أقمتَ الصلاة

أقمتَ الصلاة

إقامة الصلاة هي واحدة من أربعة أمور قد جعلها الله تعالى غايةً لمن قدر على السلطة وإقامة الحكومة فقال: {ولَيَنْصُرَنَّ الله مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيز * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ}[1]، وهذه الأمور الأربعة يركَّز عليها في القرآن لما لها من آثار عظيمة في الدنيا والآخرة وتصدّرُ الآية الوعد منه تعالى بنصر من يقوم بها، فالقِصاص وإقامة الحدود وما شاكل ليست هي الغاية من إقامة الحكومة الإسلامية وإن تفرّعت عنها في بعض الموارد.

ومن لم يتمكّن من إقامة الحكومة الإسلامية لا ينبغي أن يمنعه مانع عن إقامة هذه الأمور التي تُمثّل شعائر الله في أرضه فيسعى في تثبيتها وتقويتها.

بل يجب أن لا يتوانى لحظة واحدة إلا وأن يكون له جهد وعمل في سبيل إرساء دعائم الإسلام، وإفشال مخططات الكفر والنفاق، وحفظ التوحيد في النفوس، وغيرها من الأمور التي يمكن اختزالها في (إقامة الصلاة)؛ لما لإقامة الصلاة من انعكاس بيّن لمعنى العبودية لله تعالى المستلزم لطاعته§ في شتّى المستويات وعلى مختلف الأصعدة التي منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيتاء الزكاة.

ومنه يعلم أنّ إقامة الصلاة في مصداقها الظاهري هو أداؤها والحفاظ عليها لا سيّما إذا كانت جماعةً في أوّل الوقت، وإقامة الصلاة في معناها الآخر هو ما تقدّم ذكره من ممارسة كلّ فعل من شأنه حفظ الدين وشعائره.

وبعد اتضاح هذا المعنى لإقامة الصلاة، لا بأس بالسؤال عن تلك الصلاة التي نشهد بإقامتها كلّما زرنا الإمام الحسين× في مختلف الزيارات الواردة وكذا عند زيارة بعض الأئمة^ حيث نقول: >أشهد أنّك قد أقمت الصلاة<، ما معنى هذه الشهادة وهذ الإقامة للصلاة... والجدير بالذكر أنّ هذه العبارة لم تطلق في زيارات المعصومين^ بل قد ذكرت في حق بعض أنصار الحسين×[2]؟

من الواضح أنّه لا يُقصد إرادة الشهادة الحاصلة في المرافعات أمام القاضي فليس هنا نزاع في البين. ولا يراد بها الشهادة على ما رؤي بالعين من عملية الصلاة المؤلفة من ركوع وسجود وغيرها من أفعال... فلم يرَ أحدنا صلاة المزور من الإمام الحسين وغيره من المعصومين^... بل المراد من الشهادة هي أن يشهد ويعاين أن من يوصف بإقامة الصلاة لا بد من أن يتحلّى بخصلة هي التطبيق لقوانين السماء بحذافيرها فكما أنّ الصلاة اليومية التي يصلّيها العبد لا بد من خلوها عن ما لا يرتضيه المولى§ فلا ينتهك حقاً لأحد في سبيل أدائها[3]، كما أنّها لا تصحّ في غير وقتها ومن دون التوجّه إلى جهتها وما إلى ذلك مما يترجم حالة التطبيق لأحكام الدين ومفاهيمه في كلّ شيء يتعلّق بالصلاة بل في كلّ معاملاته.

فعندما أقول زائراً: أشهد أنّك قد أقمت الصلاة، يعني ذلك أنّي أشهد وأعاين بعين بصيرتي ووعيي وأعيش في داخلي؛ أنّك أيّها المزور قد حققت أحكام السماء وطبّقتها بحذافيرها ولم تلن عنها مهما قست عليك الظروف، ولم تحد عنها أبداً حتى قضيت في سبيل ربّك صابراً محتسباً.

وهذا مستوى راقٍ من المعرفة التي يحسن بالزائر الاعتناء به؛ ليعكسه في فكره وسلوكه، فيرتقي في مدارج الكمال ويكون كمن يحدّث الله في عرشه فقد ورد عن الإمام الرضا×: >من زار الحسين عارفاً بحقه، كان من محدِّثي الله في عرشه<[4].

رئيس التحرير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

[1] سورة الحج: 40- 41.

[2] قالها الإمام الحسين× في حق سعيد بن عبد الله الحنفي الذي وقف أمام الحسين× حال الصلاة ليكون درعاً مدافعاً عن الحسين× فتلقّى السهام بجسمه الطاهر حتى سقط على الأرض، فقال الحسين له هذه العبارة.

[3] كما هو الحال في شرطية الإباحة للماء والمكان والملابس وغيرها.

[4] ابن قولويه القمي، كامل الزيارات، ج1، ص152، ح17 من الباب الثاني والخمسون.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا