إشكالية التهافت بين موقف الإمامين الحسن والحسين

إشكالية التهافت بين موقف الإمامين الحسن والحسين

مقدمة:

مرَّ التاريخ الإسلاميّ بمنعطفات كثيرة بعد رحيل رسول الله|. ومن أهم تلك المنعطفات التي ألقت بظلالها على واقع الأمة هو صلح الإمام الحسن× مع معاوية(لعنه الله)، وحرب الإمام الحسين× مع يزيد.

وشكّل كل من صلح الإمام الحسن× وحرب الإمام الحسين× حركة تصحيحيّة لواقع الأمة وما اعتراها من انحراف استهدفها في كيانها وعقيدتها.

ولكن مع الأسف الشديد، ابتليت حركة كلٍ من الإمام الحسن والحسين‘ بمجموعة من الإثارات البعيدة كل البعد عن الموضوعية والإنصاف. وأشد ما كان، هو ما اُبتلى به الإمام الحسن× من تحريف لتاريخه الجهادي، بل يتمادى في تشويه نفسيته وشخصيته المباركة.

والكلام يقع في بيان إشكاليّة التهافت التي نسبها البعض لموقف الإمامين الحسن والحسين‘؛ وذلك ببيان ذكر الطرق المختلفة لمعالجة هذه الإشكالية، والوقوف على المنهج الصحيح لقراءة تاريخ الأئمة وتفسير حركتهم، انتهاءً بذكر الأسباب التي دعت الإمام الحسن× للصلح مع معاوية (لعنه الله)، وموقف الإمام الحسين× من صلح الإمام الحسن×، وهل رفض الحسين× صلح الإمام الحسن× كما صورّه البعض أم لا.

إشكال التهافت:

أليس في موقف كلّ من الإمام الحسن والحسين‘ نوع من أنواع التناقض وعدم التوافق في كلا المنهجين، فأحدهما صالحَ البيت الأموي والآخر حارب، فما الدّاعي إلى هذا الاختلاف في التعامل؟

فهل هناك تهافت فعلاً، أم أن المشروع واحد والمنهجية مختلفة لاختلاف عنصر الوقت والظروف الموضوعية التي حتّمت على كل من الإمامين‘ اتخاذ موقف مغاير؟

والوقوف أمام معالجة هذه الإشكاليّة قد يكون بثلاثة طرق:

الطريق الأول: يتم عبر إثبات إمامة كل من الإمام الحسن والحسين‘، وذلك عبر الروايات المتواترة، والأدلة العقلية في هذا المقام، وإثبات عصمتهما‘، وبذلك يتضح سلامة موقف كل من الإمام الحسن والحسين‘.

وهذا الطريق وإن كان طريقاً ناجعاً ومثمراً في بيان صوابية موقف كل من الإمام الحسن× والإمام الحسين×، إلا أنه لا يتكفّل بدراسة العناصر المؤثِّرة في اتِّخاذ موقف كل من الإمامين، ولا يقف على الظروف والملابسات الموضوعية التي أدَّت للاختلاف في الموقف.

الطريق الثاني: وهذا الطريق يعتمد اعتماداً كاملاً على دراسة موقف كل من الإمام الحسن والحسين‘ دراسة موضوعية بغضّ النظر عن ذواتهم ومقاماتهم.

وهذا الطريق بعيد كل البعد عن الموضوعية، لأن شخصيات أهل البيت^ لم تكن شخصيات عادية، وإنما كانوا عِدْل القرآن بنصِّ حديث الثقلين، وقد أمرنا النبي| بالتمسك بهم والأخذ بحجزتهم. ثانياً: إن القائد هو أحد أهم العناصر المهمة لدراسة أي واقعة لما له من مدخلية في تحديد المنطلقات وسلامتها.

الطريق الثالث: وهو الطريق الذي سنتّبعُه في هذه المقالة، وهو الدراسة التي تقوم على أساس وتحليلٍ موضوعي من غير استبعاد لما يحتلّه الإمامان الحسن والحسين‘ من دور وشخصية في كيان الأمة الإسلامية.

وهذا الطريق، هو الطريق القادر على حلِّ هذا النوع من الإشكاليات التي تدعي التهافت في موقف الأئمة^، لما يشّكله من دراسة شاملة مترابطة لمشروع الأئمة^.

والكلام حول هذه الإشكاليّة يقع في ثلاث نقاط:

النقطة الأولى: منهج دراسة وقراءة حياة الأئمة^، فما هو الموقف الصحيح لقراءة ودراسة حياة الأئمة^؟

النقطة الثانية: ما هي أهداف الأئمة^؟

النقطة الثالثة: أسباب الصلح واختلاف أسلوب الإمام الحسن عن الإمام الحسين‘.

النقطة الرابعة: هل كان موقف الإمام الحسين× مخالفاً لموقف الإمام الحسن× كما يصوِّره بعض من كتب في التاريخ أم لا؟

النقطة الأولى: المناهج التاريخية:

تعدَّدت المناهج لدراسة سيرة الأئمة^، ونستطيع أن نستقرئها كالتالي:

المنهج (التجزيئي السردي):

يستعرض هذا المنهج سيرتهم من ناحية تواريخ الولادة والوفاة، ومواقفهم وكلماتهم وفضائلهم، وهذا نلحظه في كثير من الكتب التي أُلِّفت وفق هذا المنهج.

ولا شكّ أن هذا المنهج يشكِّل حلقة أولى من حلقات دراسة حياة الأئمة، وله مجموعة من الخصائص:

1ـ يُقدِّم لنا بطاقات تعريفية عن الأئمة، وهذا لا توفره المناهج الأخرى، وهذا مطلوب لإثبات تشخيص الإمامة على مستوى المِصداق، فمن هو الإمام، وما هو اسمه، وأين ولد، ومتى توفي. ولولا هذا المنهج، لأنكر الكثيرون وجود الأئمة كما حدث في إنكارهم لوجود الإمام المهدي#.

2ـ يُقدِّم لنا القدوة الحسنة في مجال التطبيق العملي، فيرسم للأمة منهجاً في التعامل مع الأمور العبادية والسلوكية والأخلاقية والاجتماعية.

3ـ يُبيِّن لنا خصائص الأئمة وفضائلهم النفسية وكراماتهم التي لها الأثر الكبير في إشعال جذوة حبهم في النفوس والاقتداء بهم.

4ـ يشكِّل مرحلةً أوليةً من مراحل الدراسة الكلية، فإن كثيراً من مواقفهم وأخلاقهم وسماتهم لها مدخلية في فهم أهدافهم وحركتهم.

وهذا المنهج وإن كان مطلوباً ومفيدا ً، إلا أنهُ لا يقدِّم لنا تحليلاً واضحاً لمواقفهم ^. إضافة لعدم قدرته على دراسة حياة الأئمة كمشروع واحد.

المنهج (التجزيئي التحليلي):

ويقوم هذا المنهج على دراسة حياة كل إمام بشكل مستقل بعيداً عن القاسم المشترك فيما بينهم، فيدرس حياة كل إمام، ويحلّل مواقفه وأهدافه التي انطلق منها في كل حادثة، بعيداً عن النظر لحياة الأئمة الآخرين^.

وهذا المنهج أيضا مطلوب بشكل كبير؛ لأنه يجعلنا نحيط بمواقف كل إمام وظروفه الزمانية والمكانية، ويجعل الدراسة أكثر استقصاء ودقةً.

ولكن هذا المنهج قاصر عن النظر لحياة الأئمة^ كمشروع متكامل، تتكامل فيه الجهود للوصول للأهداف الأساسية التي كان الأئمة^ يصبون إليها. ولكن تنبع ضرورة هذا المنهج من أنه يشكِّل حلقة أخرى من حلقات المنهج المتكامل.

المنهج (الشمولي التحليلي) أو ما يطلق عليه بـ (المنهج الترابطي):

 وهو أن يُنظَر لحركة الأئمة خلال عمرهم المبارك، كمشروع متكامل، تعدَّدت سبُلُه وأدواتُه واتّحدت أهدافه وغاياته.

فندرس حياة كل إمام، لكن ندرسه كجزء من مشروع متكامل، بدأت معالمه في حياة أمير المؤمنين× إلى حياة صاحب العصر والزمان#.

وهذا المنهج يُقدِّم لنا:

تفسيراً شاملاً لمواقف جميع الأئمة^ وفهماً مترابطاً، نستطيع من خلاله حلّ هذه الإشكالات التي تدَّعي وجود تهافت في موقف الأئمة^. فنعرف لماذا حارب الحسين×، ولماذا صالح الحسن×، ولماذا اتخذ الإمام السجاد× أسلوب الدعاء في مواجهة المشروع الأموي لتمييع العالم الإسلاميّ بالفجور والغناء، ولماذا اتخذ الإمام الصادق× أسلوب العلم وتخريج الفقهاء والعلماء، ولماذا اتخذ الإمام الكاظم× أسلوب المواجهة مع هارون، ولماذا قبِل الإمام الرضا× بولاية العهد. هذا المنهج كفيل ببيان حياة الأئمة^ كمشروع متكامل، أراد منه الأئمة^ أهدافاً استراتيجيةً بعيدة المدى، ولكن اختلفوا في الأسلوب بلحاظ اختلاف الزمان والمكان والظروف الموضوعية.

والبحث عن وجود دور مشترك للأئمة^ ليس نابعاً من افتراضات نفترضها لنبرر مواقف الأئمة التاريخية، وإنما هو مما تفرضه أصل مسألة الإمامة التي جعلها الله§ حصناً حصيناً للأمة، وامتداداً طبيعياً لمسألة الرسالة والنبوة[1]. فإن الإمامة أُنيطت بها مسؤولية قيادة الأمة فكرياً وسلوكياً واجتماعياً وقرآنياً وإن أبُعدوا عن الخلافة السياسية التي كانت حقاً لهم ومن وظائفهم.

وإناطة هذه المسؤولية الحساسة تستدعي أن يسير الأئمة^ وفق برنامج ثابت الخُطى، تتبدَّل فيه المواقف بتبدُّل التحديات للحفاظ على الهدف الأساسي الأسمى وهو حفظ الشريعة والدين.

وقبل الدخول في معرفة أسباب وظروف صلح الإمام الحسن×، لا بدَّ من معرفة أهداف الأئمة^، لما لها من مدخلية في تحديد مواقفهم واختلاف مناهجهم.

النقطة الثانية: أهداف الأئمة:

إن أهم هدف حرص الأئمة ^أن يبذلوا بإزائه الغالي والنفيس هو:

1ـ الحفاظ على الرسالة الإسلامية ومصالح الأمة، وتحصينها ضدَّ الانحراف عن مبادئها وقيمها، وحفظ الإسلام على المستوى النظري سليماً من أي تحريف.

2ـ صناعةِ مجتمع على أساس التوحيد والعدل الإلهي وتكريم الإنسان.

لذلك؛ مَنْ فسّر مواقف الأئمة بالتناقض والتهافت، وجَعَلَ محورية حركة الأئمة^ منوطة بمسألة الخلافة قد أخطأ خطأً منهجياً واضحاً، وذلك: أنّ الأئمة^ اعتبروا الحكومة أداةً لبناء المجتمع على أسسه الدينية، وليست هدفاً وغايةً، فلم تكن الحكومة في حدِّ نفسها هدفاً مقصوداً، وإنما وسيلة لتحقيق الهدف الأكبر وحقٌ سخت عليه نفوس قوم.

وهذا ما نتلمّسه من كلمات أمير المؤمنين× في نظره لمسألة الخلافة:

الكلمة الأولى: قالها× عندما زُوِيَت الخلافة عنه:

- >لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي وَوَاللهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ‏ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِه<[2].

الكلمة الثانية: قالها× عندما وصلت الخلافة إليه إلقاءً للحجة:

- >دَعُونِي‏ وَالْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُول<[3].

الكلمة الثالثة: قالها× بعد أن وصلت إليه الخلافة:

- >أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ وَمَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَلَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ<[4].

- وقال لابن عباس بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ: >مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟< فَقُلْتُ: لا قِيمَةَ لَهَا، فَقَالَ×: >وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً <[5].

 فلم يكن مشروع الأئمة^ هو الحصول على الخلافة الظاهرية، وإنما كان مشروعهم الذي بذلوا فيه أنفسهم الشريفة هو حِفظ الدين وتقويم الاعوجاج في هذه الأمة.

النقطة الثالثة: أسباب الصلح والحرب:

نتعرَّض فيها للظروف التي أدِّت إلى صلح الإمام الحسن× مع البيت الأموي ونستعرض فترة الستة شهور، التي حكم فيها الإمام الحسن× وما رافقها من أحداث أليمة، والظروف التي أحاطت بها.

السبب الأول: عدم وجود الناصر:

وهذا ما عبَّر عنه الإمام الحسن× في مواقف مختلفة، منها ما ورد في هذه الرواية المؤلمة:

- عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنَّا قَالَ: "أَتَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ× فَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ| أَذْلَلْتَ رِقَابَنَا وَجَعَلْتَنَا مَعْشَرَ الشِّيعَةِ عَبِيداً مَا بَقِيَ مَعَكَ رَجُلٌ" فَقَالَ >وَمِمَّ ذَاكَ< قَالَ: "قُلْتُ بِتَسْلِيمِكَ الْأَمْرَ لِهَذَا الطَّاغِيَةِ" قَالَ: >وَاللَّهِ مَا سَلَّمْتُ الْأَمْرَ إِلَيْهِ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ أَنْصَاراً وَلَوْ وَجَدْتُ‏ أَنْصَاراً لَقَاتَلْتُهُ لَيْلِي وَنَهَارِي حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَلَكِنِّي عَرَفْتُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَبَلَوْتُهُمْ ولَا يَصْلُحُ لِي مِنْهُمْ مَا كَانَ فَاسِداً إِنَّهُمْ لَا وَفَاءَ لَهُمْ وَلَا ذِمَّةَ فِي قَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ إِنَّهُمْ لَمُخْتَلِفُونَ وَيَقُولُونَ لَنَا إِنَّ قُلُوبَهُمْ مَعَنَا وَإِنَّ سُيُوفَهُمْ لَمَشْهُورَةٌ عَلَيْنَا<[6].

والأمر وإن كان قد جرى في حركة الحسين×، فلم يجداً ناصراً ينصرهُ في يوم عاشوراء، إلا أن الإمام الحسن× قد تولى إدارة معركة غير متكافئة، ابتلى فيها بجيش سادت فيه حالات الغدر والخيانة، وكان الإمام× معرَّضاً؛ لأنْ يغتال من قبل أحد المندسين، فتذهب جهوده أدراج الرياح، ولا تؤتي النهضة ثمارها المرجوة.

السبب الثاني: الحفاظ على نفوس شيعته:

فإنّ الدخول في مثل هذه المعركة غير المتكافئة من ناحية العدد وغير المؤتية للثمار المطلوبة، كان يستدعي من الإمام× أن يفكِّر في نفوس تلك القلّة القليلة التي إن سُفِكَت دماؤها، فإنّ ذلك الدم سيكون بارداً أمام تحقيق الهدف الذي كان يرجوه.

وننقل الرواية كاملةً لما فيها من أمور مهمة:

- روى الشيخ الصدوق+ في (علل الشرائع) بسنده عن أبي سعيد الّذي يسأل الإمام الحسن× عن السبب الّذي دفعه إلى الصلح مع معاوية مع أنّه× يعلم أنّه على الحقّ وأنّ معاوية ضالّ وظالم، فأجابه الإمام×: >يَا أَبَا سَعِيدٍ أَلَسْتُ حُجَّةَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى خَلْقِهِ وَإِمَاماً عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَبِي× قُلْتُ: بَلَى قَالَ أَلَسْتُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ| لِي وَلِأَخِي الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا قُلْتُ بَلَى- قَالَ فَأَنَا إِذَنْ إِمَامٌ لَوْ قُمْتُ وَ أَنَا إِمَامٌ إِذْ لَوْ قَعَدْتُ يَا أَبَا سَعِيدٍ عِلَّةُ مُصَالَحَتِي لِمُعَاوِيَةَ عِلَّةُ مُصَالَحَةِ رَسُولِ اللَّهِ| لِبَنِي ضَمْرَةَ وَبَنِي أَشْجَعَ وَلِأَهْلِ‏ مَكَّةَ حِينَ‏ انْصَرَفَ‏ مِنَ‏ الْحُدَيْبِيَةِ أُولَئِكَ كُفَّارٌ بِالتَّنْزِيلِ وَمُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ كُفَّارٌ بِالتَّأْوِيلِ يَا أَبَا سَعِيدٍ إِذَا كُنْتُ إِمَاماً مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَجِبْ أَنْ يُسَفَّهَ رَأْيِي فِيمَا أَتَيْتُهُ مِنْ مُهَادَنَةٍ أَوْ مُحَارَبَةٍ وَإِنْ كَانَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَيْتُهُ مُلْتَبِساً أَلَا تَرَى الْخَضِر× لَمَّا خَرَقَ السَّفِينَةَ وَقَتَلَ الْغُلَامَ وَأَقَامَ الْجِدَارَ سَخِطَ مُوسَى× فِعْلَهُ لِاشْتِبَاهِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ فَرَضِيَ هَكَذَا أَنَا سَخِطْتُمْ عَلَيَّ بِجَهْلِكُمْ بِوَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ وَلَوْلَا مَا أَتَيْتُ لَمَا تُرِكَ مِنْ شِيعَتِنَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ<[7].

السبب الثالث: عدم تكشف معالم المشروع الأموي:

فإنّ بني أمية كانت تخطِّط لمشروع خطير، وهو تحويل مسألة الخلافة السياسية إلى ملكية وراثية، يحتلّها الفجار والفساق، وذلك قول أبو سفيان(لعنه الله): "يا بني أمية! تلقّفوها تلقّف الكرة، فما هناك جَنّـة ولا نار".[8]

وهذا الأمر لم يكن واضحاً في زمان معاوية، لأن معاوية (لعنه الله) كان يتظاهر بالإسلام، وأحاط نفسه بمجموعة من النفعيين الذي سطَّروا له الأقلام والروايات. فكان الأمر يحيطه شيء من الضبابية.

لكن في زمن يزيد (لعنه الله)، تساقطت جميع الأقنعة واتّضحت معالم المشروع بشكل واضح، فتوّلى ولاية المسلمين شاب فاسق، قتل الحسين×، وأباح المدينة ثلاثة أيام، ورمى الكعبة بالمنجنيق.

ولذلك؛ كان هدف الإمام الحسن× هو كشف الانحراف، وكان على الحسين× محاربة ذلك الانحراف.

هدف الأئمة^ كان بيان هذا الانحراف الذي حصل على مستوى الإمامة والخلافة، لإعادة البوصلة إلى مسارها الصحيح، لأنّ المقاييس كانت قد انقلبت.

النقطة الرابعة: موقف الإمام الحسين× من صلح الإمام الحسن×:

ادّعى بعض المؤرِّخين من أبناء العامة أن الحسين× كان رافضاً لصلح الإمام الحسن×، وأنه كان كارهاً لما قد صدر من صلح من قبل الإمام الحسن×.

ونقف على موقف الإمام الحسين× في زمانين:

الزمان الأول: موقفه في أيام حياة الإمام الحسن×:

وكان موقفه موقف المطيع للإمام الحسين× والمؤيّد لخطواته المباركة، وذلك بعدّة أدلة:

الأول: ما نقل من رفضه لبيعة بعض أهل الكوفة، ممن جاؤوا لرفض موقف الإمام الحسن×.

الثاني: ما ورد عن أئمة أهل البيت^ حول وجود إمامين وكون أحدهما ناطقاً والآخر صامتاً، نأخذ موضع الشاهد من الرواية:

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: قُلْتُ لِلصَّادِقِ× فَهَلْ يَكُونُ إِمَامَانِ فِي وَقْتٍ‏ وَاحِدٍ؟ قَالَ×: >لَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا صَامِتاً مَأْمُوماً لِصَاحِبِهِ وَالْآخَرُ نَاطِقاً إِمَاماً لِصَاحِبِهِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَا إِمَامَيْنِ نَاطِقَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَا<[9].

الثالث: كون الحسين أحد أطراف هذا المشروع المتكامل: فالحسين× أحد أطراف المشروع المتكامل الذي أراد أهل البيت^ النهوض به، وهو حفظ الدين وإحياء الشرعية وبناء المجتمع الصالح، وغياب سمات هذا المشروع بعيد جدًا عن أحد أركان هذا المشروع وهو الإمام الحسين×.

الزمان الثاني: موقف الإمام الحسين× بعد استشهاد الإمام الحسن×:

تُوفي الإمام الحسن× في سنة الخمسين للهجرة، ومات معاوية (لعنه الله) في السنة الستين للهجرة. وبقي الحسين× على معاهدة الصلح عشر سنوات كاملة، وقد أكثر أصحابه من دعوته للنهوض ضدَّ معاوية، ولكنه لم ينهض إلا بعد موت معاوية.

وهذا يكشف لنا عن أمور:

1ـ أنّ الحسين× مع الحفاظ على أصل عصمته، لو قام بموقف مغاير لما قام به الإمام الحسن×، لعُدَّ تهافتاً وتضارباً بين موقف كلٍّ من الإمامين، إلا أننا نرى هذا النوع من التوافق المنسجم.

2ـ أنّ الظروف الموضوعية هي التي اقتضت أن يصالح الحسن× ويحارب الحسين×، ولو تبدَّل الزمان، لأخذ الحسين× أيضاً موقف الصلح وحارب الحسن× يزيد(لعنه الله). فالظرف الموضوعي هو الذي حدَّد التكليف ومنهج التحرك للائمة^، ولكن بموت معاوية انتهت مرحلة المصالحة، وتكشَّفَت معالم المشروع الأموي، فبدأت بذلك مرحلة المواجهة.

هل كان الإمام الحسين× كارهاً للصلح؟

نقل البلاذري كلمة عن الحسين×، وجّهها البعض في رفض الحسين× لموقف الصلح من قبل الإمام الحسن×:"قد كان صلحٌ وكانت بيعةٌ كنتُ لها كارهاً، فانتظروا ما دام هذا الرجل حيّاً، فإن يهلك نظرنا ونظرتم... ليكن كلّ امرئ منكم حلساً من أحلاس بيته، ما دام هذا الرجل حيّاً، فإن يهلك وأنتم أحياء، رجونا أن يخيّر الله لنا ويؤتينا رُشدنا"[10].

وبعيداً عن سند هذه الرواية، فإننا نتوَّقف عند عدَّة أمور فيها:

الأمر الأول: قوله: "كان صلح وكانت بيعة"؛ لا يبيِّن رفض الحسين× لما قام به الإمام الحسن×.

الأمر الثاني: قوله "قد كنت لها كارهاً"؛ لا تدلّ على تخطِئة الإمام الحسن×؛ لأن الإنسان قد يأتي بالفعل وهو كارهٌ له، والحسن× إنما صالح مُكرَهاً، كما فعل الحسين×.

وهذا ما ذكره الإمام الحسن× في حديثه لأبي سعيد: >عِلّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله| لبني ضُمرة وبني أشجع، ولأهل مكّة حين انصرف من الحديبيّة<[11]، وهذا شاهد على كراهية الإمام الحسن× للصلح مع معاوية، وإنهُ إنما فعل ذلك مكرهاً، كما صالح النبي| في الحديبية وهو كاره للصلح، ولكن حفظاً للمصلحة.

الخاتمة:

من هنا؛ يبرز هذا الإشكال، وهو ادِّعاء وجود التهافت بين موقف الإمام الحسن والإمام الحسين× هزيلاً، بُنيَ في الحقيقة والواقع على قراءة ضعيفة لأهداف الأئمة^ ومنهجهم. وإنّ موقف كلٍّ من الإمام الحسن× والإمام الحسين× كان موقفاً منسجماً مع الأهداف والغايات الشريفة التي بَذَلَ الأئمة^ أنفسهم الشريفة في سبيلها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الصدر، محمد باقر، أئمة أهل البيت ودورهم في تحصين الأمة، ص 108.

[2] نهج البلاغة الخطبة 74.

[3] نهج البلاغة الخطبة 92.

[4] نهج البلاغة، الخطبة 3.

[5] نهج البلاغة، الخطبة 33.

[6] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 44، ص 147.

[7] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، علل الشرائع، ج1، ص211.

[8] الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري ج5، ص 622 حوادث سنة 284 ﻫ.

[9] ابن بابوية، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، ج2، ص 416.

[10] البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف: ج3، ص149.

[11] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، علل الشرائع، ج1، ص211.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا