخراً بمشاعر العدل والخير والإحسان، ولو قدّر لتلك التّجربة أن تستمرّ وتمتدّ في عمر الإنسانيّة أكثر ممّا امتدّت في شوطها التّاريخيّ القصير، لاستطاعت أن تبرهن على كفاءة الإنسانيّة لخلافة الأرض، ولصنعت عالماً جديداً زاخراً بمشاعر العدل والرّحمة، واجتثّت من النّفس البشريّة أكثر ما يمكن استئصاله من عناصر الشّرّ، ودوافع الظّلم.

وأمّا التّحديد الموضوعيّ للحرّيّة، فنعني به: التّحديد الّذي يفرض على الفرد في المجتمع الإسلاميّ من خارج، بقوّة الشّرع. ويقوم هذا التّحديد الموضوعيّ للحرّيّة في الإسلام، على المبدأ القائل: إنّه لا حرّيّة للشّخص فيما نصّت عليه الشّريعة المقدّسة، من ألوان النّشاط الّتي تتعارض مع المثل والغايات الّتي يؤمن الإسلام بضرورتها"[2].

ثانياً: النّقد

وبعد الاطّلاع على أصل النّظريّات، ننتقل إلى نقد النّظريّتين الأولتين:

نقد نظريّة الميزان القانونيّ:

هذه النّظريّة نظريّة واقعيّة، إلّا أنّها لا تعالج الجانب المثاليّ، فستبقى لا تضع يدها على السّبب الأساس في انحراف السّلوك الاجتماعيّ، فهي بمثابة المسكّن الّذي لا ينفع كعلاج، إلّا ما يقوم به من احتواء لبعض آثار المرض، وقد يعتاد عليه الجسم، فيفقد حينها حتّى ميزة الاحتواء هذه، وهذا ما نلحظه في كثير من المجتمعات الغربيّة الّتي تتبنّى هذه النّظريّة، إذ إنّها تركّز على سلطة القانون، ولا تهتمّ بالمتبنّيات الفكريّة والعقائديّة لأفراد مجتمعها، وهذا هو السّرّ من وراء انتشار الجريمة هناك.

نقد نظريّة الميزان الذّاتيّ:

وهذه النّظريّة هي الأخرى نظريّة مثاليّة فقط، لا تتعاطى مع الواقع بموضوعيّة؛ إذ إنّها تفترض تجاوب الجميع مع القيم، والمُثُل، وتعتمد على أنّ إدراك المصالح والمفاسد سيشكّل قناعات تحاصر دواعي الانحراف لدى جميع أفراد المجتمع، والحال أنّ هذه الرّؤية بعيدة جدّاً عن الواقع الّذي تضجّ به جميع المجتمعات دون استثناء، حيث لا يخلو مجتمع من ظاهرة القفز على هذه القيم لدى الكثير من الأفراد؛ إمّا لعدم توصّلهم لقناعة المصالح والمفاسد، وإمّا لطروّ الدّواعي الشّخصيّة العديدة الّتي تتعارض وتلك المصالح والمفاسد، فتدعوهم للقفز عليها، وعدم مراعاتها، فإذا افترضنا أنّ هذه النّظريّة ستتمكّن من التّعامل مع من سيتفاعل مع موجة التّثقيف الذّاتيّ بالقيم والمثل، فما هو وجه إغفالها للفئة الّتي لن تتفاعل معها؟!

ثمّ لو فرضنا أنّها ستتمكّن من التّأثير عليها -ولو بعد حين- لتلزمها بالتّفاعل الذّاتيّ مع هذه القيم، فكيف ينبغي التّعامل مع هذه الفئة إلى حين وصولها إلى هذه القناعات؟!

النّتيجة: تبقى أمامنا النّظريّة الإسلاميّة صامدةً؛ إذ إنّها تعالج الاستعداد الذّاتيّ لقبول ما سيقوم بتهذيب السّلوك الاجتماعيّ، وهي في نفس الوقت تتعامل بواقعيّة مـع مـن لا يملك الاستعداد الفعليّ لقبول ذلك، فتلزمه بتقويم سلوكـه -ولو ظاهراً- بقوّة القانون؛ وذلك للحدّ من آثار رغبته في الانحراف عن هذا السّلوك، والشّذوذ عنه.

ثالثاً: الإشكالات وجوابها

غير أنّ النّظريّة الدّينيّة في هذا الشّأن منيت بعدّة إشكالات:

الأوّل: أنّنا لا نجد الانضباط السّلوكيّ في أكثر الدّول الإسلاميّة، بينما نجده في أكثر الشّعوب بعيداً عن الدّين.

والثّاني: أنّنا نلاحظ أنّ فكرة التّحرّر من الدّين هي ما جعل المجتمعات اللادينيّة تتخلّص من عقدة ملاحقة الآخرين، وتصنيفهم، ومن ثمّ: معاداتهم، وهي الّتي جعلت المجتمعات قادرة على التّركيز على المشتركات الإنسانيّة من أجل الانطلاق في البناء، بغض النّظر عن الدّين، والمعتقد، وهذا يتعارض بوضوح مع جعل الدّين ميزانا لضبط السّلوك.

والثّالث: أنّ مظاهر الكبت الدّينيّ في الميزان الدّينيّ لضبط السّلوك تسبّبت في تقييد السّلوكيّات دون قناعة، ممّا ساعد على نشر الجريمة في المجتمعات الدّينيّة، وبالتّاليّ فإنّ ما يعتمد عليه الدّين من توجيه للسّلوك مبني على منهاج التّقليد، والتّعبّد، والوعد، والوعيد، وهو يعالج المسألة بنحو سطحيّ بعيد عن الموضوعيّة، بحيث ينفلت أمام أدنى فرصة سانحة، فلا يكفي أن أجعل المسلم يؤمن بالله تعالى لكي يضبط سلوكه كما نلاحظ بالوجدان، والجنّة والنّار لم تتمكّنا يوماً من صياغة مجتمع فاضل طيلة مسيرة المجتمعات المسلمة على مرّ التّاريخ.

وفي مقام الإجابة، لا بدّ من تسجيل ملاحظتين، أنتقل منهما إلى الإجابة بعد ذلك:

الملاحظة الأولى:

يمكن أن يقال أوّلاً -وقبل كلّ شيء-: إنّ التّجربة الإسلاميّة الكاملة–الّتي تعتمد في تهذيب السّلوك على الميزان الذّاتيّ والخارجيّ معاً- لم تتمّ إلّا في أمد قصير، وذلك في عهد النّبيّK، وعهد علي×، ونسبة إلى ذلك المجتمع الّذي كان مغموراً في أسس الجاهليّة، ومبادئها الرّخيصة، فإنّ هذه التّجربة قد أثبتت نجاحاً باهراً في تكوين المجتمع وتهذيب سلوكه نسبيّاً، إذ انتشلته من حضيض الجهل، حتّى كوّنت له اسماً تحت ظلّ حكومة فتيّة بقيادة النّبيّK، ورغم ذلك لم تتسنّ الفرصة للانتقال إلى مرحلة التّقدّم الّتي تعقب مرحلة التّأسيس، والّتي عادةً ما تتّسم بكثير من الفوضى، والحروب، والتّهديدات الدّاخليّة والخارجيّة، والموانع والعوائق، ثمّ جاءت حكومة عليّ× بنفس النّمط، حيث إنّه كان يقاتل على التّأويل، كما قاتل النّبيّK على التّنزيل، فكلتاهما كانتا حكومة مرحلة تأسيس في فترة زمنيّة قصيرة جدّاً، لم تتجاوزا معاً مدّة العشرين سنة، جاءت ثانيتهما بعد فصل تدميريّ دام أكثر من ثلاثين عاماً..

وبالتّاليّ يمكن أن يقال: إنّه لم تسنح الفرصة لبروز حكومة إسلاميّة كاملة الجوانب، تحت إدارة المعصوم، من أجل تبيّن نجاح التّجربة فيما يتعلّق بميزان النّظريّة الإسلاميّة في تهذيب سلوك المجتمع، ومهما سيق من تجارب للمقارنة في هذا الشّأن، سوف يبقى غير متكافئ من حيث الفرص، فلا تصحّ به المقارنة حينئذٍ.

يقول الشّهيد الصّدر+: "وناهيك من نتائج التّحديد الذّاتيّ، أنّه ظلّ وحده هو الضّامن الأساسيّ لأعمال البرّ والخير في مجتمع المسلمين، منذ خسر الإسلام تجربته للحياة. وفقد قيادته السّياسيّة وإمامته الاجتماعيّة، وبالرّغم من ابتعاد المسلمين عن روح تلك التّجربة والقيادة بعداً زمنيّاً امتدّ قروناً عديدة، وبعداً روحيّاً يقدّر بانخفاض مستوياتهم الفكريّة والنّفسيّة، واعتيادهم على ألوان أخرى للحياة الاجتماعيّة والسياسيّة.. بالرّغم من ذلك كلّه فقد كان للتّحديد الذّاتيّ، الّذي وضع الإسلام نواته في تجربته الكاملة للحياة، دوره الإيجابيّ الفعّال، في ضمان أعمال البرّ والخير، الّتي تتمثّل في إقدام الملايين من المسلمين بملء حرّيّتهم، المتبلورة في إطار ذلك التّحديد، على دفع الزّكاة وغيرها من حقوق الله، والمساهمة في تحقيق مفاهيم الإسلام عن العدل الاجتماعيّ، فماذا تقدر من نتائج في ضوء هذا الواقع، لو كان هؤلاء المسلمون يعيشون التّجربة الإسلاميّة الكاملة، وكان مجتمعهم تجسيداً كاملاً للإسلام، في أفكاره وقيمه وسياسته، وتعبيراً عمليّاً عن مفاهيمه ومثله؟!"[3].

الملاحظة الثانية:

حين نقارن شيئاً بآخر، فإنّه ليس من الإنصاف أن نأخذ الجزء الحسن الّذي يتميّز به الشّيء الأوّل، ثمّ نقارنه بالجزء القبيح الّذي يتميّز به الشّيء الثّاني، والحال أنّ كلا المقارنَين فيه جزء حسن، وجزء قبيح، والإنصاف يقضي بضرورة ملاحظة المقارنَين معاً على نحو المجموع، بكلّ ما يمتلكه واقعهما من حسن وقبيح، ثمّ نخلص إلى النّتيجة بعد معاملات كسر وانكسار، والمقارنة بين المجتمعات الإسلاميّة وغيرها من حيث الحضارة، حتّى يكون منصفاً، لا بدّ أن يتّخذ هذا المنحى الجمعيّ من قراءة التّجربتين، فقد يتحلّى المجتمع الغربيّ ببعض القيم الجيّدة، كاحترام الوقت، واحترام الإنسان في الجملة، وحسن التّدبير المعيشيّ، والتّطوّر الصّناعيّ الرّفاهيّ، إلّا أنّه –لا شكّ- يعاني في نفس الوقت من تحلّل خُلُقيّ، وتفسّخ اجتماعيّ كبير، وتفكّك عائليّ خطير، أدّى إلى التّهتّك والفجور واختلاط النّسل، وما مئات المراكز الّتي تأوي أطفالاً لقطاء ثمار الشّهوة المحرّمة -والإحصاءات حول هذا الأمر كثيرة-، وآلاف العجزة الّذين يموتون في بيوتهم لا يُعرف بموتهم إلّا بعد أيّام من خلال رائحة الجثث الّتي تفوح على الجيران، وملايين الضّحايا الّتي عانت من الغزو الاستعماريّ والثّقافيّ الّذي قامت عليه حضارة الغرب اليوم –ولا زالت تمارس نفس الدّور بأثواب مختلفة-، وغير ذلك الكثير، إلّا شاهداً بسيطاً على هذا الانحلال، والانفلات السّلوكيّ المدمّر، فلماذا لا تُدخل هذه الصّورة في معادلة المقارنة؟!

إذاً: لا يمكن أن يقال: (إنّ ميزان الدّين في ضبط السّلوك ليس سويّاً، بدلالة أنّ الدّين مفقود في الغرب، إلّا أنّهم يتحلّون بالانضباط السّلوكيّ، ونحن لا نتحلّى به رغم وجود الدّين)، إذ إنّ ذلك مبتنٍ على مقارنة زائفة منقوصة.

الجواب التّفصيليّ:

والجواب التّفصيليّ عن سائر ما ذكر من إشكالات يتمثّل في بيان طبيعة العلاقة الّتي ينبغي أن تجمع بين النّظريّة والتّطبيق من وجهة نظر دينيّة، ونقول باختصار: هناك عدّة مشاكل ينبغي أن تعالج في سبيل تقليص الفجوة بين النّظريّة والتّطبيق، أذكر منها اثنتين:

المشكلة الأولى: فهم الدّين خطأً من جهة نفس مبادئه، وقيمه الأساسيّة، فإنّ هناك من يفهم الدّين على نحو الإرهاب مثلاً، ومصادرة الآراء، وإلغاء الآخر، وسلب حقّه في الحياة، فهذا لديه مشكلة في فهم أصل مبادئ الدّين، وهي مشكلة منتشرة حاليّاً في بعض الوطن الإسلاميّ لها أسباب عديدة، وهناك من يفهم الدّين على أنّه مجرّد طقوس سطحيّة، وهناك من يفهم الدّين على أنّه أطروحة فرديّة لا اجتماعيّة، وهكذا تتعدّد الأفهام السّقيمة المحمَّلة على الدّين، وبالتّاليّ تنتج عندنا فجوة كبيرة بين الدّين وتطبيقه من قبل المسلمين على أرض الواقع، وبالتّالي لن تجد مبادؤه طريقها إليه.

المشكلة الثّانية: فهم الدّين كنظريّة فكريّة، دون فهمه كنظريّة سلوكيّة، وهذه هي المشكلة الأعظم؛ لأنّها مشكلة خفيّة غير محسوسة، وتوضيح ذلك:

أنّنا تارة نؤمن بالدّين من زاوية التّلقّي العقليّ، وأخرى نؤمن به من زاوية التّلقّي القلبيّ، وما هو مطلوب هو الثّاني لا الأوّل، نعم، التّلقّي العقليّ للدّين يمكن أن يكون بداية لفهم نفس الأطروحة، إلّا أنّ ذلك ليس كافياً في الانفعال مع هذه الأطروحة، ولذلك يركّز الدّين على تهذيب القلب، وجعله موضعاً ومنطلقاً لفهم الدّين، وضرورة أخذ الدّين بتعاطف ممزوج بالفكر، لا الفكر وحده، ولا العاطفة وحدها، وهذا الأمر واضح جدّاً في أدبيّات الدّين، ومدرَك لدى كافّة المسلمين، إلّا أّنه بحاجة إلى بحث مستقل لإثباته بنحو موسّع لبيان العديد من أبعاده المهمّة، ولكنّني أعرض عن ذلك، وأكتفي بهذا الشّاهد: قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}(البقرة‏: 225).

سؤال:

يأتي هنا هذا التّساؤل -وأختم به-: إذا كانت هذه الفكرة بهذا الوضوح، فلماذا نجد كثيراً من النّاس يعانون من مشكلة فجوة التّطبيق هذه؟! ولماذا لا نرى البلدان الإسلاميّة تتلقّى الدّين قلبيّاً، فتتحلّى بعد ذلك بقيم الإسلام، لتعطي صورة عن المجتمع الفاضل وفق الرّؤية الإسلاميّة المدّعاة؟!

هنا عدّة احتمالات، منها:

1ـ عدم القناعة الفكريّة بأطروحة الإسلام من الأصل، فيتسبّب ذلك بعدم الانتقال إلى مرحلة تطبيق المبادئ الفكريّة له سلوكاً، وعملاً.

وهذا مستبعد؛ إذ إنّ النّقاشات النّظريّة المنتشرة بين أوساط عامّة المسلمين، تعطي صورة واضحة عن مدى قناعتهم نظريّاً بأطروحة الإسلام، وهم يدافعون عنها بأفهامهم المختلفة لها إلى الحدّ الّذي يتسبّب بخلافات شديدة بينهم، فهذه الأطروحة ليست مهملة عندهم.

2ـ الصّعوبة من حيث نفس التّطبيق، وذلك باعتبار صعوبة نفس المثل والقيم الّتي يقدّمها الدّين، وكونها مثاليّة لا تحاكي الواقع.

وهذا أيضاً ليس صحيحاً؛ ذلك أنّ الإسلام دين اليسر، وتكفي إطلالة سريعة على تركيبته الفقهيّة لإدراك ذلك، وقد نطقت بذلك مجموعة كبيرة من الآيات والرّوايات الّتي لا تخفى.

3ـ الاستجابة والاستسلام للموانع مع وجود المقتضي.

وهذا هو الأقرب؛ فالمقتضي للاقتناع بالدّين وأطروحته، وقوانينه، وأحكامه، حاضر، فاعل، وذلك لفطريّة الدّين، إلّا أنّ الموانع من تطبيق تلك الأمور المتلائمة مع الفطرة كثيرة، والإنسان يسلّم نفسه إليها، فتتقاذفه بعيداً عن تلك القيم، والمُثُل، فيظهر ذلك على شكل انفلات سلوكيّ اجتماعيّ لا ينسجم مع روح ما يؤمن به المجتمع.

فعلينا أن نفتش عن هذه الموانع من أجل رفعها، ومن أهمّها الجهل، وقلّة البصيرة، والتّشوه الفكريّ الهجين، والاستجابة إلى الشّهوات، والرّغبة في التّحرّر من القيود، والاشتباه في تحديد الرّؤية الكونيّة، والانصياع إلى المواريث الخاطئة الّتي تفرضها البيئة المجتمعيّة، وغير ذلك الكثير، وهي موانع على أصحاب الخطاب الدّينيّ –بدرجة أولى- أن يهتمّوا لجردها، وتحليلها، وتحويل الوقوف عليها مليّاً إلى برنامج عمل؛ لأنّها تشكّل التّحدّيات الخطيرة الّتي تحول دون وصولهم إلى هدفهم من وراء تحريك الخطاب الدّينيّ في أوساط المجتمع الدّينيّ واللادينيّ، فعليهم أن يسيروا بناءً على رؤية واضحة تقف على ما هو حاصل فعلاً، من أجل تحديد الاحتياجات، وتشخيص التّحدّيات، ليكون خطابهم المؤسِّس والمعالِج دقيقاً، يصل إلى أهدافه دون أن يزيد في الطّين بلّة، وهذا ما يحتاج إلى مقالة مستقلّة نتركها إلى حينها إن وفق الله تعالى.

والحمد لله ربّ العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] تفسير سور الحمد، السيد محمد باقر الحكيم، ص183.

[2] اقتصادنا، السيد محمد باقر الصدر، 286.

[3] اقتصادنا، السيد محمد باقر الصدر، ص285.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا