أنصار الحسين (ع) ورحلة العشق الإلهيّ

أنصار الحسين (ع) ورحلة العشق الإلهيّ

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد|.

تمهيد:

لعلّ من أبرز خصائص النهضة الحسينية والتي تلفت الأنظار هي حالة الإتقان والجودة العالية في أداء الوظيفة والتكليف، التي اتصف بها كل مكوّن من مكونات هذه النهضة العظيمة.

وهذا ما نراه جلياً واضحاً على مستوى قيادة الثورة المتمثلة بالحسين× وعلى مستوى الجنود والأنصار الذين آمنوا بالحسين× واستلهموا كل أفكاره وقيمه، وكذا على مستوى البقية الباقية ممن حضر هذه الثورة وخرج منها أسيراً.

حيث قام -على وجه الخصوص- الإمام علي بن الحسين السجاد× وعمته العقيلة زينب÷ بدور الجهاز الإعلامي لهذه الثورة المجيدة حيث تكفّل هذا الجهاز ببيان أغراض النهضة الحسينية ومساوئ الحكم الأموي وخطورته على حاضر الأمّة الإسلامية ومستقبلها.

وبسبب هذا الإتقان والاحترافية العالية في أداء الوظيفة، ولأنّ الأغراض والقيم التي نهض من أجلها الحسين× هي أرقى الأغراض والقيم التي رفعها الإنسان منذ اليوم الأول لوجوده على هذه الأرض لذلك كتبت هذه الثورة لنفسها الخلود أبد الدهر وحافظت على حيويّتها وحرارتها في القلوب وكأنّها وقعت بالأمس، وخير بيان لهذا المعنى ما جاء عن الإمام الصادق× أنّه قال: >إنّ لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين، لا تبرد أبداً<[1].

ونحن في هذا المقال نحاول الوقوف على بعض أحوال أنصار الحسين× وبعض أسرار المواقف العظيمة التي جسّدها هؤلاءِ الشهداء يوم عاشوراء مما جعلهم خالدين بخلود الحسين وبخلود هذه القيم الإنسانية الأصيلة.

ومما يلفت انتباه الباحث أنّ معسكر الباطل المتمثّل في يزيدê وجيشه قد نجح أيّما نجاح في إبراز الشرّ والإفساد في الأرض في أجلى وأوضح صوره فما هو سرّ التمايز الصارخ بين الفريقين؟

الإيمان هو السرّ:

ولعلّ السرّ في هذا التمايز الصارخ بين الفريقين -فريق الخير وفريق الشر معسكر الحق ومعسكر الباطل- يكمن في الإيمان بالله واليوم الآخر، الإيمان بالنشر والحساب والجنّة والنار، لذلك وجدنا معسكر الحسين× يتشوّقون للشهادة طمعاً في مرضاة الله وإحقاقاً للحق ووجدنا معسكر يزيد يلهثون خلف حطام الدنيا الزائل محاولين درس كل قيم الخير.

فالإيمان إذاً هو العنصر الفاعل والباعث الحقيقي نحو متعلقاته، هو الإكسير الذي أسر حياة الشهداء يوم عاشوراء وحياة سيّدهم الحسين بن عليّ سلام الله عليه وجعله يردّد وهو في أشدّ اللحظات صعوبة وقسوة عليه -وذلك حين استشهاد طفله الرضيع مذبوحاً على صدره-: >هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله وإن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى<، كلمات قليلة ولكنّها ذات معان سامية وتختصر رحلةً امتدّت ثمانية وخمسين عاماً هي سنين عمره الشريف، كلمات تمثّل حالة الفناء في الله بحيث لا يعود للنفس والمال والولد من قيمة تذكر في جنب الله، فما دام الله هو الآمر وهو الآخذ لا يعود لشيء كبر أم صغر أهمية تذكر وهكذا حتى لحظات استشهاده× كان لسان حاله يقول:

تركت الخلق طراً في هواك                    وأيتمت العيال لكي أراك  

فلو قطعتني بالسيف إربـا                      لـما مال الفؤاد إلى سواك  

حال أنصار الحسين:

وأما أنصاره وأهل بيته الذين شاركوه في ثورته فقد كانوا على قدر كبير من الوعي والبصيرة بالظرف التأريخي الذي يعيشونه وعلى معرفة تامّة بأنّ الحسين× يمثّل الامتداد الطبيعي لرسول الله| وأنّ الفلاح كلّ الفلاح هو في الوقوف معه ومؤازرته ولو أدى ذلك للاستشهاد بين يديه.

وينبغي أن نشير إلى أنّ هؤلاء الأنصار يمثّلون صفوة المسلمين آنذاك وهم قلّة قليلة سواء على مستوى البيت الهاشمي أو عموم المسلمين وهنا يكمن التألّق والوعي فإنّ رأي الغالبية يمثّل ضغطاً آخر على النفس ويوجب تشكيكاً في الخيار المتخذ وخصوصاً إذا كان هذا الخيار قد يؤدي إلى القتل في نهاية المطاف؛ لذلك وجدنا أنّ الكثير أبدى تعاطفه مع الحسين في بداية الأمر والتحق بركابه ولكن عندما عرف بأنّ الحسين يمضي لمصرعه آثر حفظ نفسه على أن يرخصها فداء للحسين×، وهذا المعنى يدلل بوضوح على عظيم المنزلة التي بلغها هؤلاء الشهداء حيث شاركوا الحسين× في ريّ شجرة الإسلام وحفظ دوحته المباركة.

أنصار الحسين ورحلة العشق الإلهي:

امتازت مجموعة أنصار الإمام الحسين ×بأنّها تكوّنت من خليط استثنائي من الناس ولم يظهر الجوهر الحقيقي والقيمة الفعلية لهؤلاء الأبطال إلا في يوم العاشر من المحرم.

فقد ضمّت هذه المجموعة الكبير والصغير، السيد والعبد، الغني والفقير، العالم والكاسب، والعربي والأعجمي، كما أنّ حالهم من حيث الانتماء الفكري والعقائدي وقربهم وبعدهم من أحكام الشريعة الإسلامية ليس واحداً، بل إنّ ظاهر علاقتهم بالله مختلف أيضاً فمنهم من هو صلب الإيمان ونافذ البصيرة، ومنهم الجندي في ركاب الظالمين، ومنهم من يعتقد أنه عثماني الهوى[2] بل ادعت بعض المصادر أنّ وهب بن وهب وهو أحد الشهداء بين يدي الحسين كان نصرانياً حتى الأيام الأخيرة من حياته[3] وأسلم على يد الحسين في الطريق إلى كربلاء. وهكذا باقي الأنصار فقد كانوا مختلفين على مستوى السمات الشخصية، ولكنّهم يوم عاشوراء رأيناهم متّحدين في الصفات والسمات فقد ظهر المعدن الأصيل وظهرت الحقيقة الواحدة التي ينتمون إليها فلا عجب أن يضع الحسين× خدّه الشريف على خدّ جون مولى أبي ذر ¿ ويؤبّنه ويدعوا له تماماً كما يفعل مع ابنه علي الأكبر شبيه رسول الله| وحفيده وكما يفعل مع القاسم وحبيب بن مظاهر فقد انعدمت الفوارق وظهرت الحقائق.

إذاً هو ذوبان للخصوصيات الفردية فكلّهم على مستوىً واحد من الصبر والبصيرة والفناء في الحسين× والشوق للشهادة بين يديه حتى ذكر الطبري في تاريخه نقلاً عن محمد بن قيس بن الأشعث êوهو من القادة البارزين في جيش عمر بن سعد في واقعة عاشوراء أنه قال:

"أنّ أصحاب الحسين× لما رأوا أنّهم قد أُكثِروا، وأنّهم لا يقدرون على أن يمنعوا حسيناً ولا أنفسهم تنافسوا في أن يقتلوا بين يديه".

وينقل الطبري نفسه في موضع آخر من كتابه: "أنّه عندما اشتد القتل في جيش الأمويين صاح عمرو بن الحجاج عليه لعائن الله وكان قائداً للجند يا حمقى أتدرون من تقاتلون؟ فرسان المِصر، قوماً مستميتين، لا يبرُزَنَّ لهم منكم أحد بل أهجموا عليهم هجمة رجل واحد".

ونحن عندما نقف على أحوالهم ومواقفهم في ذلك اليوم العصيب قد نتصور مبررات كثيرة لكي يقف العباس بن علي وأخوته من أمّ البنين عبدالله وعثمان وجعفر هذه المواقف المشرّفة وفق قياس الأخوّة والدم وهكذا لباقي إخوة الحسين الذين استشهدوا معه في كربلاء فقد ذكرت المصادر التأريخية[4] أنّ للحسين أخوين أخرين استشهدا معه وهم أبوبكر بن علي ومحمد بن علي الملقّب بالأصغر وهكذا نجد المبررات لمواقف علي الأكبر والقاسم وأخوته وكذلك بني عقيل وأبناء عبدالله بن جعفر، ولكن ما هي مبررات الموقف الذي اتخذه زهير بن القين الذي تمنّى القتل دون الحسين× ولو تكرر ألف مرّة!

ما هي مبررات جون مولى أبي ذر لكي يستقبل السيوف بشوق ولهفة!

ما هي مبررات الحر الذي خرج يطلب الدنيا فإذا هو أحرص الناس على الموت والشهادة بين يدي الحسين×. لذلك لا ينبغي أن تُدرس حادثة عاشوراء دراسة تاريخية سردية بل دراسة تدبر وتحليل.

على أنّ الملاحظ من كلمات أنصار الحسين -من أخوته وأهل بيته- أنّ نصرتهم للحسين لم تكن بداعي الأخوة أو الحمية النسبية وإنّما كانت بداعي الدفاع عن دين الإسلام وإيماناً بالحق والعدل الذي يمثله الحسين× والشواهد من كلمات العباس بن علي× وعلي بن الحسين الأكبر× والقاسم بن الحسن× وغيرهم كثيرة ومشهورة وتدلّ بوضوح على أنّ الحمية العائلية ليس لها أيّة أهمية في قاموس هؤلاءِ العظماء. 

إذاً عظمة عاشوراء هي من عظمة أبطالها ورقي مبادئها ومستوى الصمود الذي أبدوه وهم يواجهون ذلك الجيش الجرار الذي ضمّ في صفوفه أراذل الناس وأكثر الناس خسّة وبطشاً.

إنّ حادثة عاشوراء تكون مبتورة بدون فصلٍ باسم العباس بن علي، وفصل باسم جون مولى أبي ذر، وحبيب وزهير بن القين وغيرهم.

كما أنّ عاشوراء ليست وليدة الجهود والتضحيات الحسينية فقط وإن كان هو × مفجّر كلّ تلك الطاقات الكامنة في أعماق أصحابه بل وليدة نجاحات كلّ عنصر في موقعه الخاص.

وسنتناول بعض نماذج الفداء والإباء التي جسّدها أنصار الحسين×، ولكن قبل ذلك نذهب إلى القرآن الكريم للبحث عن أخبار أو إشارات لهذه الملحمة التاريخية كذلك نبحث في تعاطي المعصومين وتوصيفهم لأنصار أبي عبدالله الحسين×.

أنصار الحسين× في القرآن الكريم:

عندما نتصفح القرآن الكريم ونتمعن في آياته ونبحث فيها عن واقعة عاشوراء وعن الملحمة الخالدة التي سطّرها الأنصار فإنّنا قد لا نجد لهذه الحادثة من وجود، وليس ذلك لكون القرآن متقدّماً على هذه الحادثة بل لأنّ الله أراد من هذه الحادثة أن تكون محطّةً فارقة على مستوى الأمّة الإسلامية وامتحاناً وفتنة بها يميز الخبيث من الطيب والمسلم من المنافق فلا شك في أنّ مودّة أهل البيت^ -التي نطق بها القرآن وأكّد عليها الرسول الأعظم محمد|- هي أكبر من لقلقة لسان أو دعوى فارغة بل هي عقيدة راسخة في النفس وانقياد تام وهذا مقتضى التعبير القرآني بالمودّة، فإنّ المودّة كما يعرّفها أهل الاختصاص هي خالص الحبّ وألطفه وأرقّه الذي لا يرتجي منه المحب منفعة من محبوبه غير القرب منه[5].

إذاً مثّلت واقعة عاشوراء حالة الصدمة الشديدة للمسلمين وقد رأيناها بوضوح على ملامح الحرّ الرياحي وعمر بن سعد الذين وقفا في حيرة وذهول وهما يخيّران أنفسهما بين الجنّة والنار فاختار الأوّل الجنّة واختار الثاني النار.

ثم إنّنا إذا جئنا للقرآن الكريم وتمعنّا فيه أكثر نجد نماذج مشابهة لأنصار الإمام الحسين× من حيث الثبات والصبر على الحق حتى آخر لحظة ولو كانت النتيجة هي القتل والفناء.

ومن أمثلة ذلك أصحاب الكهف الذين ذكرهم القرآن الكريم بقولة: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا}[6] هؤلاءِ الفتية الأبطال الذين اختاروا حياة المواجهة مع الظالمين وإن اقتضت السجن والتشريد على حياة الجاه والقصور في ظلّ القهر والظلم فكان حقاً على الله أن ينزل فيهم قرآناً يقرأ حتى يوم القيامة ونلاحظ أن الآيات التي نزلت فيهم لم تعتنِ ببيان بعض التفاصيل التي قد يراها المخاطب مهمة بل منعت الكلام فيهم بغير ما هو ظاهر من القرآن فيقول§: {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ، فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا}[7] فأراد الله أن يسلّط النور فقط على العبر من هذه القصة التاريخية والتي من أهمّها رفض الباطل والهجرة إلى الله والطمع في رضوانه.

كذلك نجد هذا المعنى أيضاً في قصة السحرة الذين جلبهم فرعون من أنحاء مملكته ليدحضوا ما اسماه سحر موسى، فكانت النتيجة أن طلّقوا الدنيا التي يعبدون والتحقوا بقافلة العاشقين، إنّ قصة هؤلاءِ الذين كانوا يمنون أنفسهم بأعلى المناصب في حكومة الفرعون -كما يصرح القرآن بذلك فيقول: {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}[8]- لهي قصة فريدة شاهدة على نصر الله لأوليائه من جهة، ومن جهة ثانية أنّ نور الإيمان عندما يتغلغل وينفذ في نفس الإنسان يكون هذا الإنسان أثبت وأقوى من الجبال الرواسي، تزول الجبال ولا يزول، بل إن الأيمان الحقيقي بالله هو الضالة التي يقضي الإنسان حياته بحثا عنها فإذا وجدها لم يلتفت لغيرها، وهكذا كان فإنّ إيمانهم المفاجئ برب موسى وهارون بعد أن تجلّت القدرة الإلهية لهم بذلك الثعبان الذي أكل ما يأفكون جعل الفرعون يتخبّط في كلامه فهو يقول للسحرة: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}[9]، فهل الإيمان الذي هو شعور قلبي تكويني يحتاج للإذن؟ وهل سيأذن لهم ويقرّ بهزيمته المدوية؟ ولكن هي الهزيمة النفسية والفشل الذريع أمام القدرة الإلهية.

وكم كان الثمن غالياً جرّاء هذا الإيمان وكم كان يقينهم بالله متيناً وصافياً بحيث لم يظهر عليهم أي خوف أو وجل مما ينتظرهم من عذاب وبطش، بل قالوا له: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}[10] ويتحدّث القرآن في شاهد آخر عن مستويات راقية من العرفان بالله وصل إليها هؤلاءِ السحرة {قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}[11]. وهكذا تجلّى النصر الإلهي لنبيه موسى في هذا المقطع الزماني الحساس والمهم من دعوته وقد كتب السحرة المؤمنون فصلاً مهما من فصول هذه القصة الخالدة العظيمة.

إذاً قصة أهل الكهف شابهت قصة الأنصار يوم عاشوراء من حيث القيام بالحق والثورة على الباطل والهجرة إلى الله والتحرر من الأغلال والقيود التي تكبّل بهما الدنيا روح الإنسان وجسده.

وكذلك المشابهة مع قصة السحرة في عدم الاستكانة للظالم والصبر والطمع في رضوان الله ونعيمه ولو أدّى ذلك لأبشع صنوف القتل والتعذيب.

أنصار الحسين× في الروايات:

كثيرة هي الروايات التي تحدثت عن مقام أنصار الحسين×، منها ما جاء على لسان الإمام الحسين× نفسه عندما خطب فيهم ليلة العاشر فقال فيما قال: >فَإِنّي لا أعلَمُ لي أصحاباً أوفى‏ ولا خَيراً مِن أصحابي<[12]، ولا شك في أنّ التعبير بأنّهم الأوفى والأخيَرَ الصادر من الإمام المعصوم له دلالته الخاصة كذلك ما جاء في الزيارة الرجبية: >السَّلامُ عَلَيكُم أيُّهَا الرَّبّانِيّونَ، أنتُم خِيَرَةُ اللَّهِ، اختارَكُمُ اللَّهُ لِأَبي عَبدِ اللَّهِ عَلَيهِ السَّلامُ<[13]، وكما جاء في زيارة الناحية المقدّسة: >السَّلامُ عَلَيكُم يا خَيرَ أنصارٍ<.

كذلك الرواية عن محمّد بن عمارة: سألت الإمام الصادق×: كيف كان أصحاب الإمام الحسين× يستقبلون الموت؟ فأجاب قائلاً: >إنَّهُم كُشِفَ لَهُمُ الغِطاءُ حَتّى‏ رَأَوا مَنازِلَهُم مِنَ الجَنَّة<[14].

وجاء في رواية أخرى عن الإمام زين العابدين× أنّه قال عندما أذن الإمام الحسين× لأصحابه أن يتركوه وحيداً، فلم يوافقوا على ذلك فقال لهم الحسين×: >إنَّكُم تُقتَلونَ غَداً كَذلِكَ، لا يُفلِتُ مِنكُم رَجُلٌ<.

قالوا: الحَمدُ للَّهِ الَّذي شَرَّفَنا بِالقَتلِ مَعَكَ.

ثُمَّ دَعا، وقالَ لَهُم: >ارفَعوا رُؤوسَكُم وَانظُروا<. فَجَعَلوا يَنظُرونَ إلى‏ مَواضِعِهِم ومَنازِلِهِم مِنَ الجَنَّةِ، وهُوَ يَقولُ لَهُم: >هذا مَنزِلُكَ يا فُلانُ، وهذا قَصرُكَ يا فُلانُ، وهذِهِ دَرَجَتُكَ يا فُلانُ<.

فَكانَ الرَّجُلُ يَستَقبِلُ الرِّماحَ وَالسُّيوفَ بِصَدرِهِ ووَجهِهِ لِيَصِلَ إلى‏ مَنزِلِهِ مِنَ الجَنَّةِ[15].

فلعلّ هذا سرّ حالة الاطمئنان والسكينة وإشراق الوجه التي كان عليها الأنصار وهم يلاقون الموت، ونجد هذا المعنى جلياً واضحاً في كلمة للإمام السجاد× حيث يقول: >وكانَ الحُسَينُ× وبَعضُ مَن مَعَهُ مِن خَصائِصِهِ، تُشرِقُ ألوانُهُم، وتَهدَأُ جَوارِحُهُم، وتَسكُنُ نُفوسُهُم، فَقالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: انظُروا، لا يُبالي بِالمَوتِ<[16].

كما لُقّب الإمام الحسين× بسيّد الشهداء، فإنّ أصحابه أيضاً عُدّوا من سادة الشهداء، كما قال رسول اللَّه| في رواية في معرض إشارته إلى مستقبل الإمام الحسين× وقضيّة كربلاء: >تَنصُرُهُ عِصابَةٌ مِنَ المُسلِمينَ، أولئِكَ مِن سادَةِ شُهَداءِ أمَّتي يَومَ القِيامَة<[17].

وقال الإمام السجّاد× في حق عمه العباس×: >إنَّ لِلعَبّاسِ عِندَ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى‏ مَنزِلَةً يَغبِطُهُ بِها جَميعُ الشُّهداءِ يَومَ القِيامَةِ<[18].

كما أنّ كلماتهم التي دونها التاريخ بأحرف من نور تشهد على المقام السامي وبلوغهم قمة اليقين الذي وصلوا إليه؛ فهذا سعيد بن عبدالله الحنفي يخاطب الإمام الحسين× بتلك الكلمات: "وَاللَّهِ، لَو عَلِمتُ أنّي اقتَلُ، ثُمَّ أحيا، ثُمَّ أحرَقُ حَيّاً، ثُمَّ أذَرُّ، يُفعَلُ ذلِكَ بي سَبعينَ مَرَّةً ما فارَقتُكَ حَتّى‏ ألقى‏ حِمامي دونَكَ، فَكَيفَ لا أفعَلُ ذلِكَ! وإنَّما هِيَ قَتلَةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ هِيَ الكَرامَةُ الَّتي لا انقِضاءَ لَها أبَداً؟!"[19].

وكذلك موقف أخر لزهير بن القين، حيث يقول: "وَاللَّهِ، لَوَدِدتُ أنّي قُتِلتُ، ثُمَّ نُشِرتُ، ثُمَّ قُتِلتُ حَتّى‏ اُقتَلَ كَذا ألفَ قَتلَةٍ، وأنَّ اللَّهَ يَدفَعُ بِذلِكَ القَتلَ عَن نَفسِكَ وعَن أنفُسِ هؤُلاءِ الفِتيَةِ مِن أهلِ بَيتِكَ".

كذلك ما جاء في حال الأخوين الجابريين الهمدانيين سيف ومالك -أخوان من الأم-، أنّهما جاءا إلى الحسين× يوم العاشر وهما يبكيان، فقال لهما الحسين×: >أي ابني أخويّ ما يبكيكما؟ فو اللّه إنّي لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين<، فقالا: جعلنا اللّه فداك، لا و اللّه ما على أنفسنا نبكي، ولكن نبكي عليك نراك قد أحيط بك ولا نقدر على أنّ نمنعك بأكثر من أنفسنا، فقال الحسين×: >جزاكما اللّه يا ابني أخوي عن وجدكما من ذلك ومواساتكما إيّاي أحسن جزاء المتّقين<[20].

ولا شك في أنّ هذه الكلمات والمواقف التي صدرت عن أفرادٍ غير مجبورين على اختيار طريق الشهادة، حيث من الممكن أن يسلكوا سبيل العافية وأن يواصلوا حياتهم بابتعادهم عن الإمام، إلا أنّا وجدناهم أشوق الناس للقتل والشهادة. فإن دلّ ذلك على شيء فإنّما يدلّ على استحكام إيمانهم وأنّ حركتهم يضيئها نور اليقين، من هنا نسلط الضوء على مقتطفات من حياة مجموعة من الشهداء كنماذج تضيء لنا الطريق.

1. مسلم بن عقيل بن أبي طالب:

وهو ابن عم الحسين وسفيره إلى أهل الكوفة. وتمثل قصته معلماً من معالم واقعة عاشوراء حيث ضرب للأجيال أروع معاني البطولة والانقياد التام لتعاليم الإسلام فقد خرج إلى الكوفة لأخذ البيعة للحسين×، وبالفعل نجح في أخذ البيعة وتنظيم الصفوف في مواجهة الحكم الأموي، ولكن بسبب اضطراب المجتمع الكوفي آنذاك وسيطرة عبيدالله بن زياد والي الكوفة الجديد على الأمور حيث استمال رموز الكوفة ورؤساء العشائر فيها من قبيل محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وعمر بن الحجاج الزبيدي، وعمر بن سعد بن أبي وقّاص الزهري وغيرهم، وكذلك سياسة البطش والفتك التي انتهجها ضدّ كلّ من يثبت أنّه يناصر الحسين في ثورته كلّ ذلك أدى إلى فشل المجتمع الكوفي في الاستفادة من حركة مسلم بن عقيل مما خلق الظروف المؤاتية لسيطرة الأمويين على هذا المجتمع وما تبع ذلك من ويلات ومصائب على هذا المجتمع[21].

2. قيس بن مسهر الصيداوي:

كان قيس بن مسهر أحد أصحاب الإمام الحسين الأوفياء الذين عملوا في حمل الكتب والرسائل بين الحسين وأهل الكوفة فكان له الدور المشهود في نهضة أهل الكوفة حتى قبض عليه الحصين بن تميم وهو في طريقه إلى الكوفة لإيصال كتاب إلى مسلم بن عقيل فسلّمه إلى عبيدالله بن زياد، فأمره بالصعود إلى أعلى القصر وسبّ الحسين والتبري منه أمام الناس وكذلك حثّ الناس على التفرق عن مسلم بن عقيل فوافق على ذلك، وعندما صعد خاطب الناس وقال: هذا الحسين بن علي خير خلق الله وأنا رسوله إليكم فأجيبوه وأطيعوه وانصروه وأخذ بلعن عبيدالله بن زياد فأمر اللعين جلاوزته برميه من أعلى القصر فرمي فمات&[22] ويعتبر قيس بن مسهر من الشهداء الأول في النهضة الحسينية.

3. زهير بن القين البجلي:

وقد كان -كما يُعتقد- عثماني الهوى كما تذكر بعض المصادر[23] وهو أحد أبرز أصحاب الإمام الحسين× وقد كان يتولى قيادة ميمنة جيش الإمام يوم عاشوراء.

ينقل المؤرخون أنّ زهيراً وفي طريق عودته من الحج عرف بوجود قافلة الحسين في نفس الطريق فأخذ بالتحرز عن لقاء الإمام رغبة في الانزواء والتعاطي السلبي مع المشاكل التي يضج بها العالم الإسلامي آنذاك حتى جاءه رسول الحسين فذهب إليه وهو كاره لذلك، وما لبث حتى عاد من اللقاء ووجهه يتهلل فرحاً وقد وصفت زوجته هذا المشهد فقالت: لقد خرج للقاء الحسين وهو كاره وعاد وهو مشرق الوجه قائلاً اذهبي مع إخوانك، فإنّي قد وطّنت نفسي على الموت مع الحسين×. وقال لمرافقيه وأصحابه: من أحبّ منكم الشهادة فليأتي معي ومن لم يحب فلينصرف عنّا[24]. ولم تذكر المصادر ما الذي جرى في هذا اللقاء الذي دخله زهير بحقيقة معينة وخرج منه بحقيقة أخرى.

ينقل الطبري في تأريخه عن ابن مخنف: "لمّا عارض الحرّ بن يزيد الحسين× في الطريق وأراد أن ينزله حيث يريد فأبى الحسين عليه، ثمّ إنّه سايره، فلمّا بلغ ذا حسم خطب أصحابه خطبته التي يقول فيها: >أمّا بعد، فإنّه نزل بنا من الأمر ما قد ترون...< إلخ، فقام زهير وقال لأصحابه: أتتكلّمون أم أتكلّم؟ قالوا: بل تكلّم، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: قد سمعنا هداك اللّه يا ابن رسول اللّه مقالتك، واللّه لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنّا فيها مخلّدين، إلا أنّ فراقها في نصرك ومواساتك، لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها.

فدعا له الحسين وقال له خيراً"[25].

موقف آخر لزهير يوم العاشر يخاطب الحسين بقوله: "يا ابن رسول الله! لوددت أنّني قتلت ثم نشرت ثم قتلت ثم نشرت، يفعل بي ذلك سبعون مرّة على أن أتركك ما تركتك".

4. الحرّ بن يزيد الرياحي:

وهو قائد عسكري كوفي مهم جعله عبيدالله على ألف فارس مهمّتهم منع الحسين من دخول الكوفة، ويستفاد من بعض كلماته أنّه لم يكن يعتقد أنّ الأمور ستصل إلى الحرب بل سرعان ما سيكون هناك صلحاً بين الإمام الحسين وحكومة بني أميّة، فأراد أن يصيب بعض المصالح الدنيوية من بني أميّة بوقوفه المجامِل لهم، ولكن عندما علم أنّ الغرض هو اجتثاث البيت النبوي وقتل عترة رسول الله| وجد نفسه أمام حقيقتين لا ثالث لهما، إمّا الجنّة وإمّا النار، فكان يقول: "والله إنّي أخيّر نفسي بين الجنّة والنار، ووالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قطعت وحرقت"[26]، فقدّم المصالح الأخروية على المصالح الدنيوية والتحق بقافلة الحسين×.

5.  جون مولى أبي ذر الغفاري:

وكان عبداً أسوداً تشرّب الولاء للبيت الهاشمي من سيّده الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري      ۤ ، فخامر هذا الولاء والفداء لحمه ودمه؛ لذلك حين طلب منه الإمام الحسين الانصراف وعدم تعريض نفسه للقتل خاطب الحسين قائلاً: "إنّي في الرخاء ألحس قِصاعكم وفي الشدة أخذلكم، والله إن ريحي لمنتن وإن حسبي للئيم ولوني لأسود فتنفسْ عليّ بالجنّة، فيطيب ريحي ويشرف حسبي ويبيض وجهي، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود بدمائكم"[27] فما لبث هذا المولى الصادق حتى قتل بين يدي الحسين× فجاءه الحسين ووضع خده على خده ودعا له قائلاً: >اللهم بيض وجهه، وطيب ريحه واحشره مع الأبرار، وعرف بينه وبين محمد وآل محمد<[28].

6. سعيد بن عبدالله الحنفي:

وهو من الوجوه التي ناصرت الحسين× من بداية ثورته؛ حيث ينقل الطبري في تاريخه أنّ سعيد بن عبدالله كان من الذين دعموا حركة مسلم بن عقيل في الكوفة وتمثّل ذلك بكلمة ألقاها وحرّض فيها الناس على البيعة لمسلم بن عقيل والقيام والثورة ضدّ بني أميّة، وبعد تغيّر الظروف في الكوفة وانقلاب الوضع رأساً على عقب اختفى عن الأنظار ليظهر ثانية مع الحسين في كربلاء ليسجّل بكلماته المدوية مشهداً قلّ نظيره من الإقدام والشجاعة واليقين بالله§ فقد نقل المؤرخون أنّه قال للحسين× حين أمر أصحابه بالانصراف عنه: "والله لو علمت أنّي أُقتل ثم أحيا ثم أُحرق حياً ثم أُذر في الهواء يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك"، وهكذا كان حيث كان     ۤ أحد الذين وقفوا يصدّون السهام عن الحسين حين كان يصلّي فجعل جسمه درعاً للحسين[29].

7. نافع بن هلال الجملي:

هو نافع بن هلال بن نافع المدحجي الجملي وكان سيداً شريفاً في قومه ومن وجوه الشيعة في الكوفة ومن الذين تشرّبوا الولاء والإخلاص لأهل البيت^، وهو من الأبطال المميزين الذين جسدوا بمواقفهم البطولية أروع معاني التضحية والفداء والإخلاص لأهل بيت النبي|.

فقد شارك نافع مع أمير المؤمنين× في حروبه الثلاث كما كان من قادة جيش الإمام الحسن×، وقد التحق بالإمام الحسين× من بداية مسيرته حتى استشهد معه يوم العاشر.

ذكر المؤرخون أنّه من قرّاء القرآن والحديث ومن حمَلة علوم أمير المؤمنين×[30].

ورد في البحار: "لما ضيّق الحرّ على الحسين× خطب أصحابه بخطبته التي يقول فيها: أمّا بعد، فقد نزل من الأمر ما قد ترون وأنّ الدنيا قد تنكّرت وأدبرت... إلخ. قام إليه زهير فقال: قد سمعنا هداك اللّه مقالتك... إلخ. ثمّ قام نافع فقال: يا بن رسول اللّه! أنت تعلم أنّ جدّك رسول اللّه| لم يقدر أن يشرّب الناس محبّته، ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب، وقد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر، ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل، ويخلفونه بأمرّ من الحنظل حتّى قبضه اللّه إليه، وأنّ أباك عليّاً قد كان في مثل ذلك، فقوم قد أجمعوا على نصره، وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين، وقوم خالفوه حتّى أتاه أجله ومضى إلى رحمة اللّه‏ ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة، فمن نكث عهده وخلع نيّته فلن يضرّ إلا نفسه واللّه مغنٍ عنه، فسر بنا راشداً معافى، مشرّقاً إن شئت وإن شئت مغرّباً، فو اللّه ما أشفقنا من قدر اللّه، ولا كرهنا لقاء ربّنا، فإنّا على نيّاتنا وبصائرنا، نوالي من والاك ونعادي من عاداك"[31]‏.

وموقف أخر يذكره الطبري يبين عظمة هذه الشخصية الاستثنائية في جيش الإمام الحسين× قال الطبري: "منع الماء في الطف على الحسين×، فاشتدّ عليه وعلى أصحابه العطش، فدعا أخاه العباس، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً، وأصحبهم عشرين قربة، فجاءوا حتّى دنوا من الماء ليلاً واستقدم أمامهم باللواء نافع بن هلال فحسّ بهم عمرو بن الحجاج الزبيدي -وكان حارس الماء- فقال: من؟ قال: من بني عمّك. فقال: من أنت؟ قال: نافع بن هلال. فقال: ما جاء بك؟ قال: جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه، قال: اشرب هنيئاً. قال: لا واللّه لا أشرب منه قطرة والحسين عطشان ومن ترى من أصحابه. فطلعوا عليه، فقال: لا سبيل إلى سقي هؤلاء، إنّما وضعنا بهذا المكان لنمنع الماء. فلمّا دنا أصحابه منه قال: املئوا قربكم.

فنزلوا فملئوا قربهم، فثار عمرو بن الحجّاج وأصحابه، فحمل عليهم العبّاس بن علي× ونافع بن هلال الجملي ففرّقوهم وأخذوا أصحابهم، وانصرفوا إلى رحالهم، وقد قتلوا منهم رجالاً"[32].

الخاتمة: عاشوراء للعِبرَةِ والعَبرَةِ

إنّنا ونحن نستمع إلى قصص الأنصار يوم عاشوراء قد يخطر في أذهاننا أنّ هذه المواقف حصلت اتفاقاً أو جرّاء العاطفة الجياشة نحو الحسين أو بمقتضى خيارٍ شخصيٍّ أو حزبيٍّ أو فئويٍّ ولم يكن من المناسب لكرامة الرجل العربي التراجع عنه. ولكننا عندما نتمعّن قليلاً نكتشف غير ذلك وأنّ خيار الأنصار كان هو الانقياد التام لتعاليم الإسلام وطاعة مطلقة لله§ ولرسوله الكريم، فلم يكن غايتهم رضا الحسين× وأهل بيته، بل رضا الله وأداء التكليف وما الحسين× ورضاه إلا علامة على الطريق الموصل إلى رضا الله§ ويدلل على ذلك كلماتهم التي خلّدها التاريخ فهي كاشفة عن مراتب عالية من العرفان وشهود الحقائق الغيبية التي وصلوا إليها.

لقد كانت مبرّرات التخاذل والانصراف عن الحسين موجودة إلا أنّ وعي اللحظة كان سيّد الموقف، لقد وجد الأنصار ضالتهم في العروج إلى الله وتحصيل أعظم المكانة والزلفى لديه وكان ذلك من خلال الصبر وتحمّل المشاق الجسيمة.

إنّ الصبر مع الحسين حتى اللحظات الأخيرة هو أعظم مجاهدة للهوى والشيطان لذلك لم ينالوا الشهادة إلا وهم في أعلى مراتب الطهارة والسمو فاستحقوا كلّ هذه المزايا والألقاب الدالة على عظيم المنزلة، وهذا المستوى من الصبر والمجاهدة لم يكن بلا مقدّمات بل هو النتيجة.

وهذا واضح وجلي لمجموعة من الشهداء كالعباس بن علي وعلي بن الحسين الأكبر وحبيب بن مظاهر ونافع بن هلال الذين كتب التاريخ عنهم الشيء الكثير حتى قبل واقعة عاشوراء ولكن ما ظهر لغيرهم من الشهداء يثبت بأنّهم لم يكونوا أقلّ شأناً منهم.

كذلك العاقبة السيئة لعمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن ومحمد بن الأشعث وغيرهم من قتلة الإمام الحسين× لم تكن وليدة الصدفة أو لحظة من لحظات الطيش والجهالة بل هي نتيجة طبيعية وحصاد لما في النفس من بذور خبيثة {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا}[33].

ولا شك في أنّ أهمّ بذور الشر التي لا يأمن الإنسان منها هو حبّ الدنيا والشهوات واتباع الهوى، ولا شك في أنّ أهمّ بذور الخير في النفس هو الزهد والقناعة واتباع العقل والفطرة فإنّ من يتحلّى بالصفات الأولى لا يأمن العاقبة السيئة والفشل في أيّ لحظة ومن يتحلّى بالصفات الثانية يكون مؤهلاً لتجاوز أشدّ الامتحانات والبلاءات.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.  

ـــــــــــــــــــــــــــ 

[1] مستدرك الوسائل، ج10، ص318.

[2] جاء هذا الوصف في حق زهير بن القين البجلي، وينسب إلى البلاذري في أحد كتبه.

[3] وهب بن وهب أو وهب بن حباب الكلبي، وقد وقع خلط كثير في ترجمته وقد قال عنه الصدوق في أماليه بأنّه نصراني أسلم هو وأمّه على يد الحسين وتبعاه إلى كربلاء.

[4] تاريخ الطبري، ج5، ص449. مقاتل الطالبيين، ص90.

[5] روضة المحبين ونزهة المشتاقين، ص74.

[6] سورة الكهف: 6- 12.

[7] سورة الكهف: 22.

[8] سورة الأعراف:113- 114.

[9] سورة الأعراف: 123.

[10] سورة طه: 72.

[11] سورة الأعراف: 125- 126.

[12] أمالي الشيخ الصدوق، ص220.

[13] الإقبال، ج3، ص341.

[14] بحار الأنوار، ج44، ص497.

[15] نفس المصدر.

[16] معاني الأخبار، ص288.

[17] أمالي الشيخ الصدوق، ص177.

[18] الخصال، ص68، ح101.

[19] تاريخ الطبري، ج5، ص355.

[20] تاريخ الطبري، ج5، ص442.

[21] رأينا فيما بعد كيف أنّ عبيدالله بن زياد قد أمضى السيف في رقاب الكوفيين، وزجّ بالآلاف منهم في السجون، ثمّ جاء دور الحجاج بن يوسف الثقفي الذي تميّز عهده بالبطش والتنكيل بالكوفيين خاصة.

[22] تاريخ الطبري، ج5، ص405.

[23] ينسب هذا القول إلى البلاذري في أحد كتبه.

[24] الكامل في التاريخ، ج2، ص568.

[25] تاريخ الطبري، ج3، ص307.

[26] تاريخ الطبري، ج5، ص427.

[27] الملهوف على قتلى الطفوف، ص163.

[28] بحار الأنوار، ج45، ص23.

[29] الكامل في التاريخ، ج2، ص568.

[30] الحدائق الوردية، ج1، ص122.

[31] بحار الأنوار، المجلسي، ج44، ص383.

[32] تاريخ الطبري، ج3، ص312.

[33] سورة الأعراف: 58.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا