إشكالات مثارة حول سيرة الإمام الحسن المجتبى (ع)

إشكالات مثارة حول سيرة الإمام الحسن المجتبى (ع)

حاوره: الشيخ منصور الجبيلي

والشيخ علي عقيل الجمري

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

من الأمور الواضحة الّتي لا خلاف فيها هي مسألة تسليم وطاعة العبد لمولاه ولمن فرض مولاه طاعته عليه، وهذا المعنى لوضوحه لا يخفى على الإمام الحسين× مع أخيه الحسن×؛ باعتبار أنّهم سادة الخلق والّذين علّموا الخلق ذلك، والشّكّ في رضا سيّد الشّهداء× عن صلح الإمام المجتبى× تجنٍ وجرأة على المعصوم، وهذا ينبئ عن جهل بالمعصوم ومقامه، فمن يعرف المعصوم لا يسأله عن فعله فضلاً عن رميه بعبارات نابية؛ وذلك للعصمة الّتي تقتضي عدم الخطأ، ففي عقيدتنا -وهو من الأمور البيّنة الّتي تربّينا عليها منذ نعومة أظفارنا ولو شكّك فيها بعض المنحرفين- أن المعصوم لا يخالف ولا يعارض المعصوم الآخر، فالحسين× لم يخالف الحسن× قطُّ، فلو فرض أنّه وردت مخالفة ظاهريّة فهي غير صحيحة أو مؤوّلة لما سبق من عصمتهم، فالإمام المعصوم ما يراه هو الصّواب، فلا يُسأل عن سبب صلح أو غيره -مما هو مختصّ بهم-، على أنّهم مع علمهم بما وراء الأمور -إذ وهبهم الله ذلك- إلا أنّهم يتعاملون مع النّاس ويتعايشون معهم بحسب الظّاهر، رغم ما لهم من الشّأن والمنزلة العظيمة إلا أنّ إمامنا الحسن المجتبى× لم يسْلَم من الاتهامات الّتي لا ينبغي أن يرمى بها الإنسان العاديّ فضلاً عن المعصوم، فنحن عندنا من الأمور المسلّمة أنّ الإمامة بالنّص، وأنّه قد نصّ عليهم النّبي الأكرم’ من قبل الله، وأنّ الإمام السّابق يؤكّد ذلك بوصيّة للإمام اللاحق، فهم الدّعاة إلى الله وهدفهم واحد، فكلّ منهم يمهّد ويوطّئ للآخر لإصلاح هذه الأمّة، ومن خالفهم في الدّرك الأسفل من النّار.

- بداية نشكركم على تقبّلكم لهذه الدعوة في إجراء المقابلة معكم.

* هل كان الإمام الحسين× راضياً مسلّماً بصلح الإمام الحسن× حيث إنّ البعض يقول بأنّه لم يكن راضياً به ومسلّماً له، فهل الصحيح أنّه كان قابلاً مسلّماً به أم رافضاً له؟

- بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، أشكركم على هذه المقابلة من المجلّة الكريمة وشخصكم الكريم حيث فضّلتم أن تكونوا معنا في هذا الموقف الكريم.

أما السؤال الذي تفضّلتم به، هل الإمام الحسين× كان راضياً ومسلّماً أم لا؟ أقول: هذا من العجائب أن نقول بأنّ الإمام الحسين× -والعياذ بالله- لم يكن راضياً بما فعله الحسن×، فالإمام الحسن× في زمانه كان إماماً على الإمام وعلى غير الإمام، والإمام الحسين× أيضاً كان إماماً، ولكنه كان إماماً ساكتاً كما في التعابير، ولم يكن إماماً ناطقاً، فلذلك لو تأمّلنا في حياة الإمام الحسن والإمام الحسين‘ لرأينا بأنّ الإمام الحسين× كان ساكتاً في كلّ أفعال الإمام من دون أيّ اعتراض، لأنّ الإمام مفترض الطاعة، كما كان هكذا شأن الإمام علي× في زمن الرسول| ولكن لمّا كان الرسول مفترض الطاعة على علي× وغير علي×، فعلى المعصوم وعلى غير المعصوم متابعة قوله وفعله، فذلك لا تقبله النفس، وتأباه، بأن نقول بأنّ الإمام الحسين× خالف الإمام الحسن×، نعم ورد في بعض كتب أبناء السنة ذلك كابن عساكر، إلا أنّه غير مروي عندنا، بل يأباه الطبع، كأن يقول الإمام الحسن×: >لو شئت لجعلتك -يقصد الإمام الحسين×- في بيت وطيّنت باب البيت< هذا مذكور في كتاب ابن عساكر، ولكن من أين نقله، ومن نقله؟ فهذا غير ثابت، وبإسناد هذا الحديث المردود قيل بأنّه كان بين الإمام الحسن والإمام الحسين‘ تضادّ، فأقول: إنّ هذا غير ممكن؛ حيث لا يتفوه بهذا الكلام من كان له أدنى معرفة بالإمام فكيف بالإمام الحسين× فبهذه المعرفة كيف يكون مضاداً للإمام الحسن×، فهذا غير مقبول، وغير صحيح[1].

* يقول المستشكل بأنّه جاء في معجم السيد الخوئي+ هذه الرواية وقد نقلها الكشّي+ حيث قال: جبرئيل بن أحمد وأبو إسحاق حمدويه وإبراهيم ابنا نصير، قالوا: حدثنا محمد بن عبدالحميد العطار الكوفي، عن يونس بن يعقوب، عن فضل غلام محمد بن راشد، قال: سمعت أبا عبدالله × يقول: >إنّ معاوية كتب إلى الحسن بن علي، أنْ أقدم أنت والحسين وأصحاب علي، فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وقدموا الشام، فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء، فقال: يا حسن قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال للحسين×: قم فبايع، فقام فبايع، ثم قال: يا قيس قم فبايع فالتفت إلى الحسّين× ينظر ما يأمره، فقال: يا قيس إنه إمامي يعني الحسن×<، فهل تدلّ هذه الرواية على بيعة الإمام الحسن× لمعاوية(لعنه الله) أم لا؟

- أما بالنسبة إلى السؤال الثاني، فإنّه أولاً من تتمة كلام الإمام الحسين× فإنّه يقول: >يا قيس إنّه إمامي< فإنّ هذا دليل ما بعده دليل أوضح منه، حيث يلتفت إلى قيس ويقول له: >يا قيس هذا إمامي< يعني إن كل ما يفعله الإمام ويأمر به أنا ملتزم به، هذا على فرض صحة هذه الرواية.

فأولاً: عن فضل غلام بن محمد بن راشد؛ فمن هو فضل؟ فهذا يحتاج إلى تأمّل، فإن رجال الحديث، أما محمد بن راشد فواضح أنه شخص، أما فضل من هو؟!

ثم هذا الخروج متى كان؟ فمتى خرج الإمام الحسين× ومتى خرج الإمام الحسن× إلى الشام، عندنا كتاب اسمه: (حواراتٌ ساخنةٌ بين معاوية(لعنه الله) وأصحاب علي×) حيث إنّ هذا الكتاب عندي وهو مكوّن من (160) صحفة تقريباً، وقد طبع حوالي قبل 20 سنة، فهناك قد ذكرت سفرة للإمام الحسن المجتبى× ولكن لم يكن قيس معه، وقد ذكر هناك بأنهم "قَدِموا الشام" فهل هم قدموا الشام أم أجبروهم على القدوم إلى الشام؟ فهذا كلّه يحتاج إلى تأمّل، فأذن لهم معاوية وأعدَّ لهم الخطباء فقال: يا حسن قم فبايع! فيحتمل أن تكون هذه القضية في الكوفة لا في الشام، لمّا كان الإمام× في الكوفة، فإذاً، نقول:

 أولاً: في السند يحتاج التأمّل في "فضل" من هو؟

ثانياً: في رجال الكشي أشياء كثيرة غير واضحة.

وثالثاً: هذه السفرة كانت في الشام وقد قدموا إلى الشام؟!

ورابعاً: أنه يقول للإمام الحسن×: قم فبايع! فهل يُعقل أن يقوم الإمام فيبايع معاوية(لعنه الله)؟! فما معنى هذه الحرب التي دارت بين الإمام الحسن× ومعاوية(لعنه الله)؟! فمرات عديدة قال الإمام الحسن× لمعاوية(لعنه الله) إنّ هذا الحق ليس لك، إنّه لي، فالذي هو يدّعي بأنّ الحق له كيف يقوم ويبايع الآخر، فإنه يتنازل عن أيّ شيء؟ يتنازل عن حقّه الذي جعله الله§ بواسطة النبي|؟! هذا الحق ينتزعه للآخر الذي ليس له حق وليست له أهلية؟! فالإمام الحسن× كيف يقوم ليبايع ولم يكن الحق لمعاوية؟! ثم كيف يأمر بشيء هو منكر بحيث يقول للإمام الحسين× قم فبايع -وأنا لست في صدد بيان تكليف الإمام الحسن×- وثم الإمام الحسين× يقول لسعد: قم أنت فبايع، وهناك سعد ينظر إلى الإمام الحسين لا إلى الإمام الحسن‘ في حيث إن إمام قيس هو الحسن بن علي‘، ولا يرجع ويقول كيف أبايع؟ وإنما ينظر إلى الحسين×؛ فلذلك يقول الإمام الحسين× لسعد: >إنه إمامي<. وهذا الحديث مضطرب جداً لا يعتمد عليه أبداً، من جهة السند والدلالة.

* يقال: إنّ كثيراً من الشّيعة يقعون في الحسن بن علي× ويذمّونه وذريّته، رغم أنّه أحد أئمتهم، ومن أهل البيت×، بل قد خوطب بـ "يا مذلّ المؤمنين". فكيف يقال بأنّه معصوم مفترض الطّاعة؟

أولاً: ننتقل إلى الرسول| فهل كان مفترض الطاعة؟ بلا شكّ، ولا أحد كان يعترض على الرسول من دون فهم وعلم؟ نعم، الكثير من الناس الذي كانوا معه، كالحارث بن النعمان عندما نصب الإمام علي× للإمامة، فقد كان من المعترضين. ألم يكن الرسول| مفترض الطاعة؟ نعم، وهو يعلم بذلك، ولكنه رغم ذلك جاء له وقال: هل هذا منك أو من الله؟! وهذا ماذا معناه؟ أوليس الذي من الرسول هو من الله؟ هذا أمر غريب؟ فحرّكوه لأنْ يتكلّم بهذا الشكل، هذا بالنسبة إلى الرسول| الذي لا شكّ عندنا في أنه مفترض الطاعة، ولكن لوجود بعض الجهلة تكلّموا بهذا الكلام، وهكذا بالنسبة إلى الإمام الحسن×، فالإمام الحسن× ألم يقل فيه رسول الله|: >الْحَسَنُ‏ وَالْحُسَيْنُ‏ إِمَامَانِ‏ قَامَا أَوْ قَعَدَا<[2] نعم، يقيناً قال ذلك، والآن، هذا السؤال "كثير من الشيعة يقعون في الحسن بن علي‘"، هؤلاء هل كانوا شيعة؟ فالذي يعترف بأنّ النبي| قال: >الحسن إمام< هل عرف معنى الإمام، حتى يقول هكذا؟ فالذي يقول هذا الكلام لم يعرف معنى الإمام أصلاً! نعم، كان فيهم شيء من المحبّة، ولكن هل هؤلاء شيعة؟! الشيعة من شايع علياً×، فهل الشيعة يقعون في الإمام الحسن×؟! هذا غير ممكن، هؤلاء ليسوا من الشيعة، نعم قد يكونوا محبّين، كما يحبّ الواحد منهم أولاده أو بعض الصحابة، ولكن يحبّ الإمام لكونه إماماً، فهذا غير ممكن. فأنت حضرتك الآن الجالس معي هل لك أن تعترض على الإمام؟ فإذا الشخص عدّ نفسه من شيعة آل البيت^ كيف يعترض على الإمام؟ في حين أنّ الإمام× من الذين أوصى بهم النبي| أمته وشيعته أن يتمسّكون بهم، فالشخص الذي يَدين بأنّ هذا إمامٌ فعليه أن يكون مسلِّماً كما كان الإمام الحسين× مسلِّماً لأمر الإمام الحسن المجتبى×، نعم، كان في زمان الإمام الحسن× سليمان بن صُرد الخزاعي، هذا الإنسان لا أعلم ماذا أقول عنه!! أو بعض أصحاب الإمام الحسن× دخلوا عليه، فهؤلاء أوجدوا الأرضية لهذا الصلح الذي حمّله معاويةُ(لعنه الله) الإمامَ الحسن المجتبى× وإلا فإنّ الإمام الحسن× قد كان حاضراً وقد أرسل الجيوش لحرب معاوية، فمن الذي تقاعس، ومن الذي تأخّر؟! فهؤلاء الذين جاؤوا إلى الإمام الحسن× إلى الكوفة هم الذين أخذوا يقولون: السلام عليك يا مذلّ المؤمنين! أنتم أذللتم المؤمنين أو الإمام الحسن×، من؟ فكما قلت في السؤال الذي مرّ علينا فإنّ هؤلاء لم يعرفوا الإمام حقّ معرفته، كما أنهم لم يعرفوا الإمام علي× حق معرفته، فلو كانوا يعرفون الإمام لضحّوا بأنفسهم.

* كيف يدّعي الشيعة أنّ أئمتهم معصومون، وقد ورد بالاتفاق ما يناقض هذا، فعلى سبيل المثال:

    أ‌- كان الحسن بن علي× يخالف أباه عليّاً× في خروجه لمحاربة المطالبين بدم عثمان. فلا شك أنّ أحدهما مصيب والآخر مخطئ. وكلاهما إمامان معصومان عند الشّيعة!

    ب - خالف الحسين بن علي× أخاه الحسن× في قضية الصّلح مع معاوية. ولا شكّ أن أحدهما مصيب والآخر مخطئ. وكلاهما إمامان معصومان عند الشّيعة!

أقول: بالنسبة إلى النموذج الأول؛ من أين جاء هذا الاتفاق، ومن الذي نقل هذا الاتفاق؟! فإن هذا الاتفاق لم ينقل في كتبنا أصلاً!! ففي بعض التواريخ بأنّ الإمام الحسن المجتبى× عند الخروج قال للإمام أمير المؤمنين×: >أنا قلت لك كم مرّة بأن لا تخرج لقتال هؤلاء< -هذا منقول من ذخائر العقبى، لمحبّ الدين الطبري فمن هو محبّ الدين الطبري حتى يعيّن تكليف الإمام المجتبى والإمام أمير المؤمنين‘!- وفي أنّه لما خرج إلى الربذة قال: >من كان يريد أن يلتحق بنا، لا بأس< فالإمام الحسن يقول: >قام وقال: يا أبتاه! ... أينما كنت الناس يدورون حولك< -بالمعنى، لأن النص ليس عندي الآن الموجود في ذخائر العقبة-.

أما بالنسبة إلى النموذج الثاني؛ فأقول: كالسؤال الأول، فالإمام الحسن× متى خالف أباه! فهل نقل -ما يقال بأنّ الإمام الحسن قد خالف أباه- في كتبنا التاريخية! رغم البحث فإنّي لم أجد ذلك فإنّي أفتح كتاب السبط الأكبر فتجد ما يقولون من المخالفة نقله ذخائر العقبى لمحبّ الدين الطبري فلا اعتبار بنقل هذا الشخص لأنّه من المعادين ولم يكن من المحبّين.

* ننتقل إلى السؤال الخامس: يقول البعض: ألم يكن من الأصلح التغاضي عن معاوية -ولو لفترة- لحين إعداد القاعدة الإيمانية خصوصاً وأنّ الإمام× يعرف أصحابه وقد جرّبهم في زمن أبيه×؟

لماذا لم يكن هذا السؤال موجّهاً إلى أمير المؤمنين× حيث لم يتغاضَ عن معاوية عندما جاء إليه المغيرة بن شعبة وغيره يطلب من الإمام أن يتغاضى عن معاوية وبعد مدّة يعزله فقال×: >والله لا أعطيه إلا السيف<[3]، فكان أمير المؤمنين× يعرف معاوية وأصحابه حتى وهم صبياناً وهو القائل بذلك: >عرفتهم منذ أن كانوا صبياناً فكانوا شرّ صبيان< فلمّا وصلوا مرحلة الشباب كانوا شرّ الشباب وحتى لما وصلوا إلى هذه المرحلة فهم شرّ الناس فكيف بالإمام أن يعطيهم ويخوّلهم الحكومة أو قسم من البلاد ويكون هذا التخويل من قبل الخليفة، ولمن؟ لهؤلاء الذين حملوا السيف على الخلفاء وعلى رسول الله وحاربوه| فكيف يقيمهم الإمام علي وهكذا الإمام الحسن×.

لكن لمّا عرف أنّه لم يكن له ناصر فسكوته من هذه الجهة حيث لم يكن له ناصر ينصره، وإلا فحكمه حكم أمير المؤمنين ما أعطاه إلا السيف.

* ما هي الحكمة من وراء زواج الإمام الحسن× من ابنة الأشعث مع أنّها فعلت ما فعلت؟ وكيف نربط بينهذا السبب وبين أقوالهم^ في مسألة اختيار الزوجة الصالحة مثل: >تخيّروا لنطفكم فإنّ العرق دسّاس< وما شاكل من الأحاديث الكثيرة التي تؤكّد على اختيار الزوجة الصالحة والحال أنّه تزوّج من ابنة الأشعث مع علمه بحالها؟

تارة نقول: علم الإمام× بأنّ هذه المرأة لم تكن امرأة صالحة مثلاً، وأخرى نقول: بأنّ علم الإمام -في هذا المجال- مثل علم الآخرين، شبيه هذه القضية قضية الإمام الباقر×؛ فقد تزوّج امرأة تميل إلى بعض الجهات فطلّقها، والإمام الحسن المجتبى× أيضاً هكذا، فهذه القضية لم ترتبط فقط بالإمام الحسن×، وابنة الأشعث من أوّل أمرها لم تكن امرأة لا يرضى بها بل كانت تعيش مع الإمام الحسن× لكنّ حالها تبدّل بعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين× حيث أغراها معاوية بالمال كي تقتل الإمام.

أما علم الإمام فلم يكن مؤثّراً في مثل هذا المورد، فهو يعلم من الله بأنّ هذه المرأة في آخر الأمر ستقتله، ولكن هذه القضيّة لو نظرنا إليها بمنظار قضيّة الإمام أمير المؤمنين× وقتل ابن ملجم إليه حيث كان يعلم بأنّ هذا هو قاتله فمع ذلك لم يقتله، فعلم الإمام لا يؤدّي بأن يقتل الإمام علي× ابن ملجماً أو يقتل الإمام الحسن جعدة ما لم يصدر منهما شيء حتى يستوجبان القتل. وهذا أمر آخر.

أما قضيّة مثل تخيّروا لنطفكم وأمثالها فالروايات موجودة ولكنّ الأشعث كان عاملاً للإمام أمير المؤمنين× في أذربيجان أيّ أنّه كان مرضيّاً عند الدولة الإسلامية، لكنه وأمثاله قد تخلّوا عن الإمام أمير المؤمنين× فيما بعد، وبحسب الظاهر أنّ الزواج بابنة الأشعث قد حصل في تلك المرحلة.

* هناك من يشكل بأنّ الإمام الحسن× مزواج وأنّه كثير الزواج حتى أنّ الإمام أمير المؤمنين× قد ذمّه على ما يدّعى في ذلك.

اتّهم الإمام الحسن× باتهامات كثيرة في زمانه وأنّه كان مطلاقاً فأشاعوا حديثاً على لسان الأمير× وقالوا بأنّه قد صعد المنبر وقال >هذا ابني الحسن مطلاق فلا تزوّجوه< فهذه الأحاديث لم تكن في زمن الإمام أمير المؤمنين أبداً ... أن يدّعى أنّه قد تزوّج من أربعمائة زوجة فهذا كذب! متى كان يصل إليهم؟!

ثم إنّ هذه الأحاديث تجد أكثرها في قوت القلوب[4] وقد صدرت من زمن العباسيين في الوقت الذي كان أبناء الحسن يقودون الثورات في زمن العباسيين وبالتحديد في زمن المنصور ومن دونه، ويقال بأنّ المنصور هو أوّل من تكلّم بهذه الأحاديث ولا يخفى مقدار الفاصل الكبير بينهما. فقال أبوكم الحسن كان مطلاقاً... فهذه من افتراءات هؤلاء ولم تكن هذه الأحاديث موجودة قبل زمن المنصور.

أما بالنسبة إلى ما يقال بأنّ الإمام أمير المؤمنين× صعد المنبر!! ولا أعلم كيف أنّ الإمام أمير المؤمنين× قد صعد المنبر قبل أن يعظ الإمام الحسن× ولم يتكلّم معه، فهل من الممكن أن يصحّ هذا الكلام وأن يهتك الإمام علي حجاب الإمام الحسن أمام الناس!!. يقيناً ليس كذلك. فهذه المسائل مغلوطة ومردودة، وعلى كلّ ما قيل أقول: هل يحرم الطلاق؟ حتى لو تعدد!.

فهذه تهمة اتهم بها في غير زمانه بل بعد زمنه بكثير.

* لو كانت الخلافة بالنّصّ من الله§ والتعيين من الرّسول| كما تقول النّظريّة الإماميّة، لم يكن يجوز للإمام الحسن× أن يتنازل عنها لأيّ أحد تحت أيّ ظرف من الظّروف. ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يبايع معاوية أو أن يدعو أصحابه وشيعته لبيعته. ولم يكن يجوز له أن يهمل الإمام الحسين× ولَأشار إلى ضرورة تعيينه من بعده. ولكن الإمام الحسن× لم يفعل أيّ شيء من ذلك وسلك مسلكاً يوحي بالتزامه بحقّ المسلمين في انتخاب خليفتهم عبر نظام الشّورى؟

هذه الأسئلة متعددة ومتشعّبة.

الخلافة لا شك أنّها بالنصّ. نصّ الرسول على خلافة أمير المؤمنين× في يوم الغدير ونصّ الرسول| في إمامة الأئمة الإثني عشر مثل >لا تزال أمتي عزيزة ما دام فيها اثنا عشر خليفة<. فالنصوص بالنسبة إلى كلّ إمام من قبل الرسول أولاً ومن قبل كلّ إمام لإمام بعده هذا ثانياً.

فخلافة الإمام الحسن منصوصة من قبل النبي| مثل: >الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا<، والنص الآخر منصوص من قبل الإمام أمير المؤمنين× بالنسبة إلى الإمام الحسن المجتبى. فهي منصوصة لا شورائيّة ولا غير ذلك.

هذا بالنسبة إلى تعيين الرسول.

أما لم يكن أن يجوز للإمام الحسن أن يتنازل...

متى تنازل الإمام الحسن×؟!

هل تنازل الإمام علي× عن الخلافة والإمامة! معاوية هل كان إماماً حتى يتنازل عنه الإمام الحسن المجتبى×! متى كان ذلك؟

فالأئمة قطعاً كانوا أئمّة^، والخلافة -إن قلنا بأنّ الإمامة غير الخلافة- بنظري لا فرق بينها وبين الإمامة، فالرسول كان إماماً وخليفة وكذا الإمام علي×، قَبِل الناس بذلك أم لم يقبلوا.

الإمام الحسن× هكذا لم يكن ليتنازل عن الإمامة، فإذا كان الحق لمعاوية فلماذا قبله الإمام قبل ذلك؟ فالإمام لم يتنازل وإنّما فقط راعى مصالح المسلمين.. ولذلك أشار إلى معاوية بأنّ هذا الحق لم يكن لك أبداً بل ابتزّ هذا الأمر ظلماً وغصباً، وعليه فالإمام لم يتنازل بأي صورة من صور التنازل، لكنّ ظلم معاوية وإغراء الناس هو الذي جعل الناس يتخلّفون عن الإمام مما أدّى إلى معاوية أن يأتي إلى الكوفة ويفعل ما يفعل.

أما مبايعته لمعاوية ودعوة أصحابه وشيعته..

فكلّ هذا مردود ولم يثبت أصلاً.

* ما وجه العلاقة بين صلح الإمام الحسن× وبين ثورة الإمام الحسين×؟ هل بينهما تباعد أو أن دورهما مكمّل للآخر؟ وبعبارة أخرى: هل يمكن أن يقال: بأنّ الصّلح الحَسني كان ممهّداً للنّهضة الحسينيّة؟ وكيف ذلك؟

لا شكّ في أنّ الصلح الذي حمّله معاوية(لعنه الله) على الإمام× هو صلح تحميلي، فالإمام لم يقترح الصلح، ومعاوية هو الذي أرسل رسالة وأمضى تحت الرسالة وقال اكتب ما تريد، فصار معاوية هو الذي سلّم الأمر إلى الإمام الحسن×، فالحق أنّ الإمام لم يصالح معاوية بل معاوية هو من صالح الإمام الحسن× لخوفه منه، ولذلك لما وجد عدم قدرته على مواجهة الإمام الحسن× دخل إليه من باب الغدر والخيانة فوعد أصحاب الإمام الحسن بالأمور وأغراهم حتى تخلّوا عن الإمام الحسن×، فهذه صارت عرضيّة لأنّ الإمام الحسن× حافظ على أصحاب أبيه من القتل لمّا رأى هذا من أهل الكوفة خشي على أصحاب أبيه، ولذلك كان من الشروط أن لا يتعرّض معاوية لأصحاب أبيه، وكلّ هذا حتى يعرف الناس من هو معاوية، وحتى يعرف الناس صفات معاوية ومقدار خبثه، فلذا كان الإمام الحسن المجتبى بعد ذلك يعارض معاوية بأشد المعارضة؛ لأنّ الناس لا يعرفون من يكون معاوية، ولكن لما صارت هذه القضيّة وجاء إلى المدينة وذمّ الإمام وما شاكل.. كلّها كانت أرضيّة لنهضة الإمام الحسين× بعد موت معاوية.

كلمة الختام

نشكركم سماحة الشيخ على تفضّلكم بقبول هذه الدعوة، كلمة في الختام تودّون -سماحة الشيخ- قولها.

هذه المجلّة الحمد لله من المجلات الوزينة المهمّة في عالم التأليف والقلم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يحفظكم وأن يُجري على أقلامكم أحسن مما سبق إن شاء الله تعالى، وصلّى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سماحة المحقّق الشّيخ محمّد جواد الطبسي ~، ولد في عام1331ﻫ ش. في النجف الأشرف من عائلة علمائية، فأبوه آية الله العظمى الشيخ محمد رضا الطبسي+.

بدأ دراسته في المدارس الرسمية إلى الصف السادس، ثم التحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف، حصل على شهادة دكتوراه في الفقه والأصول من الحوزة العلمية.

في عام 1350ﻫ ش تم اعتقال سماحة المحقق مع مجموعة من العلماء من قبل نظام البعث المقبور ثم تم تسفيرهم، ثم واصل دراسته في قم المقدسة، وواصل دراسته فيها عند كبار الأساتذة في المراحل المختلفة منهم:

1- آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي.

2- آية الله العظمى الشيخ جواد التبريزي.

3- آية الله العظمى الشيخ محمد فاضل اللنكراني.

4-آية الله العظمى الشيخ هاشم آملي.

5- آية الله العظمى السيد أو القاسم الكواكبي.

6- آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني.

7- آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي.

8- آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني.

له أكثر من خمسين مؤلفاً باللغتين الفارسية والعربية، ومقالات في بعض المجلات، ومن مؤلفاته: (سفر به قبله. همراه با مهدي. با مداد بشريت. ملكوت منى. امام حسين وقرآن. البكاء على النبي وآله على ضوء الكتاب والسنة. أهل البيت في فترة الصغر. قم عاصمة الحضارة الشيعية. حياة الصديقة فاطمة دراسة وتحليل. بحوث في الرؤيا والأحلام).

[2] مناقب آل أبي طالب ^ (لابن شهرآشوب)؛ ج‏3؛ ص394.

[3] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة (الخوئي)؛ ج‏18؛ ص251.

[4] قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد، كتاب في علم التصوف يشتمل على ثمانية وأربعين فصلاً موزعاً في مجلدين، من تأليف أبو طالب المكي المتوفى سنة 386 هـ، والذي أخذ منه الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين. (ويكيبيديا)


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا